ليس كل جديد بدعة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة Md Ali, بتاريخ ‏4 جوان 2008.

  1. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      04-06-2008 21:47
    بسم الله الرحمن الرحيم - ليس كل جديد بدعة -
    بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: وهو في الحقيقة، ردا على الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي. ولقد رأينا في هذا النص بفضل الله ومنه إفادة لكل مريد أو سالك يبحث عن معنا ظاهرا كان أو باطنا للفض بدعة من الناحيتين اللغوية والشرعية، وحتى نمكن إخواننا الطلاب من الإلمام بالمسألة من جميع جوانبها، رأينا من الأصلح أن نلحق بهذا النص نصا آخر في صورة بيان لمصطلح شرعي وارد فيه بطبعه، أفادنا الله وإياكم بأسرار كتابه ووفقنا إلى خير سبيل-آمين-. فنقول وبالله التوفيق، الحمد لله بارئ النسم، مبيد الأمم، باعث الرمم، المنزه عن الفناء والعدم. وأصلى على سيدنا محمد: سيد العرب والعجم، المبعوث بأشرف الأخلاق والشيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،وشرف وكرم. وبعد. يقول الدكتور: البدعة، بمعناها الاصطلاحي الشرعي، ضلالة يجب الابتعاد عنها، وينبغي التحذير من الوقوع فيها ما في ذلك ريب ولا خلاف. وأصل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وقوله، فيما رواه مسلم:(أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة..). ولكن ما هو المعنى المراد من كلمة (بدعة) هذه؟ هل المراد بها معناها اللغوي الذي تعارف عليه الناس، فيكون المقصود بها إذا: كل جديد طارئ على حياة المسلم، مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، ولم يكن معروفا لديهم؟..إن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال إلى حال وتنقلهم من طور إلى طور آخر..ولا مطمع في إمكان التغلب على قانونها هذا، وربطه بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة، على مر الأزمنة والعصور. وحتى الفترة القصيرة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، لم تجمد الحياة خلالها على نسق مطرد ثابت، بل استقبل النبي وأصحابه منها أطوارا اثر أطوارا..ولكن-لحسن حظ ذلك الرعيل الأول-كان المصطفى صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، فكان يرحب بسنة الحياة هذه، دون أي مقاومة لها أو ثورة عليها. فكم من عرف جديد أيده، وكم من كشف طارئ على حياة الصحابة والعرب رحب به، ودعا إليه، بعد أن تأمل فرآه لا يخالف من أصول الدين وأحكامه شيئا بل ربما يسر سبيل إحيائه، والأخذ به على خير وجه حتى استظهر علماء الشريعة من ذلك، القاعدة القائلة: الأصل من الأشياء الإباحة. واستنبط من ذلك علماء الحنفية وآخرون..أن العرف-بقيود معينة-مصدر لا يستهان به من مصادر الشريعة وأحكامها. لا يعقل -إذا- أن يكون المقصود بالبدعة هذا المعنى اللغوي العام. بل ما رأينا واحدا من علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسير البدعة وتعريفها هذا المذهب العجيب. وإنما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص. فما هو؟.
    - البدعة والدين -
    أمامي تعريفات كثيرة للبدعة، كلها يدور في فلك معنى اصطلاحي واحد، وان تخالفت من حيث الصياغة والأسلوب، ولكني أختار منها تعريفين عرفها بهما الإمام الشاطبي في كتابه: الاعتصام وذلك لسببين: أحدهما- أن الشاطبي يعد في مقدمة من خدم هذا البحث، وتناوله بالشرح والتحليل من جوانبه. ثانيهما: أنه يعد من أكثر العلماء المتقدمين محاربة للبدعة، وتشديدا في الابتعاد عنها. – التعريف الأول، أنها: (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل). والتعريف الثاني، أنها: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية). وإنما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين، نظرا لرأي من حصر البدعة في العبادات، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات، على أنه مال فيما بعد إلى أن البدعة إنما تختص بالعبادات، سواء منها القلبية، وهي العقائد، أو السلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأخرى. ولا يعنينا الآن أن نقف عند هذا الترديد بأي نظر أو تمحيص. إنما الذي يعنينا أن نلاحظ قولهم في التعريف: (طريقة في الدين مخترعة..). إذا فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها، يجب أن يمارس صاحبه على أنه داخل في بنية الدين، وأنه جزء لا يتجزأ منه، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك.. وتلك هي روح البدعة، وسر تحذير الشارع منها. وذلك هو الملاحظ في تسميتها: (بدعة). والمستند الذي يشكل الدليل القطعي على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه..) إذ المقصود ب-(أمرنا هذا): الدين كما هو واضح. وقوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الطحاوي: (ستة لعنهم الله، وكل نبي مجاب: الزائد في دين الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت، يذل من أعز الله ويعز به من أذل الله، والتارك لسنتي والمستحل لحرم الله،والمستحل من عترتي ما حرم الله). ويتضح من ذلك أن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها، أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه. ولما كان المشرع هو الله عز وجل، لم يبقى مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه. أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى، التي قد تصدر من الإنسان، دون أن يتصور أنها جزء من جوهر الدين، أو واحد من أحكامه، وإنما يندفع إليها ابتغاء تحقيق هدف أو مصلحة له، دينية كانت أو دنيوية، فهي أبعد ما تكون عن احتمال تسميتها بدعة، وان كانت مستحدثة في حياة المسلمين، غير معروفة لهم من قبل. بل مآلها أن تصنف أما تحت ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنة حسنة. أو تحت ما سماه: سنة سيئة. وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال، فيما رواه مسلم وغيره: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجرهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء
    - ما هو المعيار-
    ويحتاج بيان هذا الأمر إلى تفصيل طويل، ولكننا نقتصر منه على الموجز التالي: - إن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان- ممال لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها- تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع، فهي تسمى مخالفات- محرمة أو مكروهة- لشرع الله عز وجل. لا فرق بين أن تكون هذه المخالفات مستحدثة أو تكون قديمة معروفة، كالمباذل الأخلاقية، والأندية التي تشيع فيها المنكرات. وأمرها واضح لا يحتاج إلى بحث. – وان كانت مرسلة، أي غير معارضة ولا موافقة لشيء من أحكام الشرع وآدابه التفصيلية. فهي تصبغ، من حيث أحكامها، بلون الآثار والنتائج التي تحققها. أي: فما كان منها مؤديا إلى تحقيق واحدة من سلم المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها-: الدين والحياة، والعقل، والنسل، والمال، فهو من قبيل السنة الحسنة. ثم انه يتفاوت ما بين الندب والوجوب، حسب شدة الحاجة إليه لتحقيق تلك المصلحة، إذ قد يكون من ضرورياتها الذاتية، وقد يكون من حاجياتها الأساسية وقد يكون من تحسيناتها المفيدة.. وما كان منها متسببا في هدم واحدة من تلك المصالح أو الإضرار بها، فهو من نوع السنة السيئة. ثم إن درجة سوئه تتفاوت حسب مدى الضرر الذي قد يلحقه بتلك المصلحة، فقد يكون مكروها، وقد يصبح محرما. أما ما كان منه بعيدا عن أي تأثر ضار أو مفيد لسلم تلك المصالح، فهو من قبيل المباح، أو من قبيل العفو، كما يعبر بعضهم. وإذا استوعبنا هذه الحقيقة أدركنا أنه ليس ثمة ما يسمى بالبدعة الحسنة. كما توهم ذلك بعض الباحثين. بل البدعة لا تكون إلا ضلالة قبيحة، وذلك لضرورة أنها تعني: التزيد على الدين، والإضافة إليه، وهو لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال. إنما يدخل هذا الذي توهموه- بدعة حسنة – فيما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة الحسنة. وهو ما اصطلح الأصوليون على تسميته فيما بعد [بالمصالح المرسلة](1). ومن أمثلة هذه السنة الحسنة تلك الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة، كبدء العام الهجري، ومولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعند ذكرى الإسراء والمعراج، وذكرى فتح مكة، وغزوة بدر..ونحوها، مما يتوخى منه تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين، سواء على مستوى الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات. ومن المفروغ منه أن ذلك كله مشروط بألا تستتبع هذه الأعمال آثارا ضارة تؤدي بجدوى ما حققته من المصالح، أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها.
    - المولد ليس بدعة -
    هذا ما نعتقد أنه المنهج العلمي الذي لا بديل عنه، عند الخوض في ذكرى البدع، ومحاربتها، وجذب الناس عنها. ولا ريب أن إتباع المنهج العلمي يوصلنا إلى هذا القرار: إن احتفالات المسلمين بذكرى مولده عليه الصلاة والسلام، والمناسبات المشابهة، لا تسمى بدعة قبل كل شيء. لأن أحدا من القائمين على أمرها لا يعتقد أنها جزء من جوهر الدين، وأنها داخلة في قوامه وصلبه بحيث إذا أهملت ارتكب المهملون على ذلك وزرا. وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني. ثم أنها لا تدخل تحت ما يسمى بالسنة السيئة أيضا إن روعي في إقامتها أن تخلو من الموبقات، وان تهذب عن كل ما قد يعود على الخير المرجو منها بالنقص أو الإفساد. وإذا رأينا من يخلطها بما يسيء إلى نتائجها، فان التنبيه يجب أن يتجه إلى هذا الخلط لا إلى جوهر العمل بحد ذاته. وإلا فكم من عبادة صحيحة مشروعة يؤديها أناس على غير وجهها، فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوة منها. أفيكون ذلك مبررا للتحذير من أدائها والقيام بها؟. نعم، إن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبوي الشريف، أمر استحدث بعد عصر النبوة، بل ما ظهر إلا في أوائل القرن السادس الهجري. ولكن أفيكون ذلك وحده كافيا لتسميته بدعة، وإلحاقه بما قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام: (كل من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). إذن فليجردوا حياتهم من كل ما استحدث بعد عهده عليه الصلاة والسلام- إن كانوا يستطيعون –فان كل ذلك من البدع.؟ أقول بعد هذا كله: فلنفرض أننا مخطئون في فهم (البدعة) على هذا النحو، وأن الصواب ما يقوله الآخرون من أن كل ما استحدثه الناس- حتى مما لا يدخلونه في جوهر الدين وأحكامه، بدعة محرمة – فان المسألة تغدو عندئذ من المسائل المختلف في شأنها، والخاضعة للاجتهاد. ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن القائم بهذا الشأن ينبغي-كلما وقف في موقف عام- أن ينهى عن المنكرات المجمع على أنها كذلك، ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية التي لا يكلف المجتهدون فيها بأكثر من الوقوف عند ما قضت به اجتهاداتهم وفهومهم. إذ الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يمكن أن ينتهي إلا إلى إثارة أسباب الشقاق، وتصديع وحدة المسلمين، وبث عوامل البغضاء فيما بينهم. وان في حياتنا ومن حولنا من المنكرات الشنيعة، والمفاسد الخطيرة، التي لا خلاف في مدى جسامتها وسوء آثارها، ما يكفي لأن نمضي العمر كله في معالجتها، والسعي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف للقضاء عليها. فلماذا نتشاغل عن هذا الذي اجتمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت عليه ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية، ومحاربة ما يقابلها ويكافئها من الاجتهادات الأخرى؟ انتهى النص بفضل الله ومنه ويليه إن شاء الله السميع العليم نص بياني في مفهوم المصالح المرسلة.
    يتبع
     
  2. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      04-06-2008 21:51
    *-(1)-* المصالح المرسلة ونظرة علماء الإسلام إليها* بقلم: الشيخ العربي الماجري الأستاذ بكلية الشريعة *
    إن سائر التكاليف الشرعية بنيت على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهذه المصالح متفاوتة قوة وضعفا، فأعلاها الضرورية التي تتوقف عليها مصالح الدنيا والأخرى وهي الراجعة إلى حفظ الدين فالنفس فالعقل فالنسل فالمال، ويليها المصالح الحاجية التي يحتاج إليها من حيث التوسعة ودفع الضيق المؤدي غالبا عند فوات المرغوب إلى الحرج والمشقة، وذلك كالرخص للسفر والمرض، ويليها التحسينية وهي الراجعة إلى الأخذ بمحاسن العادات والبعد عما لا يليق وذلك كالإحسان، وسترة العورة، وآداب الأكل، وسائر مكارم الأخلاق. ثم إن المصلحة باعتبار نظر الشارع إليها تنوعت إلى ثلاثة أنواع، نوع اعتبره الشارع فرتب الأحكام عليه كالمحافظة على النفس، ونوع ألغاه فلم يعتبره، وذلك كزراعة العنب التي ينشأ عنها ظهور الخمر وانتشاره فألغاه الشرع وأباح زراعته، ونوع جهل حاله من جهة اعتبار الشارع له وعدم اعتباره وذلك كالضرب للمتهم المعروف بالسرقة قصد الوصول إلى الإقرار بالحق، على قول ضعيف في المذهب المالكي. فهذه المصالح الضرورية، والحاجية، المعتبرة منهما- والملغاة على الخلاف فيها، هي الأصول الهامة التي يبني عليها المجتهد رأيه في استنباط الأحكام عند فقدان النص أو تبدل العرف. وأما التحسينية فلا اعتبار بها في الاستنباط. إن هذا القسم من مسالك العلة يعنون عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح. وبالمرسل والمصلحة مصدر ميمي أريد منه الحدث دون الزمان والمكان ومعناه الصلاح والحسن الموجود في الفعل، والمرسل مثله مأخوذ من أرسل الشيء إذا أطلقه ثم جعل هذا المركب لقبا لمصلحة لم يثبت اعتبار الشارع لها ولا إلغائها عنده. ذهب مالك رضي الله عنه إلى اعتبار هذه المصلحة وابتناء الأحكام عليها كنظائرها عند تحققها، وفي الحق إن اعتبار هذا المسلك في التشريع وابتناء الأحكام عليه من محاسن الشريعة الإسلامية، يستمد منه أولوا العقول الراجحة والآراء الصائبة أحكام المستحدثات التي لم تعرف النفاد في هذا العصر وصارت المستحسنات فيه حاجيات حسب مقتضيات الحضارة. فهو أيسر طريق يصل به أولوا الرأي إلى استنباط الأحكام بعد النظر فيما احتوت عليه تلك المستحدثات من المصالح والمفاسد ومعرفة درجتها المؤدية إلى الاعتبار أو الإلغاء، وحيث كانت المصالح مختلفة في القوة والضعف كما قدمنا، لزم أن تضبط بشرائط بها يعرف ما يعتبر منها وما لا يعتبر، وهذا ما رأيت من بسطه غير أستاذي الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في حواشية على تنقيح الشهاب القرافي
    أولا- أن تكون ضرورية أو حاجية.
    ثانيها- أن لا يعارضها دليل شرعي أو مقصد من مقاصد الشريعة.
    ثالثها- أن تكون عامة
    فالشرط الأول- للاحتراز عن التحسينية الراجعة إلى مكارم الأخلاق
    والشرط الثاني- للاحتراز عما إذا عارضها نص الكتاب أ و السنة أو الإجماع فانه لا تأثير لها لتفوق هذه الثلاث في الرجحان.
    والشرط الثالث- لتحقق كونها أصلا تبنى عليه الأحكام وذلك لا يتيسر عند خصوصها
    إن لاعتبار هذه المصلحة في ابتناء الأحكام عليها دلائل كثيرة، يدعوني مقام الاحتجاج لسوق جميع ما عثرت عليه: أولا- قول الله تعالى –{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}-. ومن جلب اليسر ودفع العسر ابتناء الأحكام على مراعاة المصالح. ثانيا- ما رواه أحمد رضي الله عنه عن علي كرم الله وجهه قال: (قلت يا رسول الله، إذا بعثتني في شيء أكون كالسكة المحماة أم يرى الشاهد ما لا يرى الغائب) قال صلى الله عليه وسلم: (بل يرى الشاهد ما لا يرى الغائب). فهذا يفيد أن السلوك الذي يسلكه علي مع المرسل إليهم يبنى على رعاية المصالح. ثالثا- أخرج الترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين) فالحديث يفيد: (أنه لو لا خوف الفتنة وتفرق المسلمين لهدم الكعبة ليجعل لها بابين، واحدا للدخول وآخر للخروج). رابعا- روى مالك في الموطأ. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار) فهذا الحديث لفظه خبر والمراد منه النهي عن أن يضر المسلم أخاه في شيء ما من حقه..ولا يجازى من ضره بإدخال الضرر عليه فهذا لوحظ فيه المحبة وجمع الكلمة. خامسا- ما رواه مالك في الموطأ من قضية الضحاك مع محمد بن مسلمة التي قضى فيها عمر بن الخطاب استنادا على المصلحة المرسلة ملخصها على ما في الموطأ أن الضحاك ساق خليجا لسقي أرضه، وكان بين الخليج وأرضه أرض محمد بن مسلمة فطلب منه إمرار الخليج على أرضه فامتنع فقال له الضحاك لم تمنعني ولك منه منفعة تشرب منه أولا وآخرا ولا يضرك فامتنع فعرض الأمر على عمر بن الخطاب فدعاه وأمره أن يخلي سبيله فأبى فقال له عمر: (لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولا وآخرا وهو لا يضرك) فقال محمد: (لا والله) فقال عمر: (والله ليمرن ولو على بطنك وأمره أن يمر به). فهذا نص صريح في ابتناء الأحكام على المصالح. ويمين عمر مبنية على مراعاة المقاصد في الأيمان إذ إمرار الماء على بطنه ليس مرادا. إليك نصوصا أخرى عملية- كتابة المصحف خوفا من النسيان- ونقطه وشكله خوفا من التصحيف. وصية أبي بكر بالخلافة لعمر لصلاحيته لها- وجعلها شورى بين ستة من عمر لرضى النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، وضرب عمر السكة لتيسير التعامل على الناس واتخاذه سجنا بمكة لمن يستحق الحبس به وجعله الدواوين لضبط الأعمال وتيسيرها. فهذه كلها مستحدثات لم يسبق لها نظير انبنت على جلب المصالح ودفع المفاسد ولا يخفى أن هذه الدلائل كل واحد منها بانفراده يفيد الظن ولكن إذا نظر إلى مجموعها واتحادها في الغرض أفادت اليقين والقطع، فكانت النتيجة أن مراعاة المصالح في ارتباط الأحكام بها أمر يقيني. ولقد عدل مالك عنها عند فقد الأمان واليك خلاصة ما في الموطأ أن مالكا عرضت عليه قضية كالتي عرضت على عمر بن الخطاب وأفتى فيها بعدم تمكين صاحب الماء من إمراره على أرض جاره فكانت هذه الفتوى مخالفة لما حكم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه والسر في هذا العدول تغير أهل زمانه عما عليه الناس في عهد عمر من الأمانة والصدق إلى الخيانة والكذب واليك نص قول مالك في الموطأ- كان يقال: ( تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور وقد أخذ بها من يوثق به، فلو كان معتدلا في زماننا هذا كاعتداله في زمن عمر رأيت أن يقضى له بإجراء مائه في أرضك لأنك تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك ولكن فسد الناس واستحقوا التهم فأخاف أن يطول الزمان وينسى ما كان عليه جري الماء. وقد يدعي جارك عليك به دعوى في أرضك). فإمام دار الهجرة رضي الله عنه يعرض علينا في هذه القضية حيثيات الحكم الذي خالف فيه ما حكم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى نعلم وجه القضاء فيها، فابتدأ بتوجيه مخالفة حكمه لحكم عمر رضي الله عنه بالاعتماد على الأثر المقتضىتغيير الأحكام بتبدل الأحوال، ثم أرانا اطلاعه على حكم عمر، وسبب المخالفة، وأنهم استحقوا الاتهام لأجله، ولأجل هذه التهمة لو وافق عمر في حكمه وطال الزمن ونسي الناس مجرى الماء الأصلي فيدعي الجار عليه فيستبد به دونه، فهذا النوع من المرونة القضائية في الإسلام وتصرف أيمته فيه بحصافة فكرية وتبصر في العواقب ما رأينا له مثيلا في عصور الحضارة المتأخرة. انتهى النص بعون الله وتوفيقه ورأينا بإذن الله أن نختم بهذه الفائدة نفعنا الله وإياكم بلطائف أسرارها –آمين- فنقول: ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل، ويقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع، وان منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينهى ويأمر بما لا يأتي. (على بن أبي طالب كرم الله وجهه
     
  3. GECOM

    GECOM عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏5 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    38
    الإعجابات المتلقاة:
    70
      05-06-2008 21:00
    { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }ياخويا محمد علي يعني محبة النبي في الاحتفال بالمولد النبوي المحبة الصحيحة هي اتباعه والا لا ....
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...