1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

درويش بين «أثر الفراشة» و«على محطة قطار سقط عن الخريطة»

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة cortex, بتاريخ ‏13 جويلية 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      13-07-2008 15:35

    لم نستطع نحن الفلسطينيون فى "اللجُّون الثقافية" أن نتمالك انفسنا ونكتم خوفنا ورهبتنا ونمنع الدمع العصى من الانهيار على الوجنتين حين تداولنا "أثر الفراشة"، الإنتاج الأخير لمحمود درويش.

    كان الجو العام الذى تركته النصوص فى هذا الكتاب وكأن شاعرنا محمود درويش ؛ بوصلة احساسنا الوطنى ؛ يرثى نفسه وبذلك يرثى قضيتنا الفلسطينية ويدخل حقبة جديدة من اليأس بعد أن زرع فينا فى ديوانه "أحد عشر كوكبا" "لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا، والنهاية تمشى إلى السور واثقة من خطاها فوق هذا البلاط المبلل بالدمع... ".

    هو محمود درويش اللاجئ الفلسطينى الطفل ابن السابعة الذى هُجِّر من قريته البروة إثر معركتين الأولى حين نزح أهله بعد معارك مع القوات الصهيونية والثانية بعد أن استعاد أهله القرية بقوة سلاحهم عادت القوات الصهيونية لتدحرهم فيُهجَّر مع ابيه وجدِّه الى لبنان ليعود كالمتسلل الى وطنه ويشب ليكون شاعر اللاجئين الفلسطينيين شاعر الشعب الفلسطينى الذى عاش ويعيش قضيتنا ويعبر عنها منذ المخاض الأول فى كل تفاصيل عذاباتنا وآلامنا وأحزاننا وأتراحنا وآمالنا ورؤيتنا وتفاؤلنا ورؤية البصيص من الإمكانيات لتمكين اللاجئين المنفيين للرجوع إلى وطنهم.

    وعندما يرثى محمود درويش نفسه لا يتبقى لنا نحن إلا أن "نتحسس أعضاءنا لنطمئن" على أن لا نزول وقضيتنا. وعلينا أن نعد دقات قلوبنا لنطمئن أن بإمكاننا تحمل رؤية "أثر فراشتنا الذى لا يُرى ولا يزول" فى "انتصار الخيالى الخفيف على فساد الواقعي""على محطة قطار سقط عن الخريطة".

    تذكرنا بأن عمنا سليم أبن حسين وآمنة فى "أبد الصبار" تحسس مفتاحه مثلما يتحسس أعضاء ه واطمأن" كما جاء فى "لماذا تركت الحصان وحيدا" واتخذنا مسألة تحسس المفتاح كوصفة طبية موثقة لعلاج اللاجئين وبالأخص الفلسطينيين منهم – ملحمة العصر- لندخل فى "صراط الذين أنعمت عليهم" تحت رحمة "يداً من ضباب ؛ يداً ما إلهية أسعفتها" "أثر الفراشة" كما أسعفت البنتَ/الصرخة هدى الغالية من مجزرة البارجة على شاطئ غزة فأصبحنا نقلد هدى الغالية فى صراخها فنادينا " أبى يا أبيّ! قمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!".

    فكان لنا أن نعود إلى " لماذا تركت الحصان وحيدا" بنصوصه من جديد التى تصف أكثر ما تصف المكان الفلسطينى وكان أن قررنا ، على الرغم من أننا لم نعرف بأن محمود درويش سيكتب " لا أحب خلاص ذاتى بالمجاز ، ولو أرادتنى الكمنجةُ أن أكون صدىً لذاتي" فى قصيدته الأخيرة "على محطة قطار سقط عن الخريطة" ، أن نتهيأ بكامل مفاتيحنا ونمتشق صراخنا "أبى يا أبي" لأن آباءنا كلهم "سليم ابن حسين ابن آمنة" " ونعتمر الخوذ ونسرج الخيل ونشحذ ذاكرتنا ونُسَخِّرُ " مكر المجاز" ونصعد الى البروة الجليلية المهجرة لنتحسس رجم حجارة البيت المهدم الذى ولد فيه محمود درويش والذى يستأنس بمربط الفرس لنتمكن من أن نستوعب بكامل أحاسيسنا ما يريد أن يقوله " تلميذ الفراشة" أو كما يصف نفسه " وإذا كتبت: هى الفراشةُ أُختيَ الصغرى"ولكى لا يوجه لنا ما قاله -الى ناقد- : لا تفسر كلامى بملعقة الشاى أو بفخاخ الطيور".

    "حالة حصار" أو أن يشبهنا باؤلئك الذين "حركوا المعنى بملعقة الحساء" "أثر الفراشة" وذلك أن البروة كما وَصَفَها لنفسه فى "يوميات الحزن العادي" "تحولت قريتك الغامضة ذات الأزقة الضيقة الواقفة على مرتفع صغير فى سهل عكا، إلى حلٍ لمشكلة لا تفهمها" ومن هنا كان بحثنا عن الحل لمشكلتنا فى فهم نصوص درويش الجديدة والقديمة والمستقبلية يتمحور فى تواجدنا فى ذلت البروة المهجرة نفسها لنتمكم من التخيل ما كتبه فى "مر القطار" "مر القطار سريعا ؛مر بي، وانا مثل المحطة، لا أدرى أودع أم استقبل الناس" ولنتعايش كيف كان يستدل على بروته من خلال رؤيته " شجرة الخروب الضخمة التى بدأت منها البحث عن أمى قبل سنين" وكيف كان جده "قليل الدراية بالتجارة، فخسر الصفقة ولكنه ربح فرصة للتمدد ساعات طويلة فى حقله القديم" وكيف كان جده "يقضى أيامه أمام باب الحاكم العسكرى فى انتظار تصريح سفر الى مدينة عكا لا لشيء إلا ليرى أرضه من خلال نافذة سيارة الباص" فى حين يمنعه الحاكم العسكرى النزول فى محطة البروة على خريطة فلسطين.

    هذه هى البروة المهجرة فى حياتنا نحن الفلسطينيين وهى جُدَّريَّة وعينا ومركز أعصابنا نحن المهجرين. وكل العالم يدور فى فلكها وفلك باقى القرى ال531 المهجرة وحولها.

    وكان لنا راضى عبد الجواد أحمد فوزى ابو بكر وعادل خليفة بمعيتى لنأخذ قسطنا من "العلاج التهجيري"، أن قمنا بزيارة استكشافية للبروة المهجرة ووجدنا بناية المدرسة التى تعلم فيها محمود درويش حتى نهاية الصف الثالث وبداية التهجيرة الفلسطينية واقفة شامخة بكامل مفاتنها ورأينا اللوح الأسود الذى كتب عنه "فى حضرة الغياب" "للحروف البيضاء على اللوح الأسود مهابة فجر ريفي". استقبلنا العشب الربيعى حول المدرسة، والهواء داخل الصف كان يابسا وجف فى مخيلتنا أكثر كلما سمعنا صوت أبراهام وزمرته " يرشفون الشاى فى كوخ سليم درويش وراء حاجز حديدى واسقبلنا الصبار، والأسلاكُ الحديدية استقبلتنا فى البروة تحجز صراخ محمود درويش ابن السابعة يستعين "بشجر النخيل ينقح الفصحى فى لغتي" داخل المدرسة.

    عندها استوعبنا كيف ان تحسس الطحالب على رجم حجارة البيت الذى ولد فيه محمود درويش ولربما يكون هذا الحجر مشكاة خبأت فيها أمه قليلا من القهوة والخبز بعد أن مررت لمسة يدها عليها ليلة التهجيرة الكبرى فى ربيع 1948 هو ما سيشحن هويتنا بنبضات قلب يلخص تجربة اللجوء الى ملحمة يقودها عقلنا الى الانتصار وليس بالمجاز فقط. فهمنا انها زيارة ستملأ رئاتنا بهواء لربما ما زال يحتفظ برائحة تبغ حسين درويش وستملأ قريحتنا بما قاله درويش فى "سنونو التتار" "لنا حلم واحدٌ: أن يمر َّ الهواء صديقا، وينشرَ رائحة القهوة العربيّةِ فوق التلال المحيطة بالصيف والغرباء...".

    نصوص "أثر الفراشة" اشعرتنا بالقلق وأصبحنا وكأن الريح تحتنا كما قال المتنبى عندما قرأنا "ألمشهد هُوَ هُوَ. صيفٌ وعرقٌ، وخيالٌ يعجز عن رؤية ما وراء الأفق." فى قصيدة "ذباب أخضر" وكانت شدهتنا أعمق حين تمعنا فى "أنت منذ الآن أنت" التى تختم الكتاب وتصف رحلته إلى الكرمل فى السنة الماضية فى قوله " لم أر جنرالاً لأسأله: لأى أى ّ عامٍ قتلتنى ؟ لكنى رأيت جنودا يكرعون البيرة على الأرصفة. وينتظرون انتهاء الحرب القادمة، ليذهبوا إلى الجامعة لدراسة الشعر العربى الذى كتبه موتى لم يموتوا . وأنا واحد منهم!" وكأن رجوعه للكرمل ولحيفا "فتوش" "مؤلفه الآخر" هو" باطنه الشفيف" وليس الرجوع للبروة هو ما يرجعه إلى هويته " باطنا الدليل" وعندها كان لى ما يكفى من الكلمات ليعلوا المجاز على الوقائع لأحدس وأخاف من "أنت منذ الآن أثر لا يُرى". وهذا كان مشهدا نجد فيه ما يجعل محمود درويش لا يستدل على أثره لأنه لا يُرى ولكنه لا يزول فجاءت قصيدة " أَثر الفراشة" ذروة ما كتب فى الشعر العالمى والتى يقول فيها:
    أَثر الفراشة لا يُرَى ، أَثر الفراشة لا يزولُ.
    هو جاذبيّةُ غامضٍ ، يستدرج المعنى، ويرحلُ حين يتَّضحُ السبيلُ.
    هو خفَّةُ الأبديِّ فى اليوميّ،أشواقٌ إلى أَعلى وإشراقٌ جميلُ.
    هو شامَةٌ فى الضوء تومئ حين يرشدنا الى الكلماتِ باطننا الدليلُ.

    هو مثل أُغنية تحاولُ أن تقول، وتكتفى بالاقتباس من الظلالِ ولا تقولُ أَثرُ الفراشة لا يُرَى ، أُثرُ الفراشة لا يزولُ!" وعندها تفكرت قليلا لأقول : ماذا لو كان لمحمود درويش ولدا أو بنت بعد ان تأطر فى زواج كباقى الفلسطينين؟ فهل كان سيشعر بأنه فراشة؟
    "أثر الفراشة" هى القصيدة التى يريدنا محمود أن نتذكر تجربة حياته بواسطتها , فهو أخ الفراشة وتلميذها ، وهو اللاجئ الذى يتنقل من زهرة الى أخرى ليبقى أثره هناك ويساهم فى عملية استمرار الحياة لغيره بمساعدة الأزهار على عملية اللقاح. فرغم أننا نجد فى جميع نصوصه بأن ما يكتبه إنما هو فكر يلخص تجربة شعب لاجئ. والفكر لا يرى ولكنه لا يزول.

    من هنا رأينا النصوص الحزينة التى تفقد الأمل فى الانتصار وفى حدسه بأن دوره – دور الشعب الفلسطيني- بدأ فى فقدان الرهبة والتأثير على مجمل المعادلة السياسية بيننا وبين "العدو الذى يشرب الشاى فى كوخنا".

    وهكذا نقرأ فى "ليتنى حجر: لا أَحنُّ إلى أيِّ شيءٍ/ فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي/ ولا حاضرى يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ/ لا شيء يحدث لي!/ليتنى حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتنى حَجَرٌ ما ليصقُلَنى الماءُ/ أَخضرُّ، أَصفَرُّ ... أُوضَعُ فى حُجْرَةٍ مثلَ مَنْحُوتةٍ، أَو تماريـنَ فى النحت...أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ من عبث اللاضروريّ ...يا ليتنى حجرٌ كى أَحنَّ إلى أيِّ شيء!"
    وهكذا نقرأ "فى نسر على ارتفاع منخفض" " قال المسافرُ فى القصيدة / للمسافر فى القصيدة: كم تبقَّى من طريقكَ؟ / ـ كُلُّهُ / ـ فاذهبْ إذاً، واذهبْ كأنَّكَ قد وصلتَ ... ولم تصلْ"
    أمام هذه النصوص لم نتمالك أنفسنا .
    وإن كانت قمة فى التعبير عن السايكولوحيا الفلسطينية كما يتضح من قصيدة نقده لحالة التمزق الفلسطينية فى "بندقية وكفن" ووصف حالة واقعنا تحت احتلال بشع فى قصيدة " شجرة الزيتون الثانية" .

    فى قصيدتى "الجدار" و"شريعة الخوف" يظهر لنا رؤية ثاقبة لحالة عدونا الذى يقتلنا ويبنى حولنا جدرانا ويبقى هو خائفا وكأننا نقتل له 6 ملايين فى كل طلب لنا منه أن يتيح لطالبة مدرسة أن لا توسخ ثوبها بغبار ورشة بناء جدار" دفاعات المحرقة" العنصرى .
    وهى قمة فى التعبير عن التجارب الإنسانية التى يعتاشها البشر أينما كانوا . هذه من روائع النصوص العالمية التى تنهمر عليها دموع حسين وسليم وآمنة وحورية درويش ودموع كافة أبناء الشعب الفلسطينى اللاجئين فتصبغها بصبغة العذاب الضرورى لسبر غور النفس الإنسانية.

    إلا أننا فى "اللجون الثقافية" وكأن أمرا ما إلهيا جاء ليقول لنا "يا أيها المدثر قُمْ"! فوجدنا أنفسنا قائمين متوجهين إلى البروة المهجرة لنجعل "أثر" محمود درويش مرئيا لنجعله "حَجَراً ما ليصقُلَنى الماءُ/ مثلَ مَنْحُوتةٍ."

    ولأننا نعيش نحن هنا بالقرب من قرانا المهجرة التى بقيت "كوشم ذاب فى جسد المكان" والمحاطة بأسلاك الحديد والصبار والأعشاب وبقية الستة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين لا يتمكنون من زيارة مواقع قراهم المهجرة وعلى الرغم من أن الدخول الى هذه المواقع يقوم بمخالفة جنائية فى نظر القانون الإسرائيلى كما كتب درويش في" يوميات الحزن العادى " إذا وطئت قدماك هذه الأرض – أرضك ساقوك إلى المحكمة ومن المحكمة إلى المنفى" تخيلنا أنفسنا وكأننا فراشات نتنقل باسم اللاجئين بين قرية مهجرة الى أخرى نحيى الأموات فيها ونَعدهم بالرجوع وإرجاع اللاجئين.

    وحين وصلنا البروة المهجرة تذكرنا حديث محمود مع أبيه سليم. " – ماذا تفعل يا أبي؟ - أبحث عن قلبى الذى وقع فى تلك الليلة. – وهل تجده هنا؟ - أين أجده إذن! أنحنى على الأرض وألتقطه حبات حبات كما تجمع الفلاحات، فى تشرين، حبات الزيتون. – لكنك تلتقط حصى! – شيء كهذا يمرن الذاكرة والبصيرة. وما أدراك قد يكون هذا الحصى تكلس قلبي. وإذا لم يكن – أكون قد تعودت على محاولة البحث وحدى عن شيء حين ضاع ضيّعني." وبدأنا نجمع الحصى من البروة لنرسم عليه صور محمود درويش ونكتب عليه أشعاره.

    ولكننا كنا واجمين لأن من يصل ويقترب من طلليات القرى المهجرة يصيبه وصف درويش فى قوله".
    وقفتُ على المحطة. كنت مهجوراً كغرفة حارس الأوقات فى تلك المحطة. كنتُ منهوباً يطل على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك العقلُ / ذاك الكنزُ لي؟" هذا ما حدث للشاعر زياد محاميد عندما سبق فى السنة الماضية ان طلبنا منه أن يرافقنا فى الرحلة الرابعة لقرية السجرة المهجرة عندما ألصقنا رسومات الفنان ناجى العلى على حجارة بيته المهدم فقال هذا عمل "مجانين" لكنه عندما قدم الى الموقع اصابه النهب والتهجير كغرفة حارس الأوقات فى المحطة. هذا ما حدث للشاعر عادل خليفة فى البروة وبالطبع نحن الذين ابتدأنا بالعمل كنا قد مررنا نفس الطقوس. هضا هو الشعور العام الذى يصيب الفلسطينى عندما تلامس خلايا عقله وحجارة البيوت المهدمة ولهذا استغربت من تساؤل مُضيف محمود درويش فى أمسية الكرمل : "ما هذا الهَوَس لديكم محمود درويش وأنتم المهجرون على القرى المهجرة؟!" وكأن القضية الفلسطينية ليست قضية قرى مهجرة ولاجئين بل قضية تنظيم عقد أمسية شعرية على مسرح يحمل اسم صهيونى فى حيفا والمضيف قائد ليس بالصغير.

    وكنا متجهزين عندما وصلنا يوم سبت إلى بناية المدرسة التى تعلم فيها درويش فى البروة والتى تكونت من غرفتين جدرانها من حجارة "مقالع الصخر" جميلة ونظيفة وملائمة لما عزمنا للقيام به : كتابة أشعار محمود درويش على واجهة المدرسة وإلصاق صوره وصور من غلاف كل كتاب أصدره وصور زملاءه العرب والفلسطينيين الذين يرافقوننا النضال للرجوع الى البروة.
    تشبه هذه البناية مبانى محطات القطار وفى وقوفها هناك بين التلال الأبدية تطل على البحر الذى تتخذه الشمس سريرا لها كما وصفه درويش " وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين:
    الأوّلَ، الشمسَ التى افترشتْ سرير البحرِ / والثاني، خُلوَّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ"
    والبناية/ المحطة داعبت خيالنا لدرجة شعرنا بأنها قلب فلسطين يدق حولنا بنبضاته ونحن نشاركه وتيرته الموسيقية نتفحص "عواطفنا الخبيئة فى جماليات شيء ما بعيد" بعد أن أدركنا بأن "المحطةُ مثل وشم ذاب فى جسد المكان " فقررنا أن نرسم الوشم ثانية ونحييه فبدءنا بمهمتنا فى كتابة "الجدارية" على جدار المدرسة. ولم نكن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا : " ألا تزال بقيتى تكفى لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فساد الواقعيِّ؟ ألا تزال غزالتى حُبلَي؟" لتيقننا بأننا نستطيع بواسطة "مكر المجاز" أن ننتصر على "العدو الذى يشرب الشاى فى كوخنا" دون أن ننتظر "آخر الركاب من احدى جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع اجرة القناص عن عمل اضافيٍّ كما يتوقع الغرباء." لأننا ندرك بأن مصائر الشعوب والبرامج السياسة والدينية والعاطفية ما هى إلا انعكاسها فى مخيلة العقل الإنسانى فللذلك قلنا لا بأس بتقبلنا إنتصارنا بالشعر لتكمل مقولة درويش "خلاص ذاتى بالمجاز".
    ولم ننس ما قاله درويش مرة "أخشى أن يتفوقوا"الإسرائيليون" علينا شعريا، هذه ستكون نهايتنا" وما قاله شاعرنا سميح القاسم هذه الأيام " ليس على الأرض ما هو أكثر واقعية من خيال الشعراء".

    هكذا عملنا أربعة أسابيع متتالية نرسم ونلصق فى المكان الذى تساءل عنه درويش " هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندى الليليِّ لي؟ " ونحن نتتبع الطبيعة ونفهم السؤال"هل كنتُ فى يوم من الأيام تلميذَ الفراشة فى الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها فى الاستعارة تارة؟ هل كنت فى يوم من الايام لي؟ هل تمرض الذكرى معى وتُصابُ بالحُمَّي؟" لنتمكن من أن نعطى لمخيلة درويش الجواب بأننا فى قلب الخريطة نبنى ولو بالمجاز خريطتنا.

    نشرنا ما قمنا به فى موقعنا اللجون www.ellajon.com" واتصلنا بمن اتصلنا من أهل البروة وفى ذكرى الستين للنكبة سررنا متفاجئون لقراءة قصيدة محمود درويش "على محطة قطار سقط عن الخريطة" حين أصبحت له الإمكانية أن يكتب "
    "أرى أثرى على حجر،
    فأحسب انه قَمَرى
    وأنشدُ واقفاً"
    طللية اخرى
    وأُهلك ذكرياتى
    فى الوقوف على المحطة"...
    "وقفتُ فى الستين من جرحي.
    وقفتُ على المحطة،
    لا لأنتظر القطار ولا هتاف العائدين من الجنوب الى السنابل،
    بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون فى تاريخ خارطتي. "...

    وعندها تكون البروة هى المرشد الوحيد لفكر وذاكرة درويش وليس فقط تنظيم أمسية على مسرح عند مضيفه فى حيفا الذى لم يستوعب موقع رجم حجارة من بيت مهجر فى النفس الفلسطينية:
    "لا شيء يرشدنى الى نفسى سوى حدسي."...
    وحينها يطمئن :
    " قلت: يمكنُ.. كل شيء ممكنٌ.
    فَعِمِى مساءً، واتركينى الآن كى أخلو الى الموت.. ونفسي!"
    ويهتف شعرا خطابيا حماسيا مباشرا للمرة الأولى منذ عقدين"
    "أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنتَ اثنان
    فى الماضي، وفى الغد واحد. مَرَّ القطار
    ولم نكن يَقِظَيْنِ، فانهض كاملاً متفائلاً،
    لا تنتظر احداً سواك هنا".

    وللحجر فى ثقافتنا الفلسطينية مكانة يستقيها من رجم حجارة البيت المهدم الذى لا بد أن نستعيده وفيما إذا أضفت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال حول حجر فى مكة "إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن ُأبعث؛ إنى لأعرفه الآن" لأضفينا بُعدا إلهيا على وعينا لمقام الحجر فى ثقافتنا. ولهذا كان مهما لنا ان نرى صورة محود درويش على حجارة بيته
    وعندما يرى أثره الذى كان فى السابق لا يُرى، على حجرٍ تَكَلُّسِ قلب أبيه فى البروة المهجرة يصف نفسه ضيفا على نفسه يشرب نعناعا خالدَ المذاق مع الأحياء من "اللجون الثقافية" الذين أعادوه لجدار مدرسته فى البروة:
    "ضيفاً على نفسى أحلُّ "
    هناك موتى يوقدون النار حول قبورهم.
    وهناك احياءٌ يُعِدّون العشاء لضيفهم.
    وهناك ما يكفى من الكلمات كى يعلو المجاز على الوقائع.
    كلما اغتمَّ المكانُ أضاءه قمر نُحاسيٌّ وَوَسَّعَهُ. انا ضيف على نفسي.
    ستحرجنى ضيافتها وتبهجنى فأشرق بالكلام
    وتشرق الكلمات بالدمع العصيّ.
    ويشرب الموتى مع الأحياء نعناع الخلود،
    ولا يطيلون الحديث عن القيامة

    وهنا التحول الذى تحدثه صور مجازية لأعضائه وأسمائه عادت إلى البروة فى أنه حان الآوان أن لا يصدق غير حدسه ويفهم بأن لا بيارق ولا خيول غير الفلسطينى ستعينه:
    "كم كنا ملائكة وحمقى حين صدقنا البيارق والخيول، وحين آمنّا بأن جناح نسر سوف يرفعنا الى الأعلى!
    "سمائى فكرةٌ. والأرض منفايَ المُفَضَّلُ"
    كلُّ ما فى الأمر انى لا اصدق غير حدسي. للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصة التكوين تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتى عن عالمى خَلَلٌ يسبّبه الرحيل. لجرحى الأبديِّ محكمة بلا قاض حياديٍّ. يقول لى القضاة المنهكون من الحقيقة: كل ما فى الامر أن حوادث الطرقات أمرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لم
    يكن غزواً!
    ولكنى اقول: وكل ما فى الأمر انى
    لا اصدّق غير حدسي".

    وكان حدسنا يرشدنا إلى امكانية مواجهة المستوطنين اليمنيين فى البروة المهجرة فتسلحنا بمجاز سميح القاسم ومحمود وبفهمنا لقصيدتى "الجدار" وشريعة الخوف" فى "أثر الفراشة".

    وحينها يكون السؤال ما هو أكثر واقعية فى مواجهة "أبراهام" الذى يشرب الشاى فى كوخ جد محمود درويش فى البروة المهجرة غير ما واجه به إدوارد سعيد حين توجه إلى الجنود الإسرائيليين الذين حرسوا عمل جرافات الاحتلال التى جرفت أراضى أهلنا على الطريق من القدس إلى الخليل لتوسيع شارع لمستوطنة عرضه 120 متراً بتلخيصه المحاججة "." أتذكّرُ قولى له "للجندي" إنّ الحجّة نفسها اُستُعملت فى ألمانيا قبل ستين سنة ضدّ اليهود، وها هم اليهود يستعملونها ضدّ ضحاياهم الفلسطينيّين. لم يجب "الجندى الإسرائيلي"، بل ذهب ليقف بعيداً."

    فلذلك كان لى خيال جامح عندما تزودت بكراسة تشرح عن عذابات اليهود فى أوروبا تحت نير النازيين لأواجه به من ستعترضنا من يهود مستوطنة "احيهود" فيما لو جاءوا ليمنعوننا من إلصاق "إثر أعضاء وأسماء محمود درويش على حجارة بيته. وهذا ما توجهت به للشاعر عادل خليفة عندما سألنى "ما لنا وبصور محرقة اليهود فى البروة المهجرة؟" وعادل هو مؤمن بالله صادق ويقوم بفرائض الإسلام على أتم وجهها فكان يكفى منى أن اقول له لا نخاف نحن من محرقة اليهود وليس استجداءا وليس تعاطفا بل لمواجهته بما يصده عن ممارسة الظلم محتميا بالمحرقة عملا بالأية الكريمة "وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَِ" أو إذا أردنا أن ننور القراء بتشابه المنطق الدينى فنشير الى سيدنا المسيح فى مواجهته "لخصومه" واصطداماته مع مخاطبيه حين قال "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" وذاك يعنى أن نهاجم خصومنا من خلال وعيهم هم.

    ولهذا وبتيقننا من مشاعرنا لمحيطنا الفلسطينى الذى ترعرع فيه درويش لم نكترث لردة فعل المستوطنين الذى عملوا ويعملون على طرد كل فلسطينى يحاول ان يقترب ليلتقط صورة لآثار البيوت فى البروة وهذا ما حصل للدكتور مصلح كناعنة الذى يدير موقعا الكترونيا www.jalili48.com يوثق فيه بالصور القرى المهجرة حين زار حديثا البروة ومُنع منالتقاط صورة للمدرسة إياها وكأن لسان حالنا حاول أن يقول "أقول لمن يرانى عبر منظار على بُرْجِ الحراسةِ:لا أراكَ، ولا أراكَ " ويعود ويكرر.
    "أقول لمن يرانى عبر منظار على بُرْجِ الحراسةِ:لا أراكَ، ولا أراكَ".

    أرى مكانى كُلَّهُ حولي. أرانى فى المكان بكل أعضائى وأسمائي. أرى شجر النخيل ينقّح الفصحى من الأخطاء فى لغتي. أرى عادات زهر اللوز فى تدريب أغنيتى على فرح فجائيٍّ . ارى أثرى وأتبعه. أرى ظلى وأرفعه من الوادى بملقط شعر كنعانية ثكلى. أرى ما لا يُرى من جاذبيةِ ما يسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُليِّ فى أبد التلال، ولا ارى قنّاصتي.

    هكذا كان لنا نحن الفلسطينيون فى "اللجون الثقافية" بأن تحررنا من الخوف الذى تركنا فيه "أثر الفراشة" عندما قرأنا فى ذكرى الستين للنكبة "على محطة قطار سقط عن الخريطة. هذا كان تفاعلنا مع حجر مدرسة محمود درويش ونحن نتبعه حتى عودتنا الى قرانا المهجرة.

    * محام فلسطينى من اللجون فى الناصرة
     

جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...