البحث الشاق عن "طريق ثالث"

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏11 جوان 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      11-06-2008 08:46
    البحث الشاق عن "طريق ثالث" بين دولة الرعاية ووصفات المؤسسات الدولية

    بدأت ترتفع أصوات داخل بعض المجتمعات العربية تطالب بإعادة النظر ببرامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات اللبرلة والخصخصة التي تطحن في طريقها الطبقات الفقيرة وتذيب الطبقات الوسطى.

    ويأتي هذا التطور أيضا رداً على موجة الغلاء العالمي وانعكاساتها القاسية على الشريحة الواسعة من المواطنين في العديد من الدول العربية.

    وإذا كان 'الصوت اليساري' يمثل الاحتجاج التقليدي على هذه السياسات الاقتصادية، فإنّ الفترة الأخيرة بدأت تشهد نمو أصوات مستقلة أو قريبة من المؤسسات الحكومية لا تدعو إلى العودة إلى القطاع العام والتخلي عن اللبرلة الاقتصادية أو الرجوع عن سياسة التخاصية (التخصيص او الخصخصة أوالخوصصة) والسوق الحر، لكنها – في الوقت نفسه - تطالب بتبني خيارات ليبرالية ذات طابع اجتماعي، لا تترك للسوق الخاص الحرية الكاملة في التحكم بأقوات المواطنين وأرزاقهم، أو الحرية المطلقة في إعادة صوغ العلاقات الاجتماعية والسياسية في بعض الدول.

    في الأردن تحديداً؛ ثمة مؤشرات ودلالات على تشكل رؤية جديدة داخل النخبة السياسية الرسمية، والمقربة من دوائر صنع القرار، تدفع باتجاه تبني خيار أقرب إلى 'الليبرالية الاجتماعية'، التي وإن كانت تلتزم بالمسار الليبرالي الاقتصادي العام إلاّ أنّها تقوم على تخفيف الآثار السلبية على الطبقة الاجتماعية العريضة (الوسطى والدنيا).
    معضلة برنامج الإصلاح الاقتصادي

    في تعليقه على الخلل في برنامج الإصلاح الاقتصادي الأردني، يرى الكاتب والمعلق الاقتصادي في صحيفة "الغد" اليومية حسن الشوبكي، في تصريح لسويس أنفو: "إنّ المعضلة الرئيسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي تتمثل بالالتزام الحرفي بمعايير المؤسسات الدولية وأرقامها دون النظر إلى الوقائع الاجتماعية والاقتصادية على الأرض'.

    الملاحظة السابقة يمكن التقاطها، وفقاً للشوبكي، من الفجوة القائمة بين ناتج المحلي الإجمالي المتوقع لهذه السنة والذي يبلغ 12 بليون دينار أردني وبين معدل الدخل الفردي الذي لم يرتفع إلا بنسبة محدودة، فيما تصل نسبة التضخم المتوقعة، وفقاً لمصادر رسمية، إلى 12%. وهو ما دعا اللجنة المالية في مجلس النواب الأردني إلى المطالبة مؤخراً بربط الأجور والدخول بمعدلات التضخم، كي يتمكن الناس من التكيف مع التضخم والغلاء المتتالي بالأسعا


    بويا وشعبيا، بأنّ الطريق الليبرالية الحالية قد فشلت »

    فهد الخيطان، محلل وكاتب سياسي أردني
    إشارات ومقدمات لبروز 'الطريق الثالث'

    خيار 'الطريق الثالث' يعكس تطوراً في مسار المناظرة الاقتصادية - السياسية الأردنية. ففي السابق كان السجال السياسي قائما بين خيار 'الدولة الريعية' والدور الاقتصادي والاجتماعي الكبير للدولة، كما كانت عليه حال الاقتصاد الأردني إلى آواخر الثمانينات، وهو خيار تتبناه النخب اليسارية والتقليدية في البلاد، وبين خيار 'اللبرلة' ما يتضمنه من خصخصة وتشجيع للاستثمار وتطبيق لوصفات المؤسسات الدولية، وبيع ممتلكات ومؤسسات الدولة، وانسحاب الدولة من سوق العمل والتوظيف بصورة كبيرة، وهو المسار الحالي الذي يدفع به حثيثاً الفريق الاقتصادي، ويمثل رئيس الديوان الملكي، د. باسم عوض الله، مهندس هذا الاتجاه.

    خيار 'الطريق الثالث' هو الخيار الجديد، الذي بدأ يسود داخل أوساط رسمية وشبه رسمية، لها تحفظاتها على المسار الاقتصادي الحالي، وإن كانت ترفض العودة إلى 'دولة الرعاية'، فإنّها وفي ضوء المعادلة السياسية والتاريخية الأردنية، ترى أنّ 'اللبرلة المتوحشة' دون مراعاة التداعيات الاجتماعية ستؤدي إلى أزمة سياسية خانقة في بنية العلاقة بين الدولة والمواطن.

    وإذا كان رئيس الوزراء السابق د. معروف البخيت قد أطلق علناً، في محاضرة سابقة له في المعهد الدبلوماسي الأردني، الدعوة إلى 'الطريق الثالث'، فإنّ مراقبين وسياسيين يؤكدون أنّ هذا هو أيضاً توجه رئيس الوزراء الأردني الحالي، نادر الذهبي، الذي وإن تحصّل على خبرةٍ اقتصادية متميزة في السنوات الأخيرة في مجال إدارة المؤسسات المتحولة نحو القطاع الخاص، فإنه - في الوقت نفسه - كان ضابطاً رفيعاً في الجيش الأردني، ما يجعله أكثر تحفظاً نحو الإغراق في الخصخصة واللبرلة بعيداً عن 'الشروط الاجتماعية' والتوازنات الحساسة داخل الدولة والمجتمع.

    على المستوى السياسي؛ تبرز إحدى المعضلات الرئيسة للمسار الاقتصادي الحالي، الذي يرسم جزءاً كبيراً من ملامح المشهد الأردني، بأنّ هذا المسار سيؤول عملياً إلى تحولات اقتصادية واجتماعية قاسية. فالطبقة الوسطى التي تشكلت في القطاع العام خلال العقود السابقة، هي برسم الانهيار بل وفي خضمه حالياً، كما أنّ دور مؤسسات الدولة في إفراز النخب القيادية داخل الدولة والمجتمع أخذ بالتراجع لصالح القطاع الخاص، وبدأت تدريجياً تحل محلها نخبة جديدة من رجال الأعمال، وبالتحديد المرتبطين بوكالات أو علاقات مع مؤسسات تجارية خارجية. وقد شهدت الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب الأردني صعوداً لهذه النخبة.

    المحلل والكاتب السياسي فهد الخيطان، يذهب إلى أنّ هنالك شعورا عاما، نخبويا وشعبيا، بأنّ الطريق الليبرالية الحالية، قد فشلت لأسباب عديدة، لكن هنالك صعوبة بالعودة إلى الخيارات الاشتراكية والاعتماد بالكلية على القطاع العام. ولذلك بدأ التفكير بالدعوة لـ'الاقتصاد المختلط، أي الدمج بين دور القطاع العام والخاص، والاستفادة من تجارب أخرى في هذا المجال، بخاصة بعض الدول الأوروبية'.
    البحث عن روافع سياسية واجتماعية

    وإذا كان الخيطان يرى أنّ 'النخبة الليبرالية التي تمسك بالقرار تحول دون طرح مشروع الطريق الثالث على طاولة البحث داخل الدولة، والتفكير في بدائل اقتصادية أخرى غير المسار الحالي'، فإنّ النائب بسام حدادين يرى، في تصريحات خاصة بسويس انفو، أنّ 'الملك بدأ يخط عملياً مسار الطريق الثالث من خلال مجسات اجتماعية تتجسد بمبادراته الاقتصادية المتعددة لإنعاش وحماية الطبقات الفقيرة وزياراته الدورية المتكررة للمناطق المحرومة والضعيفة اقتصادياً'.

    ويرى حدادين أنّ المبادرة الملكية أسفرت عن مشاريع عديدة تشكل مقدمات لتبلور 'الطريق الثالث' وأبرز هذه المشاريع الإعفاءات الضريبية للمواد الأساسية والاهتمام ببناء شبكة أمان اجتماعي لحماية الطبقات الفقيرة ومبادرة سكن كريم التي ستوفر مئات الآلاف من الشقق السكنية لذوي الدخل المحدود.

    ويتوقع حدادين أنّ المستقبل مفتوح أمام 'الطريق الثالث'، ويرجح أن يكون حزب الجبهة الوطنية، "الذي تقوده شخصيات سياسية وبيروقراطية سابقة، مشهود لها بالنزاهة" على حد قوله، هو الرافعة الاجتماعية والسياسية لهذا الخيار.

    في المقابل؛ يرى الخيطان أنّ هنالك إمكانيات في القطاع العام والخاص يمكن أن تساهم في تحقيق نموذج 'الخيار الثالث'، ويلاحظ أنّ هنالك صعوداً لرؤية اقتصادية ترى ضرورة خصخصة الإدارة بدلاً من خصخصة ممتلكات الدولة.
    في انتظار "المطبخ الرسمي"..

    ربما يجد خيار 'الطريق الثالث' بريقه في الآونة الأخيرة، في سياق السجالات السياسية والإعلامية الأردنية العاصفة التي تصاعدت بعد تداول أخبار عن بيع أراضٍ ومبانٍ مؤسسات وطنية ذات قيمة تاريخية وثقافية لدى الأردنيين تعود أغلبها للقوات المسلحة (المدينة الطبية، المباني الجديدة للقيادة العامة).

    فبعد أيام من الجدال والنفي والنفي المضاد تبين أن عملية البيع هي برسم الاتمام، لكن بـ'مخارج اقتصادية' (تأسيس شركة لمؤسسة الضمان الاجتماعي لاستثمار هذه الأراضي) وهو ما دفع بصوغ أسئلة رئيسة وجدت صداها في المنتديات السياسية والمنابر الإعلامية حول جدوى المضي قدماً في المسار الاقتصادي الحالي في ظل ارتفاع كبير في الأسعار وغلاء فاحش وتفاوت في مصادر الدخل الفردي وعجز في الموازنة ومعاناة شريحة واسعة من المواطنين من ظروف اقتصادية حرجة.

    لكن يبقى السؤال فيما إذا كان الحديث عن 'الطريق الثالث' سينتقل من الأطر غير الرسمية والنقاشات السياسية والإعلامية ليصبح موضوعاً للحوار داخل الدولة، أم أنّ النخبة الليبرالية الممسكة بالقرار الاقتصادي حالياً ستتمكن من إبقاء هذه النقاشات خارج 'المطبخ الرسمي'؟
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...