1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

مسرحية خمسون

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة cortex, بتاريخ ‏6 جويلية 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      06-07-2008 00:13
    قدّم مسرح دوّار الشمس الذي يديره المسرحيان روجيه عسّاف وحنان الحاج علي، بالاشتراك مع فرقة فاميليا مسرحية خمسون للمسرحيين التونسيين جليلة بكار (النص) والفاضل الجعايبي (الإخراج) للمرة الثالثة بعد عرض عمليهما هنا فاميليا (1993) و عشّاق المقهي المهجور (1995).
    وكانت المسرحية التي عُرضت للمرة الأولي عام 2006 في الأوديون في باريس، وتم عرضها نحو سبعين مرة في العالم العربي وأوروبا، أثارت إشكاليات مع الرقابة التونسية حين مُنع عرضها بتوصية من اللجنة الوطنية للتوجيه المسرحي التابعة لوزارة الثقافة. بالطبع أثارت هذه التوصية تضامن المسرحيين التونسيين وفاعليات المجتمع المدني والصحافة، ما اضطر وزير الثقافة أو الرقيب الأكبر ـ بتعبير الجعايبي ـ إلي التراجع عن موقفه بعد سجال بينهما علي صفحات الجرائد أعقبه لقاء.
    تسرد خمسون (سبق كتابة مقال عنها هنا) تاريخ تونس في خمسين سنة من خلال زوايا عدة: النظام السياسي، اليسار والأصولية. تتحدث المسرحية من خلال شخصياتها عن النظام السياسي القمعي في تونس خلال مرحلتين: مرحلة الحبيب بورقيبة الذي اضطهد اليسار فارضاً التغريب بالقوة، ومرحلة زين العابدين بن علي الذي أضاف إلي اضطهاد اليسار اضطهاد الأصوليين. وعليه، يطرح هذا العمل أزمة تونس ومن ورائها أزمة العالم العربي: الاستبداد السياسي الذي أقصي اليسار قبل أن يتحالف مع الأصوليات.
    عن هذا العمل الذي أثار إشكاليات مع الرقابة واليسار والأصولية، كان هذا الحوار الذي أجريناه مع جليلة بكار والفاضل الجعايبي تباعاً أثناء وجودهما في المسرح:

    جهات النظر

    أريد أن أبدأ من الإشكالية الأساسية، والتي أدت إلي إشكاليات في تونس أيضاً. كيف يمكن التعاطي مع نص ديني في المسرح ونقد قدسيته في الوقت نفسه؟
    لا يتعلّق الأمر بنقد قدسية النص الديني. إننا نتعامل في المسرحية مع أربع مجموعات إسلامية ويسارية والشرطة والمواطن العادي. وضمن كل مجموعة من هذه المجموعات توجد حالات مختلفة.
    ولكن ماذا عن استخدام القرآن، في إحدي المشاهد سجال من آيات قرآنية بين امرأتين إسلاميتين؟
    هناك تناقدات بين أفراد كل مجموعة. إذا أخذنا الشرطة مثلاً، هناك أنواع من الشرطة. فالشرطي القديم ليس كما الشرطي الجديد. السفاح القديم ليس كما السفاح الجديد. والشيء نفسه بالنسبة إلي اليسار. الأب يساري متطرف، الأم تحاول أن تكون في الوسط، المحامية حالة علي حدة لكن ابنتها يسارية متطرفة إنما من خلال الشعارات. عند الإسلاميين هناك الفتي والبنات الثلاث. ولدي كل واحد منهم رؤية للإسلام. حاولنا إذاً أن نبدي، في ظل ما نعيش اليوم، أن الإسلام ليس إسلاماً واحداً. لكل فرد رؤية وهي خاضعة لاعتبارات تربوية وثقافية وسياسية. في أحد المشاهد سجال بين الفتاتين. الأولي تقول ربي غفور رحيم والأخري تقول ربي شديد العقاب . وهنا الإشكالية الأساسية، فالأئمة والشيوخ كل واحد لديه تفسير. وهنا الإشكالية: من يريد أن يحدّث السيرة النبوية والقرآن ومن يريد إرجاعه إلي المجد الأولي. وهذا المنطق ما أردنا أن نبديه من خلال الشخصيات.
    هل هناك قصد من وراء هذا السجال إظهار التناقض في القرآن، وهناك رأي يقول بذلك؟
    ليست متناقضة بمعني التناقض الحديدي. الأمر لا يعدو كونه تفسيراً للنص الديني. هناك من يخرج هذا النص من إطاره التاريخي. لست عالمة لكن، كما أظن، ثمة اختلاف بين الآيات المدنية والمكية.
    في المسرحية هناك وجهات نظر مزدوجة: هناك اليسار ونقده، الاصولية ونقدها، الشرطة أو الدولة ونقدها. قد يفهم من خلال ذلك أن العمل ديمقراطي وليبرالي. ولكن هناك فهماً آخر: هل هناك محاولة تسوية بين هذه الجهات وكأنها تمييع للحقيقة من خلال إرضاء جميع الأطراف؟
    إرضاء كل الأطاف لا، ولكن بصفة عامة أنا لا يمكن أن أكتب من موقع الكره، أنا أكتب بالمحبة. حتي الجلاد منحناه لحظات من الإنسانية. أنا أبغض الكره. الشيء الذي أردنا إيصاله أنّه بلا حوار، بلا قبول للآخر، لا يمكن التقدم. الإسلام حضارتي. أنا أقبل المسلم لكن عليه بدوره أن يقبلني مع اختلافي.
    وعلي الرغم من ذلك اتهمتم في الغرب أنكم دافعتم عن الإسلاميين؟
    لا لم نتهم بذلك في الغرب. هذا الاتهام جاء من اليسار في تونس. اليسار لم يتقبل أن نقدم هذه الصورة لأن فرعاً من اليسار تعامل مع الإسلاميين التونسيين. مثلاً، مجموعة 18 أكتوبر تتألف من يساريين وقوميين وإسلاميين.
    رغم هذا الفهم المعتدل لجميع الأطراف...
    لا ليس فهماً معتدلاً، فأنا في حياتي اليومية ضد الإسلاميين، أنا علمانية. ولكن النص يتكلم عن تونس فلا أستطيع فرض وجهة نظري. المسرحية تتكلم عن رؤيتنا للمجتمع التونسي الحالي. مع ذلك فإن رؤية نظري موجودة من خلال شخصية مريم (الأم) التي ترفض الخمار. أنا ضد التطرف سواء جاء من هنا أم من هناك.

    خطر الانزلاق

    تعرضت المسرحية للرقابة، منعت في البداية بتوصية من اللجنة الوطنية للتوجيه المسرحي التابعة لوزارة الثقافة. طالبت اللجنة بحذف آيات قرآنية وأحاديث نبوية. لماذا؟
    ليس فقط آيات قرآنية وأحاديث نبوية. الأخطر، هم منعوا تواريخ من تاريخ تونس الحديث، وهذا شيء لم نفهمه. حتي إنهم حذفوا أسماء، أسماء عادية وأسماء مدن. هذا تطرف من نوع آخر. ونحن كان من واجبنا الدفاع عن حقنا في العمل وإبداء رأينا.
    طرح موضوع المسرحية بهذه الطريقة، قد يكون في منطلقه نوعاً من الكليشيه أو الكيتش. يعني تطرحين موضوعاً شعبياً في ظل الحداثة التي باتت سمة في مسرح اليوم. كأن المقصود استدراج الجمهور من خلال موضوع عام بهذا الاتساع. كيف تعاطيت مع موضوع المسرحية الذي يمكن أن يكون منزلقاً نحو الشعار؟
    المنطلق الأساسي في أعمالنا هو التحدث عن تونس الآن. في مسرحيتنا السابقة جنون ، تكلمنا علي شاب فصامي وعلاقته بالطبيبة النفسية. كل مرة نختار موضوعاً يهم تونس أولاً والعالم العربي والإنسان بشكل عام. في المسرحية هذه، مرت 50 سنة علي الاستقلال، وأردنا كفنانين مواطنين أن نبدي رأينا في وضع بلدنا الراهن. وقد لاحظنا أن هناك أصدقاء من اليسار التونسي ماتوا ولا يعرفهم أحد من الجيل الشاب. أصبحوا في النسيان. هم أناس أعطوا حلمهم لتونس، وأرادوا تونس أخري وقضوا سنين طويلة في السجنون التونسية. من جهة أخري، هناك معارضة جديدة يشكلها الإسلاميون. هذه المسائل كانت منطلق رغبتنا لإنجاز هذا العمل. يمكن أن يكون موضوع كهذا شعاراً. لكن نحن نكتبه ليس بوصفه شعاراً بل من خلال شخصيات تحمل أفكاراً وتمثل الجميع. هي شخصيات إنسانية يتماهي معها الجمهور بطريقة مختلفة. إنها شخصيات مؤلفة من حب وكره، أي من مشاعر. هي جسد يتحرك ويتألم.

    الإسلام لا الإسلاميون

    الأستاذ الفاضل الجعايبي، سأكمل معك من نقاشي مع جليلة بكار. كنا نتكلم عن توظيف النص الديني في عمل مسرحي. هل التعاطي مع هذا النص لتثبيت قدسيته أم لتحطيمها أم لإعادة قراءة هذا النص بطريقة جديدة؟
    في المنطلق نكنُّ للإسلام والمسلمين الاحترام الذي يستحقونه. والإسلام يدافع عن ذاته من غير أن يدافع عنه أحد أو أن يقدح فيه أحد. الإسلام دين آبائنا وأجدادنا. مشكلتي الأساسية ليست مع الإسلام، بل مع الإسلاميين الذين افتكوا أهم ما في الإسلام وأجمل ما فيه ليستعملوه مطية لتحقيق مآربهم. أعتقد أن الإسلام مسألة شخصية، ذاتية، تتفاعل معه كما تريد، وتمارسه كما تريد من دون وصاية ومن دون أيديولوجيات عقيمة أو مآرب سياسية تمتص العقول وتحث علي العنف. الإسلام عنيف؟ لا أعتقد ذلك. الإسلام حامل في طياته التخلف؟ لا أعتقد ذلك. أقول هذا أنا الإنسان العلماني. لكن أفكاري الشخصية لا أضعها في صلب الموضوع. أقول إن الإسلام دين مقدس أتعامل معه باحترامي لكل المسلمين الحقيقيين الذين يؤمنون به ويمارسون طقوسه. حين نفصل بين الدين والسلطة، بين الدين الحقيقي والدين السياسي فسنجد سبلاً جديدة وطرقاً وطروحات جديدة تؤكد لكل المشاهدين، مسلمين كانوا أم حتي إسلاميين، أن هناك سبيلاً لإعطاء الكلمة حتي لأولئك الذين يعبثون بالدين.
    وهل لهذه الأسباب أثارت المسرحية اعتراض ونقمة قوي سياسية في تونس؟
    اتهمنا من قبل بعض اليسار التونسي والنظام. ونحن فعلاً كنا أقسي علي اليسار، لأننا كيساريين وضعنا مرآة أمام ذاتنا وقلنا كفي لعب دور الضحية. أجل نحن ضحية النظام الأول والنظام الثاني لكننا أيضاً ضحية أنفسنا، ضحية تطرفنا كيساريين. بيننا الأبيض والأسود والرمادي. لهذا قدّمنا صورة متعددة الزوايا لليساريين وللإسلاميين. هناك المسلم الحنيف والمسلم العنيف. هناك اليساري الحقيقي وهناك اليساري المزيف، أي الأصولي والوصولي. أرأيت؟ هذه الصورة، هذه المعالجة، لم يعتد عليها المشاهد التونسي أو العربي عموماً. في فرنسا، حدث العكس. الأوديون، وهو مكة المسرح الأوروبي، رحب بهذا المشروع. قلنا لهم (في فرنسا) إن هذا المشروع لا يمكن أن يكون مجاملاً للغرب أو لذاتنا. لهذا فإن أمل (ابنة الرجل الماركسي والأم الماركسية) اكتشفت الإسلام في فرنسا. والأهم أنَّ من أدخلها الإسلام الفرنسي كان طبيباً فرنسياً تروتسكياً تحوّل إلي الإسلام.
    هذا النقد علي اليمين واليسار، يبدو متذبذباً في ظل غياب وجهة نظر محددة تمثلها المسرحية. ما الهدف من هذه المعالجة الناقدة للجميع والمتصالحة مع الجميع؟
    التطرف الفكري هو أن تحكم بالإعدام علي هذا وذاك، تفرض أفكارك. في الوطن العربي تفرض الأفكار بالقمع والزجر. أنا لا أفعل كما يفعل النظام حين يطلق النار علي الإسلاميين، وكما أطلق النار ـ ولا يزال ـ علي اليساريين. دوري وواجبي أن أعطي الكلمة للجميع، لكي يفهم المتفرج أين يتموقع.

    الفصل بين الحياة والخشبة

    كيف تستطيع الفصل بين أفكارك وتجربتك كيساري وعلماني في الممارسة الحياتية وبين رؤيتك كمخرج علي الخشبة، يعني كأنك تسحب نفسك من القضية التي تدافع عنها، ومن الهم السياسي والثقافي الذي تحمله؟
    ليس هناك تسوية ولا مساواة. هناك طرح وتمعن وتقييم ليجد كل متفرج ذاته في هذا الطرح أو ذاك. لسنا موضوعيين. قلت علناً إننا أنتجنا هذه المسرحية لئلا يسيطر الحجاب، قلتها في القدس العربي و اللوموند وغيرهما. اتفقت مع كل الأطراف الموجودة في المسرحية سواء اليساريين أم الإسلاميين أم المواطنين العاديين أن ثمة ثلاثة مستويات من الإفلاس في تونس والعالم العربي: تربوي وإعلامي وثقافي.
    أنا آتٍ من بلد يتبجح بالمستوي المعيشي وبالطبقة الوسطي التي دعمها النظام. هذا النظام يدافع عن مواطن استهلاكي، لكن الاستهلاك يبقي في مستوي البطن وما تحت البطن. نجازف ونحاول أن نرتقي بالإنسان إلي مستوي القلب وإلي مستوي البصيرة. نقول ما دمنا لا نتدارك هذه الكوارث الثلاث فلن نخرج من انكساراتنا وهزائمنا شرقاً وغرباً في العالم العربي. هذا الاستنتاج الأساسي الذي أردت أن يصل إليه المتفرج بنظرته المتشعبة لا المسطحة أو المبسطة إلي اليساري أو الإسلامي. وهنا لا بدَّ لليسار أن يكون لديه رؤية واضحة. مثلاً، كبار الزعماء المعارضين لا يتحدثون أبداً عن الثقافة.
    إنهم يتحدثون عن الاقتصاد والصحة والمسائل الاجتماعية، كأنهم اتفقوا علي تغييب كل ما له علاقة بالنظام التربوي والإعلامي والثقافي. لن نتقدم إلا بالفكر والمعرفة والتعددية والحرية. الإسلاميون أيضاً لا يملكون مشروعاً واضحاً علي مستوي الإعلام والثقافة والتربية. ربما لديهم شبه مشروع تربوي قائم علي الشريعة. لكن هذا المشروع يغفل بقية العلوم الأخري.
    السلفية تتبجح بالماضي. تريد إرجاعنا إلي الماضي في مشروعها هذا. لكن الإسلاميين ليس لديهم مشروع إعلامي. وقد قلت من قبل: لا تعطوا الحرية لأعداء الحرية، لأن الإسلاميين أدهي من النظام وأدهي من اليسار المتطرف. تطرف الإسلاميين رهيب وخطير جداً. هذه الأشياء كلها تقال في المسرحية من غير أن نغفل وجهة نظر النظام واليسار والأصولية.
    انطلقت في منتصف السبعينات، مع تأسيسك وجماعة من المسرحيين التونسيين المسرح الجديد ، من رؤية مسرحية تقول إن النص ليس أداة أولي للعرض. في خمسون ثمة نص حاضر كموضوع، حاضر كرؤية، حاضر كحوار مكتوب، كلغة، حاضر في صوت الراوي. هل ثمة تبدل في انطلاقاتك المسرحية من خلال هذه الزاوية فقط، زاوية طغيان النص؟
    أنت تتحدث عن جليلة بكار كأنها كاتبة متفردة في الكتابة، أو تتحدث عني كمخرج متفرغ للإخراج. لم أكن في خسمون وقبلها في هذه الوضعية. كتبت العديد من النصوص وأخرجتها، وكانت جليلة تمثل فيها، وحاضرة بشدة في الفكرة الأساسية وفي تطوير العمل. الفرق بيني وبين جليلة أنها هي تكتب، بينما أستفيد أنا من الارتجالات بكتابة نص أثناء التمارين من خلال البروفات.
    وقد وضعتما معاً سيناريو هذا العرض.
    نعم. لهذا فإن النص ليس نصاً يُقرأ، بل يُتفرج عليه. إنه يرضخ لقواعد اللعبة المسرحية بتعدد مستوياتها. النص في المسرح لا تقرأه كفن أدبي فقط. خاصية جليلة عندي أن كتاباتها مخضرمة، تنطلق من اقتراحاتي وأفكاري ومن اقتراحات الممثلين وتنطلق كثيراً من نفسها. تكتب في خلوة مكتبها. لكن هذا النص في النهاية تحت مجهر الجماعة.
    الإشكالية هنا أن النص قوي...
    من الضروري أن يكون قوياً...
    إنه نص قائم علي موضوع، موضوع شعبي، يتداخل فيه السياسي والديني والاجتماعي. نص يتكلم عن تاريخ بلد في خمسين سنة. ألم تجد صعوبة في تكسير هذا النص وتحويله إلي فن مشهدي، فن فرجة كما يُقال في المسرح؟
    التجربة المسرحية الديناميكية تتولي هذا الأمر. أعتقد أن نصوص شكسبير وموليير وبريشت وتشيخوف وغيرهم، هي نصوص قوية جداً. لكن مخرجي هذه النصوص نجحوا في تقديمها لأنهم يتعاملون مع الخشبة كما يتعاملون مع الورقة البيضاء. سر المسرح المتقدم أنه مصوغ من واقع الركح ومن المخاض الحقيقي لا من خبرة المكتب. لا تستطيع جليلة ولا أنا أن نكتب بهذه الطريقة. هذه خاصيتنا، شرط أن يكون هذا المخاض، وهذا التفاعل مع الارتجال، ملكي كمخرج، لأن كل الناس يتحدثون عن الارتجال، وهو باب مفتوح علي عشوائية رهيبة في تونس وخارجها. الذين لا يستطيعون التفكير أو تقديم طروحات، يتركون للارتجال المكان الأوفر، فتكون نتيجة العمل عشوائية وضعيفة. هناك كيمياء في التفاعل بين الفكرة والطرح والطاقات الحية علي الخشبة.

    بين النص والإخراج

    لا أفترض ـ بداية ـ صراعاً بين النص والإخراج. لقد شاهدت المسرحية وتابعت ما كتب عنها أثناء عرضها في عدد من الدول العربية كان آخرها في سورية. واسمح لي أن أبدي إعجابي هنا بالشغل المتقن علي الإضاءة والرقص والتمثيل. مع ذلك فإن الكتابات التي تناولت المسرحية ذهبت في غالبيتها إلي النص، إلي طرح العمل. لماذا هذا التركيز علي النص الذي ربما يؤدي إلي غبن الجهد الإخراجي؟
    هذه الملاحظة أرتاح لها لأنها تؤكد أن عملية الإخراج والتمثيل لا تستطيع أن تضع غشاوة علي استيعاب المضمون. الإبهار في الإخراج ليس من الأمور التي أؤمن بها. إرادتي الكبري أن كل العناصر موظفة في خدمة الفكرة، خصوصاً حين تكون الفكرة خطيرة أو مصيرية. هذا هو السهل الممتنع الذي أصبو إليه في عملي المسرحي. هذا التقشف غايته أن يوصل ما هو معقد في الإنسان والواقع اليومي.
    نظّرت للمسرح المتقشف ومارسته طوال أكثر من ثلاثين سنة. مثلاً، في خمسون لا يوجد علي الخشبة سوي بضع كراسي وسجادة. ما فلسفة هذا المسرح؟ ما الهدف من هذا التقشف إخراجياً؟
    أعتقد أنك إذا أردت أن تقول شيئاً وقلته في عشر جمل تكون بليغاً. وإذا قلته في كلمة عوض جملة تكون أبلغ. وإذا قلته في حركة تكون أبلغ فأبلغ. صقل هذا الغصن من شجرة التراث المسرحي صقلاً فيه قساوة ومتطلبات كثيرة، يهدف إلي بلوغ ذروة الأمور. ليس في متناول أيٍّ كان أن يصل إلي مسرح متقشف وبليغ. المسرح اليوم مبالغ فيه وعشوائي لا تتقارب أساليبه، وقد تجد عشرين أسلوباً في عمل واحد، إذ لا يتحكم ناسه في آلياته الحقيقية، إنهم يذرّون الرماد علي الأعين، يتكلفون، ويكلفون أسعاراً باهظة. شخصياً، لم أصل إلي هذا المسرح مع التقدم في العمر، بل انطلقت من هذا المسرح منذ بداية عملي. صغت من الضعف قوة، من قلة الإمكانات والفقر صنعت قوة جبارة.
    رغم الحداثة المطروحة في المسرح والفنون عموماً، ما زلت تقدّم مسرحاً سياسياً. ألا تخشي أن تقع في الدعائية أو بمعني آخر، أن يكون هذا المسرح في جزء منه توسلاً للموضوع؟
    هل تعتقد أن هناك دعاية في خمسون ؟
    شخصياً، لا.
    إذاً، لا تخشَ سقوطي في الدعاية لأنني إنسان أحاول كل جهدي أن أكون نزيهاً وشجاعاً أسمّي الأسماء بأسمائها حين يقتضي الأمر. قال إروين دسكاتور في الثلاثينات أثناء الزحف النازي: لا يكفي أن يتحدث المسرح عن كبريات المشاكل بل يجب أن يحاول تغيير العالم. إنها محاولة بسيطة ومتواضعة منا لإحدي مشاكلنا الكبري. في النهاية فاميليا لا تشبه خمسون وكذلك جنون أو عشّاق المقهي المهجور .
    البحث عن عايدة تشبهها من حيث كونها طرحاً يتناول قضية كبري هي قضية فلسطين.
    صحيح، ولهذا كدنا ننفرد في هاتين المغامرتين في المسرح السياسي الذي يتناول السياسة كجوهر.
    للتوضيح فقط، لم أقصد بمصطلح الدعائية الدعاية لفريق معين، بل قصدت الدعاية للمسرحية نفسها.
    لا دعاية لسياسة معينة أو أيديولوجيا معينة، ولا دعاية للمسرحية نفسها. لسنا في حاجة إلي هذه الدعاية. حين قدّمنا جنون أو فاميليا في مسرح قرطاج، أقبل عليهما آلاف المشاهدين..
    وكنت بدأت بسبعة مشاهدين فقط في مسرح قفصة في الستينات.
    وهكذا انتقلنا من مسرح لا يهتم به أحد إلي مسرح شبه نخبوي بات يقبل عليه الجميع. هذه حقيقة وليست افتراضاً. لهذا لم تكن الدعاية هاجسنا حين قررنا تقديم مسرحية خمسون .


    :copy:
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...