سعد الله ونوس

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة bilelhamma, بتاريخ ‏6 جويلية 2008.

  1. bilelhamma

    bilelhamma عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    762
    الإعجابات المتلقاة:
    99
      06-07-2008 13:18
    صناعة المسرحية عند سعد الله ونوس , قراءة في المدخل والإشارات الركحية
    من خلال " مغامرة رأس المملوك جابر "
    نور الدين بن حميده

    يشترك مسرح سعد الله ونوس مع رؤية بريخت المسرحية في جملة من المبادئ أهمها المباعدة و الإغراب
    المباعدة وهي ألا يندمج الممثل في الدور و كذلك المشاهد الذي يجب أن يكون يقظا و حاضرا طوال العـرض وأن يدرك أن ما يراه تمثيل و ليس حقيقة و ألا يكون موقفه إندماجيا بل موقف المفكر و المتأمل. فمطلوب من الطرفين ألا يتماهيا مع ما تعيشه الشخصية.
    الإغراب وهو تحويل ما هو عادي عند المتفرج إلى غير عادي لخلق لحظة الإكتشاف عنده أي وضع المتناقضات في مقابل بعضها في سبيل التوصل إلى حالة من الوعي و التفهم وهكذا تكون الصورة المغربة صورة تجعلنا ندرك الموضوع و في نفس الوقت تشعرنا بأنه غريب عنا.

    I- قراءة المدخل أو" هوامش للعرض و الإخراج".
    يميز سعد الله ونوس بين مسرح التسييس و المسرح السياسي . ويحدد الفرق بين المساحتين بأن "الأولى هي العرض المسرحي الذي تقدمه جماعة تريد أن تتواصل مع الجمهور و تحاوره والثانية هي جمهور الصالة الذي تنعكس فيه كل ضواهر الواقع و مشكلاته"ص43 فالأولى تقوم على طرفين أحدهما يبلغ رسالة ما و الثاني يتقبلها أم الثانية فتقوم على إشتراك الطرفين في عملتي البث و التقبل مما يولد ضرورة العمل الإرتجالي. علما بأن الإرتجال والإشتراك في إنتاج التجربة المسرحية بشكل آني يفترضان صعوبتين: أولاهما ترسخ التقاليد المسرحية حيث لا سابق لمثل هذه العلاقة و ثانيتهما طبيعة المتفرجين النفسية و موانعهم الداخلية التي قد تمنعهم من الإنخراط في إنتاج التجربة. و هذه الموانع تدفع المسرحي إلى الانطلاق باصطناع جمهور مشارك أي" الممثل المتفرج" كبديل لما يمكن أو ينبغي أن يكون عليه المتفرج. و معلوم أن المتفرج سينتبه إلى ذلك . وهو انتباه مطلوب لـ "كسر طوق الصمت" والتكلم عن المتفرج بما يعتريه أثناء العرض, وبالتالي تحويل المتفرج بشكل ما إلى طرف في العرض رغم أن التدخلات المنبعثة من الصالة سيؤديها ممثلون مدربون.
    و لهذا فعلى النص المسرحي أن يحتوي على أسباب إثارة الحوار بين الخشبة و الصالة كتعلق الموضوع بحياة المتفرج و مشاكله المعيشة آنها وهو ما يفترض إلمام الكاتب بكل ما يتعلق بالبيئة التي يكتب عنها.
    إن حلم سعد الله ونوس هو أن تمتلئ المساحتان "بعرض تشارك فيه الصالة عبر حوار مرتجل و غني يؤدي في النهاية إلى هذا الإحساس العميق بجماعيتنا و بطبيعة قدرنا و وحدته"ص45 . و لا يفوت سعد الله ونوس أن يذكر بأن حرصه على الشكل لا يلهيه عن المضمون حيث يريد لتلك الهواجس الجمالية أن تفجر المشاكل و التطلعات السياسية. و بناء على كل ما تقدم يفترض أنه لا وجود لنص مسرحي نهائي لأن ظروف العرض هي التي ستشكله في كل مرة بما يتناسب مع المعطيات الموضوعية التي تساهم في إنتاجه. وهو يرى أن نموذج المقهى في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" نموذج للتجربة الساعية إلى كسر المسافة الفاصلة بين المساحتين . و لذلك فإن البداية كثابت فنيا في المسرح التقليدي يقع تجاوزها , و يراد لها أن تكون تلقائية غير خاضعة لتزمين معين و إنما بعد الشعور بالإنسجام بين المجموعتين. و على هذا نلاحظ أنه يهدف إلى كسر عقبتي الزمان و المكان و تحويل الحدث المسرحي إلى ما يشبه سهرة المنوعات وهويقترح مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" كوسيلة اصطناعية قابلة للتعديل و التغيير.
    وقد لاحظت أن سعد الله ونوس عبر عن كل تلك التنظيرات ضمن الإشارات الركحية محاولا التأكيد على وعيه بصعوبة المهمة.

    II- تدخل الكاتب في مستوى الصناعة الفنية:
    1- ضبط العلاقة بين الخشبة و الصالة: يمكننا أن نلاحظ أن الكاتب قد بدأ مسرحيته بما يجري في الصالة متدرجا عبر الإشارات في تقصي مظاهر الإنسجام المطلوب لإنطلاق التمثيل مراوحا في ذلك بين ما يرى :"تظل الرؤوس تتقارب في أحاديث جانبية" ص 58 و ما يسمع: "تنتهي أغنية و تبدأ أغنية جديدة" ص48, إلى أن يبلغ نقطة إلتقاء الخشبة بالصالة , فــ"يدخل خمسة ممثلين ثلاثة رجال وامرأتان..." ص64. و في هذا المستوى تنشأ العلاقة بين المساحتين في شيء من التناغم الفني. و لكي يجعلها أكثر توطدا , فإنه يفارق الزمان فيتطابق الماضي و الحاظر, ويفارق المكان فتتطابق الخشبة و الصالة في قوله: "يمثلون جميعا أهالي بغداد في ذلك الزمان يتقدمون من الزبائن و يتوزعون أمامهم"ص58. و على لسان الزبون1: "أي والله كأن الأحوال لا راحت و لا جاءت" ص58 ثم يتقدم في مزيد تثبيت طبيعة العلاقة بين الممثلين و الجمهور حيث يتكاملان و لا يعرقل أحدهما الأخر: "أثناء حديث الزبونين يظل منغمرا في متابعة مجرى ما يريد قوله" ص,64 بل إنه يعمد إلى بيان ردة فعل المتفرج من حين إلى آخر فـــ"يتوقف الخادم فجأة وهو يحمل صينية, و ينتبه ناحية الممثلين متابعا لعبتهم باهتمام" ص65. وقد ينغمس الكاتب مع الأحداث لفترة إلا أنه سرعان ما يعود للتذكير المباشر بحضور الصالة و ما يحدث فيها و لو بإشارة بسيطة :"لغط بين الزبائن ثم يتوضح" ص80, حتى لا يتناسى القارئ ذلك. و سيظل حريصا على توطيد أواصر العلاقة بين الخشبة و الصالة, فيجعل بعض الممثلين: "يقطع التمثيل ملتفتا إلى الزبائن"ص81, أو في الصالة "يخفت صوت الغناء و يصبح خلفية" ص 121. و تبدو العلاقة في منتهى التطور عندما : "السياف يتقدم من الزبائن حاملا الرأس المقطوع، ينظر إليهم و يقهقه" ص162. و تبلغ تلك العلاقة منتهاها باندماج المساحتين في قوله "و يعم الصمت فترة مديدة, ثم ينهض الرجل الرابع من بين القتلى و يقف قرب الحكواتي.. بعد قليل تظهر زمرّد في الطرف الآخر فيناولها الحكواتي رأس المملوك جابر تحتظنه و تقبله... و بحركات بطيئة كالطقوس يتقدم الثلاثة من الزبائن تتوسطهم زمرّد التي تحمل الرأس بين يديها" ص166
    يتضح مما تقدم أن الاشارة الركحية تنهض بوظيفة دقيقة تنم عن خلفية فكرية ذات تجليات اجتماعية , من أهدافها دحض الفوارق وتسوية الأوضاع ضمن مساحة واحدة على مبدا التشارك في كل شيء .
    2- الإشراف على الديكور: يقوم الكاتب عبر الإشاراة الركحية بعمل المخرج في تحديد قطع الديكور و لأن المسألة في منطلقها النظري تجري دون ستار و على أعين الجميع ,فكثيرا ما نجد الكاتب يعمد إلى إبراز تلك الناحية. قد يكون تدخله من باب الوصف العام لما يجري كقوله :"يدخل الممثلون الخمسة و هم يحملون معهم شباك فرن و بعض القطع الأخرى التي يمكن أن توحي بمنظر شارع عام" ص69و يمكن أن يرد على شاكلة الإقتراح: "يمكن هنا في كل المشاهد الإستعاذة عن ذلك بالبانوهات المرسومة" ص69. كما أنه لا ينسى أن يشير إلى ما ينبغي عمله بقطعة الديكور بعد أن تؤدي دورها: "ثم يحمل قطع الديكور و يخرج هو الآخر" ص.146. وقد تتعدد مستويات السرد و تتداخل الإشارة و سرد الحكواتي ,فيذهب الكاتب إلى التذكير بما يجري على الخشبة من تعديل الديكور كقوله :"خلال كلام الحكواتي توضع قطع ديكور تمثل ديوان الوزير" ص 96. أو قوله: "يضعان ما يحملان من قطع ديكور بسيطة تمثل ديوان الخليفة" ص123. وهو في هذين المثالين يبين أن كلام الحكواتي هي الفسحة الفنية التي يغتنمها الكاتب لتغيير الديكور. و هكذا فإن تغيير الديكور لم يعد يقتضي التوقف عن التمثيل و إنزال الستار. و سعد الله ونوس يحاول في هذا الخصوص أن يكون وفيا لما أورده في المقدمة. و قد يدفعه حرصه على التدخل في خصوصيات العمل الفني إلى تجاوز الديكور العام إلى بعض تفاصيله مثل الإضاءة وهي عنصر أساسي دال في المسرح. و لكن إعراضه عن جملة من التقنيات و الممارسات التقليدية من زمان و مكان هو ما جعله يشير إلى هذا العامل التقني مرة واحدة خلال المسرحية في قوله :"تسقط حزمة ضوء على رأس جابر فينبثق منه لمعان" ص114. والغريب أن هذه الإشارة الوحيدة ارتبطت برأس جابر الذي كان من أهم محاور المسرحية.
    3- الإشراف على الممثلين: تصور سعد الله ونوس من خلال الإشارات أن الممثل الواحد يمكن أن يكون صالحا لآداء أكثر من دور من منطلق ما في الدور من مباعدة, إذ ليس عليه نظريا أن يتماهى بالشخصية التي يتقمصها. و لهذا وجدناه يحدد أدوار الممثلين و ينوعها في مرات عديدة كقوله :"بينما الحوار مستمر يدخل رجل رابع يحمل كيسا فارغا. ينبغي أن يقوم بدوره نفس الممثل الذي يقوم بدور منصور و إن بدا الآن أكبر سنا" ص83.أو قوله: "يدخل الممثلان اللذان قاما بدوري الوزير و الأمير عبد اللطيف" ص.123. و يكرر نفس الإشارة تقريبا مع إضافة ما يطرأ من تغيرات :"يؤدي الدورين الممثلان اللذان أديا أولا دوري الوزير و عبد اللطيف و ثانيا دوري الخليفة و عبد الله" ص .153. .بل إنه يذهب أحيانا إلى تسلم دفة السرد من الحكواتي و نقل ما يجري على الركح كبديل عن الممثلين: "تتم رواية هذا المقطع على صوت خبب الخيول و صليل السيوف و تقطعه الصرخات.. و بين حين و آخر يندفع بعض اللذين تعرفهم ممن مثلوا عامة بغداد أو سواهم" ص165. حتى إنه يمسرح الحكواتي فيجعله يغادر الكرسي وهو يروي و "يجول بين الأجساد التي تتكدس" ص.165. و من أدلة إشرافه الكامل و تمثله لتفاصيل ما يجري,حرصه في الإشارة على التنبيه إلى إتجاه الممثل للتذكير والإشادة بنوعية علاقته بالجمهور كقوله :"يركع جابر بحركة بطيئة و وجهه للجمهور بحيث تبدو واضحة كل الإنفعالات التي يمكن أن تعبره" ص115.
    لقد بدا سعد الله ونوس من خلال الإشارات الركحية حريصا على متابعة الممثل وهو يتحرك على الخشبة و بين
    الحضور, و مهتما بأدق التفاصيل. إنه يشير حتى إلى إنعدام الحركة كقوله "يستمر المشهد و يتم إيمائيا على صوت
    الحكواتي" ص161. و هكذا يبقى المشهد قائما في ذهن القارئ بتفاصيله. إن الكاتب ينقل عن الشخصية كل ما
    يتعلق بها محددا جميع حركاتها كما يتصورها أو كما يقترحها. فالوزير:" يدور قاضما شاربه بأسنانه" ص.97. مما
    يجعله في حالة من التوتر النفسي. وهو في أحيان كثيرة ينقل الحركة و يحلل أبعادها كقوله عن جابر ": يبالغ في
    الإنحناء و يزيد من مظاهر الإحترام حتى لينكشف النفاق واضحا" ص.103. و لكل هذا صلة وثيقة بتقديم سعد الله
    ونوس لشخصياته في الإشارات الركحية.

    III- تقديم الشخصية:
    بنى سعد الله ونوس تقديم الشخصية ,من خلال الإشارة الركحية ,على ثلاثة قوائم أساسية: الملامح العامة والخصوصيات التأهيلية أي ما يؤهل الشخصية للعب الدور, ثم مدى قدرتها على التكيف مع الدور أو الأدوار التي تؤديها.
    1- الملامح العامة: و نلحظ ذلك منذ بداية المسرحية حيث يقدم شخصية :"العم مونس رجل تجاوز الخمسين حركاته بطيئة وجهه يشبه صفحة من الكتاب القديم الذي يتأبطه" ص51 ..فالتقديم إلى حد هذا المستوى يبدو تقليديا كما في جل الكتابات الأدبية ,عدا عن الملاءمة بينه و بين الكتاب و ما في ذلك من دلالة. كما أنه في تقديم شخصية المملوك جابر توخى نفس الأسلوب تقريبا حيث إنه: "شاب تجاوز الخامسة و العشرين من عمره معتدل القامة شديد الحيوية يمتاز بملامح دقيقة و ذكية" ص59. و كذلك صديقه:"المملوك منصور في حوالي الخامسة و الثلاثين من عمره أو أكثر قليلا قامة قصيرة و بنية قوية ملامح وجهه تشف عن وداعة و طيبة" ص59 . إلا أنه سيجاوز التقديم التقليدي الذي يعتمد القامة و السن و الملامح العامة مع بعض الشخصيات الأخرى و ستجد نفسها في دولاب الحدث المسرحي مع الإستقراء التدريجي لبعض خصوصياتها.
    2- الخصوصيات التأهيلية: عندما قدم سعد الله ونوس شخصية العم مونس لم يتوقف عند ملامحها العامة ,و لكنه رسخ فيها من الصفات ما يمكن إعتباره مؤهلا للعب دور الحكواتي , و الحفاظ على الحياد طيلة المسرحية التي تشهد عديد الإهتزازات. فدوره يقتضي ضربا من اللامبالاة تجاه ما يجري حوله لأنه هو الذي ينتجه بشكل ما. و لذلك قال عنه: "عيناه جامدتا النظرة, و رغم إختباط لونيهما فانهما توحيان بالحياد البارد... على العموم هو الحياد البارد الذي سيحافظ عليه تقريبا خلال السهرة كلها" ص51 . و يمكن أن نلاحظ أنه اهتم بترسيخ خصوصية الحياد البارد باعتبار ما يقتضيه الدور. إلا أنه في تقديم شخصية جار يرى: "في عينيه خاصة يترامى بريق نفاث يوضح انطباع الذكاء و يؤكده" ص 59 . فبعد أن ننتهي من قراءة المسرحية نفهم أنه أراد لتركيبة هذه الشخصية أن يشقها تناقض ما بحكم وضعها الإجتماعي و حلمها بالإرتقاء. و إذا بالذكاء وحده لا يشفع و المهم أن ما وصفت عليه شخصية جابر من ذكاء هو ما أهلها لمتابعة الدور إلى أواخره. ومن خلال هذا نفهم أن سعد الله ونوس قد اختار الشخصيات التي تصورها مناسبة لما طرحه و نظر له خاصة على مستوى قدرتها على التكيف والتأقلم و التنوع في أداء الأدوار.
    3- تكيف الملامح مع مقتضيات الأدوار: تجمع الشخصية الفنية على شخوص والمهم بالنسبة إلينا أن سعد الله ونوس جعل الشخصية الواحدة قادرة على الاضطلاع بأكثر من دور, و بالتالي تقمص أكثر من شخصية كلما اقتضى الأمر ذلك . وهو ما طرحه منذ البداية. و لا يظهر ذلك فقط في تصريحه أكثر من مرة بأن هذه الشخصية أو تلك هي التي أدت الدور السابق لشخصية أخرى مثل قوله :"ينبغي أن يقوم بدوره نفس الممثل الذي يقوم بدور منصور و إن بدا الآن أكبر سنا" ص 73 , إذا ليس في هذا المستوى فحسب بل كذلك في مستوى اقتدار و مهارة الممثل العمليين. فملامح جابر الدالة على الذكاء الوقاد تصبح " على وجهه تتخايل ابتسامة الخبث" ص60 . و الملامح البادية على وجه المرأة تصبح إختزالية دالة على حالة نفسية تعتري جماهير بغداد عندما :"يرتعش وجهها بالخوف و ترتبك" ص78 . أو عندما يبرز في جابر قدرته على المباعدة و عدم التماهي وهو: "يمضي مغنيا وسط ذهول الآخرين" ص94 . كما أنه كثيرا ما يعقد الصلة بين الظاهر والباطن عبر وصف الملامح الخارجية المؤدية إلى التفاعلات النفسية كقوله عن الوزير :"بدأ يغضب و يزوي ما بين حاجبيه" ص104. أو التصريح بتلك التفاعلات و دلالاتها كقوله عن عبد الله أخ الوزير :" تلوح على وجهه أبشع علامات الإزدراء" ص 128. و على هذا نلاحظ أن سعد الله ونوس وظف الإشارة الركحية لتفعيل تصوره لما يمكن أن تنجزه الشخصية عبر جملة تحركاتها المسرحية.

    IV- الحركة المسرحية:
    عرفنا أن تحركات الممثل على الخشبة أساسية دالة بذاتها وهو ما استوجب النظر فيها من خلال إشارات الكاتب . و قد اشتملت تلك الإشارات جملة من الحركات البسيطة التي تؤديها الشخصية وهي تتنقل على الخشبة, و كذلك الأفعال التي ضخها الكاتب لدفع الحدث المسرحي و تكثيف المسار السردي.
    1- الحركات البسيطة الدالة: قد يرد هذا الصنف من الإشارات بكلمة تحيل على الحركة :"يدخل الزوج" ص 129, أو: "و يخرجا" ص142, أو بجملة فعلية يميز الحال فيها نوعية الحركة كقوله :"و يخرج متخفيا" ص 148, و ما إلى ذلك من الأفعال المماثلة التي يعلو نسقها و ينخفض بحسب ما يعتري الأحداث من حركية. وقد ترد الاشارة باسم يعوض الفعل كقوله :"صمت" ص 143, أو بمجملة إسمية "وهو ينصرف" ص .146. إن هذه الحركات البسيطة هي التي تكفلت بمهمة نقل الإهتزازات الطارئة على أنساق الحدث في كل مرة مرة.
    2- الحركات المكثفة: إن استغراق الكاتب في نقل تلك الحركات هو ما يدفعنا إلى الإعتقاد بأنه يريدها وظيفية في نقل المشهد بدقة, أو في دفع المسار الحدثي. فعند قدوم الحارسين على أهالي بغداد وارتعاب الناس يبدو الرجل الرابع متزنا حكيما عاقلا من خلال إشارة الكاتب حيث كثافة الأفعال التي تعكس تلك الأبعاد في قوله: "ينتبه إلى إقترابهما... يغير الكلام و يواصل دون تلعثم، يتابعه الآخرون بخوف و دهشة" ص 79 . إن طبيعة العطف بين أفعال الإشارة هي التي تعكس ما على الشخصية من اضطراب و قدرة على تدارك الموقف في آن. و لذلك يضيف :"كلما اقترب الحارسان يعلو صوته" ص79 . إلا أن هذه الحركات المكثفة قد لا تكون ضمن إشارة واحدة , بل على إشارات متقطعة يتابع الكاتب من خلالها الشخصية ليبين تصاعد ملمح ما في داخلها كتصاعد الغضب في صدر الوزير وهو ما صوره عبر تكرار حركة النشوق. فمن :"يتناول نشوقه" ص 103, إلى: "فيما يبدأ الوزير يعطس" ص104: إلى "مندهشا... يتناول النشوق,و بحركة آلية يدس منه في أنفه" ص 105, حتى قوله: "مندهشا...تتوقف يده التي تبحث عن بعض النشوق" ص 107 , بعد أن صار "نافذ الصبر" ص106. وهكذا فمتابعة الحركات جاءت لتبين تصاعد وضع نفسي ما. و لعل أكثر موطن تتكثف فيه الإشارات هو أواخر المسرحية عندما يصبح جابر بين يدي السياف و تتسارع تساؤلاته و دقات قلبه و تفاعل المتقبلين معه. فيبلغ الأمر حد التداخل بين سرد الحكواتي و تولي الكاتب للعملية السردية باعتبار كثرة الإشارات الركحية. فمن صفحة 159 إلى صفحة 161 سيراوح الكاتب بين جملة يقولها جابر و إشارة يعلقها بنفسه. وهو ما يجعل النص متسقا منسجما مع النسق العام لمجريات الأحداث في تلك اللحظة المسرحية. إن كثرة الأفعال في تلك الإشارات هي التي دفعت بالأحداث إلى التسارع تناسقا مع ما في نفس جابر من اضطراب.

    V- تداخل الإشارة بسرد الحكواتي:
    الواضح أن الكاتب قد استجلب شخصية الحكواتي ليوكل إليها مهمة سرد الأحداث كلما اقتضت الضرورة الفنية ذلك, إلا أنه يحدث أن تتداخل مستويات السرد فتقوم الإشارة بجانب من تلك الوظيفة. وقد حصل في بعض المواطن الحدودية بين جمهور المقهى و الممثلين (و الكل ممثلون) عندما اقتضت الضرورة أن تقوم الإشارة بوظيفة التنسيق كقوله: " أثناء الحوار السابق يعود بنا المشهد إلى رواق في قصر الوزير" ص 88. وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى استبدال الحكواتي بالإشارة , و كأن الكاتب , وقد أفلت منه القلم , ينساب مع الحركة السردية فينوب عن الحكواتي . و خير مثال على ذلك الفقرة الواردة بين صفحتي 95 و 96 حيث تبدأ الإشارة على أعقاب كلام الحكواتي للتذكير و التعديل في البداية: "خلال كلام الحكواتي توضع قطع ديكور تمثل ديوان الوزير"ص 96 , ثم الوصف و تقديم الشخوص و وصف ما يوجد بديوان الوزير. لكن اسهابه في وصف شخصية الوزير و بعض حركاته يجعل الإشارة تتجاوز حدودها التقليدية إلى مشاركة السارد في تحيين مسار الحدث.
    و إذا اعتبرنا أن الحكواتي نفسه شخصية مسرحية، فلابد لها من واصف. لقد قدمها الكاتب في بداية المسرحية و لذلك فإنه يتعهدها بالمتابعة من حين لآخر كلما اصبحت طرفا في الحدث كقوله: "يخفت الضوء في القاعة... بينما يشتد على الكرسي الذي يجلس عليه الحكواتي – إلى قوله – تمتزج الحركات بكلام الحكواتي و تشكل معها ما يشبه اللحن الحزين" ص 111. و بعدها مباشرة يستلم الحكواتي زمام السرد :"و طلب الوزير أن يحضر الحلاق في الحال" ص111. و لكن الكاتب يعود فيأخذ منه ذلك الزمام لينقل الحركة المسرحية و يصف ما يجري على الركح بشكل مواز: "يدخل الحلاق ووراءه الغلمان الثلاثة" ص111. إلا أن هذه الإشارة تسهب هي الأخرى لتجمع بين التقديم و الوصف المفصل و المساهمة في الإخراج المسرحي. و بنفس الطريقة يمكننا فهم الإشارة الواردة بالصفحة 115: "يركع جابر بحركة بطيئة", حيث يصبح السرد على السرد واضحا.

    VI- تفاعل السمعي و البصري في الإشارة:
    إن الكاتب هو صانع المسرحية الأول. و على هذا فهو من يرى و يسمع كل شيء. و إذا كان المرئي هو المهيمن على ما تنقله الإشارات، فإن المسموع لم يعدم، ذلك أنه كثيرا ما نقل الأصوات كقوله: "تنتهي أغنية و تبدأ أغنية" ص 48 ,أو: "الضوضاء تنتشر في المقهى... كلام و أحاديث جانبية و قرقرة نراجيل و سعلات جافة و أحيانا نسمع الحوارات الجانبية التي تعلوا فوق الأغنية" ص48 . إن هذه الدقة والإلمام هي من باب الواقعية في نقل المشهد بأصواته جميعها. ومثل هذا متواتر في المسرحية. مع العلم بأن بعض الإشارات الناقلة للصوت جاءت لتعميق البعد الدرامي كقوله :"يعلو صراخ الطفل" ص130 ثم: "الصراخ يعلو" ص 130, و بعدها :"بلهجة يرعشها الخجل و الغضب" ص 131. و كل هذه الإشارات في وصف وضع بائس تعيشه عائلة من واقع بغداد الممزق . و لتثبيت تلك المسحة الاشكالية يقول في وصف الزوجة :"يغص صوتها بالبكاء" ص131. أو: "مع شهيق دموعها"ص 132, على أساس أن تضرر العامة هو ما يهمه في نهاية الأمر. و تكرر الإشارات الناقلة لصوت البكاء عبر المسرحية يعطيها وظيفة أخرى. ففي وصفه للمرأة الأولى: "وهي تبكي "ص152, ثم مرة أخرى بنفس العبارة :"وهي تبكي" ص152, نجده يدفع إلى شحن الأنفس و تعبئة الناس ضد مثل هذه الأوضاع. وهي الخلفية الفكرية التي تحكم المسرحية فلا غرابة خاصة متى عرفنا أن التغريب مقصود.
    لم اتمكن من التسجيل فدخلت بحساب الاخ بلال لأنشر هذه المساهمة المتواضعة بين ايدي اخواني المهتمين بالموضوع قصد تعميم الفائدة مع شكري للجميع على الجهد وارجو ان اقدم اضافة ما في المستقبل . أخوكم نور الدين بن حميدة . المعهد الثانوي قلعة الأندلس .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. bilelhamma

    bilelhamma عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    762
    الإعجابات المتلقاة:
    99
      08-10-2008 23:54
    وددت لو ان بعض الاخوة المهتمين افادونا بنقدهم حتى ندخل على العمل ما ينبغي من اضافات او نبني عملا جديدا على ما يثار .فهكذا نتقدم . مع الشكر .:satelite:
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...