1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

قصة مارثون الليل للكاتب عبد الله ابراهيم

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة wael17, بتاريخ ‏28 جوان 2008.

  1. wael17

    wael17 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏11 أفريل 2008
    المشاركات:
    97
    الإعجابات المتلقاة:
    25
      28-06-2008 14:25
    :besmellah1:

    ماراثون الليل

    في البدء كنا مجموعة صغيرة،كنا قلائل،لم نكن غير مجموعة صغيرة دفعت إلى ماراثون غريب، ماراثون خاص يليق بنا،لم تحدد بدايته، ولم يرض المشرفون عليه تحديد نهايته.كانوا يسوطون أفخاذنا العارية بسياط من جلود النمور، وفي وقت لاحق، حمل بعضهم ألسنة اللهب، وجعلوا يشوون ظهورنا بذؤابات النار،كانوا يحاذوننا جرياً، ويفتحون أطواق اللهب قرب أجسادنا، وبعضنا يشم رائحة شواء اللحم قبل دفء النار، ولم ندر أن مضمار السباق كان مسيجا بأسلاك شائكة، ومطوقا بحراسة شديدة، وقد أحكمت بواباته بأجهزة خاصة استوردت خصيصا لاستمرار هذا الماراثون إلى الأبد. في البدء، اندفع الشباب منا ساخرين، مهتاجين، غير مبالين، وتقاطرنا خلفهم كأننا في نزهة جنائزية.كان المساء واجما يطلّ علينا من خلف غابة بكر، وأبت الشمس أن تغرب، فظلت معلّقة قرب الأفق على ارتفاع قدم، وتبين لنا من علامات متقاطعة، وضعت على جانبي الطريق، أننا ذاهبون إلى نهاية غير محددة، وأحس بعضنا أننا نعود إلى مكان الانطلاق نفسه، كلما جدّت أقدامنا بالاندفاع إلى الأمام، وفي كل مرة يداهمنا فيها اليأس، كانت السياط وألسنة اللهب تجدّد عزائمنا، فنلتذ لسماع جلدها للريح، ونحن ماضون صوب المجهول.

    في البدء كنا مجموعة صغيرة، اهتدت إلى الطريق بفعل بقايا النهار، فتقاطرنا مثل كراك غريبة في سرب لا ينتهي، حماس الشباب جعلنا نغطس في وهم الاختيار.كنا نتلمس أفكار بعضنا، لكن الشباب كانوا أكثر انتسابا إلى المصاعب, يتقدمون واثقين من خطوهم، وقد مهدوا لنا سبيل الهلاك، كنا خليطا من البشر، يعود بعضنا إلى عصور سحيقة، وبيننا مَن كان في طليعة القبائل المهاجرة من الجزيرة العربية، ومن خبر حواري سمرقند وجرجان، وبيننا حكماء ظلوا طوال العصور يرنون إلى الشمس، وتصافح نظراتهم غروبها الأبدي، هؤلاء ذابت مقلهم حنينا إلى عصورهم وأوطانهم، كانوا يتبادلون نظرات حزن، وقد تعلقت رؤاهم بوهم المستقبل، وكانوا يرثون لنا الاندفاع وراء سراب الخذلان.

    كنا حشداً من الأرامل، والشيوخ، والرجال المهزومين في حروب كثيرة، والساسة المحبطين، والثكالى، ورجال القانون الذين أضاعتهم عدالة الظلام، وبعض عيون وعسس عهود ما قبل التاريخ، وحكماء ذابت أبدانهم خوفا على جمرة المعرفة المتوهجة، وحشد كبير من أهل السواد الذين لم يجدوا لهم مكانا في أقبية الزمن، فظلوا معلقين في الفراغ منذ الطوفان. وبيننا، في موطن القلب منّا،حكيم كبير، كأنه وصل تواً من القرون الوسطى، ما يميزه ذقنه الأصفهاني، وقد طوى ذراعيه تحت إبطيه، واندفع يركض نصف عار، نظراته قلقة، تشي بأنه لا يرى غير عصف من بقايا البشر أهلكتهم الطاعة العمياء، يحمل ملامح ابن رشد، لكنه بدا طويلا كالغزالي في أواخر عهد المجد الذي عاشه.كان يعلق في رقبته رقاق أحزانه، جلد غزال جاف أهداه إياه طالب علم من غرناطة، وكتب عليه خلاصة رحلة الأهوال في بحر الظلمات، أودعه عنده هدية، واعترافا بمحيط معرفته الواسعة، ولما عاد بعد أربع وعشرين سنة من الانصراف لتعاليم شيخه، وتولّى في بلاده الحسبة، وديوان الجند، والقضاء، دسّ بين الوافدين إلى المشرق صبيانا مارسوا التدرب على القتل في جزر نائية لاغتيال ذلك الحكيم، تعقبه بعضهم في حرّان، وترآى لآخرين شبحا في أرض الكنانة، وحضر آخرون دروسه في بلاد ما راء النهر، ولكنه كان يذوب مختفيا كلما حدس سبب وجودهم في حلقات دروسه، عثر عليه أحدهم يكلّم نفسه في مسجد مهجور في الحجاز، ولكنه اخترق حائط المسجد واختفى، وتعقبه آخرون في رحلته التي يقوم بها في خاتمة كل قرن إلى آثار نينوى، ومكتبة آشور بانيبال، وافلحوا مرة واحدة في تطويق قافلته، وهي تروي ظمأها من نهر الفرات، وفي قيظ تلك القيلولة شد رقاق خلاصه في رقبته، وعرّى نصفه الأعلى، واحتذى نعلا من جلد ناقة بكر، وخاض الفرات أمام أنظار القتلة، همس لتلال الرمال المحرقة حول الضفتين،ولامست قدماه صخور الشواطئ، فهدأت ثائرة الأمواج، وسكرت المياه، وسكنت الريح، فتسمّر القتلة يرون ضحيتهم تشق عباب الفرات إلى الجانب الآخر، وقد بانت آثار خطاه جافة.

    كان يحدق إلى الشرق بعينين متورمتين بكاء، أدار وجهه ناحية الصحراء، فابتلعته كثبان الرمال، وعادت الأمواج إلى صخبها، ورعدت فجأة عاصفة، وهربت الإبل إلى الماء، لكن القتلة نجوا من هول غضبه، فعادوا إلى بلادهم يائسين.وفي عصور لاحقة نشرت مذكراتهم متفرقة، حول يأسهم من مسك ظلال الشيخ الحكيم، وتدافعت المطابع في القيروان وطنجه وقرطبة لنشر أخبار ذلك الطالب المستوزر حديثا، وحول إصلاحاته الكثيرة، وحربه الأفكار الغربية القادمة من الشرق. كانت نظرات الشيخ تطوف فوق الجميع، وتستشعر أفق الظلام الأبدي، وهي تفض الألغاز المعششة في كل مكان، نظرات رجل أمضى أربعة قرون سجينا في أحد خانات الكوفة، قُيّد خلالها بحديد يقاوم الصدأ لنصف قرن، يستبدله حدّادون من فارس ونجد. وحضر مرة لهذا الأمر، حدّاد من مملكة أقصوم، حبشي بذقن مدبّب عمل صانعا لأقفال قصر الملك هيلا سيلاسي، عبر نجد على قدميه، ومكث ربع قرن في مدينة الوركاء برفقة أحد الكهنة، وعمل وكيل ظل للجيوش العيلامية في غزوها بابل، ودخلها بعد ذلك قائداً لبعض القبائل الحثية، ولما أهلكه اليأس، ونازعه الحنين إلى صناعة الأقفال انخرط في خدمة أحد الولاة العثمانيين، ولكنه طرد إلى الكوفة، وظل هائما سبع ليال، راودته خلالها رغبات كثيرة ،فحاول إلقاء نفسه في نهر الفرات، وفكر مرّة أن يعود إلى مملكته لكنه كان خشي العساكر الحمر، فانخرط في خدمة سجان كوفي، برز منذ بضعة عقود من غياهب الظلام.كان سجانا أنيقا أنهى تعليمه في أوربا، يقف يوميا برفقة المحتسب، وصاحب الجند، وفوج من الانكشارية على بوابة الكوفة، فيجدد شباب سجنه بنزلاء جدد، أوهمه الحبشي، بأهميته عندما سار أمامه وهو يتلو أدعية سحرية، وكلفه بعد حين بإدارة سجن الكوفة الشهير.ولما فشل بمهمته أدخل السجن نفسه، وبعد أن انسحب العثمانيون من الكوفة إثر احتضار دولتهم، عاد إلى مهنته الأولى، مهنة تاريخية مارسها لثلاثة آلاف سنة.

    كان الحبشي آخر من صنع سلسلة جديد طويلة لتقييد الحكيم، كانت تلتف حول أسيرها، وتمتد خلل النوافذ والأبواب إلى باحة المعتقل، وتتسلّل من هناك إلى الخارج، بعضها مربوط إلى الأعمدة، التي يستند إليها البناء الضخم، وبعضها شدّ إلى الأشجار وأعمدة الكهرباء، وزيادة في الحيطة ربط أمتنها إلى العمود الحديدي الأوسط الذي يقوم عليه جسر الكوفة.كان حزن الحكيم يسرى في سلاسل الحديد، ويتسرب إلى الخارج، فيناجي العصافير، وأزهار الخطيمة، وطيور الخضيري، وكانت تصله خلل السلاسل ذاتها أنات الثكالى، ونجيب الأرامل، ورعب الجند الهاربين من حروب كثيرة، ومرة خاطبة قائد أحد الفيالق عن محنة مواجهته لأمواج العدو التي تزحف وسط بحيرة الموت، فأوصلت عذوق النخيل الطلب، وتلقفته الأمواج، وحملته ضد تيارها، وأسلمته إلى لسلاسل الثقيلة، فتحول في ذاكرة الشيخ الحكيم إلى ترنيمة حيرة طويلة، استطاع خلال خمسة وعشرين أسبوعا أن يخطها على رقاق من جلد الماعز جلب سرّاً من قطعان ترعى قرب جمجمال، ولما أكمل الجزء الأول من إجابته على ترنيمة الحيرة، وأبرقها إلى القائد خلل السلاسل والأمواج والطيور،كان القائد قد نُحّي عن منصبه، وابتلعت البحيرة ثلثي فيلق مشاته،فلم يستلم أحد النداء، ظل هناك إلى الآن معلقا، يسمعه الجنود القابعون في الحجابات أواخر الليل.كان النداء هو الآخر أنشودة حزن طويلة وصل قسمه الأول إلى بحيرة الموت، ومازالت البقية تحاك في ذهن الحكيم، كان الحبشي ذكيا، فقد أفرغ السلاسل من لبها. واستطاع عسس وسجانون وأمراء خلال العصور اللاحقة التنصّت إلى الشكاوي المتبادلة بين الحكيم والرعية خلل تجاويف تلك القيود.ولما تولّى آخر أمير سلطة البلاد، أمر بإقامة محطة تنصّت كاملة قرب الجسر، مهمتها فك الغاز الألم والأحاجي الحزينة التي تتبادلها شعوب الشرق مع الحكيم، وكانت عباراته تخضع لدراسة متخصصة، وتبث تفنيدات سرية لها عبر الأقمار الاصطناعية، وتقدم على أنها سهرات تربوية تعرض تسع مرات في الأسبوع عبر القنوات الفضائية.

    كانت أفكاره تحاصر وسط الأكاذيب والادعاءات، لكنها تمتلك قوة النفوذ الحقيقي إلى متلقّيها، كانت أفكاراً مترابطة تحتشد بقوة خارقة تجعلها مهمة أبداً، ولا يمكن أن يلوثها الزمن ولا سطوة الأمراء.ولما يئست السلطات من قطع الحكيم عن رعيته لجأت إلى وضع المعتقل تحت قوة جزيئية خاصة تمنع الاستشعار، وتعلق ذبذبات الصوت في سكون الريح، لكن أفكار الحكيم كانت تتطاير كرف من نوارس صغيرة، وتصل حيثما يشاء دون عناء، تتسرب أحيانا وسط سكون الليل، وترافق أحيانا العواصف الممطرة، وفي مرات قليلة وصلت برفقة عواصف رملية هبت من نجد، لكن الواحات والأودية امتصتها، وعلّقت في بوابات المدن بوصفها رؤى لا تتقادم بفعل الدهور، وتعويذات لتحقيق الفرح.لجأت السلطات في نهاية القرن الحادي عشر إلى استدعائه إلى قصر الأمير.كان الأمير رجلاً مهيباً، يشد أزره بنطاق من حرير، وقد عُلّق وراء ظهره معطف عسكري، استمع إلى الشيخ أولا، وتحادثا طويلا حول حقوق الرعية، كان حديثا هادئا بثته أجهزة الإعلام عبر الهواء حالا، وقد احتفل الجميع بطرق سرية، إذ كرعت بعض الشعوب الدم المتخثر، وعمدت شعوب أخرى إلى إغراق نسائها في البحار احتفاء بنهاية العذاب، وخرجت شعوب آسيا في مظاهرات صاخبة، واندفع من الجبال والصحارى والأهوار سيل عارم من بشر كانوا متخفّين عن أعين السلطات فداهموا المدن في سورة غضب لم يشهد نوح مثيلا لها، وودع الأمير ضيفه عند بوابة القصر وعاد، لم تمض غير دقائق حتى أعلن أن فرس الحكيم عثرت به فغرق في نهر الفرات، وزاد هذا ثمل الرعية جنوناً، والحقيقة فإن رتل السيارات المصفحة التي كانت تقلّه انحرفت به إلى ميدان الإعدام، رُبط جسده بمشدّات بلاستيكية إلى أعمدة خشب تمتص ضجيج الرصاص، وزُخّ بسيل من رصاص جديد من إنتاج وطني، لكن سيل الرصاص ظل حائراً في حلقة، يأبى الوصول إلى الهدف، وسرعان ما ذاب الشيخ في وهج الظلمة الحالكة، وعادت أسراب المصفحات ذليلة، وانتشر خلال قرنين مخبرون في شتى أرجاء المملكة، افلحوا في القبض على ظلاله، وجد بعضها مطبوعا على جدران الأزهر وجامع القيروان، وبعضها في كهوف في شمال العراق، وأخرى على قباب بعض البيوت في الدار البيضاء، وعثر مخبرون ملثمون يحملون بأيديهم خناجر محدبة على ظل له في جبال عُمان وحضرموت، واستطاع مصورون محترفون أن ينظموا بقايا الظلال، فحضر الشيخ من خلال صورة الوهم الجديدة.لم يمهلوه، وضعوه في قفص من زجاج مقاوم لتسرب الأشباح، وألصقوه بصمغ من جاوه وشرائط نحاس لا ترى، وعُلق في ساحة التحرير.

    كان يبدو حالماً مثل صبي، شاخ في طفولته، فظهر للزوار الأجانب ساحرا محتالا، وللرعية ملاكا، وللساسة خائنا، ولتجار السوق السوداء مرابيا، وللسكارى نديما، وللصبايا فارس أحلام. سُلّطت عليه أضواء كاشفة أضعفت إبان السنوات الأولى من حدّة بصره، وفي عصور لاحقة كانت مواكب العزاء تشاركه أحزانه، وتلقي بحرابها وفؤوسها قربه، حملها عمال كوريون وألقوها في مياه أحد الأنهار الهادرة. وكانت دوائر السياحة تنظم زيارات يومية إلى موقعه، ويقدّم لرؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية، ووفود المثقفين على أنه دليل للقوة الخارقة كونه ينبثق من التراث، وينطوي على المعاصرة! ! ! وكان يقدّم للرعية على أنه نموذج للمجرمين العابثين، والسكارى يناجونه ليلا في غيبة الحرس الملكي، وعده أحدهم أبا نواس، وأقسم أنه جالسه قبل أحد عشر قرناً في إحدى ديّارات الكوفة، لكن حارساً انتظم حديثا في فيلق الحراسة ملأ فمه رصاصا من غدارته التي لم تُجرّب بعد. ولما ورث الأبناء آباءهم في إدارة المملكة ظلت ابتسامة الشيخ تكبر، فحاول آخرهم قطعه عن ماضيه.

    كان الشيخ قد نسج خلال قرون طويلة تاريخه في كتب الوهم، والأغاني، والأزجال، والمتون السرية لورّاقي القرن الرابع، وكتب الحماسات، والمقدمات التاريخية التي امتصت فهارسها أمواج دجلة، وكانت الأجيال التي تفرض حضورها أبدا، وتتجاهل تعاقب العصور، وتنبثق في الحاضر وقتما تريد، قد أكدت وهي تبشر بأفكاره المطبوعة في صفحات المياه أو جدران القصور، أو تلال السراب، أنه كان نديما لابن قزمان، وأخا بالرضاعة للمقريزى، وهو المؤلف المجهول لألف ليلة وليلة، وكان تلميذاً لبيدبا، وهو صاحب جمرة الخوف التي تفتتت عنها رماد التصوف في فارس، وأكدت قبائل سكنت جبال الأطلس، وارتحلت إلى بلاد النوبة، ثم وصلت إلى ضفاف الخليج خوفاً من الأدارسة، أنه صاحب الرحلة الكبيرة في التاريخ، وعنه نحلها ابن بطوطة.أصدر الأمير فرماناً بإيقاف علاقة الحكيم بالماضي، وتحويله إلى تعويذة خوف في ميدان العاصمة، وجلس كتبة التاريخ سبع سنوات، يصححون الأخطاء الفادحة للأقوام السابقة، أتلفوا عشرات الآلاف من الرقم الطينية المشوية من مكتبة نينوى، وهدموا جانبا من شارع الموكب، وطمسوا الأسطر الثلاثين من اللوح التاسع في ملحمة كلكامش، وحذفوا اسم أترحاسيس من ملحمة الطوفان خوفا من التطابق في البطولة بين الاثنين، وأوقفوا طبع الكامل في التاريخ، وجُردت خزانات الكتب، والفهارس، ومعاجم الأعلام، وأقراص الكومبيوتر، واختفى عن العيان كل متن أو حاشية ورد فيها اسمه أو كنيته أو لقبه.وأعلنت اللجان التي شكلت لهذه الغاية المقدسة، انتصارها باختفائه من سجل التاريخ الكبير.

    كان احتفالا فخما أعدّ له خلال شهور، وجرت وقائعه في الميدان الكبير في العاصمة، قبالة شبح الحكيم المعلّق بقفص الزجاج. حضر الأمير الكبير وورثته، وحضر فوج نسائه التاهيتيّات وحرسه الآسيوي، وقامت على إدارة الحفل شركة أمريكية، جلبت نساءً ناعمات كدن يذبن من الرقة، وعزف جوق بروسي، ووزعت سجائر كوبية، وتناطحت كؤوس مترعة بخمور ثقيلة جلبت من بلاد الكاريبي، وفودكا صافية وزعت بقرون الماعز النادرة، وجلس الأمير وحاشيته على ارتفاع سبعة عشر قدماً، وركع أمامه المؤرخون وعيونهم مغمضة خوفاً، وسالت مياه الرعب من تحتهم.أطلق الحرس أعيرة نارية، وحلقت أقواس فسفورية في الأفق، وأضاءت الليل، وانطلقت أقواس زينة من بارود مستورد، وثمل الميدان عن بكرة أبيه، وفي الصخب المتوهج، حلّق رقاق الأحزان، واخترق الزجاج السميك، وطاف هادئا فوق الرؤوس، ومرّ على مسافة ذراع من رأس الأمير، وبدا للجميع أنه كتب اللحظة،كانت عبارات التلميذ الغرناطي واضحة، اختزلت رحلة الأهوال في بحر الظلمات بسبع رباعيات مقفاة، تنتهي بخرجة أعجمية، وعزف لحن مجهول يناسب حركة الرقاق الهادئة. حدق الأمير إلى الرقاق، وقرأ الإهداء إلى سيدي الشاعلي.فانسحب تاركا الآخرين يكابدون فرحهم، ولما انحرفت سيارته ناحية الجسر، أمر بهاتف نقال، حرس الميدان المدجج بالسلاح بقتل المؤرخين الذين خدعوه، وفي هزيع ذلك الليل من نهاية أحد القرون قذفت المدافع الرشاشة لهيبها، وعطست غدارات جديدة رصاصها، وحلقت طائرات عمودية، وقبيل الفجر،لم يفلح أحد المحتفلين في مغادرة الميدان، كانت الجثث تتوسد بعضها، فيما الجنود يتسلون بتوجيه رصاصهم إلى صندوق الزجاج، لكن الرصاص يظل يدور حوله.حدق الشيخ حزينا إلى الكارثة، وتصبّر كي يمنع نفسه من النحيب على مذبحة القتلة. أنزله ظهر اليوم التالي فصيل من الجند، وهُجر المكان، دون أن ينظف من الجثث إلى الآن، فصار ملجأ للكلاب السائبة، وأطلق عليهميدان الخونة.

    كان أول ما استطاعوا كشفه بعد كل تلك القرون أن الشيخ يستعصي على القتل، جربوا معه التقطيع، وأطلقوا عليه كلاباً بوليسية جائعة، وألقوه في البحار العاصفة، وسلطوا عليه أشعّات مكتشفة حديثا لزحزحة خلايا المخ في رأسه، فأبت أن تضمحل قوته أمام قواهم، فقط استطاع جلاد قَدِمَ من ماليزيا، وتدرّب على الكي ستا وثلاثين سنة، أن يساوى أصابعه بإبهامه مستعينا بتعاويذ سحرية ورثها عن ساحرات عشن قبل الميلاد في غابة استوائية زوجات للقرود. وأقسم شحاذون، وسكارى، وأرامل جعلن من المحطات أماكن انتظار لرجال مجهولين، وكتبة مبالغون ألجأهم الجوع إلى الصحف اليومية، أنهم رأوه مصلوبا على بوابة عشتار، وأكد جند عائدون من الحرب أنه قديس ضرير مقيم في ساحة أم البروم .كان جسده طريا لدنا خلواً من العظام، ينضح طمأنينة، وقد أحدقت به كوارث الخوف، ظل دهوراً يسكن الجوامع والأديرة، ويحل ضيفا على المآتم والمناقب النبوية، جاء مرة عابراً الفيافي والبحار، يتأبط كتبا عتيقة خطت في زمن عثمان، وادعى أنه عراف جاهلي، أحاط نفسه بغموض، وكتب سجعا في مدح نفسه وضع له جميعا عنوانا غريباً الهبوط إلى العبقرية.وظل عقدين يقنع الناس أنه من العماليق، ارتاد كل بارات المدينة. ولم يبق لديه غير سن وحيدة، ولما أيقن أن الضجيج في البلاد صار أناشيد احتفاء بالخوف، طاف فوق أمواج دجلة، وعبر أطواق الجسور، وضلل الشرطة النهرية المكلفة منذ بدء الخليقة بالقبض عليه، وسعد برفقة الأسماك، والأشَنَات المتعفنة في الأهوار، وقضى ليالي الشتاء صحبة آلاف الجثث الرّاكسة في المياه، جثث أرسلتها إلى القعر حروب صليبية قبل الميلاد، جثث من الوركاء قبل الطوفان، وجثث من الحرس الملكي الخاص بكورش، وجثث لجند ملثمين برايات بيض لزنوج، وجثث لرفاق قدامى صاحبوا الحلاج في أرض السواد، وجثثت لشيوخ هرمين شُدّت حول رؤوسهم لافتات حمر وخضر، وجثث لفتيان من الحضر والمشخاب والعوينة والخشم الأحمر،رفاق حب وكراهية، طوتهم أهوار النار في سنين مظلمة، مرت مثل لمح البرق.

    لم يفلح أحد أبدا في أن يعثر عليه حيث يجب أن يكون، كان يمحو آثاره حيثما يذهب، وجسده يتوزع وجوده، فيوجد في كل مكان في آن واحد.وعاد في العصور المظلمة يمخر حانات المدينة، في محاولة للقبض على حضيض الأفكار المتناثرة من رؤوس السكارى والنُدل، ويصوغها برباعيات تنضح يأسا، داهمت شرطة الأمير حانات المدينة، لما تواترت أخبار موثوق بها بوجوده قرب ساحة الأندلس، قطعت الطرق الموصلة إلى المكان، ودمرت محلات التحف المجاورة، وقبيل الفجر عادت المفارز المسلحة دون أن تعثر على أي دليل ، وأثر تحقيق موسع تبين أنه خارج البلاد، لكنه كان يرتاد المكان قبل ثلاثة عشر قرنا، بيد أن خيوط الأخبار التفّت، وضاعت في أدراج المخبرين الذين سيقوا إلى حروب الفتوح، ولما وصل مخبرون جدد مسلحون بفهم عقائدي ضيق لمهنتهم ظنوا الأخبار عنه وليدة الساعة، وعنّف الجميع على عدم معرفة المعلومات وتأخرها.كان رفع الحكيم هامته، وأخفى أصابعه المبتورة من المفاصل تحت إبطيه، وتبخرت أفكاره وعادت مطراً مدراراً غسل أحلام طفولتنا .كانت أفكاره تخترق حواجز العصور والأزمنة، وتعشش في الصحارى والأزقة والمخابئ السرية، وتطوف فوق حلقات الدراويش والمتصوفين، وتنادم المشردين والمطاردين، وإبان حكم المماليك أحس بأن الطرق، والأزقة، والحانات، والسفارات الأجنبية، ومراكز الحدود، والمحطات القصية، زرعت كلها بشرطة، يحملون أمرا بإطلاق النار عليه أو على ظله أو أي شبيه له دون الرجوع إلى أي مصدر.كل ما استطاع الشيخ أن يفكر به هو الأسف العميق على المذابح التي ستعم البلاد، وتستمر إلى الأبد، تمّ في ساعة الصباح الأولى ليوم الحادي عشر من آب إطلاق النار في كل مكان، واستطاعت الجهات المختصة بعد اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر أن تنتهي من التحقيق، إذ تبين سقوط أربعة عشر ألفا وتسع ضحايا ممن كانوا نسخة طبق الأصل للشيخ الحكيم روحا ومظهراً وعمراً. وأكد شرطي في إحدى المحاكم العرفية التي أقامها نظام أعقب الأول، أنه كان مكلّفا بإطلاق النار على رجل يبلغ عمره مائة وسبع وعشرين سنة، جبهته رحبة، وذقنه أبيض، أصابعه قصيرة، وعيناه محدقتان إلى الأفق، تشي سيماؤه بغليان الغضب، وينتعل حذاء من جلد الإبل، وقال إنه وقف ينتظر طريدته في الميدان الكبير، أزال أمان عذراته، وهيأ مخازنه الاحتياطية، وظن أن المطلوب سيظهر له بين لحظة وأخرى من أحد الأنفاق الكثيرة، أو سيمر عبر خطوط المرور البيض، أو سيطل عليه من نوافذ إحدى الحافلات.كان الشرطي يستظهر صورة المطلوب، وهو يستجمع أجزاءها من بطون ذاكرته، لما دقت الساعة الثامنة، اندفع رتل المارة على الرصيف، ودفعت سلالم الأنفاق نفْثة من البشر، وتقاطعت السيارات،كان الشرطي محموماً من الخوف، فراح يغطس في غيبوبة الأرق، أنزل غدارته عن كتفه، فرأى في الجميع وهم على الرصيف أو سلالم الأنفاق أو الحافلات المزروعة أمام الإشارات الضوئية، ضحيته المنتظرة. أغمض عينيه، وضغط الزناد، واستبدل مغمضا كل مخازن العتاد التي بحوزته.وبعد أربع دقائق، استعاد ذبالة وعيه، رمى الغدارة، وطوح بخوذته، وهرول مخبولا في شوارع المدينة، مائة وأربع عشرة ضحية لا غير، تجسدت فيهم جميعا صفات الحكيم.لم يخطئ الشرطي أبداً في توجيه النار إلى هدفه وهو مغمض العينين،كان بين الضحايا ست وعشرون امرأة وأربعة عشر طفلاً، أهرمهم الزمن، وخانتهم الطبيعة البشرية في لحظات الخلود الخاصة، فتحولوا إلى أشباه مطابقة له، وكوفئ شرطي آخر لأنه أفلح في إبادة رواد سوق شعبي بكامله، تمثلت فيهم هيئة الحكم.

    أحس الشيخ أنه يتجدد بموت الآخرين، فقد آل فكرة مخيفة، لكن حزنا غلف عينيه، وداهمه إحساس بالذنب للأطفال في أحضان أمهاتهم وللأرامل، كان لا يخاف على الرجال، ففي محاضرة له في طبرستان أكد أن الرجل خلق ليقتل، ولم يقل ليموت،كان أشد ما يبعث الوهن في جموح خيالاته الثائرة حزن الأطفال، وفكر مرة عندما كان يعد لثورة خفية أنه سيفلح لو أخلي العالم من الأطفال مدة ثلاثة أسابيع.كان يعرف خلال خمسة وأربعين قرنا من مواجهة السلطات أن أضعف حلقات المواجهة هم الأطفال، لأن الإرهاب يطالهم، ومروا بعهود مظلمة، فوصلوا الآن إلى أخطر شيء، حشدهم وتعليمهم شعارات القتل وعبادة الفرد، وترديد مصطلحات طويلة لا معنى لها، وخلال حملة مطاردته، أفلح في أن يزيد وزنه إلى مائة وثمانية عشر كيلو غراماً، وقلل سنوات عمره إلى ست وأربعين، ابتاع دراجة هوائية، وانخرط عاملاً في شركة النفط، وجالس أدباء، مبتدئين في زقاق آدم. كتب قصائد بالأرمينية، وأرسل صوراً حديثة إلى أكاديمية العلوم في أرمينيا، فاتعب موظفيها بقصائد طوال شغلت البريد أربع سنوات، تزوج ممرضة جميلة اسمها أستر كان يوهم متعقبيه بأغان أرمينية يرددها صباحا في طريقه إلى العمل، واستأجر شقة عتيقة تطل على محلات الخياطين، والمصورين، ودار قديمة للسينما،في كركوك، وجاهد لإصدار ديوان شعر وسمه بـالحسرة الأفيونية وأطلق على نفسه اسما أجنبيا طويلا يصعب ترديده بسهولة خاجيك كربيت آيدنجيان ووشم ذراعه، وجزءا من ظهره بملحمة أرمينية قديمة، وتغنى بأمجاد وطن مختلق، لكن الشرطة كشفته عرضا، خلال وباء الغرور الذي دهم المدينة، إذ تعلق به ممرض شاب في المستشفى العتيق، وكشف هويته، حاول عبثا الذوبان من بين يدي الممرض الصبي الذي تنمّرت حواسه، لكنه اخفق بمعاكسة عناد الممرض الذي خدر ذراعه، وأصبح عصيا عليه الاختفاء في غياب جزء من جسده. وصل شرطيان برفقة الطبيب الخافر.لم يمهلوه، زرقه الطبيب سبع أبر مكثفة التخدير خوفا من استيقاظ قواه الخفية، وتركه ممددا على نقالة عتيقة،كان الأمر قد أذهل الشرطيين، فظنا أنه حامل جرثومة الوباء المخيف، لكنهما بحدس تعلماه من مهنتهما القديمة، لفاه بشرشف يعود لجندي جريح، ونقلاه بعربة إسعاف إلى مركز شرطة بريادي، حرّر حوله محضر مقتضب، ونقل إلى المركز الرئيس للشرطة في المدينة، وأصبح بعد ثلاث ساعات في المعتقل الكبير جنوب العاصمة. أول ما استعاد وعيه سألني عن دراجته، وملحمته الأرمينية، قال إنها دراجة عتيقة، صنعت دواليبها وقت حملة الهكسوس على مصر، تخفى بها بضعة أشهر، وفي الليالي المعتمة كان يفك شفويا رموز ملحمته. أحسست أنه يعاني عجزاً في ترتيب الأمور، أنهكته قرون المطاردة التي بدأت إثر العصور الجليدية، أبدى حزنا جارفا للحياة، ولعن الأوبئة التي قادته إلى هذا المكان، وصدر مرسوم في الصباح يحدّد مسؤوليتنا عنه، وزع علينا، وقريء بصوت عال، وأُفهم علنا للسجناء، والجدران، والأشجار الهرمة التي شهدت تقلبات الدهور، وأُخذت بصماتنا.أدخل وصوله أول وهلة الرعب فينا، إذا كنا نحسب بدقة أيام موتنا، فعصف حضوره بنا،كنا نعلم أنه قادر أن يذوب ساعة يشاء في المواسير، والنوافذ المشغولة بحديد قوي، ويمتلك قدرة خاصة على تضليل الأقفال وجعلها تفتح من جراء نفسها، لكنه حيّانا بودّ، فعرفنا أنه احترم فكره البقاء بيننا.

    في الأيام الأولى ظهرت عليه أعراض كثيرة؛ الاغتراب، وحب الرحيل، وجذوة الأحزان، أمراض مجهولة لنا، توصل زملاء في معهد الطب الذري إلى أن علاج الأمراض كلها، هو الحرية، راجعوا الكتب، ومعاجم الطب، وهُرّبت إليهم الإنسكلوبيديا الطبية التي وضعها أبو قراط، وحررها ابن سينا، واعتمدتها المراجع الحديثة، وجمعوا وصفا مبسطا للداء والدواء معا، لكنهم ما استطاعوا العثور على حروفهما في التاريخ، فأيقنوا أن العلاج أكثر غموضا من المرض، لكنهم حدسوا بأن هذه الأمراض لا تصيب إلا ذوي العقول المرهفة القادرة على عصر الزمن، وتفتيت تعاقبه، وأن العلاج لم يتوصل أحد إليه، على الرغم من أن الجميع يظنونه ميسورا منذ أن احتفل الاسكندر بحرق عاصمة عيلام، الجميع يرددون أنه موجود في بطون كتب التاريخ، والسير، والقوانين والصحف اليومية. وخلال وجوده بيننا في معتقل العاصمة ظهر نظام خاص لإدارة المعتقلين،كنا بضعة آلاف نقتسم أحواضا مربعة تحت الأرض، نرمى فيها حال وصولنا، وترمى إلينا قاذورات المدينة نقتات عليها، وتتسرب فضلاتنا عبر مجار واسعة،كانت ضوضاء المدينة تصلنا خلل شبكات الأنابيب التي توصل المياه إلى الأحياء المجاورة، وكان ضجيج سيارات الشحن يفرحنا ليلا ، وهي تمر في الشوارع فوق المعتقل الذي شجّر سطحه، وبدا من الخارج منتزها جميلا، أزهاره كبيرة، وممراته مشجرة ظليلة، فزارته سمير أميس، وارتأت أن تقام الجنائن المعلقة فوقه، وخلال آلاف السنين استمرأت حواسنا كل شبكة الضجيج، وتعطلت عقولنا عن الأحلام.كان الشيخ وحده من ظل مستفزا يتنصت إلى عالم الوهم الذي يعيشه الناس فوقنا، ومرة غرق لساعات في ضحك متواصل، حينما استمع إلى شاب يتغزل بفتاته، ويقول في ليلة الزواج، سأريك لفح قضيبي وعدّ ذلك أغرب جملة غزل في بلاد الرافدين فيما الشرطة تتهم الجميع بتداولها.

    كان أول ما عُرف عن نظام إدارة المعتقل، أن طبّقت إجراءات ختم أذرع الزوار، فكل داخل تختم ذراعه بخطوط متقاطعة تؤلف متاهة لتسلية الأطفال، وما كان ممكنا الوصول إلى مكان دون إظهار الذراع الموشومة بحبر خاص ذي رائحة نفاذة تقلق الضمير، ولا تمحى آثاره إلا بحلول عيد الأضحى من كل عام، وكانت السلطات تسمح بدخول كل شيء، حتى الأسلحة والمخدرات والبغايا، وأقيمت في الأحواض التي تربطها أنفاق أسطوانية من الإسمنت، بارات للخمر، وأحضرت نساء صغيرات من الفلبين، ونساء طويلات كأفاع من جزر الكناري، كنّ يتلوين بلذة مصطنعة تفجر أحاسيسنا المكبوتة منذ فجر التاريخ، وكنّ يستبدلن بغيرهن كلما بلغن الثامنة والستين.كنّ يقمن بيننا وإلى جوارنا، وحيث توجد نساء يوجد تجار مرابون وقادة عسكريون وشعراء مداحون ومهربون،كان بعض زوارنا يصلون بدون مواعيد مما يخالف الأصول المعمول بها في معتقل العاصمة. وبعضهم أعجب بحالنا، وأبى الرجوع، وفضل البقاء معنا، وقال إنه لا يريد العودة إلى حياة تتوقف فيها إشارات المرور خوفا عند مرور أحد المسؤولين في الشوارع. وبضعة أشهر عاش بيننا مهربون للعملة الصعبة من الخليج، وجزر هايتي، وبورصات وول ستريت، وجنوب شرق آسيا، وكلّ يجمع أصدقاءه بوساطة الشرطة، ويمضون سهرات صاخبة وسط نساء ناحلات من حنينهن الأبدي إلى ذكور ناريين وخمرة وفيرة.لم يدرك أحد أسباب الحرية التي حلت فجأة في المعتقل، بدأنا نتجول دون أن نأبه للأجراس التي خرست منذ حين، وتضاعفت أسعار البضائع الجسدية، والسجائر والخمور، وفتحت أكشاك حديثة يوجد فيها كل شيء، وبعد أربعة أشهر أجريت دراسة شاملة للمظاهر الجديدة، وتبين أن السلطات كانت توشم الجميع بوشم خاص يتفاعل حمضيا مع الرائحة الموجودة في جناح الحكيم، مما يؤدى إلى تغير الوشم، وبذلك أفلحت في إحصاء جميع الزوار الذين اتصلوا به، بينهم رجال مطاردون، وأرامل، وقادة أحزاب مهاجرة، وصحفيون يحررون جرائد يسارية لا تباع. بلغ عدد الزوار ستة وثلاثين ألفا وتسعمائة وسبعة، ازدحمت بهم المداخل خلال الشهور الأولى لوجوده بيننا، ألقي القبض عليهم جميعا، وأودعوا معتقلات جديدة في أعماق الصحارى، وسهول الحجاز، وداخل الصحراء الكبرى، وعلى شواطئ المحيط الأطلسي، ناحية الدار البيضاء، وفي سجن قارة في مكناس.

    كانت عينا الحكيم تعانقان الجدران والسقوف والأبواب، ونجح في ترويض مخيلته على الذهول المتواصل، والاستغراق في المستقبل، وكانت الحقائق تتكشف له قبل أوانها، وهو أول من تنبأ بأن الأمير يعدّ سجلات لكل مواطن، يحدّد فيه ما سيقوم به طوال حياته، فكان الشعب يقرأ مستقبله قبل أوانه، ووصف بدقة كل الحروب في بلادنا قبل أن تقع.كانت الجدران ترتعد خوفا من همسه الصامت، وفي تلك الفترة راح يغزل خيوط أحلامه عبر الأزقة ليربطها بمشاعر الناس، فعرف همسهم، وحنينهم، وأدرك خوفهم ، وأرقهم.كان الصمت قربانه الذي يفرض وجوده بيننا، وإشراقاته تنثال كندف القطن، وشآبيب الأمطار، وانهمك حراس خاصون بلم شتات معرفته الإشراقية التي ترامت كالطحالب في ممرات المعتقل، فكانت تتوالد بينهم وتبني ممالكها، وتتسرب مثل الدخان، وتذهب بعيداً حيث تتحول في المطابع الأهلية إلى وصايا وحكم تضمها أسفار ضخمة، إهترأت أغلفتها لكثرة التداول، عثر فيهاعلى آراء ابن سينا في النفس، ونقد سقراط للسفسطائيين في مدونات مفقودة، وتعريف دقيق لمقولة التمركز العقلي لدريدا، وبعض مقاطع من الفتوحات المكية، وفصل من المقابسات، وقد تصدرها قول جلال الدين الرومي إن الدم ليتفجر من فمي مع الكلمات استورد طباعون، ومصممون، ومنفذون، لتحويل وصاياه إلى خطابات أدبية وتاريخية، لكنها أبت أن تكتسب سمة الخطاب لأنها لا تنطوي على فاعل، فظلت محلّقة تلامس أفكار الناس وتجدّد أفراحهم، يردّدها الأطفال سرا في المدارس، وسرعان ما نسيت مناهج التعليم الإلزامي، واختفت المقالات السياسية الملفقة، وتحولت عناوين الصحف إلى خلاصات مكثفة تشي بالحكم والبلاغات الروحانية المتوهجة، وكان محررو الصحف يحذفون بعض أجزائها، وتنضد برقابة الشرطة، لكنها تتحول ساعة الطبع إلى هذيانات معرفية تردد صداها الأجيال.

    كانت نافورات الحِكم تتصاعد في المعتقل، وتطفح كالنسيم فتعانق الأشجار الجافة، وتترك عبيرها على شرفات البيوت وشواطئ الأنهار, وانتبهت إليها الفراشات والنحل، والطيور المهاجرة، فبلغت جزر الكاريبي إبان الحروب التي شهدها العالم في مطلع هذا القرن. وفي آخر فجر قضاه بيننا، ظل ساهراً يكافح سيول الدماء في عينيه، وظلت المشاعل في الإنفاق تنازع توهجها، وعبقت روائح بابلية في أركان المعتقل، وضمر الحقد الأبدي في نفوس الحراس، ولان الحديد، وذابت مقابض الفولاذ، وأبت الأقفال الضخمة أن تطيع الأيدي التي تأمرها كل يوم، وجمد الزمن حروناً، وغضب الجميع لأن وقت الإفطار ظل بعيداً لا يمكن حلوله،كان الجميع بانتظار عودة الزمن إلى مجراه، ساعة واحدة ركّبت عقاربها في غفلة عن الجميع، ظلت تحصي الزمن، وتربك مرور الأحداث، كانت ساعة غريبة أهداها العلاّمة طه باقر إلى المعتقل إثر وفاته،ساعة رافقته في جولته الشهيرة في معبد ننكرسو في لجش عندما كان بضيافة كوريا، وكانت الآلة الوحيدة التي استطاعت ضبط حلم الأمير، ودقت بصوت أقرب إلى قرع الأجراس الكنسية، وبلغ صدى قرعها أطراف مملكة سومر، فقدمت تأويلاً قريباً لوقائع الحلم الحزين، تركها العلاّمة في متحف الأحياء المجهرية، مدة اثنين وأربعين قرناً، وانتقلت ملكيتها إلى كلية الآداب عندما بدأ إلقاء محاضراته في قاعاتها المخرّبة، ولما توالى على عمادة هذا الصرح الفكري عمداء جاهلون، عبأوا الأفكار في مقولات ميتة، بدأت الساعة تعلن احتجاجها بدقات رتيبة أربكت مرور الزمن، كانت تشير إلى مرور الوقت بشكل خاص، فالدقيقة فيها ساعتان وأربع ثوان، واليوم سبع دقائق، والقرن مائة وأربعون يوما.ظل النزلاء حسب ساعة لكش ثلاثة عشر شهراً في انتظار إفطارهم دون جدوى، وتمكّن حارس هرم أن يعجل بمرور الزمن، وصب وسطنا سطلا من الحساء البارد، فأعلن حلول الإفطار. وخضع لرقابة مشددة، وتضافرت الأفكار في الرؤوس، وحبس الحراس أنفاسهم خوفا من انكسارات أرضية كانت ستقع في اليوم ذاته في البرازيل، وظن الجميع أن بركاناً سيثور ويبعث حمما تدفأ زمهرير المعتقل.كانت عينا الحكيم تتأملاننا بدعة، وكأنهما غاطستان في بحيرة جليد، واستقطاع أخيراً أن يفكّ الاشتباك الحاصل في هوس أحلامه، فبانت مسارب ضوء ذهبي بين عينيه، وارتعشت أرديته العتيقة ابتهاجاً، وزفرت أكمامه نفثات عرق باردة، لوى قضبان المعتقل بقواه الخفية، وفكّ بهمسه الخارق خرسانة السقف.

    أول ما بدا لنا بعد ذلك هو ضمور الجدران، وانصهار الحديد، وغليان الإسفلت، وتهدّم المحراب الذي تدرّب فيه كلكامش قبل أن يخوض رحلة الخلود، وأدرك أكثرنا إدمانا على المعتقلات أن البنادق تأبى قذف رصاصها، وأن المدافع التي تنسج سقف المعتقل استبدلت كرات النار بنفحات من نسيم البحر، وأكد أكثرنا عشقا لعوالم السجون، أن هذه حالة جديدة لم تعرف منذ بدء الخليقة، مع أن مجلس الآلهة كان قد قرر إنشاء معتقل قبل أن يكلفأنانا بخلق الإنسان، كلّ ما علق بذاكرة راهب السجون من عجب أنه رأى مرة خوف أترحاسيس، وهو يكافح من أجل إبلاء البشرية بمأزق الحياة، وأن سيوف بعض الآلهة ارتدت إلى نحورهم وهم يطاردونه عندما بدأت عواصف الأمطار ترعد في سماء الخليقة. ولما وصل الأمر إلى مجلس الآلهة أمر أنليل أن تستبدل بالسيوف الفؤوس، وهذه الواقعة أشارت حسب رواية بيروس على أنها من علامات الساعة، ودخلت في المخطوط الضخم الذي يُعرّف بالسلالات الحاكمة في العصر البابلي القديم، ومازال مطموراً إلى الآن إلى الشرق من أكد على مبعدة ثلاثة عشر فرسخاً في أحد التلال المهجورة جوار أحد الأنهار، مخطوط كبير يتكوّن من آلاف الرقاق الجلدية كتب بالمسمارية، تخفّى عن أنظار علماء الآثار والمولعين بكشف الحضارات القديمة، ومرّة انبثق كصبي طيني في الحلم لنوح كريمر، لكنّه ذاب في التراب خوفاً أن تلمسه الأيدي في المتاحف الأوربية.

    كان أول ما قام به راهب السجون، أن نهض ووقف بمواجهة الشيخ، وقبله من فوديه، واستغرق في تشمم عطر إبطيه الذي تنامى كطحالب بفعل الظلال، ارتطم الحراس بعضهم ببعض، والتوت أعناق البنادق، وذابت أركان المعتقل، فوجدنا أنفسنا في بستان مثمر، اختفى كل ما يدل على المعتقل، باستثناء أحكام الإعدام التي صدرت في ذلك الصباح، ولم يمهل الزمن الحراس بتنفيذ مضامينها، بقيت معلّقة على ألواح حجرية بانتظار أصحابها، أدركنا آنذاك بأننا أصبحنا جزءاً من أفكار الشيخ الحكيم، لا بفعل غرائزنا إنما بفعل عقولنا البدائية، وآمن بعضنا أنه أنشودة الغناء الآخر الأجيال على الأرض، وتعقّب بعضنا منتسبو دوائر الرقابة الفكرية، ولاحق آخرين جند مطلون بالجبس الملكي حاولوا إلقاءهم في آبار عميقة، استوطنتها الثعابين والحمائم والصقور. وأعلن اليوم التالي بدءا للتاريخ، وبدأت تنسخ وقائع الوهم المضللة في هذا الخطاب كما علق في ذاكرة الشيخ، لكنه أحيل نثاراً من الخوف واليأس والمرارة عندما صدرت أوامر كثيرة تؤكد خلو البلاد من الأمراض، والموتى، والجواسيس، وساد وئام، وانطفأت الأحزان، وذابت الأفراح، لأن المستقبل بكل وقائعه صار واضحاً، ولم يعد هنالك أمر مجهول سيقع ويجلب معه أنين اليأس، وتجرأ مواطن شديد الاحتفاء بهذه المناسبة، بأن ألقى، أمواله في دجلة، إسهاما منه بإعلان الإخاء بين البشر والتماسيح، وحلّت مشاعة بدائية، وساد إحساس دبق بالطمأنينة، فأصبح بإمكان الجميع أن يفترشوا الشوارع، والمصارف، وبيوت البغاء، ومكاتب التحقيق، ولكن لم يسمح لأحد أن يقترب من الحدود، أو الوقوف بدون عمل تحت الأمطار والسهر في قيلولة الأفكار المتوارثة عن القهر والخوف، أول من احتفى بذلك، امرأة كشفت عن جزء من ثديها، فخلد الأطفال إلى النوم تحت ظلال شهوتها، ومارست أخرى شبق الحرمان مع جذوع الأشجار، فلطخت مياه جموحها الثمار الناضجة، وتعرت أفواج من نساء أدمنّ السواد، فتوهجت المباغي بشذى الشبق الجارف لفروجهن الصغيرة، وتجرأت سبع نساء بابليات على اغتصاب فتى فخور بذكورته، وتركنه يتلوى خجلاً من نضوب جداول أصلابه من المني.

    كانت عواصف الشهوة تعربد في كل مكان، ولم يعد يسمع غير أنين الجوع إلى رجال أشداء ثلمت رجولتهم في حروب محيرة، استغلت السلطات لحظات الاستغراق القصوى للعقول والغرائز، فبثت قوتها في شرايين الدم، ونجحت بتوجيه ضربة قاصمة ضد الخارجين، الذين توحشوا في اللحظات الأولى لبدء التاريخ، وكان أن افتتح أول معتقل للنساء، إذ لم تكن الأقدار قد أعطتهن حق المكوث مستغرقات بأحلام خليعة، وتم في حملة تطهير التاريخ الكشف عن الشيخ واتباعه ممن كانوا يمجدون قوى الإدراك البشرية، أفلحوا في عزلهم في أنفاق سيجت بظلام الإرهاب، وقيدوهم بنباتات سامة تترك بثور طاعونها على السواعد والسيقان، وتسبب جرباً دائماً للأعضاء التناسلية.بدأ الحكيم يحزن لأن البشرية عادت إلى ممارسة عهرها البدائي، وتفجّرت جراح أفكاره العاصفة في هزيع أحد الليالي المثلجة، وأعلن عن ذوبان معرفته التي تناسلت منذ آدم، وانصهرت في صورة حلزونية لتضليل الأفعال المتخيلة لأصحاب القرارات المهلكة، وأعلن الاستسلام لطفل أشقر ذي عينين طويلتين، تبرقان رفاهية، كان انخرط في خدمة الشرطة بعد فطامه بيومين، واستطاع في الرابعة أن ينْظم جميع القوانين في مقطوعات غامضة، قادنا الطفل بهدوء، واستطاعت نظراته السحرية أن تزيل طبقات الأفكار الفاعلة في مخيلة الحكيم، فأحسسنا بضعف كبير إزاء قوى التسلط تجتث الأفكار وترميها في نفايات المستقبل، وتنهض على أكتافها للأطلال التام على الماضي.ذبلت أبصارنا رعبا من الحضور الطاغي للصبي الذي كان يلهو ببراءة، وهو يجلدنا بحروف لغته المتناثرة، فأدخل نظام سوط المارة والمتسولين والمفكرين والعشاق واحتجازهم، وأمر باستيراد جلود نمور تدبغ بقشور رمان من ديالى، وتعامل بزيت الحيتان،كما وردت في رواية ملفل, أغرم يتأمل جلود العشاق المهترئة تحت شرائط سياطه. وبعد أشهر تحولت قوة الصبي إلى بلازما تطوق الأفكار وتحدد الحركة، وفرض حضور قسوتها في كل مكان، ولما شب في الأشهر اللاحقة،كشف عن وجهه، وألغى قناع البراءة؛ فإذا به رجل في الثلاثين، وبعين واحدة، رضع دماء العقارب، وراح يناظره الحكيم بمنطق ملتو استعاره من معجم خاص بالبذاءة وطب الحيض، وكان يفرض عليه النتائج قبل الأسباب.عرض علينا الخلاص من حضيض المعتقلات إلى بناية نسجت بقضبان حديد قاومت التلف منذ ثورة سبارتاكوس، دفع درفتي البوابة، وقاد الشيخ من أصابع يده المثلومة، وهمس له بأن يضع يديه تحت إبطيه وينخرط في ماراثون أبدي، جفت الطلعة الساطعة للحكيم، وبدت أشبه بصدفة سلحفاة هالكة، أمرنا أن نتجه إلى الغروب، كانت الشمس معلقة ناحية الأفق بارتفاع قدم، اندفعت مجموعة صغيرة، وتسلسل الرعب إلينا جميعا فبدأنا الجري في متاهة الظلام، وكانت تسوط أجسادنا جلود مدبوغة، وتحاصرنا ألسنة اللهب، وكان الشيخ وسطنا يتضاءل، يتضاءل، وهو يحدق إلى الأمام، إلى الأفق المشتعل حمرة، حيث يكون الظلام.
    شكرا
     

  2. spenia

    spenia عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏2 سبتمبر 2006
    المشاركات:
    905
    الإعجابات المتلقاة:
    1.406
      28-06-2008 20:14
    يارك الله فيك اخي الكريم
     
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
قصة مؤمن ‏26 سبتمبر 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...