جامع الزيتونة المعمور

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏18 جويلية 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      18-07-2008 08:06
    جامع الزيتونة المعمور: نقائش دالّة على الفن المعماري لبني خراسان

    يذكر المؤرخون الذين تناولوا جامع الزيتونة المعمور ان هذا المعلم هو عبارة عن متحف للفنون القديمة حيث تدل الأعمدة والتيجان ولوحات الرخام المحفور والبلاطات الرئيسية والنقائش الموجودة بها على الفترات الزمنية المتعاقبة عليه ونسبتها الى العصور الاسلامية هذه الشواهد التي أصبحت بمثابة الشواهد التاريخية.
    من بين هذه الفترات نجد نقائش تؤرخ لفترة بني خراسان...
    ثلاثة نقائش تؤرخ لهذه الفترة الانتقالية الحاسمة والفاصلة بين العهد الفاطمي ـ الزيري الشديد التأثر بالتيارات الشرقية والعهد الموحدي المتأثر بالتيارات الغربية ـ الاندلسية. وهي فترة تبلورت خلالها ملامح الفن المعماري التونسي وتأكدت خطوطه الكبرى بعيدا عن كلّ التأثيرات الجديدة.
    وكانت مدينة تونس محل نزاع وشجار بين صنهاجي المهدية وبني زيري قلعة بني حمّاد وبجاية وعرب بني رياح الذين استقروا بقرطاج وأقاموا فيها قلعتهم الشهيرة المعروفة بالمعلقة وهو نزاع انتهى في أول الامر بترسيخ قدم اسرة بني خراسان الموفدة من قبل أمير قلعة بني حماد لكنه لم يفتأ ان اشتدّ من جديد في ربع القرن الأخير من حكمهم الى ان آل الأمر الى الموحّدين القادمين من المغرب وعلى رأسهم الخليفة عبد المؤمن بن تومرت الذي اختار مدينة تونس عاصمة لولايته على افريقية سنة 555 هـ / 1160م.
    هذه النقائش الثلاث تضبط تواريخ ثلاثة انجازات معمارية: واحد ذهب ضحية التغييرات التي لحقت مقصورة الإمام وهي تحمل اسم أبي محمد عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان وانجاز ثان يتمثل في بوابة لجامع الخارجية التي اضافها نفس الامير في سنة 474 هـ / 1081 م في جدار الجوف تجاه قبّة البهو اما الانجاز المعماري الثالث فهو أحد الابواب وتحديدا ذلك الباب المفضي من جهة الركن الجنوبي الشرقي الى بيت الصلاة والمحاذي لما عرف بمقصورة محرز وفي مقصورة المعزّ نفسها باب ذو صنوج متناوبة ولا يستبعد سليمان مصطفى زبيس ان هذه الاشغال الأخيرة قد شملت ايضا كامل الواجهة الشرقية الاغلبية التي حوّرهاالخراسانيون تحويرا كبيرا مضيفين اليها فتحات جديدة او محوّرين ومزوقين فتحات قديمة مثل الباب الشرقي الرئيسي الذي تم تزويقه بمداميك الحجارة المتناوبة حمراء وبيضاء والبابين المطلين على الصحن.
    كما ان الرّواق الشرقي الداخلي يحمل بصماتهم لا سيما السقيفة المتقدمة عن المدخل الشرقي الرئيسي من جهة الصحن بقبوين متقاطعين وهي طريقة جديدة في التسقيف تخالف ما عرف في الجامع من السقوف الخشبية ذات العوارض البارزة. وقد استخدمت فيها زخرفة سلسلة المثلثات الموجودة بقبة البهو أين تقتصر على الأحمر فقط في حين هنا وبواجهة المحراب ألوانا ثلاثة: الابيض والاسود والأحمر.
    ولا يستبعد ان عمل بني خراسان قد اقتصر على اضافة القبوين لا غير.
    كما لا يستبعد ان يكون بنو خراسان قد قاموا بتحويرات في واجهة المحراب التي تدل عليها بقايا زخارف الحنيات المستطيلة ذات العمق المسطح وقد يكون ذلك قد تم في نفس الوقت الذي أعادوا فيه بناء مقصورة الامام. ولربما كانوا هم السبب في طمس المحراب الاغلبي القديم وتعويضه بالمحراب الحالي الذي استعملت فيه ساريتان تحملان تاجين من الصنف الزيري الخراساني ثم في نقله الواح الجصّ الاغلبية من ذلك المحراب القديم الى أعلى البلاطة المحورية ومعها لوحتي الزخارف الحجرية البيضاء والحمراء المشار اليهما على افتراض ان يكون صانعو قبّة البهو هم الذين أنجزوا كلّ هذه الأعمال منذ سنة 881هـ / 991 م.
    ومهما يكن من أمر فإن أسلوب البناء المتوخّى في العهد الخرساني يبدو امتدادا طبيعيّا للأسلوب الذي وضعه أسلاف عبد الغني بن المليلي وعوض بن القبيطي اللذان شيّدا باب سوق العطارين. ولعلّ هذين العريفين قد أخذا الصناعة عن أولاد مشيّدي قبّة البهو أنفسهم، أو ربما عن احفادهم. لكن مهما كانت هذه الاحتمالات فإن تسلسل الأجيال قائم بين البنّاء المرجعي والبنائين المواليين ولربّما الباب الثالث الفاتح على سوق القماش الذي فقد تاريخ تأسيسه لكن سماته المعمارية تبوبه بدون منازع لكي يكون ضمن المنشآت الخراسانية.
    وعلى العموم فان واجهات المداخل الخراسانية الكبرى تقسم الى قسمين اثنين سفلي وعلوي حيث تتطابق هيئة السفلي تماما مع الوصف الذي تركه البكري في سنة 460 هـ / 1067 حيث يقول: «وعضادات أبواب دور مدينة تونس كلها رخام بديع لوحان قائمان وثالث معترض عليهما مكان العتبة» اما العلوي فيتكون من طاقة صماء قليلة النتوء ذات عقد نصف دائري ذي فقرات مشعة محمول على عضادتين. وفي حالتين فقط تحتفظ الحنيّة بلوح النقيشة. ويلاحظ في البوابتين الجوفية والغربية عقد متقدم بارز عن واجهة المدخل من الصنف الحدوي تحمله عضادتان بزاويتهما عمد مفرد في الباب الجوفي ومزدوج في الباب الغربي. ويحيط بالعقد اطار مقولب ناتىء محمول على وصلتين هو نفس الاطار الذي نجده حول طاقة باب محرز في الباب الشرقي وفي طاقات قبّة البهو.
    ولا نخال الواقف على هذه المنشآت الخراسانية غير متفطن الى ما تدين به كلها الى قبتي المحراب والبهو كما لا نعتقد أنه لا ينبهر امام بوابتي سوق العطارين وسوق القماش اللتين لم تكونا مختفيتين كما هو حالهما في الوقت الحاضر بل بارزتين رفيعتي البنيان (ما يقارب العشرة أمتار) يرمزان الى ما كان يوليه امراء بني خراسان من عناية بهذا المعلم الديني.
    ولئن بدأ الفنّ الخراساني محافظا من وجهة نظر معمارية بحتة، وكما يلوح من خلال ما يظهر بجامع الزيتونة وبعدة معالم من مدينة تونس فان الأمر يبدو مختلفا نوعا ما من الناحية الزخرفية وفيما يخص تطوّر الفنون الخطية. فقد شهد الفنّ الزخرفي والخطي في العالم الاسلامي عموما خلال القرن الحادي عشر تطورا سريعا اتسم بمزيد التجرد والابتعاد عن النماذج الطبيعية والاقتراب شيئا فشيئا من الأشكال الهندسية تحت تأثير عوامل مشتركة داخلية وخارجية. فقد تمثلت العوامل الداخلية بالخصوص في الانغلاق الفكري والتحجر الديني الى حدّ تغليق باب الاجتهاد اما العوامل الخارجية فتشكلت بفرض تأثير الاقوام الآسيوية المسيطرة على البلاط العباسي كالعنصر التركي. واذا كان فنّ العمارة اكثر اتصالا بالإقليم الذي يقوم فيه فإن تبادل العناصر الفنية وتأثر بعضها ببعض أسهل في ميدان الفنون الزخرفية. لذلك نرى ان العمائر الاسلامية وان تختلف في مواد البناء وفي الرسم وفي أنواع الاعمدة والتيجان والعقود والقباب وفي ضروب المواد التي تكتسي بها الجدران. الا انها في كل عصر تشترك في نوع من الانماط الزخرفية.
    ان الخط العربي الذي وحّد بين الشعوب كان يتحول بدوره من عصر الى عصر وبالزيتونة شواهد قليلة لكنها معبّرة بما فيه الكفاية عن هذا التطور السريع الذي شهدته فنون الخط من القرن الثالث هـ / التاسع م فلو تمت مقارنة كتابة قبة لمحراب بكتابة قبّة البهو مثلا لبدأ التغيّر الكبير الذي حصل في ظرف قرن وثلث القرن اذ تحوّل الخط من صرامة الخطوط ذات الزوايا المستقيمة الى خطوط أكثر لينا وانسيابا وحريّة في التصرّف واعطاء فرص للابتكار في رسم الحروف كالألف وأواخر الكلمات بدون ان يفضي ذلك الى التهوّر بل في اطار قواعد هندسية وجماليّة مدروسة. إلا ان تلك القواعد والمعايير الموضوعة من قبل الخطاطين سرعان ما تجاوزتها الأحدات حيث لم تمنع اجيال الخطاطين المتوالين من رفع القيود وفسح المجال من جديد للابتكار والبحث عن الطرافة حتى نشأ خلال القرن الخامس هـ / الحادي عشر ما عرف بالخط المزهر الذي تشترك في تصاميمه الحروف ذات الاشكال اللينة والغصون الملتوية والأوراق ذات الفصين او الثلاث فأكثر كما هو بارز في الكتابة الخشبية التي وجدت في جدار مقصورة الامام والتي تحمل كاملا اسم «ابي محمد عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان».
    بالاضافة الى التطوّر الحاصل في التيجان التونسية والذي يمثل العهدان الصنهاجي بالنسبة لها فترة حاسمة اذ توجد تيجان اسلامية الصنع كبيرة الحجم قد عوضت التيجان القديمة التي تبدو وكأنه قد قلّ عددها فتأكدت الحاجة لاستبدالها بتيجان محلية لم تلبث ان أخذت اشكالا ومواصفات ثابتة رغم انها تستلهم معظم عناصرها من التيجان الكورنثية واحيانا من التيجان المزدوجة.

     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...