نقطة من مجد ضائع

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة moha_nabeul, بتاريخ ‏15 جويلية 2008.

  1. moha_nabeul

    moha_nabeul عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏1 أفريل 2008
    المشاركات:
    127
    الإعجابات المتلقاة:
    269
      15-07-2008 13:14
    بسم الله الرحمان الرحيمنقطة من مجد ضائع.. علّه يعود.. ليس بكاء على الأطلال ولكنه وقفة على عهد رائع زمن كان الاسلام مزدهرا وأمل ورجاء أن يعود يوما هذا هو حلمي

    إخوتي الأعزاء هذا موضوع جديد أطلب منكم جميعا المشاركة فيه ويتمثل بكل بساطة في اختيار مدينة من مدن الاسلام أيام إزدهاره وعرض تاريخها بصفة مختصرة والتعريف بها ويحبذ إضافة بعض الصور والخريطة الجغرافية كي تعمّ الفائدة

     
  2. moha_nabeul

    moha_nabeul عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏1 أفريل 2008
    المشاركات:
    127
    الإعجابات المتلقاة:
    269
      15-07-2008 13:50
    المدينة المنورة


    [​IMG]

    نقل أهل السير أنه لما أراد الله إنجاز وعده، وإظهار دينه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه الأنصار فعرض نفسه كما كان يفعل، فبينا هو عند العقبة القصوى لقي رهطاً من الخزرج فسألهم فقالوا: نحن الخزرج، وهذا الاسم كان غالباً على الأوس والخزرج جميعاً إذ ذاك فدعاهم إلى الله و إلى الإسلام وكانوا يسمعون ذكره من اليهود في المدينة، فقلبوا منه، وكانوا ستة نفر، - وقيل سبعة أو ثمانية -: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف، ومعاذ بن الحارث، وهما ابنا عفراء، هؤلاء من بني النجار، وسمي نجاراً لأنه ضرب رجلاً فنجره - واسمه العتر في قول الكلبي - ورافع بن مالك بن العجلان من بني زريق، ومن بني سلمة قطبة بن عامر، ومن بني حرام عقبة بن عامر، ومن بني عبيد علي بن جابر بن عبد الله بن رئاب، وقيل: كلاهما حضرا، فلما قدموا المدينة ذكروا ذلك لقومهم ودعوهم إلى رأيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلى وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    [​IMG]

    المسجد النبوي الشريف
    يوجد في المدينة المنورة العديد من المعالم الدينية ،الطبيعية والتاريخية ، فالبنسبة لمعالمها الدينية مرتبطة بالدين الإسلامي كوجود قبر النبي محمد صلى الله عليه و سلم والمسجد النبوي ومساجد أخرى و آثار قديمة للدول التي تتابعت في حكم المدينة المنورة ولكن هذه الآثار إما اندترث أو هدمت بسبب تغير المدينة القديمة وتوسعها لتشمل مناطق كانت خارج المدينة إلى وقت قريب ، وأما للمعالم الطبيعية فقد اشتهرت المدينة بالجبال و الوديان والحرار المتكونة من الرواسب البركانية التي عصفت في المدينة في وقت سابق.
    [​IMG]
    منظر عام للمدينة (صورة قديمة)

    حازت المدينة المنورة على عدة ميزات جعلتها بالمرتبة الثانية من حيث قداستها عند المسلمين بعد مكة المكرمة، فقد شهدت هذه المدينة جملة من الأحداث التاريخية الهامة لنشأة الدين الإسلامي، منذ أن إتخذها الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) العاصمة السياسية لدولته و اتخذ المسلمون سنة الهجرة إلى المدينة المنورة تقويما لتاريخهم والذي لا يزال يعمل به حتى الآن، واهتم المسلمون بدراسة تاريخ هذه المدينة المشرفة ومنها كتاب( تاريخ المدينة المنورة) لأبي شبه النميري الذي لخصه المجدد الثاني الإمام الشيرازي الراحل(أعلى الله درجاته) في هذا الكتاب باقتطاف سيرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وطريقة حكمه العادل حيث تأسيس أول حكومة إسلامية، كما ضمت فقرات الكتاب بعض المواقع المهمة في هذه المدينة سواء كان منها قبل الإسلام أو الأحداث التي تلت قيام الإسلام وقد صنفناها حسب فتراتها التاريخية أو تناسب موضوعاتها كما قسمنا الكتاب على شكل فصول مستقلة بغية إعطاء القدر الكافي من التركيز على بعض أبوابه
    ما جاء في أسماء المدينة
    عن زيد بن أسلم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): للمدينة عشرة أسماء ، هي: المدينة، وطيبة، وطابة، ومسكينة، وجبار، ومجبورة، ويندد، ويثرب.
    وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: سمى الله المدينة: الدار والإيمان.
    وعن جابر بن سمرة قال: كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طيبة.
    وعن عبد الرحمن قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من قال للمدينة يثرب فليقل: أستغفر الله، ثلاثاً؛ هي طابة، هي طابة، هي طابة.
    وعن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الله تعالى سمى المدينة طابة.
    خبر خالد بن سنان
    عن أنس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبايع النساء فجاءته امرأة تبايعه فسألها: بنت من أنت؟ فقالت: أنا بنت خالد بن سنان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه بنت نبي ضيعه قومه، أمرهم إذا هم دفنوه أن ينبشوا عنه فإنه سيخرج حياً، فلم يفعلوا، فهذه ابنة نبي ضيعه قومه.
    عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عبس يقال له: خالد بن سنان قال لقومه: أنا أطفئ عنكم نار الحدثان، فقال له عمارة بن زياد ـ رجل من قومه ـ: والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقاً فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها؟.
    قال: فانطلق وانطلق معه عمارة بن زياد مع ناس من قومه حتى أتوها وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها: حرة أشجع، قال: فخط لهم خطة فأجلسهم فيها وقال لهم: إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي. قال: فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضاً ، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول بدا بدا، كل هدى مؤدى، زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج منها وثيابي تندى، حتى دخل معها الشعب قال: فأبطأ عليهم، فقال عمارة بن زياد: والله لو كان صاحبكم حياً لخرج إليكم بعد، فقالوا له: أنه قد نهانا أن ندعوه باسمه، قال: ادعوه باسمه، فو الله لو كان صاحبكم حياً لقد خرج إليكم بعد، قال: فدعوه باسمه، قال: فخرج وهو آخذ برأسه، فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد والله قتلتموني، احملوني وادفنوني، فإن مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر فانبشوني، فإنكم ستجدوني حياً فأخبركم بما يكون.
    قال: فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر، فقالوا: ننبشه فإنه قد أمرنا أن ننبشه، فقال عمارة: لا تحدث مضر: أنا ننبش موتانا، والله لا تنبشونه أبداً.
    قال: وقد كان خالد أخبرهم أن في عكم امرأته لوحين فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم سترون ما تسألون عنه، قال: ولا تمسهما حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم.
    قال أبو يونس: فقال سماك بن حرب: سئل عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (نبي أضاعه قومه).
    قال: وقال سماك بن حرب: ان ابن خالد بن سنان، أو بنت خالد أتى، أو أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: مرحباً بابن أخي أو ابنة أخي.
    وعن ابن القعقاع بن خليد العبسي، عن أبيه، عن جده قال: بعث الله خالد بن سنان نبياً إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه.
    فقال له قيس بن زهير: إن دعوت فأسَلْتَ هذه الحرة علينا ناراً ـ فإنك إنما تخوفنا بالنار ـ إتبعناك، وإن لم تسل ناراً كذبناك، قال: فذلك بيني وبينكم، قالوا: نعم.
    قال: فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا بأن تسيل عليهم هذه الحرة ناراً، فأسلها عليهم ناراً.
    قال: فطلع مثل رأس الحريش ثم عظمت حتى عرصت أكثر من ميل فسالت عليهم.
    فقالوا: يا خالد ارددها فأنا مؤمنون بك، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ويقول: هدا هدا كل خرج مؤدى، زعم ابن راعية المعزى أن لا أخرج منها وجبيني يندى. فلم يزل يضربها حتى رجعت. قال: فرأيتنا نعشى الإبل على ضوء نارها ضلعا الربذة، وبين ذلك ثلاث ليال.
    نينوى
    وعن ابن شهاب قال: وجد قبر على جمّاء أم خالد أربعون ذراعاً في أربعين ذراعاً، مكتوب في حجر فيه: أنا عبد الله من أهل نينوى، رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية، فأدركني الموت، فأوصيت أن أدفن في جمّاء أم خالد.
    قال: فسألت عبد العزيز عن قوله: أهل نينوى.
    قال: نينوى موضعان: فأحدهما: بالسواد بالطف حيث قتل الحسين ابن علي عليه السلام ، والآخر: قرية بالموصل و هي التي كان فيها يونس النبي عليه السلام ، ولسنا ندري أي الموضعين أراد.
    جبل أحد
    عن عقبة بن سويد الأنصاري، أنه سمع أباه ـ وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال ـ : قفلنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة خبير، فلما بدا له أحد قال: الله أكبر جبل يحبنا ونحبه.
    وحدثنا كثير بن عبد الله قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أربعة أجبل من جبال الجنة: أحد جبل يحبنا ونحبه، جبل من جبال الجنة، وورقان جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، وطور جبل من جبال الجنة.
    وعن أبي قلابة قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاء من سفر فبدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه. ثم قال: آيبون تائبون، ساجدون لربنا حامدون.
    وعن عبد الرحمن الأسلمي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أحد على باب من أبواب الجنة، وعير على باب من أبواب النار.
    وعن إسحاق بن يحيى بن طلحة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أحد، وورقان، وقدس، ورضوى، من جبال الجنة.
    وعن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أربعة أجبال من أجبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة، قيل: فما الأجبال؟ قال: أحد يحبنا ونحبه، جبل من جبال الجنة، وورقان جبل من جبال الجنة، والطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، والأنهار الأربعة: النيل والفرات وسيحان وجيحان. والملاحم: بدر و أحد والخندق وحنين.
    قبر والد النبي (صلى الله عليه وسلم)
    عن أبي زيد النجاري قال: قبر عبد الله بن عبد المطلب في دار النابغة.
    وقال عبد العزيز: وأخبرني فليج بن سليمان قال: قبره في دار النابغة.
    قبر والدة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أمه (صلى الله عليه وآله وسلم) توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة إلى مكة.
    وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا نمشي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم إذ مر بقبر فقال: أتدرون قبر من هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قبر آمنة، دلني جبريل عليه السلام
    مقبرة البقيع
    عن ابن أبي مويهبة، مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال: أهبّني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من جوف الليل فقال: إني قد اُمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شرّ من الأولى، ثم استغفر لهم طويلاً.
    وعن أبي مويهبة قال: أهبّني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلقت معه، فلما أشرف عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، ليهن ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شرّ من الأولى، ثم استغفر لهم.
    ثم قال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة.
    قلت: بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة.
    قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة. ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبدى به وجعه الذي قبض فيه.
    وعن أم قيس بنت محصن قالت: لو رأيتني ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آخذ بيدي في سكة من سكك المدينة كل البشر فيه حتى أتينا البقيع فقال: يا أم قيس، يبعث من هذه القبور سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر.
    قالت: فقام رجل فقال: يا رسول الله، وأنا؟ قال: وأنت.
    فقام أخر فقال: يا رسول الله، وأنا؟ قال:(سبقك عكّاشة).
    قال سعد: فقلت لها: ما له لم يقل للآخر؟ قالت: أراه كان منافقاً.
    عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، واختارت كل قبيلة ناحية، فمن هناك عرفت كل قبيلة مقابرها.
    قبر رقية بنت رسول الله (ص)
    عن ابن عباس قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون.
    قال: وبكى النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده وقال: دعهن يا عمر.
    وقال: وإياكن ونعيق الشيطان، فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، ومهما يكن من اللسان ومن اليد فمن الشيطان.
    قال: فبكت فاطمة(عليها السلام) على شفير القبر، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح الدموع عن عينيها بطرف ثوبه.
    في شهادة فاطمة (ع)
    عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دفن علي عليه السلام فاطمة (عليها السلام) ليلاً في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
    وعن أبي غسان، عن عبد الله بن إبراهيم بن عبيد الله، أن جعفر بن محمد كان يقول: قُبرت فاطمة (عليها السلام) في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد.
    ووجدت كتاباً كتب عنه يذكر فيه: أن عبد العزيز بن عمران كان يقول: أنها دفنت (عليها السلام) في بيتها، وصنع بها ما صنع برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنها دفنت في موضع فراشها، ويحتج بأنها دفنت ليلاً، ولا يعلم بها كثير من الناس.
    وعن أم جعفر بنت محمد بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: غسّلت أنا وعلي بن أبي طالب عليه السلام بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
    وعن الحسن بن محمد: أن علياً عليه السلام دفن فاطمة (عليها السلام) ليلاً.
    وعن عائشة: أن علياً عليه السلام دفن فاطمة (عليها السلام) ليلاً، ولم يؤذن بها أبابكر.
    قبر ابن خديجة (ع)
    قال عبد العزيز: وكان ابن خديجة في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أمه، فلما توفي حفر له على قارعة الطريق التي بين زقاق عبد الدار التي باب دارهم فيها، وبين بقيع الغرقد الذي يتدافن فيه بنو هاشم اليوم، وكفنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزل في قبره، ولم ينزل في قبر أحد قط إلا في خمسة قبور: منها قبور ثلاث نسوة، وقبرا رجلين، منها قبر بمكة، وأربعة بالمدينة: قبر خديجة زوجته، وقبر عبد الله المزني الذي يقال له: عبد الله ذو البجادين، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي عليه السلام .
    خبر ذي البجادين وقبره
    فأما ذو البجادين، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أقبل مهاجراً إلى المدينة، سلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت، فأبصره ذو البجادين، فقال لأبيه: دعني أدلّهم على الطريق، فأبى ونزع ثيابه فتركه عرياناً، فاتخذ عبد الله بجاداً من شعر فطرحه على عورته، وعدا نحوهم فأخذ بزمام راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنشأ يرجز ويقول:
    هذا أبو القاسم فاستقيمي تعرّضي مدارجاً وسومي
    تعرّض الجوزاء للنـجوم
    قبر فاطمة بنت أسد (ع)
    وأما فاطمة بنت أسد، أم علي بن أبي طالب عليه السلام فإن عبد العزيز حدّث عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن عمرو بن ذبيان، عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: لما استقر بفاطمة، وعلم بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا توفيت فأعلموني فلما توفيت خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر بقبرها، فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة، ثم لحد لها لحداً، ولم يضرح لها ضريحاً، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ القرآن، ثم نزع قميصه، فأمر أن تكفَّن فيه، ثم صلى عليها عند قبرها فكبّر تسعاً وقال: ما أعفى أحد من ضغطة القبر الا فاطمة بنت أسد، الحديث.
    وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أتى آت فقال: يا رسول الله، إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا بنا إلى أمي. فقمنا وكأن على رؤوس من معه الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال: إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها. فلما خرجوا بها جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر، حتى انتهينا إلى القبر، وتمعّك في اللحد ثم خرج فقال: أدخلوها باسم الله، وعلى اسم الله. فلما أن دفنوها قام قائماً فقال: جزاك الله من أم وربيبة خيراً، فنعم الأم، ونعم الربيبة كنت لي.
    قال: فقلنا له ـ أو قيل له ـ: يا رسول الله لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط. قال: ما هو؟ قلنا: بنزعك قميصك، وتمعّكك في اللحد.
    قال: أمّا قميصي فأردت ألا تمسّها النار أبداً إن شاء الله، وأما تمعّكي في اللحد فأردت أن يوسّع الله عليها قبرها.
    قبر حمزة بن عبد المطلب(ع)
    عن الأعرج قال: لما قتل حمزة عليه السلام أقام في موضعه تحت جبل الرماة، وهو الجبل الصغير الذي ببطن الوادي الأحمر، ثم أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمل عن بطن الوادي إلى الربوة التي هو بها اليوم، وكفنه في بردة، وكفن مصعب بن عمير في أخرى، ودفنهما في قبر واحد.
    قال عبد العزيز: وقد سمعت من يذكر أن عبد الله بن جحش بن رئاب قتل معهما، ودفن معهما في قبر واحد، وهو ابن أخت حمزة، أمه أميمة بنت عبد المطلب.
    قال عبد العزيز: والغالب عندنا أن مصعب بن عمير وعبد الله ابن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة، وأنه ليس مع حمزة أحد في القبر.
    وعن سعد بن طريف عن أبى جعفر: أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تزور قبر حمزة عليه السلام ، ترمه وتصلحه، وقد تعلمته بحجر.
    قبر عمرو بن الجموح
    عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وكانا ممن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
    قبور الشهداء
    وعن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد فقالوا: يا رسول الله، أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمر؟
    فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر.
    قالوا: فأيهم نقدم؟
    قال: أكثرهم قرآناً.
    قال: فقدم أبى عامر بين يدي اثنين أو واحد من الأنصار، وكلّ قتل يوم أحد.
    حدثنا أبو زيد ـ وقال: ليس هذا مما في الكتاب ـ حدثنا سعيد بن عامر عن هشام بن أبي عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأتيناهم فأخرجناهم رطاباً تتثنّى أجسادهم ـ قال سعيد: وبين الوقتين أربعون سنة.
    حمى النقيع
    عن ابن عمر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه.
    وعن ابن عمر: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حمى النقيع للخيل، وحمى الربذة للصدقة.
    وعن رجاء بن جميل: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حمى وادي نخيل للخيل المضمرة.
    المياه والآبار
    عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر حاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فتصدق بها أبو طلحة.
    وعن سعيد بن رقيش: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ من بئر الأغرس، وأهراق بقية وضوئه فيها.
    قال: وقال محمد بن علي: شرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منها وغسل منها حين توفي.
     
    4 شخص معجب بهذا.
  3. moha_nabeul

    moha_nabeul عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏1 أفريل 2008
    المشاركات:
    127
    الإعجابات المتلقاة:
    269
      15-07-2008 22:03
    مكّــة المـكـــــــرّمـــة


    [​IMG]

    اللهمّ لا تحرمنا

    بسم الله الرحمان الرحيم: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدي للعالمين‏ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏"

    مكّة: حلم كل مسلم
    من لم يزرها يحلم أن يزورها، ومن زارها يحلم أن يعود..

    [​IMG]



    خلقَ اللهُ تعالى الأرضَ وخصَّ منها مكَّة بأوَّل بيت وُضِع للناسِ مباركًا،
    وأضاف هذا البيت إلى نفسِه إضافةَ تشريف وسماه الكعبةَ.

    وقد ذكر كثير من المؤرخين الإسلاميين تاريخَ مكة وبناء المسجد الحرام، ومن أشهر هؤلاء الأزرقيّ في مؤلَّفه "تاريخُ مكة" وقطب الدين النهروالي محمد بن أحمد المكي الحنفي وابن أخيه عبد الكريم الشهيرُ بالقطبي، وهو الذي اختصرَ كتاب عمّه قطب الدين "الإعلام بأعلام بيت الله الحرام" في مؤلَّفه "إعلام العلماءِ الأعلام ببناءِ المسجد الحرام" وغيرُهم كثير.

    شاء اللهُ سبحانه وتعالى أنْ تكونَ مكَّةُ المكرمة هي البقعة المباركة التي بُعِثَ بها رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ودعا فيها بدعوة إخوانه الأنبياء من قبل إلى الإسلام دين التوحيد والتنزيه؛ وكان ءادم عليه السلام أولُ أنبياء الله تعالى قد بنى الكعبة المشرَّفة قبل بنائه بيتَ المقدس بأربعين عامًا.
    وبلد الله الحرام مكة المكرمة بلدة كبيرة مستطيلة ذات شعاب، وأمَّا موضع الكعبة المعظمة فهو في وسط المسجد الحرام والذي يقع وسط جبلَي "جزل" و "أبي قبيس"؛ ويقال لهذين الجبلين "الأخشبان"، ويذكر الأزرقي أنَّ هذين الجبليْن يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى. أما جبل "جَزَل" فقد سُمي بعد ذلك قُعَيْعقان قبل أن يسمى اليوم جبل هندي بسبب سكنى الهنود فيه.
    وتزيد عمارتها وتنقص بحسب الأزمان، وبحسب الولادة والأمن والخوف والغلاء والرخاء.


    أسماء مكة:


    أمَّا أسماء مكَّة فكثيرة منها: مكَّة وبكَّة والبلدُ الأمين والقرية وأمُّ القرى وغيرها. وقد ألَّف مجد الدين الفيروز ءابادي صاحب "القاموس" رسالة في أسمائها سمَّاها "مهيج الغرام إلى البلد الحرام". وقال النووي:" لا يعرف في البلاد أكثر اسمًا من مكة والمدينة لكونهما أشرفَ الأرض". وجاء في كتاب "الوفا بما يجب لحصرة المصطفى" لعلي السمهودي ما نصُّهُ:" لا خلاف أنَّ البقعة التي ضمت أعضاء النبي صلى اللهُ عليه وسلم أفضل بقاع الأرض على الإطلاق حتى موضع الكعبة المعظَّمة". ثمَّ نقل عن تاج الدين الفاكهاني في كتابه "البدر المنير" قولَه:" وأقول أنا، وأفضل بقاع السموات أيضًا".

    بناء الكعبة المعظَّمة:


    خلقَ اللهُ تعالى الكعبةَ المشرفة، وجعلها في وسطِ الأرض، وتعبَّدَ الناسَ بالطواف حولها، وقد قدمنا أنَّ أول من بناها كان نبيَّ الله ءادم عليه السلام، ثمَّ بناها بأمر الله تعالى إبراهيمُ عليه السلام وولده إسمعيل بعد أنْ كان أصابها الطوفانُ زمن نوح عليه السلام.
    بناء إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام:
    ذكر الأزرقيُّ أنَّ الخليل عليه السلام لما بنى البيتَ جعلَ طوله في السماء تسعة أذرع وجعل طولَه في الأرض من قِبَلِ وجه البيت الشريف إلى الركن الشامي اثنين وثلاثين ذراعًا، وجعل عرضه في الأرض من قِبَل الميزاب من الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعًا، وجعل طوله في الأرض من جانب ظهر البيت الشريف من الركن الغربي المذكور إلى الركن اليماني إلى الحجر الأسود عشرين ذراعًا، وجعل الباب لاصقًا بالأرض غيرَ مرتفعٍ عنها، حتى جعل لها تُبّعٌ الحميري بابًا وغَلَقًا بعد ذلك.
    وكان إبراهيم عليه السلام يبني وإسمعيل عليه السلام ينقل له الأحجار، فلما ارتفعَ البنيان قرَّب له المقام فكان يقف عليه ويبني حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود، وهو ياقوتة بيضاءُ أهبطت مع ءادم عليه السلام حين أُهبط من الجنة، فأتاه جبريل عليه السلام وكان استودِع جبل أبي قبيس حين طوفان نوح عليه السلام فوضعه جبريلُ في مكانه ليكون عَلَمًا للناسِ يبتدِئون منه الطواف، وبنى عليه إبراهيمُ وهو حينئذٍ يتلألأ نورًا ويضيء شرقًا وغربًا وشامًا ويمنًا إلاَّ أنَّ خطايا الجاهلية وأرجاسَها سوَّدتْه.


    الكعبة في الجاهلية:


    ثمَّ جدَّد قصي بن كلاب جَدّ النبي صلى اللهُ عليه وسلم بناءَ الكعبة، وقد ذكر الزبير بن بكار أنَّ قصي بن كلاب لما ولي أمر البيت جمع نفقة ثمَّ هدم الكعبة، فبناها بنيانًا لم يبنهِ أحد ممن بناها قبله.
    وأمَّا بناء قريش فقد ذكر الحافظ الصالحيّ الشاميّ في كتابه "سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد": أنَّ امرأةَ عبد المطلب جمَّرت الكعبة بالبخور فطارت شرارة من مجمَرِها في ثيابِ الكعبة فاحترق أكثرُ خشبها، ودخلَها سيل عظيم فصدّع جدرانها فأُعيد بناؤها، حيث اقتسمت قريش جوانبَ البيت. وكان رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ينقل معهم الحجر، ثمَّ اختلفوا في من يجعل الحجر الأسود مكانَه، حتى اتفقوا على أنَّ أول داخل من باب الصفا يكون له ذلك، وكان أول داخل هو رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ، فلمَّا رأوه قالوا: هذا محمدٌّ الأمين. ورضوا حُكمَه، فقال صلى اللهُ عليه وسلم: هلمَّ إلي ثوبًا. فأتي به فأخذ الحجرَ الأسود فوضعه فيه بيدِه ثم قال: ليأخذْ كبير كلِّ قبيلة بطرفٍ من هذا الثوب، فحملوه جميعًا وأتوْا به ورفعوه إلى ما يحاذي موضعَه، فتناوله رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم ووضعه بيدِه الشريفة في محلّه.

    ماء زمزم:

    أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أنْ يأتيَ بهاجر وولدها إسمعيل إلى مكة، فأتى بهما، وأمر هاجر أنْ تتخذَ عريشًا، ثمَّ انصرف فتبعته وسألته: ءالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا. ونفد ما كان معها من الماء، فعطشت وعطش ولدُها، فنظرت إلى الجبل فلم ترَ داعيًا ولا مُجيبًا، فصعِدت على الصفا، فلم تر أحدًا، ثم هبَطَت وعينُها على ولدها، حتى نزلتْ في الوادي، وغابت، فهرولت حتى صعِدت من الجانب الآخر، فرأته، واستمرت إلى أنْ صعِدت إلى المروة، فما رأت أحدًا، وفعلت ذلك سبعَ مرات، ثمَّ عادت إلى ولدِها، وقد نزلَ جبريل عليه السلام فضرب موضعَ زمزم بجناحه فنبع الماء، فبادرت هاجر إليهِ وحبستْه من السيلان كي لا يضيع الماء.
    ولِمَاء زمزم من الشرف والخواصّ والمزايا ما لا يوجد لغيره من مياه الأرض، ففي المستدرك للحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا :" ماء زمزم لمَا شُرِبَ له". وقد فصّلت كتب الحديث والتاريخ فضائلَه.

    تحلية الكعبة الشريفة بالذهب والفضَّة:

    ذكر الأزرقيُّ في "تاريخ مكة" أنَّ أول من حلَّى الكعبةَ في الجاهليةِ عبد المطلب جدّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم بالغزالتين الذهب اللتين وجدَهما في بئر زمزم لمَّا حفرَها، وقال:" أول منْ ذهَّبَ البيتَ في الإسلام عبد الملك بنُ مروان". وذكر غيرُه ما يقتضي خلاف ذلك فقال المُسبِّحي:" أوَّل من حلَّى البيت عبد الله بن الزبير، جعل على الكعبة وأساطينِها صفائحَ الذهب، وجعل مفاتيحَها من الذهب". وذُكِرَ أنَّ الوليد بن عبد الملِك بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله بستة وثلاثين ألف دينار يضرب بها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى ميزاب الكعبة، وعلى الأساطين التي في جوف الكعبة، وعلى أركانها من الداخل".
    وممَّن حلاها الأمين بن هارون الرشيد والمتوكل العباسي والمعتضد العباسي وأم المقتدر الخليفة العباسي. ومنهم أيضًا الملك المظفر الغسانيُّ صاحب اليمن، وحلاَّها حفيدُه، والملك المجاهد صاحبُ اليمن أيضًا، ثم الملك الناصر محمدُ بن قلاوون الصالحي صاحبُ مصر، الذي حلَّى بابَ الكعبة، كما حلاَّه حفيده الملك الأشرف شعبان في سنة 776هـ.
    ويقول عبد الكريم القطبي في كتابه "إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام": قال شيخُنا رحمه الله :" وقد أدركْنا الباب الشريف مصفّحًا بالفضّة، وكان يختلس من فضته أوقاتَ الغفلة من قَلَّ دينُه، إلى أنْ انكشَفَ أسفلُ الباب الشريف، وظهر الخشب، فعُرِضَ ذلك على السلطان خان في سنة 961هـ، فبرز الأمر السلطاني بتصفيح الباب الشريف بالفضة. وكان في البيت الشريف خشبة من أخشاب السقف قد انكسرت وصار الماء ينزل من موضع الكَسر في جوف البيت، وكان قاضي مصر يومئذ حامد أفندي، وقاضي مكة المشرفة محمدَ بن محمود فاطلعا على هذا الاختلال وعرضَا الأمر على السلطان سليمان الذي أرسله بدوره إلى المفتي أبي السعود يستفتيه في ذلك، فكتب له بجواز ذلك إنْ دعت الضرورةُ إليه، فأرسلَ بجواب المفتي إلى صاحب مصر إذ ذاك علي باشا ومنه إلى ناظر الحرم المكي أحمد حلبي المقاطعجي مع الحُكم السلطاني الذي مضمونه: العمل بمقتضى الفتوى. واجتمع العلماء للمشاورة، فذكر مصطفى المعمار أنَّه شاهد بالسقف الشريف عودين نزلا عن محاذاة بقية أخشاب السقف من وسطهما، وذكر أنَّ عودًا ثالثًا إلى جانبهما لنحو الباب الشريف، وأنَّه يُحتمل أنْ يكونَ مكسورًا أيضًا، وأكَّد الكثيرون أنَّه إن لم يتدارك تغيير الخشب المذكور بخشب صحيح سقط إلى أسفل وتتزعزع الجدران، وشرع العمال في العمل، ولما كشفوا عن تلك الأعواد وجدوها مكسورة، فأبدلوها بأعواد جيدة في غاية الإحكام والاستقامة، وأعادوا السقف والسطح كما كان بغاية الإتقان. ثمَّ إنَّ السلطان سليمان خان لما فرغ من تحديد سطح البيت وما يتعلق به، شرع في تسوية فرش المطاف الشريف بعد أنْ انفصلت أحجاره وصار بين كل حجرين حُفَر، فأزال ما بين الأحجار من الحُفَر، وألصق طرف الحجر بطرف الحجر الآخر، واستمر على هذا الأسلوب إلى أنْ فرغَ من ذلك، وأصلح أبواب المسجدِ الشريف وفرشَ أرضَه كلَّها بالحصى، ثم صُفّح الباب الشريف بالفضة، وسُمّرت الصفائح بمسامير الفضة وأُصلح الميزاب وصَفَّحه بالفضَّة المموهَّة بالذهب إلى أنْ غُيّر بعد ذلك.

    [​IMG]
    مقام إبراهيم عليه السلام

    مقامُ إبراهيمَ هو الحجرُ الذي وقفَ عليه الخليلُ عليه السلام حين بنى الكعبةَ المشرّفة؛ قال القاضي عزُّ الدينِ بن جماعة: وقد ذكر الأزرقيّ أن ذَرعَ المقامِ ذراع. وأولُ ما حُلّي المقام في خلافة المهدي بن المنصور العباسي المتوفَّى سنة 169 للهجرة، وكان قد رُفِعَ فانثلَم لرخاوةِ حجَره، فكتب الحجبة إلى المهديّ يعرّفونه بذلك، وأنهم يخشونَ عليه أنْ يتفتّت، فبعث المهدي بألف دينار أو أكثر لإصلاح ذلك؛ فلما كانت خلافة المتوكل وهو ابن المعتصم بن الرشيد، وقد توفي مقتولاً سنة 247هـ، زِيد في تحلية المقام بالذهب، وجعل ذلك فوق حليته الأولى، ثم إن جعفر بن الفضل العباسي عاملَ مكة، ومحمدَ بن حاتم قلعا حليته في خلافة المتوكل وضرباها دنانير ليستعينا بذلك في حربهم إسمعيلَ بنَ يوسف العلوي سنة 251 للهجرة؛ وبقيت حلية المهدي على المقام إلى أنْ قُلعت عنه سنة 256 لأجل إصلاحه، فعُمل له طوقان من ذهب، وأُحضر المقام إلى دار الإمارة، وأُذيبت له العقاقير بالزئبق، وشُدَّ بها شدًا متينًا حتى التصق، وكان قبل ذلك سبعَ قطع زالَ عنها الالتصاق بعد أن قُلعت عنه الحلية سنة 255 للهجرة لأجل إصلاحه. ثمَّ أُعيد إلى موضعه يومَ الاثنين لثلاثِ ليال خَلون من ربيع الأول سنة 256 للهجرة بعد أنْ وُسّع الطَّوْقان الذهب لضيقهما
    موضع المقام في الجاهلية والإسلام وبيان شىء من فضله

    قال الأزرقيّ: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بنُ الورد قال: سمعت ابن مَلِيْكَة يقول: موضعُ المقام هو هذا الذي هو به اليوم هو موضعُه في الجاهلية، وفي عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلاَّ أنَّ السيلَ ذهب به في خلافةِ عمر، فجُعِل في وجه الكعبة حتى قدِم عمرُ فردّه بمحضرٍ من الناس. أما فضل المقام فهو ثابت مشهورٌ بنصّ القرءان الكريم والسنةِ الشريفة الصحيحة؛ فأما القرءان فقولُه تعالى :{فيه ءايات بيناتٌ مقامُ إبراهيم}. وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم :"إنَّ الحجر والمقام ياقوتتانِ من يواقيتِ الجنة طمسَ اللهُ نورَهما، ولولا أن طمس نورَهما لأضاءا ما بينَ المشرق والمغرب". وكان أبو طاهر القُرمطي يريد أخذَه مع الحجر الأسود، فلم يظفَرْ به لأنَّ سَدَنَة المسجد غيّبوهُ في بعض شعاب مكة؛ ولا يزال هذا المقام محروسًا بحراسةِ الله إلى حين رفْعِه إلى الجنة كما هو مقتضى حديث عائشة الذي رواه الأزرقي في تاريخه حِجْر إسمعيل عليه السلام يروي الأزرقيّ أنهُ في أثناء بناء إبراهيمَ عليه السلام للكعبة، جعل الخليلُ عليه السلام الحِجْر إلى جنبِ البيت عريشًا من "أراك" تقتحِمُه العنز، وكان زربًا لغنم إسمعيل. وعندما بنت قريشٌ الكعبة قصّرت بهم النفقة فتركوا بعضَ الكعبة في الحِجْر؛ وقد ذكرنا أنَّ عبد الله بنَ الزبير أعادها إلى بناء إبراهيم عليه السلام، حتى جاءَ الحجاج فأعادها إلى ما كانت عليه في الجاهليةِ وفي زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول التقيُّ الفاسي في كتابه "شفاء الغرام": لا خلاف بين أهلِ العلم بالتاريخ أن البيتَ كان مبنيًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على أساسِ إبراهيم من جميعِ جوانبه إلا من جهةِ الحِجْر كما سبق بيانه.
    ذكر الجبال المباركة بمكة وحرمها:
    بمكة وحرمها جبال مباركة منها: الجبل المعروف بجبل أبي قبيس، لأن فيه قبرَ ءادم عليه السلام على ما يُقال، لأنَّ صاحب المورد العذب البهي قال: قال وهب (يعني وهبَ بن منبّه): "حُفر له (يعني ءادم) في موضعٍ في أبي قبيس في غار يقال له غارُ الكَنز، فاستخرجه نوحٌ وجعلَه في تابوت معه في السفينة، فلما نضبَ الماء رده نوحٌ إلى مكانه. وهذا الغارُ لا يُعرف الآن، وقد اختُلف في موضعِ قبر ءادم على أربعة أقوال:
    الأول: أنه كان بأبي قبيس كما قال وهب
    والثاني: أنه بمسجد الخيف كما قال عروةُ بن الزبير فيما روى عنه الفاكهي.
    والقول الثالث:عند مسجد الخيف. قال ذلك الذهبي
    والقول الرابع:أنه ببلاد الهند في الموضع الذي أهبط إليه من الجنة.
    ومن فضائل جبل أبي قُبيس أنه كان يُدعى الأمين لأن الحجرَ الأسود استودع فيه زمنَ الطوفان، فلما بنى الخليلُ عليه السلام البيت نادى أبو قبيس، الركنُ مني بمكانِ كذا وكذا. وجاء بهِ جبريل عليه السلام فوضعَه موضعَه من الكعبة. ومن فضائلِه أنَّ الدعاء فيه يستجاب
    ومنها جبل الخنْدَمة: روى الفاكهي عن ابنِ عباس قولَه: ما مطرت مكةُ قط إلا كان الخندمةُ أمْطَرَها، وذلك أن فيها قبرَ سبعين نبيًّا
    ومنها جبل حراء: وهو بأعلى مكة، وفيه نزلُ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فيه
    ومنها جبل ثورٍ بأسفل مكة لاختفاءِ النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه فيهِ حين هاجرا إلى المدينةِ وذلك في غارٍ مشهور فيه، وهو الغار الذي ذكرهُ الله تعالى في كتابه العزيز حيث قالَ سبحانه {ثاني اثنين إذ هما في الغار} وهذا الغارُ مشهورٌ في هذا الجبل يأثره الخلف عن السلف ويقصدونَه للزيارة، وقد ذكر ابن جُبير في رحلته أن طولَ الغار ثمانية عشر شبرًا، وطولَ فمه الضيق خمسةُ أشبار وسَعَته وارتفاعه عن الأرض مقدارُ شبر في الوسطِ منه. وذكر ابن جبير أن أكثرَ الناس يتجنبون دخولَه من بابِه الضيق لِمَا فيه من المشقَّة التي يقاسيها الداخل
    ومن الجبال المباركة بمكةَ جبل "ثُبير" قال القزوينيُّ في كتابه "عجائب المخلوقات وغرائبُ الموجودات": جبل ثُبيرٍ بمكة بقرب منى، وهو جبلٌ مبارك يقصدُه الزوار. ومنها الجبل الذي يُلحَق بمسجد الخيف لأن فيهِ غارًا يقال له "المرسلات"، لأن فيه أثرُ رأس النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر ابن جُبير
    ذكر مقابر مكة المباركة:
    لمكة المكرمة مقابر مباركة منها المقبرة المعروفةُ بالمُعلاة ويقال المعلى .ذكر الأزرقي عن الزنجيّ أنه قال: كان أهلُ مكة في الجاهلية وفي صدر الإسلام يدفنون موتاهُم في شُعب أبي ذئب وقال:كان أهلُ مكة يدفنونَ موتاهم في جنْبتي الوادي يَمَنَة وشأمَةً في الجاهلية والإسلام، ثم حوّل الناس جميعًا قبورَهم في الشعب الأيسر وهي مَقبرة تستقبل وجهًا من الكعبة ليس فيها انحراف وزيارةُ هذه المقبرة مستحبةٌ لما حوتْه من سادات الصحابة والتابعين وكبارِ العلماءِ والصالحين
    ومنها المقبرة العُليا وفيها دفن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ما يروى،ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة المهاجرين بالحَصْحَاص. قال الأزرقي:الحصحاص هو الجبل المشرف على ظهر ذي طوى إلى بطن مكة.ومن المقابر المباركةِ بمكة المشرفة، المقبرةُ المعروفة بالشبيكة بأسفلِ مكة دون بابِ الشبيكة، وهي مشهورةٌ عند الناس لما حوَتْه من أهل الخيرِ الغرباء وغيرِهم ومن القبور التي تُزار قبر أم المؤمنين ميمونةَ بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وهومعروف بطريقِ وادي مُروقد ورد ذِكرُه خلفًا عن سلف
    خلافةُ المنصور العباسيّ:

    في هذا العهد وفي محرمَ سنة 138 للهجرة، أمر أبو جعفرٍ المنصورُ بالزيادة في المسجدِ الحرام، فزِيد في شَقّه الشاميّ الذي يلي دارَ الندوة، وزاد في أسفلِه إلى أن انتهى إلى المنارة التي في رُكن بابِ بني سهم، ولم يزِد في الجانبِ الجنوبي شيئًا لاتصالِه بمسيلِ الوادي وصعوبةِ البناء فيه وعدمِ ثباته إذا قوي السيلُ عليه، وكذلك لم يزِد في أعلى المسجد. واشترى منَ الناس دورَهم وهدَمَها وأدخلَها في المسجدِ الحرام.
    وعمل المنصور طاقًا واحدًا بأساطينِ الرخام دائرًا على صحنِ المسجد، وكان الذي زادَ فيه مقدارَ الضعف مما كانَ قبله، وزخرفَ المسجدَ بالفسيفساء والذهب، وزيّنه بأنواعِ النقوش، وكان الفراغُ من العمارة في سنة 140هـ.

    خلافةُ المهديّ:

    في سنة 160 للهجرة حجّ أمير المؤمنين المهديُّ العباسيّ ونزل دارَ الندوة، وذكر له حَجَبَةُ الكعبة أنه تراكمتْ على الكعبة كسوةٌ كثيرة أثقلتْها ويُخاف على جدرانها من ثِقَلِها، فأمر بنزعها، فنُزعت حتى بقيت مجردةً، ووجدوا كسوة هشامٍ من الديباجِ الثخين، وكسوةَ من قبلَه من ثياب اليمن، فجُردت الكعبةُ منها، وطلي جدرانُها من داخلها وخارجها بالغاليةِ والمسك والعنبر، وصعدَ الخدَّامُ على سطح الكعبة وصاروا يسكبون قواريرَ الغالية الممسَّكة المطيّبة على جدران الكعبة من الجوانب الأربعة، ثم كُسيت ثلاثَ كَسَاوي من القَبَاطي والخَزّ والديباج، وقسّم المهديُّ في الحرمين الشريفين أموالاً عظيمة وهي ثلاثون ألفَ درهم وصلَ بها من العراق، وثلاثمائةِ ألفِ دينارٍ وصلت إليهِ من مصرَ، ومائتا ألفِ دينارٍ وصلتْ إليه من اليمنِ، ومائةٌ وخمسون ألف ثوب.
    ثمَّ أمر المهديُّ قاضيَ مكةَ أن يشتري دورًا في أعلى المسجد ويهدمَها ويدخلَها في المسجد، وأعدّ لذلك أموالاً عظيمة، فاشترى القاضي جميعَ ما كان بين المسجد الحرام والمَسعى من الدُّور، وجعل دارَ القوارير رحبةً بين المسجد الحرام والمسعى. هذه الزيادة الأولى للمهدي في أعلى المسجدِ وكذلك في أسفلِه إلى أن انتهى بهِ إلى باب بني سهم، ويقال لهُ الآن بابُ العمرة، وإلى بابِ الحنَّاطين ويقال له الآن بابُ إبراهيم؛ وكذلك زاد من الجانب الشاميّ إلى منتهاه، كذلك زادَ في الجانب اليماني أيضًا إلى قُبةٍ تسمى الآن قبةَ العباس، وكان بين جدارِ الكعبة اليماني وجدارِ المسجد الحرام الذي يلي الصَّفا تسعةٌ وأربعون ذراعًا ونصفُ ذراع وكان ما وراءه مسيل الوادي، فهذه كلها الزيادة الأولى للمهدي. وأمر بالأساطينِ فنقلت من مصر ومن الشام وحُملت بحرًا إلى قرب جُدَّة في موضع يقال له "الشُّعيبة" وحملت منها إلى مكة وعُمِل الأساس لتلك الأساطين بحيث حُفر لها في الأرض جدارات، وأقاموا كل أسطوانةٍ على موضع تقاطعِ الجدارات.

    التوسعةُ الثانية للمهديّ:

    واستمر العملُ إلى سنة 164، وحجّ المهدي في ذلك العام وشاهدَ الكعبة المعظمةَ ليست في وسط المسجد بل في جانبٍ منه ورأى المسجِدَ قد اتسع من أعلاهُ وأسفله ومن جانبه الشاميّ، وضاق المسجدُ من الجانب اليماني الذي يلي مسيلَ الوادي، وكانَ الناسُ يلوّثون في محلّ المسيل الآن، وكانوا يسلكونَ من المسجد في بطنِ الوادي، ثم يسلكونَ زُقاقًا ضيقًا ثم يصعدونَ إلى الصفا. فلمَّا رأى المهدي تربيع المسجد الحرام ليسَ على الاستواء، ورأى الكعبةَ الشريفةَ في الجانب اليمانيّ من المسجد، جمعَ المهندسين وقال لهم أريدُ أن أزيدَ في الجانب اليمانيّ من المسجد، لتكون الكعبةُ في وسطِ المسجد فقالوا له :"لا يمكنُ ذلك إلا بأن تُهدَمَ البيوتُ التي على حافة المسيل في مُقَابَلَة هذا الجدار اليماني، ويُنقلَ المسيلُ إلى تلك البيوت ويُدخَلَ المسيل في المسجد ومعَ ذلك فإن وادي إبراهيم له سيولٌ عارمة، وهو وادٍ حدورٌ يُخاف إن حولناه عن مكانِه أن لا يثبت أساسُ البناءِ فيه على ما يزيد من الاستحكامِ فتذهَبَ به السيولُ وتعلو فيه فتنصَبَّ في المسجدِ الحرام، ويلزمُ هدمُ دور كثيرة وتكبر المؤنةُ وتكثر ولعل ذلك لا يتم".
    فقال المهدي :"لا بدَّ أن أزيد هذه الزيادة ولو أنفقتُ جميعَ بيوت الأموال، وصمم على ذلك، وعظمت نيتُه واشتدت رغبته، وصار يلهجُ به، فهندس المهندسونَ ذلك بحضوره وربطوا الرماحَ ونَصبوها على أسْطِحَةِ الدور من أولِ الوادي إلى ءاخره، وربّعوا المسجدَ من فوق الأسطحة، وطلعَ المهديُّ إلى جبلِ أبي قبيس، وشاهد تربيعَ المسجد، ورى الكعبةَ في وسط المسجد ورأى ما يُهدمُ من البيوت ويُجعل مسيلاً ومحلاً للسَّعي، وشخَّّصوا له ذلك بالرماحِ المربوطة من الأسطحة، ووزنوا لهُ ذلك مرةً بعد أخرى حتى رضي عنه.
    ثم توجه إلى العراق، وخلَّفَ الأموالَ الكثيرة لشراء هذه البيوت وللصَّرْفِ على هذه العمارة العظيمة، وكانت هذه الزيادةَ الثانيةَ للمهدي في المسجد الحرام.
    ثم تولى بعد المهدي ولدُه الهادي، فلما استقرَّ في سريرِ الخلافة كان أولَّ شىءٍ أمر به إكمالُ بناءِ المسجد الحرام، فبادر الموكَّلون إلى إتمامِه وكملوا إلى أن اتصلَ بعمارة المهدي وبنوا بعضَ أساطينِ الحرم الشريف من جانب بابِ أمّ هانئ بالحجارة ثم طُليت بالجصّ، وكان العملُ في خلافة الهادي دونَ العملِ في خلافةِ والده في الاستحكام والزينة والاهتمامِ.

    خلافة الرشيد:

    في أثناء دولةِ الرشيد قَدِمت الخيزران أم الرشيد إلى مكة قبل الحجّ سنة 171 للهجرة وأقامت إلى أن حجت وعمِلت الخيرات واشترت دورًا بالصَّفا إلى جانب الأرقم المخزومي التي تشتمِلُ على مسجدٍ مأثور يقال له "المختبى".

    خلافة المعتمد على الله:

    في سنة 271 للهجرة وقَع وهنٌ في بعض جدارات المسجد الحرام من الجانب الغربي قبلَ زيادةِ باب إبراهيم، وكان في نفسِ الجدار الغربي من المسجدِ الشريف بابٌ يقال له بابُ "الحناطين" وكانت بقربهِ دار كانت تسمى دارَ زبيدةَ بنتِ أبي جعفر المنصور، فسقطت تلك الدارُ على سقف المسجد الحرام، فكَسَرت أخشابَه وانهدمت أسطوانتان من أساطينِ الحرم الشريف وماتَ تحت ذلك عشرةُ أنفس من خيار الناس.
    فلما رُفع أمرُ الهدمِ إلى بغداد أمر الموفَّق بالله بعَمَارة ما تهدم من المسجد الشريف وجهّز له مالاً.

    خلافةُ المعتضد:

    في أيام المعتضد كتب قاضي مكةَ وأميرُها كتابًا إلى وزير المعتضد، يتضمَّن أن دارَ الندوة عظُم خرابها وتهدمت، وكثيرًا ما يُلقى فيها القمائم حتى صارت ضررًا على المسجدِ الحرام وجيرانه، وإذا جاء المطرُ سالت السيولُ من بابِها إلى بطن المسجد، وحملَتْ تلكَ القمائمَ إلى المسجد الحرام، وأن سقفَ المسجد قد خرب، وصار إذا جاء المطرُ يسيلُ منه الماء وأن وادي مكة "انكبس" بالأتربةِ فعملت الأرضُ عما كانت، وصارت السيولُ تدخل من الباب اليماني إلى المسجدِ الحرام، ووفد سَدَنَةُ الكعبة إلى بغدادَ ورفعوا إلى ديوانِ الخلافة أن وجهَ جدرانِ الكعبة قد تشعث وأن الرخام المفروشَ في أرضها قد تكسَّر، وأن بلاطَ المطاف حول الكعبة الشريفة لم يكُن تامًّا، ويُحتاج إلى أن يتمَّ من جوانبها كلها، وأن ذلكَ من أعظم القُربات، فلما عُرضت هذه الكتابات على الخليفة المعتضد، أمر بعملِ المطلوب من ترميمِ الكعبةِ الشريفة وغيرِها وهدْمِ دار الندوة وتنظيفِ المسيل وأمرَ أن يُحملَ من خزانتِه مال عظيم لهذا.
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...