التصورات اللاعلمية في الفكر

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة med yassin, بتاريخ ‏30 ماي 2008.

  1. med yassin

    med yassin كبير المراقبين طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    23.035
    الإعجابات المتلقاة:
    85.159
      30-05-2008 17:21
    التصورات اللاعلمية في الفكر


    لاتوجد حقائق ثابتة في العلم، فالحقيقة العلمية اليوم قد تكون باطلة غداً. لأن العلم هو سيل من المعارف المتتالية، يستند إلى معيار التطور والتقدم للوصول للحقيقة. لذا فأن العلم يرفض مبدأ الحقيقة المطلقة، ويجد أن الحقيقة نسبية يتعين النظر إليها بعين الشك دائماً وتسليط الضوء على كافة أوجهها.
    وتعد مفردات الجزم والإطلاق والثبات والحتمية والضرورة، مفردات مرفوضة الاستخدام في السياق العلمي. ويستخدم بدلها: الاحتمال والحقائق غير الثابتة، والشك من أجل فتح الأبواب على مصراعيها للمناقشة والتساؤل والشك والبحث للوصول إلى الحقيقة. يعود الفرق بين العلمي واللاعلمي إلى أن الأول فضاء بحثي مفتوح يسعى نحو الوصول للحقيقة، والثاني عالم مغلق يستند إلى تصورات نهائية تؤمن بالحقيقة المطلقة.
    ويرى ((باريتو))" ينبغي إخراج مقولات مثل الضرورة والحتمية والحقيقة المطلقة من نطاق العلم، فالعلم ينبغي أن يكون احتمالياً بدرجة أكثر أو أقل".
    إن أهم الأسس وما تنطلق منها الفلسفة هي الشك والبحث للوصول للحقيقة وترفض الأحكام القطعية والثوابت والتنبئوات الحصرية بمستقبل البشرية، وقد وصف ((سقراط))" المنجمون بالغيب بأنهم مشعوذون".
    وإن النظرية الداعية لرسم مسار التاريخ وتحديد المستقبل وفقاً لتصورات غير علمية اثبت بطلان دعواها خاصة ما يتعلق منها بالتشكيلات الاجتماعية التاريخية، لأنها لم تقدم ما يسندها علمياً للتحقق من صدقها. كما أنها لم تقدم تفسيرات مقنعة بشأن تلازم المسارات الاجتماعية لمجتمعات مختلفة النشأة والبيئة، وأجازت إلغاء خصوصية المجتمعات وظروف معيشتها من أجل حشرها عنوة في سياق مسلمات ثابتة تحتكم إلى مفهوم الضرورة والحتمية.
    هناك عوامل عديدة تؤثر في مسار التاريخ وتغير من سلوك المجتمعات منها: القيم الاجتماعية والدينية والبيئة والإرث الحضاري. فمفهوم الإقطاع في أوروبا لايطابق مفهوم الإقطاع في الشرق، ففي الأولى هناك وراثة أو شراء لمقاطعات زراعية مع سكانها، حيث يعملون بالسخرة ولقاء قوت يومهم. في حين في الثانية هناك شيخ العشيرة (الإقطاعي) وهو أحد أبناء العمومة في المجتمع، والفلاحين يعملون لدى الإقطاعي بأجر بخس ولا سبيل لبيع أو شراء السكان مع الأرض.
    في هذا الإطار من التعارض المبسط لمفهوم الإقطاع، يطرح تساؤلاً مشروعاً عن صحة تعميم ما يسمى بالضرورات التاريخية الخاصة بالتشكيلات الاجتماعية وتعاقبها ومن ثم حتمية مسارها المستقبلي. إن الأحداث الراهنة الجارية على صعيد العالم أثبتت بطلان تلك الادعاءات الحتمية لمسيرة المجتمعات البشرية، بل أن المسار الجديد فندًّ كافة أسس البناء الفكري للمنطلقات النظرية المستندة لمفاهيم الضرورة والحتمية.
    ويرى ((ماكس فييبر))" الماركسية غير ملائمة مع طبيعة العلم، ولا مع طبيعة الوجود الإنساني. ذلك لأن كل علم تاريخي أو سوسيولوجي ما هو إلا نظرة جزئية، ومن ثم فهو عاجز عن إعلامنا مقدماً بطبيعة مستقبل محدد الملامح لأن الإنسان في طبيعته الأساسية البسيطة يميل نحو الحرية وما يستطيع من خلالها أن يرفض هذه الحتمية الجزئية أو أن يتكيف معها بأي من الأساليب العديدة وما تتراءى له".
    إن الربط الجدلي وما سعت إليه الماركسية في تفسير تكون التشكيلات الاجتماعية ومستقبلها في العالم من خلال تقسيمات اجتماعية افتراضية مقحمة بحدود زمنية، لاتستند إلى أسس علمية. كما أنها عمدت لربطها بعضها ببعض بسلاسل حديدية متصلة تجر التاريخ نحو الحاضر وتسير به نحو المستقبل على سكة حديدية، لاتحيد عن طريقها دون أن تقدم أية قرائن علمية تؤكد صحة هذا الربط الجدلي للتقسيمات الاجتماعية ونطاقها الزمني.
    وإذا كان الأمر كذلك حقاً، فهل هناك ضرورة للصراع الاجتماعي أو لتطور العلوم طالما مسار الضرورة والحتمية هما اللذان يتحكمان في سلوكنا ومستقبلنا ويرسمان حدود تطورنا ومستقبلنا غير المنظور؟. إن مبدأ القياس على صدق هذه التصورات النظرية، يتوجب أن يستند إلى أساس علمي وليس إلى تصورات فردية شأنها شان العديد من التصورات النظرية الأخرى.
    ولكن يبقى الفارق الوحيد بينهما، وجود قوة ما عملت على تسويق تلك التصورات وجاهدت في سبيل طمس التصورات المضادة. وكانت الغلبة الفعلية للتصورات الأولى ولكن بالنتيجة، تسببت مجريات الأحداث العالمية المتسارعة في هزيمتها.
    ولايتفق ((ماكس فييبر)) مع تصورات حتمية الماضي والمستقبل وما تنبأت بها الماركسية قائلاً:" إن الماضي والمستقبل ليس حتمياً، لأن ما هو ماضي بالنسبة لي هو مستقبل بالنسبة للآخرين. فإذا كان المستقبل ليس حتمياً على هذا النحو، إذاً فليس هناك بالتالي تفسير حتمي للتاريخ ولكن هناك من الناحية النظرية تفسير سببي لماهية الماضي والمستقبل".
    إن تستند النظرية على افتراضات وتصورات غير علمية، فهي تصورات افتراضية لاترتقي لمستوى العلم، وبالتالي لايمكن الحكم على النظرية على أنها (نظرية علمية كما يحلو للبعض تسميتها). النظرية تعني الافتراض غير المسند إلى قرائن علمية، أي أنها تصورات قابلة للمناقشة والخطأ والصواب والتحقق والفشل.
    في حين العلم يستند إلى قرائن علمية نسبة الخطأ فيه ضئيلة، فهي تخضع للمنهج التجريبي لإثبات صحة الفرض. وبما أن العلم يعني التطور فليس هناك ثوابت أو ضرورات أو حتميات علمية، فالنتائج العلمية عرضة بشكل دائم لإعادة الدراسة والبحث.
    لذلك هناك تعارض بين ما هو علمي ونظري، ولايجوز الخلط بينهما. واعتماد معايير العواطف والاعتقاد لقبول تصورات نظرية (ضرورات وحتميات) وفرضها على الواقع باعتبارها قرائن علمية تحظى بالقبول والاستحسان!.
    إن النظرية الاجتماعية، تنحو باتجاه استغلال عواطف وأحاسيس العامة من الناس وإقناعهم بقشور الأفكار العظيمة وجزل الوعود غير الواقعية من اجل تحقيق الدوافع الحقيقة للقائمين عليها وعلى حساب العامة من الناس.
    هناك قدر من التشابه بين الأسس النظرية للمسلمات الفكرية الماركسية والدينية، وكلاهما يلجأ إلى استغلال عواطف العامة من الناس وكيل الوعود بعالم جديد في الأرض وبجنة في السماء. فلم تصمد الأولى أمام المتغيرات الجديدة في العالم، وهزيمتها كانت نكراء جعلت غالبية المعتقدين بها يعلنون البراءة منها كونها تصورات بشرية لم تصمد أمام أول عاصفة فكرية عالمية جاءت في التغيير. في حين الثانية مازالت تحشد الملايين من الناس وراءها، كونها تستند إلى مسلمات غير خاضعة للمنهج التجريبي في العالم الأرضي، ولم يتحقق منها أحد في العالم السماوي.
    كما أن القائمين عليها كانوا أكثر ذكاءً من غيرهم في إجراء تحديثات تتواءم وواقع التغيرات المحدثة في العالم، انطلاقاً من تفسيرات مختارة لأوجه النصوص والمسلمات العديدة وإسباغها بشرعية دينية تسحب التاريخ نحو الحاضر وفيما بعد يمكنها الاستناد إلى الحاضر لسحبه نحو المستقبل.
    إن السياق المفترض في التصورات النظرية البشرية وديمومتها، تفترض إجراء نوع من التحديث للمسلمات الفكرية من اجل مجاراة الأحداث والتطورات العالمية. ولكن على ما يبدو أن قياس صدق النظرية لايعود فقط إلى صدق أفكارها وتصوراتها، وأنما يتوجب أن يستند إلى صدق القائمين عليها.
    وهذا ما أدى إلى إخفاقها على المستوى التطبيقي (التجريبي) في العالم وتسبب في هزيمتها، بالإضافة إلى تخلف القائمين عليها كونهم أسرى المسلمات والحتميات والضرورات غير العلمية
     
  2. med yassin

    med yassin كبير المراقبين طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    23.035
    الإعجابات المتلقاة:
    85.159
      30-05-2008 17:22
    نقد العقل اللاهوتي - التطور الحضاري وإتجاهات الفكر الغيبي

    يمكن القول أن الكائن البشري لم يدخل دور الإنسانية إلاّ بعد إحساسه بانه كائن إجتماعي - أي ينتمي الي جماعة يحيي أفراحها ومسراتها ويتحمل ما تتحمله من أتراح وأوزار ويعاني ما تعانيه من مكاره وآلام - ، وكلما حصل خلل في هذه المعادلة .. أي إستبداد فرد أو فئة بالأمر ومصادرة حق الجماعة .. صار الإنسان يشق طريق الحرية من خلال رفضه وإنتفاضته وثورته .. وكان في كل مرة يدفع الثمن باهظاً من دمه ونفسه وجسمه وعائلته وماله ... الخ . وفي مرات قليلة كانت الحرية تنتصر ويتراجع الإستبداد ويتواري الطغيان .. حتي إذا ما حلّ عصر النهضة وما تلاه من عصر الأنوار الذي يظن أنه إبتدأ بإنتصار الثورة الفرنسية الكبري عام 1789 .. ، رفرفت راية الحرية علي شمالي الكرة الأرضية ، فيما إستمرت أكثر أقاليم الجزء الجنوبي فيها ترسف في أغلال الإستبداد . ولابد من الإقرار بأن الظاهرة الإجتماعية تمتاز بالتحول والتغير وأنها من نتاج الجماعة بيد أنها تفرض نفسها علي الفرد والمجتمع كأعراف وعادات وتقاليد .. تلزمه بها لابل وتقهره عليها ، غير أن حتمية ذلك ليست بالمطلقة ، إذ أن ثمة مرونة ذات بعد نسبي في ذلك الإلزام .. وإلاّ لما ظهر الثائرون والمفكرون المتحررون وطلاب الحرية والعدالة .. وفي الوقت نفسه لما كان مكان لشذاذ الآفاق من المارقين والمستبدين واللصوص والمنحرفين والمنافقين . وعلي هذا الأساس يوصف الإنسان - والجماعة الإنسانية - بالمتغيرات الإجتماعية .. التي تحصر ضمن إطار الفكر الحضاري .




    أما عن علاقة الإنسان بالدين .. فهي علاقة تأسست منذ وجد الإنسان الإجتماعي ، إذا لم نقل منذ خلق البشر .. والدين قد يكون إلهياً وهو ما يمتاز بالثبات والوحي ، وثباته قد يكون مؤقتاً وقد يكون دائمياً وحسب المعتقدات الإسلامية فإن الأديان قد نسخت خلا الإسلام فإنه باقِ الي يوم القيامة .. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) - القرآن المجيد - لكن ربما هنا تثير النظريات الحديثة إشكالية ما ولاسيما نظرية اللامحدد في العلاقة بين النصوص : ( فإذا عددنا أن التوراة والإنجيل والقرآن خطابات مختلفة بشكل أو بآخر ، فإنه من غير المحدد موضوعياً ما إذا كان القرآن قد أتي ليحل مكان الإنجيل والتوراة أم أتي ليدعم مكانتهما . وبذلك العلاقة هنا بين القرآن من جهة والإنجيل والتوراة من جهة أخري هي علاقة غير محددة فعلاً . فمن منطلق ما ، نجد أن القرآن يعد أن الإنجيل والتوراة محرفان ، ونجده يقول أن الدين عند الله هو الإسلام . ومن منطلق آخر ، نجد القرآن يعد أن أتباع الإنجيل والتوراة من المؤمنين( كما يقول حسن عجمي في كتابه )السوبر حداثة).

    الوحي والعقل
    المقصود بالوحي .. أن الدين الإلهي قد أوحي الله به .. من خلال روح القدس الي أحد أنبيائه وليس للنبي فيه سوي دور المبلغ والموجه ، فالدين هنا بعقائده الأساسية منزّل من الله وثابت - لأن عقائده صالحة لكل زمان وفي كل مكان - طبعاً في مجالات مخصوصة مثل العبادات . منذ ظهور الإسلام .. وتشكل النصوص - النص هو فعل وحي - والنبي يقوم بترجمة النص الموحي به الي فعل أرضي - في مجالات مخصوصة - بينما المجالات الأخري تخضع ( لفاعلية العقل البشري والخبرة الإنسانية ) .. والمتتبع الي أقوال النبي وأفعاله فإنه يري أن النبي كان يصدر عن أمرين .. الأول يحكمه الوحي .. فيما كان الثاني حراً متروكاً لأعمال العقل والإستفادة من الخبرة البشرية تتجسد فيه التعددية ويقبل بالرأي الآخر ويرضي من الناس مايرونه بديلاً أفضل .. وقد تعامل النبي مع الجانب العقلي بكل إرتياح وقبول بل راح يفعّله ويغذيه بأسباب الديمومة وحض الناس علي الأخذ به بقوله : (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) .

    الدين والفكر الديني
    أما الفكر الديني فهو غير الدين وليس ثمة تماه بينهما .. فالفروقات بينهما تصل أحياناً حتي التناقض .. فالدين هو نص إلهي ثابت ، والفكر الديني هو كل ماورد حول ذلك النص من تفسير أو تأويل أو معني أو قراءة وبالتالي هو صناعة بشرية عرضة للتغير والتحول بتقادم الأزمان وإختلاف البلدان والمجتمعات والمفكرين . وللتمثيل والتبسيط فإننا لو قلنا بأن الإسلام كلمة / نص .. فالدين لفظها - وهو ثابت - والفكر الديني معناها - وهو متغير - ، ولكن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع هو أن ينسحب ثبات الدين وقدسيته علي الفكر الديني وبالتالي يتم إنزال الفكر الديني منزلة الدين .. أي يقومون - بشكل آلي - بعملية توحيد بين النص وفهمه وقراءته - طبعاً قراءته في الوقت الحاضر - ، ويتم بقصدية إختلالية (إهدار البعد التاريخي للنص) ، إذ تجري المماهاة بين الفهم الإنساني الآني والنص الإلهي ، الأمر الذي يشير الي عدم القبول بالآخر - التعددية - بخلاف الصدر الأول للإسلام ، والإعلان عن إسلامٍ واحدٍ نصاً وفكراً (أن للإسلام معنيً واحداً ثابتاً لاتؤثر فيه حركة التاريخ ولايتأثر بإختلاف المجتمعات ..( وهذا يؤدي الي جمود وتكلس فكر المجتمع وعقم عمله .. وبالتالي ينتهي به الأمر الي التخلف عن الركب الحضاري فكراً وتطوراً خاصة وأن المحدد للمعني الواحد الثابت هم رجال الدين حصراً وهذا يعني إستبعاد كل العقول خلا العقل اللاهوتي .



    ان هذا المعني الثابت تمتلكه جماعة من البشر - هم علماء الدين قطعاً - وأن أعضاء هذه الجماعة مبرأون من الاهواء والتحيزات الانسانية الطبيعية .. أظن أن العلم الحديث لايمكنه ان يبريء اية جماعة من الاهواء الانسانية الطبيعية . إننا وإن سلمنا بقدرة النص علي مخاطبة العصور اللاحقة والمجتمعات المختلفة ، من خلال إعادة إنتاج دلالاتها .. بيد أن ذلك يجب أن لايقود الي إهدار تاريخية النصوص ، فقراءة النصوص التي تتم - في أي زمان ومكان - تقوم كما يقول نصر حامد أبو زيد علي آليتين متكاملتين هما :
    1 - الإخفاء - لما ليس جوهرياً - وهذا مايفرضه التاريخ والجغرافية.
    2 - الكشف عما هو جوهري بالتأويل - ليس ثمة عناصر جوهرية قارة في النصوص - وبالنتيجة يكون لكل قراءة - بالمعني التاريخي الإجتماعي - جوهرها الذي تكشف عنه في النص )أن النصوص دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة ، والمصدر الإلهي للنصوص الدينية لايخرجها عن هذه القوانين لأنها (تأنسنت) منذ تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها الي البشر في واقع تاريخي محدد .




    إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير ، فالنصوص ثابتة في (المنطوق) متحركة متغيرة في (المفهوم) ، وفي مقابل النصوص تقف القراءة محكومة أيضاً بجدلية الإخفاء والكشف( .. وبالتالي يتم إنتاج دلالة النص من خلال فهم لغته ، طبعاً هناك الكثير من المؤثرات الفكرية والثقافية والبيئية والعقلية التي تسهم في تشكيل ذلك الفهم .. وهذا يعني تعدد القراءات بحسب التاريخ والجغرافية وإختلاف أذواق المنتجين لدلالات النصوص .. هذا الفهم التعددي له ملهم مضيئ من التاريخ الأول للإسلام كما في أقوال الإمام علي : (القرآن حمّال أوجه( .. )القرآن خط مسطور بين دفتين لاينطق ، إنما يتكلم به الرجال) .. لكن الفكر يهدر هذا الجانب المضيء من التراث في فهم طبيعة النص .. (وهو الفهم الذي سمح بالتعددية ومنح الثقافة الإسلامية طابعها الحيوي الذي ظل مستمراً حتي تواري هذا الفهم مفسحاً المجال لفهم آخر يجمد دلالة النصوص في قوالب جامدة) .




    يظن البعض أننا كعرب ومسلمين من ها هنا أوتينا ، فإذا فكرنا الديني صار ديناً ، وإذا بتراثنا يتلفع بعباءة القداسة بعجره وبجره .. وإذا بتاريخنا عبارة عن سلسلة من الأبطال وخلفاؤنا مجموعة الحكماء .. وإذا بنا لم نرَ في ذلك الماضي غير العظمة والبطولة والإقتدار في الوقت الذي نعيش فيه الضعة والجبن والضعف .
    وهذا يعني أننا لم نحسن قراءة ماضينا وبالتالي لم نحر جواباً علي تحديات العصر الحديث ، إلا أن ننظر الي الوراء لذلك لم نجد جواباً ولن نجد مالم نعيد دراسة تراثنا في ضوء العقل والعلم ونرفع عنه غطاء القداسة المتهريء .. وأن نتحول من نظرية (معرفة الحق بالرجال) الي نظرية (معرفة الرجال بالحق) .. وأن ننظر الي واقعنا بعلمية والي تحديات العصر بجدية ونمتلك إرادة تتعامل مع العصر من خلال قوانينه وآلياته وأفكاره مع تأكيد علي خصوصيتنا من خلال تفعيلها تفعيلاً خلاقاً حتي يذوب التعارض مع العالمية الإنسانية من خلال تنشيط المشتركات الإنسانية المنتجة .

    الدين الكهنوتي
    قد بني الدين الكهنوتي علي مقولة (قيادة الضرورة الدينية للضرورة الإجتماعية) وهذه الضرورة الدينية تشكل (مجموعة مزيجها فلسفة مشوهة وإجتهادات كهنوتية في مجموعها تخدم أغراض الكهنة وأطماعهم الدنيوية ، ولما كان دينهم هو هذا المزيج الفكري الذي يخالف دين التوراة والإنجيل ثار عليهم قديس ألماني - مارتن لوثر) . ولعل من نافلة القول بأن الإسلام سبق لوثر في توجيه النقد. وكان من نتائج الحركة العقلية في أوربا أن قادت المجتمع الأوربي الي نبذ أفكار الكنيسة التي وجدوا فيها مثالاً سيئاً حين تصدت لقيادة المجتمع . وثمة مجال للقول بأن الدين الكنسي والفكر الديني الكنسي قد تداخلا تداخلاً عظيماً حتي ذاب الدين في الفكر الديني ، هذا بالإضافة الي أن الدين الكنسي (كنص إلهي) لايمكن التسليم له بذلك فعلماء الإجتماع الغربيون قد تشككوا في ذلك ورموا الكتاب المقدس بالصناعة البشرية .. لذلك أطاحت النهضة الأوربية بالكنيسة وبكل عناصر قوتها المعيقة للتطور دون أن تفرق بين الدين والفكر الديني . وساد الفكر الحضاري ليقود دفة الحياة في الغرب وينقله الي عالم الفكر الصناعي والحداثي الذي سير الإنسان بكل عناصر القدرة والقوة من علم ومعرفة وحرية وأداتية صارمة ، لكي يمتلك زمام إموره بنفسه ويصنع مستقبله الباهر ، فأذعن الفكر الكنسي للفكر الحضاري وإستجاب لمقولاته وعرف حدوده وصار جزءاً منه ولفظ ضروراته ومعيقاته وصار يعمل في ميدانه دونما تعارض مع الفكر الحضاري .




    وذات التهمة يمكن أن تنسب الي الديانة اليهودية فهي ديانة مغلقة وأتباعها قلّة حيث بات واضحاً كون التوراة من صناعة البشر في الأسر البابلي .. وضعت بعدما يقارب الثمانية قرون من عصر موسي النبي .




    أما الإسلام فهو الوحيد بين الأديان الذي مازال يحتفظ بالدين - النص - الإلهي المنزل من الله سبحانه وتعالي والمتمثل بالكتاب العزيز (القرآن) وقد ساق مريدوه الأدلة العقلية والسمعية ليثبتوا إستحالته علي الصناعة البشرية .. ولم يكن للإنسان فيه دور سوي التبليغ والإرشاد الي مضامينه .. والإسلام بهذا الإطار لايتعارض مع الفكر الحضاري طالما أن القرآن (حمال أوجه) كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب (ع) .. والوجه / المعني يمكن تكييفه حسب المكان والزمان .. وبذلك ينتهي التعارض بين النص / الثابت والمعني / المتغير وبين الفكر الحضاري المتطور والمتجدد . بينما يتعارض الفكر الديني السلفي في التاريخ الإسلامي مع الفكر الحضاري .. بما بني عليه من نظريات ومقولات دوغائية حسبت علي الدين - والدين منها براء - بمعني أن حملة راية هذا الفكر جادون في أحكام المماهاة بين الدين والفكر الديني .. والأمر لاينتهي الي هذا الحد بل وصل الأمر الي أن تضع الحركات التكفيرية السيوف في رقاب العباد لتغرق بالدم كل البلاد وتلغي الآخر من الحياة .

    الحاكمية والجبرية
    أن تكون للكون علة أولي .. فهذا ما تدعو له سائر الأديان .. وفي الإسلام فأن الله سبحانه هو المبدأ والعلة الأولي .. وهي عقيدة راسخة لدي المسلمين قاطبة . لكن الفكر السلفي ينظر للأمور بمنظور إحالي أي انه يعمد الي إحالة الظواهر الطبيعية والإجتماعية بالمباشر الي العلة الأولي ، وبذلك يتم إحلال الله في الواقع وذلك يقود الي نفي الإنسان وتعطيل القوانين ومصادرة المعرفة التي لاتمت الي الفكر الديني بصلة . (هذا التصور إمتداد للموقف (الاشعري) القديم ، الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة والعالم لحساب (جبرية) شاملة تمثل غطاءً آيديولوجياً للجبرية الإجتماعية والسياسية في الواقع) .



    والنتيجة إضمحلال فاعلية الإنسان وتلاشي حاكميته التي بُني عليها الفكر الحداثي الذي يقود دفة الحضارة الإنسانية الحالية ، ويسوغ الفكر الديني ذلك بان الحاكمية البشرية تتقاطع مع الحاكمية الإلهية .. لكن عجبنا لاينقضي عندما نعرف ان الحاكمية الإلهية المراد إقامتها في المجتمع ، من الذي يقوم ببنائها ؟ أهو الإنسان ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب إذاً صار الأمر حاكمية بشرية .. أم أن الله يقيم حاكميته بدون البشر ؟ وهذا مخالف للقانون الإلهي : (إن الله لايغيّر ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ) - الكتاب العزيز - وهذا الجانب هو مايجب أن نوجه له النقد الواعي ونفند مقولاته القهرية التي صارت معيقة للتقدم والتطور والإنسجام مع الفكر الحضاري . فما زال الفكر الديني السلفي عندنا يؤمن بنظرية الجبر التي تشل إرادة الإنسان والتي كان من نتائجها أن يواجه العرب العدوان الإسرائيلي بالتوكل وحسب من دون عزم .. الأمر الذي يناقض قوله تعالي (فإذا عزمت فتوكل علي الله) وقوله تعالي (وأعدّوا لهم ماإستطعتم من قوة) .



    أن مقولة (الجبر) تعد صناعة أمويّة صميمة لتنسجم مع مبدأ الحاكمية الذي قال به الأمويون في واقعة صفين ووظفوه آيديولوجياً وسياسياً . وفي واحدة من أكبر عمليات التاريخ لتزييف الوعي العربي والتي مارسها الأمويون بحكم إفتقادهم الي الشرعية التي يتطلبها كل نظام سياسي وذلك حين (إستجاب معاوية لنصيحة إبن العاص وأمر رجاله برفع المصاحف علي أسنة السيوف داعين الي الإحتكام الي كتاب الله) في عملية تضليل رهيبة لما تزل تحيي بين ظهرانينا وهي لاغيرها المسؤولة عن هزيمة العقل العربي . لأنها صارت سنة لكل أنظمة الحـكم التالية في العالم الإسلامي .

    تصفية العقل ومحاصرة الفلسفة
    كما يقول الفكر السلفي بنظرية سد باب الإجتهاد التي تقمع الإبداع وتنفي العقل وتدعو الي الإتباع والتقليد .. وهكذا ينتهي هذا الفكر الي التعارض مع أهم قواعد الإسلام القائمة علي العقل .. لأن الإسلام أصلاً هو دعوة لتأسيس العقل في ميدان الفكر كنقيض للجهل .. فضلاً علي أن النقل لايثبت إلا بالعقل كما عليه علماء المسلمين .. وهكذا تمكن الفكر السلفي من الحيلة الآيديولوجية التي بنيت عليها محاولات إلغاء العقل لحساب النص التي كان ابطالها الأمويون في حادثة التحكيم الشهيرة في التاريخ .. أن يؤسس للتقليد ويتم القضاء علي العقل لاحقاً من خلال تصفية فكر المعتزلة ثم محاصرة العقل الفلسفي في نقاط مسيطر عليها ومحدودة التأثير ، برغم أن العقل / الإجتهاد (هو الوجه الآخر للنص ، الوجه الذي بدونه يتوقف عن أن يكون نصاً لغوياً دالاً ويتحول الي آيقونة للزينة والتبرك) . فضلاً علي ذلك يعلن الفكر عدم إيمانه بالحسن والقبح العقليين حتي أركسنا بالخرافات واللامعقول فحدث ولاحرج وقد بينا من قبل عدم قبوله بمبدأ العلية وقانونه - من أسباب ومسببات - الذي تقوم عليه كل العلوم وبهدمه لايمكن أن تقوم لأي علم قائمة .




    يقول الفكر الديني بسلطة النص ويرفض سلطة العقل .. في حين أن النص منذ أنسنته عندما أوحي به الي النبي (ص) فكانت قراءة النبي له إيذاناً بتحوله من وحي (نص إلهي) بالتنزيل الي فهم (نص إنساني) بالتأويل وهذا يعني أن الأصل سلطة العقل ، التي يتأسس عليها الوحي ذاته - العقل لابما هو آلية ذهنية صورية جدلية ، بل بما هو فعالية إجتماعية تاريخية متحركة . هذه السلطة قابلة للخطأ ، لكنها بالدرجة نفسها قادرة علي تصويب أخطائها ، والأهم من ذلك أنها وسيلتنا الوحيدة للفهم ، فهم العالم والواقع وأنفسنا والنصوص ، ولأنها سلطة إجتماعية تاريخية فإنها ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة . إنها تتعامل مع العالم والواقع (الإجتماعي والطبيعي) والنصوص بوصفها مشروعات مفتوحة متجددة قابلة دائماً للإكتشاف والفحص والتأويل . ومن خلال هذا التجدد والحركة يتجدد العقل ذاته وتتطور آلياته وتنضج في جدل لانهائي مثمر خلاق .



    وبما أن الفكر الأصولي لايحتكم الي سلطة العقل لأن أسلحته لاتشتغل ضمن ميادين العقل الأمر الذي يجعله موارباً لباب الحوار في هذه الميادين .. فيلجأ الي التضليل الآيديولوجي وتزييف وعي العامة الدهماء لتعثر محاولاته في تاسيس ثقافة حضارية مبنية علي العقل والتعددية .. نقول يلجأ الي مبدأ التكفير .. الذي يلقي صدي طيباً في المجتمعات المتخلفة التي تتفشـي فيها الأمية التعليمية بله الأمية الثقافية . والأمّر من ذلك إستسلام رجال الثقافة والفكر خوفاً ومجاراة للفكر التكفيري (وهو موقف خطير في مغزاه وفي النتائج التي يؤدي إليها).
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...