قراءة القرآن بين التغني به وتحسين الصوت

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة riadh7, بتاريخ ‏1 جوان 2008.

  1. riadh7

    riadh7 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏12 أفريل 2008
    المشاركات:
    170
    الإعجابات المتلقاة:
    243
      01-06-2008 23:43
    د. زهير سليمان
    الحديث في القرآن هو الحديث عن الكون والحياة ,لكن الحديث عن القرآن هو وظيفة إسلامية وإنسانية يقتضي معها الإعتنداء بهذا الكتاب الخالد النقي المحفوظ , والسير في كنهه وجوهره , والحرص على آدابه المتعددة , في قراءته , أو التعامل معه , أو التعريف به , أو دراسته , لاسيما حينما نعلم أنه الكتاب السماوي الخاتم للوحي , والمتضمن لب اللباب لما ينطوي عليه من أسرار وجواهر مكنونة رواء للصادي , وبلاغته التي اعجزت البلغاء عن الوصول اليها , وقصرت أقلام الأدباء عن بيان علو مقامه , وكيف وهو كتاب الله تعالى الذي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) بل إضافة الى تحديه للعرب وخبراء بلاغتهم انه امتاز على كل المعجزات بأنه باق حجة في كل زمان و مكان .
    و لا غزو من الإعتناء الواقي والحرص الكبير على كتاب وصفه الأمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام , حينما سأله رجل , بقوله " ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس الا غضاضة ؟
    فقال عليه السلام : لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان , ولا لناس دون ناس , فهو في كل زمان جديد , وعند كل قوم غض الى يوم القيامة " وكما تصفه الزهراء البتول سيدة نساء العالمين ( ع ) " كتاب بينه بصائره وآي منكشفة سرائره , وبرهان متجلية ظواهره , مديم للبرية استماعه , وقائد الى الرضوان اتباعه , ومؤد الى النجاة أشياعه .....".
    فكان الإعتناء بالقرآن من أول نزوله على نبي العرب والعجم ( ص ) حين أمر " عليه وآله السلام " أن يكتب , ويحفظ , ثم اعتناء أمير المؤمنين علي بالقرآن وانشغاله بجمعه وعمل حاشية له بالتبيان لبعض موارده .ولذا يقول عليه السلام , في إحدى وصاياه " إعلموا أن القرآن نور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقه ".ولذا فقد أعتنى المسلمون بجمعه حتى كان هذا الذي بين الدفتين من دون زيادة ولا نقصان , كما يعتقده أتباع مذهب أهل البيت ( ع ) ( الشيعة ) وقسم كبير من المسلمين الآخرين .
    واعتني في تفسيره ونال هذا الجانب الدرجة الأولى بعد جمعه , حيث باشر في تفسيره الصحابة الأوائل كإبن عباس الذي " نمى هذا الإستعداد في نفسه ملازمته للإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بعد انتقال الرسول الى الرفيق الأعلى و" علي " كما نعلم باب هذا المنهل الفياض من علوم النبوة وواضع حجر الأساس في الحضارة الروحية الأسلامية " ثم من تلاه من المفسرين , على أختلاف طبقاتهم , وتباين آرائهم ومذاهبهم , سواء آثر جانب المنقول , واكتفى بما جاء في الحديث والتفسير بالأثر وكما فعل ابن جرير الطبري , والجلال السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثورة " أو من انتهج مذهب الجدل والفلسفة كتفسير الفخر الرازي , أو من اعتنى بعلوم العربية وبلاغتها , أو من ذهب بالمناهج الفكرية او الفقهية , أو من جعل من تفسيره دائرة معارف عامة شاملة ..الخ .
    وكذلك اعتني بقراءة القرآن الكريم , وحفظه , وتجويده , وإظهاره بالمظهر اللائق , لأن القراءة الوسيلة الناجحة في فهم القرآن الكريم , حيث نص القرآن المجيد نفسه على ذلك , حيث يقول سبحانه _ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ).
    وقوله جلت قدرته ( إن الذين يتلون كتاب الله واقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور و ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ).
    القرآن افضل العبادة
    جاء عن نبي الرحمة كما في مجمع البيان أنه ( ص ) , قال : " أفضل العبادة قراءة القرآن " .
    كما جاء عن الأمام أبي جعفر الباقر عليه السلام في صفات اتباع مذهب اهل البيت ( ع ) : " إنما شيعة علي ( ع ) الناحلون , الشاحبون , الذابلون , ذابلة شفاههم من الصيام ...."
    الى أن يقول " كثيرة صلاتهم , كثيرة تلاوتهم للقرآن , يفرح الناس ويحزنون ".
    بل كان المسلمون يتبارون بقراءة القرآن ويستشهدون فيه ويتحاجون عنده , ولا يقرأونه بالطريقة التي درج عليها المسلمون الان , فضلاً عمن لا يعرف قراءته , وكانوا يتشوقون اليه ويجلونه كثيراً ويستفتحون به , ويرافقونه دائماً , وينامون عليه ويصبحون فيه , شوقاً لمقامه وما يأملون به , حيث قال أبو عبد الله ( ع ) " يدعى ابن آدم المؤمن أمامه للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول : يا رب أنا القرآن وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي , ويطيل ليله بترتيلي , وتفيض عيناه أذا تهجد فأرضه كما أرضاني.
    قال : فيقول العزيز الجبار : عبدي أبسط يمينك فاملأها من رضوان الله , ويملأ شماله من رحمة الله , ثم يقال : هذه الجنة مباحة لك فاقرأ واصعد , فإذا قرأ آية صعد درجة ".
    وهناك الكثير من الروايات الصحيحة السند والمعتبرة تشيد بقارىء القرآن , حتى لايكون القرآن مهجوراً مضيعاً ...كما فيه جوامع النعم , والخير , الحكمة , وهو البادىء بالحمد , والثناء , والشكر لله الواحد الصمد .
    القراءة بالصوت الحسن :
    ومن الأمور المهمة التي أكدت عليها الشريعة المباركة هو استحباب قراءة القرآن الكريم بالصوت الحسن , لإظهار عظمته واستذاقة فنه وكما كان يفعل الرسول ( ص ) والأئمة الأطهار من آله ( ص ) فقد ورد عن رسول الأنسانية محمد ( ص ) قوله " اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها , وإياكم ولحون اهل الفسق وأهل الكبائر ,
    فإنه سيجيء م بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية , لايجوز تراقيهم , قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم ".
    كما جاء على لسان الرسول ( ص ) عن الأمام أبي عبد الله ( ع ) قال : قال النبي ( ص ) " لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن ".
    وعن الأمام الصادق ( ع ) قال " كان علي بن الحسين ( ص ) أحسن الناس صوتاً بالقرآن وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يسمعون قراءته , كما كان أبو جعفر ( ع ) احسن الناس صوتاً.
    ولم يقرأ المسلمون كتابهم قراءة المالين بل كما قال الرسول ( ص ) " حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا".
    حرمة التغني بالقرآن :
    لكن الحرمة العظمى لكتاب الله والمكانة المقدسة للقرآن المجيد توجب رفع القرآن عن المقاصد السيئة غير اللائقة به , والتي لاتتناسب وكلام الله المجيد , سواء ما يتعلق بالآداب العامة او القراءة الغنائية , فقد ورد عن الخلف الصالح وما تعارفت عليه السنة المطهرة من حرمة الغناء , حتى وصفوه بقول الزور الذي ورد في القرآن الشريف .
    وحيث أن ما يترتب عليه الغناء لا يجوز في خط القرآن الكريم , ولا في شكل قراءته ولا يناسب مقام كلام الله قط , لما يمتاز به هذا الكلام من العلو والرفعة , ثم الهدف المنشود فيه والنازل لأجله .
    التعريف بالصوت الحسن وكذا الغناء :-
    وقبل الولوج في الحديث عن الصوت الحسن وكذلك الغناء يمكن أن نعرف الأثنين , كما هو المتعارف عليه .
    فتحسين الصوت يكون بتحسين اللفظ , والمكث عنده , وتقطيع التلاوة .نعم التحسين هو ما يضاف على التجويد , من إصدار الصوت بما ينبغي من التفاعل مع الذكر الحكيم , لجلب نظر السامع وتوجيهه الى المعاني , بحيث يظهرالتأثير عليه علناً او ذاتاً في نفسه , فيحس بالجذب للقراءة , ويضاف الى ذلك ان يقرأ القرآن بالحزن كما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال " إن القرآن نزل بالحزن فاقرأوه بالحزن ".
    وقد جاء في الكافي أيضاً عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ( ع ) قال : إن الله عز وجل أوحى الى موسى بن عمران ( ع ) " إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير , وإذا قرأت التوراة فأسمعنيها بصوت حزين ".
    ( ولذلك فان قراءة القرآن بصوت حسن مندوب في الشريعة , وأن تأثير السماع للصوت الحسن الخالي من الترجيع , وم شكل الغناء كما سيأتي , يختلف أختلافاً جوهرياً وليس فقط أختلافاً ثانوياً يتعلق بالترنيم والتنميق . كما أن الأيقاع الموسيقي يختلف في تحسين الصوت عن الغناء .حيث إن في تحسين الصوت لايأخذ نفس الوتيرة والقافية والأسترجاع , كما هو المعروف في الغناء ).
    أما الغناء فأن الأيقاع الموسيقي يسيطر على الحالة , وبذبذبات متناسقة ومسترجعة , تخلو من الخشوع والتأدب , بل تذهب الى أكثر من ذلك , لتسلب الأتزان والاستقرار . فضلا عن الاهداف والأبتغاءات .
    أما الغناء فقد ورد تعريفه في المعجم الوسيط : "هو التطريب والترنم بالكلام الموزون وغيره , يكون مصحوباً بالموسيقى ".
    والمغني : محترف الغناء .
    وفي مجمع البحرين غناء : ك( كساء ) وهو الصوت المشتمل على الترجيع المطرب , أو ما يسمى بالعرف غناء وإن لم يطرب سواء كان في شعر أو قرآن أوغيرها .
    وقال الشافعي : الغناء تحسين الصوت وترقيقه .
    وفي السرائر : أنه الصوت المطرب .
    وفي الشرائع وجامع المقاصد , أنه : الصوت المشتمل على الترجيع المطرب , وقيل أنه الصوت اللهوي .
    كما قيل أيضاً وهو التعريف الذي جاء به الشيخ محمد رضا آل الشيخ في تفسير الغناء بأنه صوت الأنسان الذي من شأنه إيجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس .
    والطرب : هو الخفة التي تعتري الأنسان فتكاد أن تذهب بالعقل وتفعل فعل المسكر المتعارف .
    ولذا لا يعتبر الحداء أو النشيد من الغناء .
    وبالتالي فان القراءة الجيدة وحسن الصوت لا يرقى الى هذا الحد من التغني بالقرآن الذي لايليق به ذلك , ومن جوز التغني فأمره الى الله تعالى .
    وقراءة القرآن بالتغني حرام لدى كافة المذاهب الأسلامية , وبين الفقهاء والعلماء ذلك في كتبهم وبحوثهم , ومما جاء في " عيون الأخبار " عن الأمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي ( ع )قال :
    سمعت رسول الله ( ص ) يقول :
    أخاف عليكم استخفافاً بالدين , وبيع الحكم , وقطيعة الرحم , وأن تتخذوا القرآن مزامير , تقدمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين ".
    وجاء في الوسائل ايضاً , عن سليمان بن مسلم الخشاب , عن عبد الله بن جريح المكي , عن عطاء بن أبي رباح , عن عبد الله بن عباس , عن رسول الله ( ص ) في حديث له :
    إن من أشراط الساعة إضاعة الصلوات , وإتباع الشهوات , والميل الى الأهواء ...الى أن قال ...فعندما يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله , ويتخذونه مزامير , ويكون أقوام يتفقهون لغير الله , وتكثر اولاد الزنا , ويتغنون بالقرآن ,... الى أن قال : يستحسنون الكوبة والمعازف , وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... الى أن قال : فأولئك يدعون في ملكوت السموات الأرجاس والأنجاس ".
    وفي الوسائل في باب تحريم الغناء حتى في القرآن جاء في الحديث عن النبي ( ص ) قوله : إذا علمت أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء , إذا كان الفيء دولاً , والأمانة مغنماً , والصدقة مغرماً ,وأطاع الرجل امرأته ,وعصى أمه , وبر صديقه , وجفا أباه , وارتفعت الأصوات في المساجد , وأكرم الرجل مخافة شره , وكان زعيم القوم أرذلهم , ولبسوا الحرير , واتخذوا القينات والمعازف , وشربوا الخمور , وكثر الزنا فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء , وخسفاً أو مسخاً , وظهور العدو عليكم ثم لا تنصرون ".
    وهناك العديد من الروايات والأحاديث التي تمنع ذلك وما تظافر آراء العلماء والفقهاء إلا إتحاد بالاتفاق .
    اتفاق المسلمين على حرمة التغني بالقرآن :-
    وما أجمع عليه علماء مذهب أهل البيت ( ع ) فقد اتفق عليه علماء أهل السنة أيضاَ , فقد ورد على لسان الكثير من العلماء والمشايخ في هذا الصدد . سيما في التعليق على قراءات ما اشتهر من المقرئين المصريين وغيرهم من القراء اللبنانيين والعراقيين الذين يمتازون بأسلوبهم وطورهم الخاص , وكذلك قراء بعض البلدان الأسلامية الأخرى كما في الجمهورية الأسلامية في ايران والحجاز وسوريا وغيرها .
    وهؤلاء القراء لكل اسلوبه وخصائصه المميزه , سواء في اتقانه للقراءات العشر المشهورة أو اقتصاره على قراءة واحدة كما هو المتعارف على رواية حفص بن سليمان الأسدي الكوفي عن عاصم بن أبي النجود الكوفي .
    فمن القراء من أكد على الصوت من اجل التأثير على السامع , وتساهل في التفاعل مع القراءة نفسها والألفاظ المجيدة للقرآن ,حتى أساء الأسلوب .وانشغل بنوع الأداء , واللحن , والموسيقى الصوتية , وكاد أن يتناسى ما هو فيه , ولذا فقد علماء الأزهر بحرمة التغني بالقرآن , سواء من المشايخ القدامى أو الحاليين كالشيخ عبد الحليم محود مثلاً .وكذلك من المقرئين أنفسهم كما سمعت عن المقرىء الشيخ محمود خليل الحصري , ولذا فقد يؤاخذ البعض المقرىء المشهور عبد الباسط عبد الصمد بانه يسرف بصوته , كما يذكر ذلك عنه احد زملائه القراء فيقول : إن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد لا يختلف بالقراءة والتلاوة عن اي قارىء للقرآن الكريم , إنما أذا ارادنا ان نذكر ما يتميز به عن غيره فيمكننا الاشارة الى طول نفسه في التلاوة والقراءة أكثر من غيره , بحيث يستطيع أن يقرأ من الآيات بنفس واحد , ما لايستطيع غيره أن يقرأه , أما من حيث الأداء والتجويد فلا يتميز عن غيره من القراء في الاذاعة المصرية .
    وفي صدد حديثه عما يؤخذ على الشيخ عبد الباسط في التنغيم والتطريب في تلاوته وجعل المستمع يهتم بالصوت بدل الاهتمام بمضمون الايات القرآنية يقول : التطريب والتنغيم لا يخص الشيخ عبد الباسط في قراءته فذلك موجود في قراءة وتلاوة كل قراء الأذاعة المصرية ولا يختلف الشيخ عبد الباسط في قراءته عن غيره من زملائه . وكل ما هناك ان الشيخ عبد الصمد يمتاز بطبقة عالية في الصوت فاذا ارتفع بصوته أصبح صوته نحيفاَ رفيعاً دقيقاً بحيث لا يوجد مثل له عند غيره من القراء , أما الذي يصغي الى الصوت ولا يفكر في المعنى فهذا شأنه .
    قراءة القرآن وسيلة تربوية :
    ولهذا فلا نريد للقرآن الكريم أن يكون وسيلة لهو والعياذ بالله , بعد المفهوم الكبير للقرآن من انه مدرسة الأجيال ودار تربية حتى في قراءته التي لابد أن يتلقنها الطفل والصبي وينشأ على أنغامها وأفكارها , ومعانيها , وحلاوتها , حتى لا تفسده العاديات , ولا تؤثر عليه الناشئات من أعمال الفسقة والشياطين , وهذا ما داب عليه آباؤنا وأجدادنا من قبل حيث ان الطفل كان يفتح عينيه على المشايخ في محلته والكتاتيب فيتعلم القرآن ,ويدرس معانيه , ويحفظه كلاً أو جزءاً , حتى تكتمل فيه معالم الجمال القرآني , فتعجن في دمه , وتخالط لحمه وعظمه ,وتؤثر فيه خطوط الطور التجويدي للقرآن , فتبقى معه دائماً , بل أن الابتداء بالقرآن وتعليمه الناشئة واجب قبل دراسته للفقه وأصول الاسلام وعقائده , وحينما نرجع الى الوراء نرى الكتاتيب التي انتشرت في بلاد الاسلام , كما في النجف الأشرف , وكربلاء , والحلة , والكاظمية , والسليمانية , والبصرة وكذلك في قم , ومشهد وغيرها من مدن فارس , وفي لبنان , وشمال افريقيا , وبالخصوص السودان , ومصر حيث يعتنى في مصر بحفظ القرآن الكريم وتعليمه وكل ما يتعلق بتجويده وتلاوته لا سيما في القاهرة عند مقام سيدنا الامام الحسين ( ع ) حيث يذكر أن حول المقام الطاهر لسبط المصطفى ما يقارب الخمسة عشر ألفاً من حفاظ القرآن الكريم , وهو رقم ليس بالقليل , كذلك حول مقام السيدة زينب , والسيدة نفيسة , ومقام سيدي أبو العباس المرسي بالأسكندرية .
    خير القراءة :
    ان خير يجب ان يتمتع به القارىء للقرآن هو حسن الاداء , والتجويد المتقن , والالتزام بأحكامه وشروطه , والتفاعل مع القراءة كعبادة أسلامية , وكوسيلة تبليغية مباشرة , حتى تصل الآيات الشريفة بكل اجلال وخشوع لقلب السامع ,وكذا القارىء نفسه .
    والقرآن هو الثقل الأول الذي أوصانا به نبينا الأكرم ( ص ) فلاينبغي الافراط في اسلوب الاداء بما يزيد عن الحد المطلوب لا يصال المعنى الواضح و وما ينجر أوينساب الى أن ينهدم الخشوع والطاعة في قلب المستمع أو القارىء بخيال طربي , وانشغال تهواه النفس الأمارة بالسوء .
    ولنسأل انفسنا : كيف كان الصحابة والتابعون يقرأون القرآن ؟ لماذا اشتهر الأمام السجاد أبو محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( ع ) بحسن أدائه للقرآن , وجودة صوته وحسنه , وأن تحسين القراءة بحسن الصوت الخاشع , مع الالتزام بالقواعد المطلوبة والمفروضة من الادغام , والأخفاء , والمد , والوقفات , وشروط الوصل , والقطع , وتسكين الحرف , ومده , حسب موقعه في الآية , هو الهدف المطلوب والملزم لقارىء القرآن الكريم .
    إن الاتقان التام للأحكام والقواعد والممارسة تكسب الانسان خبرة تغنيه عن التقليد , لاسيما التقليد الأعمى الذي يحصل لدى البعض من أجل اظهار أصواتهم بشكل يسمح لهم أن يقال عنهم قراء أو قادرون على القراءة وإن كان الحساب على الله وليس لأحد على أحد أن يحكم إلا على ظاهره وكما يقال " فلنا الظاهر وعلى الله السرائر ".
    ويذكر أحد أساتذة القراءات وهو الاستاذ محمد أسكندر يلدا , أن على القارىء .أن يرقى الى ما يجب عليه من الابتعاد عن الرياء , وحب الجاه , والسمعة ,ويذكر حديثاً عن النبي ( ص ) قوله " أكثر منافقي امتي قراؤها , وأحد الثلاثة الذين أول ما يحاسبهم ربهم يوم القيامة هو قارىء يقرأ رياء , ليقول عنه الناس أنه قارىء فيدخل الناس والعياذ بالله , وإنما الأعمال بالنيات , وإن لكل امرىء ما نوى .
    إن علماء الدين وحماة الشريعة مدعوون اليوم , أكثر من أي وقت مضىء لرفع صوتهم , وبيان آراء الاسلام في المسائل الهامة التي يعيشها الناس , هادين ومبلغين الأمم , مشخصين حاجتهم لما يجب ان يبلغوهم بها وينبهوهم عليها .
    كما أن فتح المعاهد , والمراكز العلمية الخاصة بالقرآن مهمة وضرورة , ينبغي الاسراع فيها , وإيجاد المتخصصين بالقرآن الكريم , بكل ما يتعلق به من قراءة ,وتفسير , وتبليغ , وبحث وغيرها ,وأن الأمة لا تكتمل حياتها ما لم يكتمل عملها بوصية نبيها الكريم بالثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته , وأن التخلف عن هذا المسار , وعدم التصدي له – كما ينبغي – سيفسح المجال أمام المتلاعبين , والمنافقين , والمتسترين بالدين للقيام بأفعالهم ومخططاتهم الخبيثة.
    إن الاعتناء بالقرآن , وقراءته , وتهذيبها , وتنقيتها من الشوائب والمصائب وظيفة شرعية تستدعي النهوض بها , وليس الأمر يقتصر على شروح القرآن علومه الاخرى .
    كما أن على الامة أن تعتني بثقافتها القرآنية التي تعتبر الثقافة الأصلية في الشريعة ,والتي يمكن تميزها عن غيرها.
    المصدر : رسالة القرآن .
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...