تربية الأولاد و أسس تأهيلهم

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة il capitano84, بتاريخ ‏18 جوان 2008.

  1. il capitano84

    il capitano84 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏20 مارس 2008
    المشاركات:
    609
    الإعجابات المتلقاة:
    1.208
      18-06-2008 18:25
    تربية الأولاد و أسس تأهيلهم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
    فالتربية الإسلامية تقوم على تحقيق التوازن بين الجانب الروحي والمادي، لكونها مبنية على الواقعين للإنسان، وتنظيم حياته على أساسهما، فليس الإنسان ماديا إلى درجة الخلود في الأرض، والانغماس في الحياة السافلة، والركون إلى الملذات، بل له عالمه الروحي الواسع المتعمق في كيانه، ومن هذا الجانب تميزت التربية الإسلامية عن النظم التربوية الأخرى في إعدادها للإنسان لا للحياة الدنيا فحسب بل للحياة الأبدية في الآخرة أيضا.
    و لما كان الولد هو محور العملية التربوية كان لزاما أن تتشكل حياته وذهنه بالقالب الذي وضع له، وبمختلف المعارف والمفاهيم التي يلقن بها ويزوّد بحيث يسيطر على ذهنه وأفكاره فلا يجد في الحياة تصويرا نظريا غير التصوير الذي أريد له استعماله في ملاحظاته وتجاربه، بناء على ما يلقن به أو يمرّن عليه أو يلقى إليه.
    ومعالم شخصية الولد تتكون أصولها وهو في دور الصغر، أي من بلوغه سن التمييز، لذلك كان واجب التربية تأهيله وتكييفه وإعداده لمواجهة الحياة، وتتم تنشئته ماديا بتغذيته ورعايته جسميا، وتنشئته روحيا بتزويده بما يزكي نفسه ويسمو بها، وتنشئته عقليا بتزويده بمختلف ضروب العلوم وأنواع المعارف، إذ لا يسلم العقل إلاّ بسلامة التنشئة، وتعويد الولد على الخير ونهيه عن الشر وفق منهج الله وتربيته، فاستقامة الولد مناطة بسلامة عقله، وانحرافه مناط بفساد عقله، وصحة العقل وفساده يرتبطان بصفة توجيهه، وخاصة في حال الصغر ومرحلة الإعداد.
    لذلك يرتكز إعداده تربويا على أسس يأتي في طليعتها تربية الولد عقديا وتدريبه على معرفة خالقه، والإيمان به، فإنّ هذا الإيمان هو الدافع له للخير والصارف للشر عنه، فهو الموجه للسلوك والضابط له، وارتباطه وثيق الصلة بالأعمال، ذلك لأنّ الله تعالى جعل العمل معيارا حقيقيا لصدق الإيمان، وذمَّ الذين يجردون العمل عن الإيمان، فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 167] وقوله عز وجل: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] فالإيمان الحق هو الذي يصدر عنه السلوك، وينبع منه العمل الصالح، ويخرج منه الخُلُق الكريم، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تقرن الإيمان بالعمل الصالح، فكان من مهمة التربية الربط بين العقيدة والعمل بالنظر إلى كون العمل يعكس الإيمان ويُظهره، فأولى الأوليات في إعداد الولد -إذن- تعليمه معاني العقيدة الصحيحة، ومقاصدها السامية، وإفهامه لحقائقها، وما تحمله من السعادة الأبدية له، إفهام علمٍ وإدراك تحقيقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: 6] ويدخل الولد في الآية لأنّه بضع من والديه، فيعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي والآثام، وغير ذلك من الأحكام، قال بعض أهل العلم: "فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يُستغنى عنه من الأدب" .
    ومن أسس تربية الولد وتأهيله: تعليمه ما في الحياة المعاشة من معاني الخير والشر، وما يلزمه من استعداد فيها بالعمل بما يسعد النفس، وترك ما تشقى به، وذلك بتوجيه استعداده الفطري بالالتجاء إلى الله، ومعرفته، والركون إليه، والاطمئنان عنده، فلا يذل إلاّ لله، ولا يخاف إلاّ منه، ولا يتعلق قلبه إلاّ به، فإنّ في ذلك شعورا بعزة المسلم، لأنّه موصول بالقوي العزيز، وتتميز شخصيته بهذه العزّة الدينية المطلوبة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:8] وتتمرد عن أضدادها من ذل أو خنوع، أو خوف، أو تملق لأي مخلوق، ومن ثمّ وجب المحافظة على الفطرة السليمة التي عاهد الله تعالى عليها بني آدم فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم بالأرزاق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172-173]، ويقول الله عزّ وجلّ في حديث قدسي: "إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا" ، كما ينبغي دفع الطاقات الطبيعية التي أودعها الله في الولد من غرائز وميول إلى الخير وإلى وجهتها التي خلقت من أجلها ليسمو بها ويعتز، ويتجنب بها من الخلود في الأرض، والركون إلى الشهوات، والاستجابة للشيطان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً، بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ: فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ: فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:268]" والتربية وسيلة إرجاع المنحرف إلى فطرته السليمة وتوجيهه إليها، وعلى مهمة التربية والقيام بواجبها يترتب الجزاء الأخروي قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:40-41].
    ومن واجبات تأهيل الولد وأساليب تكوين شخصيته: القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، التي يقتدي بها في مراحله الأولى من نموه العقلي والنفسي والأخلاقي، حيث تصقل معارفه، ويتلقى علمه عن طريق التقليد والاتباع، ويأتي في الدرجة الأولى أقرب الناس إليه أبواه، فهما عنصرا قدوته ومُثُلِه، فللأبوين تأثير عظيم على ولدهما في أمور العقيدة والدين، حتى يصل تأثيرهما فيه إلى تحويله عن الفطرة التي خلقه الله عليها، وما يستلزمه من معرفة الإسلام ومحبته، فهما سبب صلاحه أو فساده، واستقامته أو اعوجاجه، لأنّ الولد يعتقد عادة بوالديه في سلوكه وتصرفاته، فإن كان سلوكهما معه على الطريق الشرعي تأثر الولد بهما، وقلدهما فيما هما عليه، وكان ذلك من عوامل تكوين معاني شخصيته الإسلامية.
    ويـنشأ نـاشئ الفتيـان منـّا منـّا منـّا علـى ما كـان عـوده أبـوه
    إذ الخير في المولود أصيل، والشر فيه عارض، واستعداده للخير كامل، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الروم: 30]" وفي الحديث بيان أنّ النّاس يولدون على الفطرة وعلى الاستعداد الكامل للخير والصلاح فكان تقريرا لخلق الله الكامل، وأنّ النقص إنّما يأتي من فعل الإنسان، فالواجب إبعاد ما يفسد نفسية الطفل، ويخرب عقليته وفطرته لئلا يكون ضحية تأثر بانحراف وضلال وسوء أخلاق، ومن هذا المرمى يتجلى عظم مسؤولية الأبوين إذا أخلاَّ في تعليم ولدهما معاني الإسلام وأحكامه، وقصرا في تربيته عقليا وروحيا، وتركاه تحت وطأة الأفكار المنحرفة، أو فريسة لمجتمع تشيع فيه عقائد اليهودية أو النصرانية أو المجوسية وغيرها من عقائد الكفر والضلال، مما يجعلهما مسؤولَيْن أمام الله تعالى لأنّهما أسهما في تحويل ولدهما من مقتضى فطرته إلى دين الانحراف والضلال، وتتأكد مسؤوليتهما بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ" .
    ومن منطلق المسؤولية فإنّها تتطلب تدريب الولد عمليا، بتعليمه القرآن الكريم قراءة وحفظا، لكونه أصل الإسلام ومرجع الدين، كما يربى الولد على حفظ بعض الأحاديث، والأدعية المأثورة التي تقال في مناسبات متعددة عند النوم، والاستيقاظ، وعند سماع الأذان، وعند البدء بتناول الطعام وعند الفراغ منه، وعند الخروج من بيته، وعند دخوله، وعند العطاس، ونحو ذلك، كما يستحسن توثيق صلة الولد بالألفاظ الإسلامية ذات معان شرعية ككلمة الإخلاص، والأسماء الحسنى، وبعض شعار الإسلام ليتدرب عليها، ويعلق قلبه بمعانيها، وتعليمه فرائض الإسلام بقدر ما يناسب عقله، وعادة يمكن البدء -بعد بلوغ الولد سن سبع سنوات- بغرس بذور الشخصية الإسلامية فيه وترويضه –بحسب اتساع مدارك الولد- على معاني هذه الشخصية بما يلائمه.
    ومن واجبات تربية الولد: الرفق به، وملاطفته، ومعاملته باللين من غير شدة، لاسيما من الوالدين أو من يقوم مقامهما كالجد والعم، لأنّ الشدة في التربية لا تولِّد إلاّ شدة في السلوك، وقد صح عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنّه قال: رَأَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم وَالْحَسَنُ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ" .
    قال النووي: "في الحديث دلالة على ملاطفة الصبيان ورحمتهم، ومماستهم" ، والولد يحتاج من والديه أمرا محسوسا حتى يشعر ما يجول في قلبيهما من محبة وعطف ورحمة، وقد يتجسد ذلك الإحساس في تقبيله، وحمله، ومداعبته، أو المسح على رأسه، أو وجهه، أو وضعه على أحضانهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قَبَّلَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: "إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ" ، وقد صحّ -أيضا- أنّه جاء أعرابي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ"، فَقَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: " أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ، وتقريرا لهذا المعنى فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا" [FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][/FONT][/FONT][/FONT][/FONT][/FONT][/FONT][/FONT][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic][FONT=Traditional Arabic] .[/FONT][/FONT][/FONT][/FONT][/FONT]
    ومن مظاهر الإحساس بما في قلبي والديه من عناية وشفقة ومحبة: مدحه والثناء عليه إذا أحسن وقام بالمطلوب، وبالمقابل تنبيهه إذا أساء أو أخطأ في أداء المطلوب، ثمّ يعلمه العادة الصالحة والصفة الحسنة التي يفتقدها، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأسلوب التربوي في حديث عمرو بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: "كُنْتُ غُلاَمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" ، ومن جهة أخرى، فإنّ معاملة الوالدين لأولادهما بمحبة ورحمة تقتضي وجوب العدل بينهم، وعدم إيثار الأبناء على البنات، وبخس الأنثى حقها في الرعاية والاهتمام والبر، فمثل هذا التفضيل معدود من عادة الجاهلية، إذ المطلوب عدم التفريق بين الذكور والإناث، ولا التفاضل بين الذكور، أو تخصيص بعضهم، ولا بين الإناث سواء في العطف أو المعاملة أو المحبة أو العطية أو غيرها، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم للبشير بن سعد رضي الله عنه في شأن تخصيصه للعطية لأحد أبنائه: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ" .
    ومن جهة ثالثة، فإنّه قد يصدر عن الصغير عمل يغضب والديه، أو يزعجهما فلا يجوز التشديد عليه، ولا تعنيفه ومجافاته لصغره ولعدم اكتمال قدرته العقلية، بل يعامل بالرفق، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال:"إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ"، وفي رواية: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ" ، فالأخذ بأسلوب الرفق والمسامحة يجعل علاقة الولد بوالديه علاقة محبة، يشعر بها ويميل إليهما بسببها، ويسمع النصح والتوجيه، أمّا العنف في الصغر فمدعاة للعنف في الكبر، والقسوة على الولد في الصغر تحمله على جفاء والديه في الكبر، وليس معنى هذا ترك التشديد عليه مطلقا، وإنّما يجوز أخذه بالتشديد إذا لم ينفع الرفق والملاطفة والنصح والتوجيه، ويكون بإظهار الغضب، والعبوسِ في وجهه، وعدم الرضا على تصرفاته، ورفعِ الصوت عليه، والصدودِ عنه، وهجرهِ، تلك هي مظاهر التشديد، وقد تصل إلى ضربه ضربا غير مُبَرِّحٍ إذا بلغ عشر سنين، وقد جاء في الحديث: "مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ -وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا- وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" ، ومعاملته بهذه الصفة لتحسيس الولد بسوء أفعاله، أو لتقصيره في القيام بما هو مطلوب منه. هذا، ويترتب على الوالدين [أو من في كفالته الولد] حال الإخلال بواجبهما اتجاه ولدهما، أو التقصير في تعليمه، نزع الولد من يدهما، ليتم تسليمه إلى رعاية أخرى مناسبة لتعليمه، وضمن هذا المنظور يقول ابن القيم رحمه الله: "قال شيخنا -أي شيخ الإسلام ابن تيمية- وإذا ترك أحد الأبوين تعليمَ الصبي، وأَمْرَه الذي أوجبه الله عليه، فهو عاص، ولا ولاية له عليه، بل كلّ من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إمّا أن تُرفع يدُه عن الولاية، ويقام من يفعل الواجب، وإمّا أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقتضى طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان، وليس هذا الحق من *** الميراث الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاء، سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا، بل هو من *** الولاية التي لابد فيها من القدرة على الواجب والعلم به، وفعله بحسب الإمكان" .

    فهذه جوانب من تربية الولد وحسن تأهيله قائمة على عقيدة الإسلام التي جاء بها أفضل الأنام صلى الله عليه وآله وسلم لتتم تربيته بناء على استعداداته الفطرية، وقدراته الطبيعية والنفسية التي أودعها الله فيه، وفق منهج الله وتربيته التي جعلت القرآن الكريم خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى نظامه تتكون أجيال مهذبة عزيزة صادقة تتحمّل مسؤوليتها، وتؤدي واجبها، وتسعى إلى تسخير قواتها في الخير والفضيلة، وتجنيب الشر والرذيلة، وتراقب الله في السر والعلانية، وتعمل على تحقيق الأمن والاستقرار، والظفر بالسعادتين: الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى[طه:75-76].
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.




     
    4 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...