التجديد الذي نريد

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏3 جويلية 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      03-07-2008 19:49
    التجديد الذي نريد


    الكاتب: إبراهيم الأزرق

    فرقٌ كبير بين الهدم والتجديد..

    إذا كنت مقاولاً وطُلِب منك تجديدُ بناء أكل عليه الدهر وشرب، فليس المطلوب منك هدمه وإقامة صرح شامخ تراه خيراً من البناء الأول، بل كل وظيفتك أن ترمم منه ما انثلم، وتلم شعثه لتعيده كما كان في سابق عهده، وبقدر إرجاعك البناء إلى هيئته الأولى، يقاس قدر إبداعك في تجديده.


    ولو فرضنا أن مبنى أثرياً، قُلْ: هرماً، أو بناء آخر مبدعاً محترماً، طُلِب من بَنَّاء تجديدُه فأتى على بنيانه من القواعد، فأزاله وأنشأ عوضاً عنه كوخاً رآه في بعض مجاهل الدول وقد أعجبه حتى فتن به؛ فهو في ناظريه عظيم، فهل يعد هذا المُفسد مجدداً محسناً؟


    وكذلك الشأن في دين الله تعالى. فإذا تقرر عندنا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والتزمه صحابته والتابعون لهم بإحسان من سلف الأمة الصالح -رضوان الله عليهم- هو خير دين، وكل من خالفهم مقصر جافٍ أو متجاوز غالٍ، إذا تقرر هذا عُلِم أنه ليس مجدِّدًا ذلك الذي يهدم أركان الشريعة، ويغير معالم الدين لتنسجم مع العصر بزعمه! ولَمّا لم يكن ما أتى به خيراً مما أنزل الله -في اعتقاد كل مسلم- فهو مفسد. أما المجدد فهو الذي يعيد الأمةَ إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موقن بأن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الهدى صالح مصلح للبشرية في كل زمان ومكان.


    وهنا مسألة تستعصي على أفهام بعض من لم يستَنِرْ بأنوار الشريعة، فيظن أنَّ تغيرَ بعض الفتوى باختلاف الزمان والمكان، مسوغٌ لتغيير ثوابت الدين لأجل ما يخاله مصلحة، والفرق عظيم بين من تتغير فتواه بتغير الواقع تبعاً لأدلة الشرع الدالة على أن هذا الحكم يتغير بسبب اختلاف عوامل معينة، أو تتغير لأجل أن النازلة منوط حكمُها بمحض المصلحة دون أن يرد نص يرشد إلى الأصلح فيها، وبين من لا يرى شيئا ثابتاً في الشريعة، فعنده كل شيء قابل للتغيير، أو يرى الثوابت نسبية أو مطلقة، لكنه لا يصدر في تغيير فتواه عن أدلة الشرع المسوغة لذلك في نازلته المعينة، بل لمحض ما يظنه مصلحة وإن خالفت الأدلة بسبب إملاءات الواقع، فهذا الأخير منفلت عن ضوابط الشرع، فلا غرو أن يرى تبديل الدين باسم المصلحة تجديداً، وأما الآخر فلا يتغير ولا يغير إلاّ وفقاً لأدلة الشريعة الخاصة أو الكلية، ويعتقد أن ما خالفها لا مصلحة فيه راجحة، ويعلم أن وظيفته أن يرتفع بواقعه إلى ما قررته الشريعة، لا أن ينزل شريعةً تُلائم الواقع ويزعم أنها الدين الذي أنزل الله.


    أما ما يريد تشكيلَه ذلك الساذجُ دعيُّ التجديد بتغيير خواص الدين ومعالمه كل حين لينسجم مع واقع متغير، فليس هو الدين الذي أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو دين آخر يفرضه في كثير من الأحيان المخالفُ المتغلب، ومثاله في أيامنا هذه الغربي الكافر، الذي يريد إسلاماً ينسجم مع مبادئه، وتأويلاً للقرآن لا يتعارض مع جاهليته.


    وقد سعى الغربي إلى تحقيق هذا الهدف بخلع أسماء كالتجديد والتفكير والتنوير والوسطية على من يحقق له هذه الغاية، وليست الفاقرة في الاسم ومضمونه الصحيح، ولكن في المسخ الذي أُلبِسَه وصار لقباً عليه، وإلاّ فحاشا تلك الأسماء –إن حملت مضامين صحيحة- عيب وخلاها ذم.


    وقد تفطن إلى هذا بعضُ الفضلاء منذ أمد فكان مما قاله محمد محمد حسين رحمه الله في كتابه الماتع الإسلام والحضارة الغربية: "أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمارُ لإيجاد هذا التفاهم المفقود [بين المسلمين والمحتلين] وعمل على تنفيذها فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى [تربية العلمانيين]، ولكنها أبقى آثاراً، كما لاحظ اللورد لويد، وهي تتلخص في: تطوير الإسلام نفسه، وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها، أو غير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها، أو معارضاً لقيمها وأساليبها".


    وهذا التطوير الذي أشار إليه –رحمه الله- كان من أبرز دعاته أدعياء التجديد من دعاة التنوير الذين جاءوا ليستنيروا بنار الغرب فأحرقوا قيم الأمة، وشوهوا وجه الشريعة السمحة، فإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الدين، وإلى الله نبرأ من تغييرها معالمَ شريعة رب العالمين، ولله در أديب الفقهاء –علي الطنطاوي- يوم قال في ذكرياته: "هذه هي الكلمة الثانية نقذف بها في وجوه هؤلاء المفسدين الذين يتسمون بالمجددين، بعد أن داخلناهم وعرفنا طواياهم، فعلمنا أن الجمود الذي أنكرنا على بعض المشايخ، يُعد خيراً إن قيس بهذا الجحود الذي وجدناه عند بعض الشباب".


    ولسنا من دعاة الجمود أو التنطع والغلو فإن هذه خطط المنبتّين المنقطعين التي لا تنسجم مع سماحة هذا الدين، بل إنا والله مع التجديد الذي يعيد الأمة إلى وسطية خير البرية، فلا للجمود، ولا للجحود المتنكر صاحبه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشارق بما كان عليه صحابته وخير القرون.


    وإذا أدركت هذه المعاني لاح لك من بعيد خيالُ المجدد أو المجددين القادمين، فليسوا هم أولئك النفر الذين يبحثون عن الرخص ويتتبعون الشواذ ويؤيدون ما ينسجم مع المجتمع على عجره وبجره، أو يرخصون فيما يطلبه المستمعون على علاته، بل ليسوا هم أولئك الذين يجدون المخارج الشرعية لأنفسهم ولغيرهم من أجل أن ينسجموا مع مجتمعاتهم انسجاماً شرعياً على حساب ترك الأولى.

    بل هم تلك الثلة المباركة العبقرية التي تفري فَرِيّاً تُخْرِج به للأمة ما اندثر من أمر دينها، وترفع به قدر التدين في نفوس الناس من مستويات متباينة متدنية؛ مقبولة أو مرذولة إلى مستويات عُليا بها تتحقق الغاية من الخليقة التي هي العبودية لرب البرية على أتم الأوجه وأكملها، أولئك هم المجددون، وتأمل التاريخ وانظر في سير المجددين الأولين تجد مصداق ما شرطته في المتأخرين.


    فهل عَرَفْتَ من هُم؟

    أولئك هم الأقلون عدداً، الأعظمون قدراً، أعيانهم في الشاهد مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعوها من وراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فباشروا رُوحَ اليقين، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنِسُوا بما استوحش منه الغافلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحُها معلقة بما فوق الملأ الأعلى، أولئك أولياءُ الله عز وجل من خلقه، وأمناؤه وعماله في أرضه، والدعاة إلى دينه.. فواشوقاه إلى رؤيتهم.



    عن الألوكة
     
    4 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...