موسوعة أفضل العالمين: الرسل والأنبياء رضي الله عنهم

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة al moh, بتاريخ ‏19 جويلية 2008.

  1. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      19-07-2008 21:58
    نبدأ بسم الله

    التعريف بالنبي والرسول والفرق بينهما

    تعريف النبي
    النبي – في لغة العرب – مشتق من النبأ وهو الخبر ، قال تعالى : ( عمَّ يتساءلون – عن النبإِ العظيم ) [ النبأ : 1-2 ] .

    وإنّما سمّي النبيُّ نبيّاً لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر ، فهو مُخْبَر ، أي : أنَّ الله أخبره ، وأوحى إليه ( قالت من أنبأك هذا قال نَبَّأَنِيَ العليم الخبير ) [ التحريم : 3 ] ، وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه ( نَبِّئْ عبادي أنّي أنا الغفور الرَّحيم ) [ الحجر : 49 ] ( وَنَبِّئْهُمْ عن ضيف إبراهيم ) [ الحجر : 51 ] .

    وقيل : النبوة مشتقة من النَّبْوَة ، وهي ما ارتفع من الأرض ، وتطلق العرب لفظ النبيّ على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها ، والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي ، أنَّ النبيَّ ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة ، فالأنبياء هم أشرف الخلق ، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم .



    تعريف الرسول

    الإرسال في اللغة التوجيه ، فإذا بعثت شخصاً في مهمة فهو رسولك ، قال تعالى حاكياً قول ملكة سبأ : ( وإني مرسلة إليهم بهديَّةٍ فناظرة بم يرجع المرسلون ) [ النمل : 35 ] ، وقد يريدون بالرسول ذلك الشخص الذي يتابع أخبار الذي بعثه ، أخذاً من قول العرب : " جاءت الإبلُ رَسَلاً " أي : متتابعة .

    وعلى ذلك فالرُّسل إنّما سمّوا بذلك لأنَّهم وُجّهوا من قبل الله تعالى : ( ثُمَّ أرسلنا رسلنا تتراً ) [ المؤمنون : 44 ] ، وهم مبعوثون برسالة معينة مُكلَّفون بحملها وتبليغها ومتابعتها .



    الفرق بين الرسول والنبيّ

    لا يصحُّ قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبيّ ، ويدلُّ على بطلان هذا القول ما ورد في عدة الأنبياء والرسل ، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وعدَّة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً ، ويدلّ على الفرق أيضاً ما ورد في كتاب الله من عطف النبيِّ على الرسول ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلاَّ إذا تمنَّى ألقى الشَّيطان في أُمنيَّته ) [ الحج : 52 ] ، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى عليه السلام : ( واذكر في الكتاب موسى إنَّه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيَّاً ) [ مريم : 51 ] .

    والشائع عند العلماء أنَّ النبي أعم من الرسول ، فالرسول هو من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه ، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ ، وعلى ذلك فكلُّ رسول نبي ، وليس كل نبي رسولاً .

    وهذا الذي ذكروه هنا بعيد لأمور :

    الأول : أن الله نصَّ على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي ... ) [ الحج: 52 ] ، فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبيّ البلاغ .

    الثاني : أنَّ ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى ، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس ، ثمَّ يموت هذا العلم بموته .

    الثالث : قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ابن عباس : " عرضت عليَّ الأمم ، فجعل يمرُّ النبي معه الرجل ، والنبي معه الرجلان ، والنبي معه الرهط ، والنبي ليس معه أحد " .

    فدلّ هذا على أنَّ الأنبياء مأمورون بالبلاغ ، وأنَّهـم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم .

    والتعريف المختار أنَّ " الرسولَ مَنْ أُوحي إليه بشرع جديد ، والنبيَّ هو المبعوث لتقرير شرع من قبله "

    وقد " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ " .

    كما ثبت في الحديث ، وأنبياء بني إسرائيل كلّهم مبعوثون بشريعة موسى : التوراة وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحي الله إليهم ( ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لَّهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاَّ تقاتلوا ... ) [ البقرة : 246 ] فالنبي كما يظهر من الآية يُوحَى إليه شيء يوجب على قومه أمراً ، وهذا لا يكون إلا مع وجوب التبليغ .

    واعتبر في هذا بحال داود وسليمان وزكريا ويحي فهؤلاء جميعاً أنبياء ، وقد كانوا يقومون بسياسة بني إسرائيل ، والحكم بينهم وإبلاغهم الحق ،


    .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. الحاج الحاجي

    الحاج الحاجي عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏20 فيفري 2008
    المشاركات:
    879
    الإعجابات المتلقاة:
    957
      19-07-2008 22:00
    جازاك الله خيرا
     
  3. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      19-07-2008 22:01
    أهمية الإيمان بالرّسل

    الإيمان بالأنبياء والرسل من أصول الإيمان

    الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان ، قال تعالى : ( قل آمنَّا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وَالنَّبِيُّونَ من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ) [ آل عمران : 84 ] .

    ومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالاً بعيداً ، وخسر خسراناً مبيناً ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً ) [ النساء : 136 ] .



    الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل والرسالات

    الذين يزعمون أنَّهم مؤمنون بالله ولكنّهم يكفرون بالرسل والكتب هؤلاء لا يقدرون الله حقَّ قدره ، ( وما قدروا الله حقَّ قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيءٍ ) [ الأنعام : 91 ] . فالذين يقدرون الله حقَّ قدره ، ويعلمون صفاته التي اتصف بها من العلم والحكمة والرحمة لا بدَّ أن يوقنوا بأنَّه أرسل الرسل وأنزل الكتب ، لأن هذا مقتضى صفاته ، فهو لم يخلق الخلق عبثاً ، ( أيحسب الإنسان أن يترك سُدًى ) [ القيامة : 36 ] .

    ومن كفر بالرسل وهو يزعم أنَّه يؤمن بالله فهو عند الله كافر لا ينفعه إيمانه ، قال تعالى : ( إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلاً – أولئك هم الكافرون حقّاً ) [النساء : 150-151] .

    فقد نصَّت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكفر بالرسل ( ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) ، يقول القرطبي في هذه الآية : " نصّ سبحانه على أنَّ التفريق بين الله ورسله كفر ، وإنَّما كان كفراً لأنَّ الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم ، ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها ، فكان كجحد الصانع سبحانه ، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية ، وكذلك التفريق بين الله ورسله " .


    وجوب الإيمان بجميع الرسل

    الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل ، قال تعالى : ( كذَّبت قوم نوحٍ المرسلين ) [ الشعراء : 105 ] ، وقال : ( كذَّبت عاد المرسلين ) [ الشعراء : 123 ] ، وقال : ( كذَّبت ثمود المرسلين ) [ الشعراء : 141 ] ، وقال : ( كذَّبت قوم لوطٍ المرسلين ) [الشعراء : 160] ، ومن المعروف أنَّ كلَّ أمةٍ كذَّبت رسولها ، إلا أن التكذيب برسول واحد يعدّ تكذيباً بالرسل كلِّهم ، ذلك أنَّ الرسل حملة رسالة واحدة ، ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد ، فهم وحدة ، يبشر المتقدم منهم بالمتأخر ، ويصدق المتأخر المتقدم .

    ومن هنا كان الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعض كفراً بهم جميعاً ، وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر ( إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلاً – أولئك هم الكافرون حقّاً ) [ النساء : 150-151 ] ، وقد أمرنا الله بعدم التفريق بين الرسل والإيمان بهم جميعاً ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي النبيُّون من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ) [ البقرة : 136 ] ، ومن سار على هذا النهج فقد اهتدى ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) [ البقرة : 137 ] ، والذي يخالفه فقد ضلَّ وغوى ( وَّإن تولَّوا فإنَّما هم في شقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وهو السَّميع العليم ) [ البقرة : 137 ] .

    وقد مدح الله رسول هذه الأمة والمؤمنين الذين تابعوه لإيمانهم بالرسل كلهم ، ولعدم تفريقهم بينهم ، قال تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من رَّبه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رُّسله ) [ البقرة : 285 ] .

    ووعد الله الذين لم يفرقوا بين الرسل بالمثوبة والأجر الكريم ( والَّذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رَّحيماً ) [ النساء : 152 ] .

    وقد ذم الله أهل الكتاب لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعض ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وَرَاءهُ وهو الحقُّ مصدقاً لما معهم ) [البقرة : 91] .

    فاليهود لا يؤمنون بعيسى ولا بمحمد ، والنصارى لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  4. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      19-07-2008 22:06
    عدد الأنبياء والطريق إلى معرفتهم
    الأنبياء والرسل كثيرون
    اقتضت حكمة الله – تعالى – في الأمم قبل هذه الأمّة أن يرسل في كلّ منها نذيراً ، ولم يرسل رسولاً للبشرية كلّها إلاّ محمداً صلى الله عليه وسلم ، واقتضى عدله ألاّ يعذب أحداً من الخلق إلاّ بعد أن تقوم عليه الحجة : ( وما كنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولاً ) [الإسراء : 15] . من هنا كثر الأنبياء والرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة ، قال تعالى : ( وإن من أمَّةٍ إلاَّ خلا فيها نذيرٌ ) [ فاطر : 24 ] .

    وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدّة الأنبياء والمرسلين ، فعن أبي ذرّ قال: قلت : يا رسول الله ، كم المرسلون ؟ قال : " ثلاثمائة وبضعة عشر جمّاً غفيراً " وقال مرة : " خمسة عشر " ، وفي رواية أبي أمامة ، قال أبو ذر : قلت : يا رسول الله ، كم وفاء عدة الأنبياء ؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، الرُّسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غفيراً " .

    من الأنبياء والرسل من لم يقصصهم الله علينا :

    وهذا العدد الكبير للأنبياء والرسل يدلنا على أنَّ الذين نعرف أسماءهم من الرسل والأنبياء قليل ، وأنَّ هناك أعداداً كثيرة لا نعرفها ، وقد صرّح القرآن بذلك في أكثر من موضع ، قال تعالى : ( ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ) [ النساء : 164 ] ، وقال : ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم مَّن قصصنا عليك ومنهم من لَّم نقصص عليك ) [ غافر : 78 ] .

    فالذين أخبرنا الله بأسمائهم في كتابه أو أخبرنا بهم رسوله – صلى الله عليه وسلم – لا يجوز أنّ نكذّبَ بهم ، ومع ذلك فنؤمن أنَّ لله رسلاً وأنبياء لا نعلمهم .

    الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن

    ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبياً ورسولاً ، فذكر في مواضع متفرقة آدم وهوداً وصالحاً وشعيباً وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ومحمداً عليهم السلام .

    قال تعالى : ( إنَّ الله اصطفى آدم ... ) [ آل عمران : 33 ] ، وقال : ( وإلى عادٍ أخاهم هوداً ) [ هود : 50 ] ، ( وإلى ثمود أخاهم صالحاً ) [ هود : 61 ] ، ( وإلى مدين أخاهم شعيباً ) [ هود : 84 ] ، ( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصَّابرين ) [ الأنبياء : 85 ] ( مُّحمَّدٌ رَّسول الله ... ) [ الفتح : 29 ] .

    وذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد في سورة الأنعام ( وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ مَّن نشاء إنَّ ربَّك حكيم عليمٌ – ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذُريَّته داود وسليمان وأيُّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين – وزكريَّا ويحى وعيسى وإلياس كلٌّ من الصَّالحين – وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضَّلنا على العالمين ) [ الأنعام : 83-86 ] .

    أربعة من العرب :

    من هؤلاء الخمسة والعشرين أربعة من العرب ، فقد جاء في حديث أبي ذر في ذكر الأنبياء والمرسلين : " منهم أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر" .

    ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل : العرب العاربة ، وأمّا العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، وهود وصالح كانا من العرب العاربة .

    الأسباط :

    الأنبياء الذين سبق ذكرهم مذكورون في القرآن بأسمائهم ، وهنا بعض الأنبياء أشار القرآن إلى نبوتهم ، ولكننا لا نعرف أسماءهم ، وهم الأسباط ، والأسباط هم أولاد يعقوب ، وقد كانوا اثني عشر رجلاً عرّفنا القرآن باسم واحد منهم وهو يوسف ، والباقي وعددهم أحد عشر رجلاً لم يعرفنا الله بأسمائهم ، ولكنه أخبرنا بأنّه أوحى إليهم ، قال تعالى : ( قولوا آمنَّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) [ البقرة : 136 ] .

    وقال : ( أم تقولون إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى .. ) [ البقرة : 140 ] .

    أنبياء عرفناهم من السنّة

    هناك أنبياء عرفناهم من السنة ، ولم ينصّ القرآن على أسمائهم ، وهم :

    1- شيث :

    يقول ابن كثير : " وكان نبيّاً بنصّ الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعاً أنّه أنزل عليه خمسون صحيفة " .

    2- يوشع بن نون :

    روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " غزا نبيٌّ من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ، ولمّا يبنِ ، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها ، قال : فغزا ، فأدنى للقرية حين صلاةِ العصر ، أو قريباً من ذلك ، فقال للشمس: أنت مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهمَّ احبسها عليَّ شيئاً ، فحسبت عليه حتى فتح الله عليه " .

    والدليل على أنَّ هذا النبيّ هو يوشع قوله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ الشمس لم تحبس إلاّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " .



    صالحون مشكوكٌ في نبوتهم

    1- ذو القرنين :

    ذكر الله خبر ذي القرنين في آخر سورة الكهف ، ومما أخبر الله به عنه أنه خاطبه ( قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسناً ) [ الكهف : 86 ] .

    فهل كان هذا الخطاب بواسطة نبيّ كان معه ، أو كان هو نبيّاً ؟ جزم الفخر الرازي بنبوته ، وقال ابن حجر : " وهذا مرويٌّ عن عبد الله بن عمرو ، وعليه ظاهر القرآن " ومن الذين نفوا نبوته عليُّ بن أبي طالب .

    2- تبع :

    ورد ذكر تبع في القرآن الكريم ، قال تعالى : ( أهم خير أم قوم تُبَّعٍ والَّذين من قبلهم أهلكناهم إنَّهم كانوا مجرمين ) [ الدخان : 37 ] ، وقال : ( كذَّبت قبلهم قوم نوحٍ وأصحاب الرَّس وثمود – وعادٌ وفرعون وإخوان لوطٍ – وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّعٍ كلٌّ كذَّب الرُّسل فحقَّ وعيد ) [ ق : 12-14 ] ، فهل كان نبيّاً مرسلاً إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله ؟ الله أعلم بذلك .

    الأفضل التوقف في أمر ذي القرنين وتُبّع :

    والأفضل أن يتوقف في إثبات النبوة لهذين ، لأنه صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أدري أتُبّع نبيّاً أم لا ، وما أدري ذا القرين نبياً أم لا ". فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري ، فنحن أحرى بأن لا ندري .

    3- الخضر :

    الخضر هو العبد الصالح الذي رحل إليه موسى ليطلب منه علماً ، وقد حدثنا الله عن خبرهما في سورة الكهف .

    وسياق القصة يدلّ على نبوته من وجوه) :

    أحدها : قوله تعالى : ( فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلَّمناه من لَّدُنَّا علماً ) [ الكهف : 65 ] ، والأظهر أنّ هذه الرحمة هي رحمة النبوة ، وهذا العلم هو ما يوحى إليه به من قبل الله .

    الثاني : قول موسى له : ( هل أتَّبعك على أن تعلمن ممَّا عُلمت رُشداً – قال إنَّك لن تستطيع معي صبراً – وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً – قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً – قال فإن اتَّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتَّى أُحدث لك منه ذكراً ) [ الكهف : 66-70 ] فلو كان غير نبيّ لم يكون معصوماً ، ولم يكن لموسى – وهو نبيٌّ عظيم ، ورسول كريم ، واجب العصمة – كبيرُ رغبةٍ ، ولا عظيم طلبة في علم وَليَّ غير واجب العصمة ، ولما عزم على الذهاب إليه ، والتفتيش عنه ، ولو أنَّه يمضي حقباً من الزمان ، قيل : ثمانين سنة ، ثمَّ لما اجتمع به ، تواضع له ، وعظّمه ، واتبعه في صورة مستفيد منه ، دلّ على أنه نبيٌّ مثله ، يوحى إليه كما يوحى إليه ، وقد خصّ من العلوم اللدنيَّة والأسرار النبويَّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم ، نبيّ بني إسرائيل الكريم .

    الثالث : أنّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام ، وهذا دليل مستقلٌّ على نبوتَّه ، وبرهان ظاهر على عصمته (12) ، لأنَّ الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده ، لأنَّ خاطره ليس بواجب العصمة ، إذ يجوز الخطأ عليه بالاتفاق ، ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علماً منه بأنّه إذا بلغ يكفر ، ويحمل أبويه على الكفر لشّدة محبتهما له ، فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دلّ ذلك على نبوته وأنّه مؤيد من الله بعصمته .

    الرابع : أنّه لمـَّا فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ، ووضح له عن حقيقة أمره وجلاَّه ، قال بعد ذلك كلّه : ( رحمةً من رَّبك وما فعلته عن أمري ) [ الكهف : 82 ] ، يعني ما فعلته من تلقاء نفسي ، بل أمرت به ، وأوحي إليّ فيه .



    لا نثبت النبوة لأحد إلاّ بدليل

    يذكر علماء التفسير والسير أسماء كثير من الأنبياء نقلاً عن بني إسرائيل ، أو اعتماداً على أقوال لم تثبت صحتها ، فإن خالفت هذه النقول شيئاً مما ثبت عندنا من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم رفضناها ، كقول الذين قالوا : " إنَّ الرسل ثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى ، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى " .

    نردّ هذّا كله ، لأنَّه ثبت في الحديث الصحيح أنّه ليس بين عيسى ابن مريم وبين رسولنا صلوات الله وسلامه عليهما نبيٌّ . ، فالرسل المذكورون في آية سورة يس إما رسل بعثوا قبل عيسى ، وهذا هو الراجح ، أو هم – كما يقول بعض المفسرين – مبعوثون من قبل عيسى وهذا بعيد ، لأ، الله أخبر أنّه مرسلهم ، والرسول عند الإطلاق ينصرف إلى الاصطلاح المعروف ، وما ورد من أنَّ خالد بن سنان نبي عربي ضيعه قومه فهو حديث لا يصحُّ ، وهو مخالف لحديث صحيح أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أنَّ عدد الأنبياء الذين من العرب أربعة .

    أما ما ورد عن بني إسرائيل من أخبار بتسمية بعض الأنبياء مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة ، فلا نكذَّبه ، ولا نصدّق به ، لأنَّ خبرهم يحتمل الصدق والكذب .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  5. moiitalianboy

    moiitalianboy عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏28 مارس 2008
    المشاركات:
    378
    الإعجابات المتلقاة:
    123
      19-07-2008 22:08
    جازاك الله خيرا
     
    1 person likes this.
  6. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      19-07-2008 22:15
    نبوّة النساء
    ذهب بعض العلماء إلى أنّ الله أنعم على بعض النساء بالنبوة ، فمن هؤلاء أبو الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم .

    والذين يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم ، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها ، ويعدّون من النساء النبيات : حواء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية .

    وهؤلاء عندما اعترض عليهم بالآية التي تحصر الرسالة في الرجال دون النساء ، قالوا: نحن لا نخالف في ذلك ، فالرسالة للرجال ، أمّا النبوة فلا يشملها النصُّ القرآني ، وليس في نبوة النساء تلك المحذورات التي عددتموها فيما لو كان من النساء رسول ، لأنَّ النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها ، يعمل بها ، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين .

    أدلتهم :

    وحجّة هؤلاء أن القرآن أخبر بأن الله تعالى أوحى إلى بعض النساء ، فمن ذلك أنه أوحى إلى أمّ موسى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) [ القصص : 7 ] ، وأرسل جبريل إلى مريم فخاطبها ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشراً سويّاً – قالت إني أعوذ بالرَّحمن منك إن كنت تقيّاً – قال إنَّما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً .. ) [ مريم : 17-19 ] وخاطبتها الملائكة قائلة : ( يا مريم إنَّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين – يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الرَّاكعين .. ) [ آل عمران: 42-43 ] .

    فأبو الحسن الأشعري يرى أنّ كلَّ من جاءه الملك عن الله – تعالى – بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام فهو نبي ، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيء من هذا ، وفي غيرهما أيضاً ، فقد تحقق في حواء وسارة وهاجر وآسية بنصّ القرآن .

    واستدلوا أيضاً باصطفاء الله لمريم على العالمين ( واصطفاك على نساء العالمين ) [ آل عمران : 42 ] وبقوله صلى الله عليه وسلم : (( كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران ، وآسية امرأة فرعون )) .

    قالوا : الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء .

    الردّ عليهم :

    وهذا الذي ذكروه لا ينهض لإثبات نبوة النساء ، والرد عليهم من وجوه :

    الأول : أنّا لا نسلم لهم أن النبيَّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس ، والذي اخترناه أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا ، وأنَّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق .

    وإذا كان الأمر كذلك فالمحذورات التي قيلت في إرسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء ، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.

    الثاني : قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة أم موسى وآسية .. إنّما وقع مناماً ، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون مناماً ، وهذا يقع لغير الأنبياء .

    الثالث : لا نسلم لهم قولهم : إن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي ، ففي الحديث أن الله أرسل ملكاً لرجل يزور أخاً له في الله في قرية أخرى ، فسأله عن سبب زيارته له ، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله ، أعلمه أنَّ الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبّه ، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة ، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدونه ويسمعونه .

    الرابع : أنّ الرسول – صلى الله عليه وسلم – توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه ( قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسناً ) [الكهف : 86] .

    الخامس : لا حجّة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم ، فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء : ( ثمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مُّقتصدٌ ومنهم سابق بالخيرات ) [ فاطر : 32 ] ، واصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ومن آلهما من ليس بنبيّ جزماً ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [ آل عمران : 33 ] .

    السادس : لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة ، لأنّه يطلق لتمام الشيء ، وتناهيه في بابه ، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء ، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء .

    السابع : ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة .

    الثامن : ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران ، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية ، لأنّ فاطمة ليست بنبيّة جزماً وقد نصَّ الحديث على أنها أفضل من غيرها ، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة .

    التاسع : وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها ، قال تعالى: ( مَّا المسيح ابن مريم إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل وأمُّه صديقةٌ كانا يأكلان الطَّعام ) [ المائدة : 75 ] فلو كان هناك وصفاً أعلى من ذلك لوصفها به ، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح إخبار بنبوة واحدة من النساء .

    وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنّ مريم ليست بنبيّة ، وذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنّه نقل الإجماع على أنّ مريم ليست نبيّة ، ونسبه في (( شرح المهذب )) لجماعة ، وجاء عن الحسن البصري : ليس في النساء نبيّة ولا في الجنّ .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  7. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      19-07-2008 22:17
    دلائل النّبّوة
    الأنبياء الذين ابتعثهم الله إلى عباده يقولون للناس : نحن مرسلون من عند الله ، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به ، كما يجب عليكم أن تطيعونا بفعل ما نأمركم به ، وترك ما ننهاكم عنه ، وقد أخبر الله في سورة الشعراء أن نوحاً خاطب قومه قائلاً : ( أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) [ الشعراء : 106-108 ] . وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله : هود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، أقوامهم ، بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه .
    فإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ أن يقيم الله الدلائل والحجج والبراهين المبينة صدق الرسل في دعواهم أنهم رسل الله كي تقوم الحجة على الناس ، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) [ الحديد : 25 ] أي : بالدلائل والآيات البينات التي تدلُّ على صدقهم .
    تنوع الدلائل :
    أفراد الأدلة الدالة على صدق كل رسول كثيرة متنوعة ، وقد عدّ الذين ألّفوا في دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أدلة صدقه ، فنافت على الألف عند بعضهم ، ويمكننا أن نقسم هذه الأدلة إلى أقسام ، يضمُّ كل قسم منها مجموعة متشابهة ، وقد أرجعنا أفراد الأدلة إلى خمسة أمور :
    الأول : الآيات والمعجزات التي يجريها الله تصديقاً لرسله .
    الثاني : بشارة الأنبياء السابقين بالأنبياء اللاحقين .
    الثالث : النظر في أحوال الأنبياء .
    الرابع : النظر في دعوة الرسل .
    الخامس : نصر الله وتأييده لهم .
    وسنتناول كلَّ واحد من هذه الخمسة بشيء من الإيضاح والتفصيل في خمسة مباحث .

    الآيات والمعجزات

    تعريف الآية والمعجزة
    الآية – في لغة العرب – العلامة الدالة على الشيء ، والمراد بها هنا : ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها ، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى ، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض والإبطال ، يدلُّ على صدقهم فيما جاؤوا به .
    وقد تتابع العلماء على تسمية هذه الآيات بالمعجزات ، والمعجزة – في اللغة – اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير .
    ويعرّف الفخر الرازي المعجزة في العرف : بأنّها أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة .
    ويعرفها ابن حمدان الحنبلي بأنَّها ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداءً بحيث لا يقدر أحدٌ على مثلها ، ولا على ما يقاربها .
    وعلى ذلك فإنّ الأمور التالية لا تعدّ من باب المعجزات :
    1- الخوارق التي تعطى للأنبياء وليس مقصوداً بها التحدي ، كنبع الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتكثيره الطعام القليل ، وتسبيح الحصا في كفّه ، وإتيان الشجر إليه ، وحنين الجذع إليه ، وما أشبه ذلك .
    2- الخوارق التي أعطاها الله لغير الأنبياء ويسميها المتأخرون كرامات .
    والذين فرقوا هذا التفريق هم العلماء المتأخرون ، أمّا المعجزة في اللغة وفي عرف العلماء المتقدمين كالإمام أحمد فإنّها تشمل ذلك كله.
    وقد أطلقنا عليها اسم ( الآية ) كما جاء بذلك القرآن الكريم ، وهو اسم شامل لكل ما أعطاه الله لأنبيائه للدلالة على صدقهم سواءً أقصد به التحدي أم لم يقصد .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  8. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      20-07-2008 08:48
    أنواع الآيات
    أمثلة من آيات الرُّسُلِ :
    أولاً : آية نبي الله صالح :
    دعا صالح قومه إلى عبادة الله الواحد الأحد ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) [ النمل : 45 ] ، فكذبوه وطلبوا منه آية تدل على صدقه ( قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ - مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [الشعراء : 153-154] .
    يقول ابن كثير : " ذكر المفسرون أنّ ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم ، فجاءهم رسول الله صالح ، فدعاهم إلى الله ، وذكرهم ، وحذّرهم ، ووعظهم ، وأمرهم ، فقالوا له : إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة هناك – ناقة ، من صفتها كيت وكيت ، وذكروا أوصافاً سموها ، ونعتوها ، وتعنتوا فيها ، وأن تكون عشراء طويلة ، من صفتها كذا وكذا .
    فقال لهم نبيهم صالح عليه السلام : أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئت به ، وتصدقوني بما أرسلت به ؟ قالوا : نعم ، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ، ثمّ قام إلى مصلاه فصلّى لله – عز وجل – ما قدّر له ، ثم دعا ربّه – عزّ وجل – أن يجيبهم إلى ما طلبوا ، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا ، أو على الصفة التي نعتوا .
    فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ، ومنظراً هائلاً ، وقدرة باهرة ، ودليلاً قاطعاً ، وبرهاناً ساطعاً ، فآمن كثير منهم ، واستمرَّ أكثرهم على كفرهم (2) ، وقد ذكر الله استجابته لطلبهم الآية ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ) [ الشعراء : 155 ] ، ( قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ ) [ الأعراف : 73 ] ، وقد أخبر الله أنها كانت آية واضحة بينة لا خفاء فيها ، ولذا سماها مبصرة ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ) [الإسراء : 59] .
    ثانياً : معجزة إبراهيم عليه السلام :
    حطّم إبراهيم آلهة قومه التي كانوا يعبدونها ، فأشعلوا له النار ، ورموه فيها ، فأمر الله – جل وعلا – النار ألا تصيبه بأذى وأن تكون عليه برداً وسلاماً ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ - قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ - وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) [ الأنبياء : 68-70 ] .
    ومن الآيات التي أجراها على يد إبراهيم إحيـاء الموتى ، وقد قصّ الله علينا خبر ذلك : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ) [ البقرة : 260 ] .
    فأمره بذبح هذه الطيور ، ثم تقطيعها ، وتفريقها على عدة جبال ، ثم دعاها فلبت النداء ، واجتمعت الأجزاء المتفرقة ، والتحمت كما كانت من قبل ، ودبت فيها الحياة ، وطارت محلقة في الفضاء ، فسبحان الله ما أعظم شأنه ، وأجلَّ قدرته .
    ثالثاً : آيات نبي الله موسى عليه السلام :
    أعطى الله موسى تسع آيات بينات ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) [الإسراء : 101 ] .
    1- وأعظم هذه الآيات وأكبرها العصا التي كانت تتحول إلى حيّة عظيمة عندما يلقيها على الأرض ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ) [ طه : 17-21 ] .
    وكان من شأن هذه العصا أن ابتلعت عشرات من الحبال والعصي التي جاء بها فرعون ليغالبوا موسى ، ( قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى - قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى - فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى - قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى - وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) [ طه : 65-69 ] .
    وعندما عاين السحرة ما فعلته حيَّة موسى ، علموا أنَّ هذا ليس من صنع البشر ، إنما هو من صنع الله خالق البشر ، فلم يتمالكوا أن خروا أمام الجموع ساجدين لله ربِّ العالمين ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ) [ طه : 70 ] .
    2- ومن الآيات التي أرسل بها موسى ما ذكره الله في قوله : ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ) [ طه : 22 ] ، كان يدخل يده في جيبه ( درع قميصه ) ، ثم ينزعها ، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء ، أي : من غير برص ، ولا بهق .
    وذكر الله سبع آيات في سورة الأعراف ، فقد ذكر الله أنه أصابهم :
    3- بالسنين ، وهي ما أصابهم من الجدب والقحط ، بسبب قلة مياه النيل ، وانحباس المطر عن أرض مصر .
    4- نقص الثمرات ذلك أن الأرض تمنع خيرهـا ، وما يخرج يصاب بالآفات والجوائح .
    5- الطوفان الذي يتلف المزارع ويهدم المدن والقرى .
    6- الجراد الذي لا يدع خضراء ولا يابسة .
    7- القمّل ، وهي حشرة تؤذي الناس في أجسادهم .
    8- الضفادع التي نغصت عليهم عيشتهم لكثرتها .
    9- الدم الذي يصيب طعامهم وشرابهم .
    ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ - وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) [ الأعراف : 130-133 ] .
    آيات أخرى :
    هذه الآيات التسع التي أرسل بها موسى إلى فرعون ، وإلاّ فالآيات التي أجراها الله على يد موسى أكثر من ذلك ، فمن ذلك ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه ، ومن هذا ضربه الحجر فينفلق عن اثنتي عشرة عيناً ، وإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في صحراء سيناء ، وغير ذلك من الآيات .
    رابعاً : معجزات نبي الله عيسى عليه السلام :
    من معجزاته التي أخبرنا الله بها أنّه كان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيوراً بإذن الله وقدرته ، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله ، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه ، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى ، وقد حكى القرآن لنا هذا في قوله تعالى مخاطباً عيسى : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي ) [المائدة : 110] .
    ومن آياته تلك المائدة التي أنزلها الله من السماء عندما طلب الحواريون من عيسى إنزالها ، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيداً لأولهم وآخرهم ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ - قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ - قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ) [المائدة : 112-115] .
     
    1 person likes this.
  9. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      20-07-2008 08:55
    آيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه :
    أجرى الله على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معجزات باهرات ، وآيات مبصرات ، إذا نظر فيها مريد الحقّ ، دلتّه على أنها شهادة صادقة من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد عدّها بعض العلماء فنافت على ألف معجزة ، وقد ألفت فيها مؤلفات، وتناولها علماء التوحيد والتفسير والحديث والتاريخ بالشرح والبيان .
    1- الآية العظمى :
    وأعظم الآيات التي أعطيها رسولنا صلى الله عليه وسلم ، بل أعظم آيات الرسل كلّهم القرآن الكريم ، والكتاب المبين ، وهو آية تخاطب النفوس والعقول ، آية باقية دائمة إلى يوم الدين ، لا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [فصلت: 41-42] .
    وقد تحدى الله بهذا الكتاب فصحاء العرب ، وقد كانت الفصاحة والبلاغة وجودة القول هي بضاعة العرب التي نبغت بها ، وقد عادى العرب دعوة الإسلام ورسول الإسلام، وكان مقتل هذه الدعوى أن يعارض فصحاؤهم هذا الكتاب ، ويأتوا بشيء من مثله ، ولكنهم عجزوا عن ذلك ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 23-24 ] .
    نمط فريد من المعجزات :
    شاء الله تعالى أن تكون معجزة محمد صلى الله عليه وسلم نمطاً مخالفاً لمعجزات الرسل ، وكان الله قادراً على أن ينزل معجزة حِِسيّة تذهل من يراها : ( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) [ الشعراء : 4 ] . فلو شاء الله تعالى لأنزل من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالاً ، ولا انصرافاً عن الإيمان ، ويصور خضوعهم لهذه الآية في صورة حسية : ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) [الشعراء :4] ملوية محنية ، حتى لكأنَّ هذه هيئة لهم لا تفارقهم ، فهم عليها مقيمون . ولكنه – سبحانه – شاء أن يجعل معجزة هذه الرسالة الأخيرة آية غير قاهرة ، لقد جعل آيتها القرآن ، منهاج حياة كاملة ، معجزاً في كلِّ ناحية :
    معجزاً في بنائه التعبيري ، وتنسيقه الفني ، باستقامته على خصائص واحدة ، في مستوى واحد ، لا يختلف ولا يتفاوت ، ولا تتخلف خصائصه ، كما هي الحال في أعمال البشر ، إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد ، المتغير الحالات ، بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد ، ومستوى واحد ، ثابت لا يتخلف ، يدلّ على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال .
    معجزاً في بنائه الداخلي ، وتناسق أجزائه وتكاملها ، فلا فلتة فيه ولا مصادفة ، كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل ، وتحيط بالحياة البشرية ، وتستوعبها ، وتلبيها وتدفعها ، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى ، ودون أن تصطدم واحـدة منها بالفطرة الإنسانية ، إذ تقصر عـن تلبيتها .. ، وكلها مشدودة إلى محور واحد ، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة ، ولا بد أن يكون هناك علم مطلق ، غير مقيد بقيود الزمان والمكان ، هو الذي أحاط به هذه الإحاطة ، ونظمه هذا التنظيم .
    معجزاً في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس ، ولمس مفاتيحها ، وفتح مغاليقها ، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها ، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين ، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات ، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة .
    لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة هذه الرسالة – ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها وتضطرها إلى التسليم – ذلك أنّ هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلّها ، وللأجيال كلها ، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان وأهل مكان ، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب ، لكل أمة ولكل جيل ، والخوارق القاهرة لا تلوي إلاّ أعناق من يشاهدونها ، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى ، لا واقعاً يشهد .. ، فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً كتاب مفتوح ومنهج مرسوم ، يستمدُّ منه أهل هذا الزمان ما يقوِّم حياتهم – لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم – ويلبي حاجاتهم كاملة ، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل ، وأفق أعلى ، ومصير أمثل ، وسيجد فيه من بعدنا كثيراً مما لم نجده نحن ، ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته ، ويبقى رصيده لا ينفد ، بل يتجدد .
    2- الإسراء والمعراج :
    من الآيات البينات والمعجزات الخارقات إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث جمع الله له الأنبياء فصلّى بهم إماماً ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا .. ) [الإسراء : 1] ، ومن هناك عرج به إلى السماوات العُلى ، وهناك رأى من آيات ربّه الكبرى ، رأى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها ، وصعد به إلى سدرة المنتهى ، وجاوز السبع الطباق وكلّمه الرحمن وقربه ( أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) [ النجم : 12-18 ] .
    وقد استعظمت قريش دعوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت القوافل تمضي الأسابيع في الذهاب إلى بيت المقدس والعودة منها ، فكيف يتسنى لرجل أن يمضي ويعود في جزء من ليلة ! ذلك أمر عجيب ، وهو حقاً عجيب ، ولكن العجب يتلاشى إذا علمنا أنَّ الذي أسرى به هو الله تعالى ، والله على كلّ شيء قدير .
    وقد أرانا الله في هذه الأيام الوسائل التي تنقل الناس فوق ظهر هذه الأرض من مكان إلى مكان بسرعة هائلة ، كان يعدها الناس قديماً ضرباً من الخيال .
    3- انشقاق القمر :
    ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر ، فقد سأل أهلُ مكة الرسولَ صلى الله عليه وسلم آية ، فانشق القمر شقين ، حتى رأوا حراء بينهما ، وقد كان القمر عند انشقاقه بدراً .
    وقد سجّل الله ذكر هذه الآية في كتابه ، قال ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) [ القمر : 1-2 ] .
    وينقل ابن كثير إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية ، كما يذكر أنَّه قد وردت الأحاديث بذكر انشقاق القمر متواترة من طرق متعددة تفيد القطع .
    وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أنحاء الجزيرة العربية ، فإنَّ أهل مكة لم يصدقوا ، وقالوا : سحرنا محمد ، ثمَّ استدركوا قائلين : انظروا ما يأتيكم به السفار ، فإنَّ محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلَّهم ، وفي اليوم التالي سألوا من وفد إليهم ، من خارج مكة ، فأخبروا أنَّهم قد رأوه .
    وقد شاهد الناس انشقاقه في خارج الجزيرة العربية ، يقول ابن كثير : " شوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض ، ويقال : إنّه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند ، وبني بناء في تلك الليلة ، وأرخ بليلة انشقاق القمر " .
    قد يقال : " إن انشقاق القمر ليس شيئاً مستحيلاً ، فالعلم قد شاهد انشقاق مذنب بروكس " شقين سنة 1889م ، وكذلك انقسام مذنب ((بيلا)) إلى جزءين سنة 1846م ، كما ذكر الفلكي (( سبنسر جونز )) في فصل المذنبات والشهب من كتاب (( عوالم بلا نهاية )) .
    وفي الإجابة يقال :" الفرق بين انشقاق القمر وانشقاق هذين المذنبين أنهما لم يلتئما بعد الانشقاق ، والقمر التأم ، وهو الفرق المنتظر بين الظاهرة الفلكية في الفطرة ، والمعجزة الفلكية على يد رسول ، لأنَّ المعجزة مؤقتة تزول بزوال وقتها وتحقق الغرض منها ، ولو استمرت لكانت ظاهرة طبيعية صرفة ، ولخرجت عن دائرة المعجزات " .
    4- تكثيره الطعام صلوات الله وسلامه عليه :
    وقد وقع هذا منه صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ، فمن ذلك ما رواه أنس ، قال : قال أبو طلحة لأمَّ سُلَيم ، لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً ، أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصاً من شعير ، ثمَّ أخرجت خماراً لها ، فلفت الخبز ببعضه ، ثمّ دسته تحت يدي ، ولاثتني ببعضه ، ثمَّ أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فذهبت به ، فوجدت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرسلك أبو طلحة ؟ " فقلت : نعم ، قال : " بطعام ؟ " قلت : نعم ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمن معه : " قوموا " فانطلق ، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة ، فأخبرته ، فقال أبو طلحة ، يا أمَّ سليم ، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، وليس عندنا ما نطعمهم ، فقالت : الله ورسوله أعلم .
    فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هلمي يا أم سليم ، ما عندك ؟ " فأتت بذلك الخبز ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففت، وعصرت أم سليمة عكة ، فأدَمَتهُ ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول ، ثمَّ قال : " ائذن لعشرة " ، فأذن لهم ، فأكلوا ، حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثمَّ قال : " ائذن لعشرة " فأذن لهم ، فأكلوا ، حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثمَّ قال : " ائذن لعشرة " فأذن لهم ، فأكلوا ، حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم قال : " ائذن لعشرة " فأكل القوم كلهم ، وشبعوا ، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً ".
    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " لما حُفِر الخندقُ رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خَمَصاً شديداً ، فانكفَيتُ إلى امرأتي فقلتُ : هل عندك شيء ؟ فإني رأيت برسول اللهِ صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً . فأخرجتْ إليَّ جِراباً فيه صاعٌ من شعير ، ولنا بُهيمةٌ داجن فذبحتها ، وطحنت الشعير ، ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها ، ثم ولَّيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معهُ . فجئتُهُ فساررتهُ فقلت : يا رسول الله ذبحنا ُبهيمة لنا وطحنّا صاعاً من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك ، فصاحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : يا أهل الخندق ، إن جابراً قد صنع سُوراً ، فحيَّ هلا بكم فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : لا تُنزلُنَّ برمتكم ، ولا تخبزُنَّ عجينكم حتى أجيء . فجئتُ وجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقدُمُ الناس ، حتى جئتُ امرأتي فقالت : بكَ وبك . فقلت : قد فعلتُ الذي قلتِ. فأخرجَتْ له عجيناً ، فبصقَ فيه وبارك ، ثم عمدَ إلى بُرمَتِنا فبصق وبارك . ثم قال : ادعُ خابزةً فلتخبز معي . واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها ، وهم ألف ، فأقسم باللهِ لقد أكلوا حتى تركوهُ وانحرفوا ، وإن بُرْمَتَنا لتغِطُّ كما هي : وإن عجيننا ليُخبَز كما هو " .
    5- تكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة :
    وقد وقع من هذا شيء كثير من الرسول صلى الله عليه وسلم ، نذكر طرفاً منه ، فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ، قال : عطش الناس يوم الحديبية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة ( ظرف للماء ) فتوضأ منها ، ثمَّ أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما لكم " ؟ قالوا : ليس عندنا ماء نتوضأ به ، ونشرب إلا ما في ركوتك ، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون ، قال : فشربنا ، وتوضأنا ، قيل لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة " .
    ومن ذلك تكثيره ماء بئر الحديبية في يوم الحديبية ، فقد روى البراء بن عازب رضي الله عنه ، قال : " كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها ، حتى لم نترك فيها قطرة ، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير البئر ، (طرفها) ، فدعا بماء فمضمض ، ومجّ في البئر ، فمكثنا غير بعيد ، ثم استقينا حتى رَوِينا ، ورَوَت أو صَدَرت ركائبنا " .
    وعن عبد الله بن مسعود قال : كنّا نعدُّ الآيات بركة ، وأنتم تعدونها تخويفاً ، كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلَّ الماء ، فقال : " اطلبوا فضلة من ماء " فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل ، فأدخل يده في الإناء ، ثم قال : " حيَّ على الطَّهور المبارك ، والبركة من الله " فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل " .
    6- كف الأعداء عنه :
    ومن ذلك استجابة الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم عندما كان مهاجراً ، وأدركه سراقة ابن مالك ، فارتطمت بسراقة فرسه إلى بطنها في أرض صلبة ، فقال سراقة : إني أراكما قد دعوتما عليَّ ، فادعوا لي ، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا ، فجعل لا يلقى أحداً إلاّ قال : كفيتم ، ما هاهنا ، فلا يلقى أحداً إلاّ ردّه . متفق عليه .
    وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلّة من المؤمنين أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة ، فلّما حمى الوطيس ، أخذ صلوات الله وسلامه عليه حصيات ، فرمى بهنَّ وجوه الكفار ، ثم قال : " انهزموا وربِّ محمد " يقول العباس راوي الحديث : فوالله ما هو إلاّ أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدّهم كليلاً ، وأمرهم مدبراً .
    وفي رواية سلمة بن الأكوع ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً ، فولّى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ، ثمَّ قبض قبضة من تراب الأرض ، ثمَّ استقبل به وجوههم ، فقال : " شاهت الوجوه " ، فما خلق الله منهم إنساناً إلاّ ملأ الله عينيه تراباً بتلك القبضة ، فولوا مدبرين ، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين " .
    ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته ، أو ليعفرن وجهه في التراب ، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ساجداً ، أراد أن يفعل ما أقسم عليه ، فلما اقترب منه " ما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ، ويتقي يديه ، فقيل له: مالك ؟ فقال : إنَّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة " .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو دنا مني لاختطفتـه الملائكة عضواً عضواً " .
     
    1 person likes this.
  10. al moh

    al moh نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 أفريل 2006
    المشاركات:
    13.095
    الإعجابات المتلقاة:
    38.673
      20-07-2008 09:04
    يتبع آيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه :
    7- إجابة دعوته :
    أ- اهتداء أم أبي هريرة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    عن أبي هريرة قال : كنت أدعو أميَّ إلى الإسلام وهي مشركة ، فدعوتها يوماً ، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، قلت : يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام ، فتأبى عليَّ ، فدعوتها اليوم ، فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة ، فقال : " اللهمَّ اهد أم أبي هريرة " فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما جئت ، فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف [ مردود ] فسمعَتْ أمي خشف قدمي ، فقالت : مكانك يا أبا هريرة ، وسمعتُ خضخضة [ تحريك ] الماء ، قال : فاغتسلَتْ ، ولبسَتْ درعها ، وعجلت عن خمارها ، ففتحت الباب ، ثم قالت : يا أبا هريرة : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فرجعت إلى رسول الله فأتيته ، وأنا أبكي من الفرح ، قال : قلت : يا رسول الله ، أبشر ، قد استجاب الله دعوتك ، وهدى أم أبي هريرة ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال خيراً " .
    ب- أصبح بدعوته فارساً :
    عن جرير بن عبد الله ، قال : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تُريحني من ذي الخلَصةِ ؟ فقلت : بلى . فانطلقتُ في خمسين ومائة فارسٍ من أحمسَ ، وكانوا أصحابَ خيل وكنتُ لا أثبُتُ على الخيل ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته ، واجعلهُ هادياً مهدياً . قال : فما وقعتُ عن فرس بعدُ . قال : وكان ذو الخلَصة بيتاً باليمن لخَثْعَم وبجيلة فيه نُصُبٌ تُعبَد ، يقال له : الكعبة . قال : فأتاها فحرَّقها بالنار وكسرها " .
    ج- إغاثة الله الناس بدعائه :
    وعن أنس بن مالك قال : أصابت الناس سنةٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطبُ في يوم الجمعة ، قام أعرابيٌ فقالَ : يا رسول الله هَلَكَ المالُ ، وجاعَ العيالُ ، فادعُ الله لنا . فرفعَ يديه ، وما نرى في السماء قَزَعةً ، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجبالِ ، ثم لم ينزلْ عن منبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته ، فمُطِرنا يومنا ذلك ، ومن الغدِ ، والذي يليه حتى الجمعةِ الأخرى ، وقام ذلك الأعرابي – أو قال غيره – فقال : يا رسول الله تهدَّمَ البناء وغرقَ المالُ ، فادعُ الله لنا . فرفعَ يديه فقال : " اللهم حوالينا ولا علينا " فما يُشيرُ بيده إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجت ، وصارت المدينةُ مثلَ الجوبة ، وسال الوادي قناةُ شهراً ، ولم يجئ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدّث بالجود .
    وفي رواية قال : " اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام ، والجبال ، والآجام ، والظراب ، والأودية ومنابت الشجر " قال : فأقلعَتْ وخرجنا نمشي في الشمس .
    أصابت الدعوة يد مستكبر :
    وعن سلمة بن الأكوع أنَّ رجلاً أكل عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال : " كُل بيمينك " قال : لا أستطيع . قال : " لا استطعت " ما مَنَعَه إلا الكبرُ . قال: فما رفعها إلى فيه .
    د- بركة دعوة الرسول الله صلى الله عليه وسلم تصيب بعير جابر :
    وعن جابر قال : غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على ناضحٍ لنا قد أعيا ، فلا يكادُ يسيرُ فقال لي : " ما لبعيرك ؟ " قال: قلت : عيي ، قال : فتخلف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له ، فما زال بين يدي الإبلِ قدّامها يسيرُ . فقال لي : " كيف ترى بعيرك ؟ " قلت : بخير ، قد أصابته بركتُك . قال : " أَفتبيعُنيه ؟ " قال : فاستحييت ، ولم يكن لنا ناضحٌ غيره ، قال : فقلت : نعم ، قال : " فبعنيه " فبعته إياه على أن لي فقار ظهره إلى المدينة ، .. قال : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، غدوت عليه بالبعير ، فأعطاني ثمنه وردَّه عليَّ ".
    8- إبراء المرضى :
    أ- إبراؤه من كسرت رجله :
    عن البراء بن عازب قال : بعثَ النبي صلى الله عليه وسلم رهطاً إلى أبي رافعٍ ، فدخل عليه عبد الله بن عتيك ليلاً وهو نائم فقتله ، فقال عبد الله بن عتيكٍ : فوضعتُ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتحُ الأبواب باباً فباباً ، حتى انتهيتُ إلى درجة له فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي ، فعصبتها بعمامةٍ فانطلقت إلى أصحابي ، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال : ابسط رجلك فبسطت رجلي ، فمسحها فكأنها لم أشتكِها قطُّ .
    ب- إبراؤه عين علي بن أبي طالب :
    وعن سهل بن سعدٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتحُ الله على يديه ، يحبُّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناسُ غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يُعطاها فقال : " أين عليُّ بنُ أبي طالب ؟ " فقالوا : هو يا رسول الله يشتكي عينيه ، قال : " فأرسلوا إليه " ، فأُتي به ، فبصق رسول الله في عينيه ، ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ ، فأعطاه الراية ، فقال عليٌّ : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال : " انفُذْ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعُهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه ، فوالله لأن يهدي اللهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لكَ حمرُ النعم " .
    ج- ساق سلمة بن الأكوع :
    وعن يزيد بن أبي عبيد قال : رأيت أثر ضربةٍ في ساق سلمة فقلت : يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ قال : هذه ضربةٌ أصابتني يوم خيبر ، فقال الناسُ : أصيب سلمة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات ، فما اشتكيتها حتى الساعة .
    د- إخراجه الجن من المصروع :
    وعن يعلى بن مرة الثقفي قال : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بماءٍ، فأتتهُ امرأةٌ بابن لها به جنةٌ ، فأخذَ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخرِهِ ثم قال : " اخرج فإني محمد رسول الله " ثم سرنا ، فلما رجعنا مررنا بذلك الماء ، فسألها عن الصبي ، فقالت : والذي بَعَثَك بالحقِّ ما رأينا منه ريباً بعدك.
    9- إخباره بالأمور الغيبية :
    فمن ذلك إخباره عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وإخباره عن الملائكة وصفاتهم ، وإخباره عن عالم الجن ، وعن الجنة والنار ، ومن ذلك إخباره عن الحوادث التي وقعت ، كما أخبر عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل ، وما جرى بينهم وبين أقوامهم ، وهو حديث فيه تفصيل وبيان ، ومثل هذا لا يتأتى من رجل أمي لم يكن كاتباً ولا قارئاً ، ولم يخالط الذين درسوا تاريخ الأمم وعرفوا أخبارها ، ثم هو يأتي بأخبار لم يبلغها علم الأمم ، وأخبار يكتمها علماء أهل الكتاب ، ويصحح لهم كثيراً مما عندهم ، وكل ذلك دليل على أنه إنما جاء بهذه العلوم من العليم الخبير ، ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ ) [ هود : 49 ] .
    وقد أشار القرآن إلى هذا الدليل في عدة مواضع ، فمن ذلك قوله في سياق قصة مريم : ( وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) [ آل عمران : 44 ] .
    وفي سياق قصة موسى ، قال : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [ القصص : 46 ] .
    وقد كان يخبر الأخبار المغيبة التي وقعت في حينها ، فقد أخبر باستشهاد قادة المسلمين الثلاثة في معركة مؤتة ، وباستلام خالد بن الوليد الراية من بعدهم في اليوم الذي وقع فيه الحدث ، رواه البخاري .
    وعندما توفي النجاشي أخبر بوفاته في اليوم نفسه الذي توفي فيه ، وكذلك عندما توفي كسرى .
    جزيرة العرب كانت جنات وأنهاراً وحضارة عاد إرم ذات العماد :
    أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه " أن أرض العرب ستعود جنات وأنهاراً " وهذا يفيد أن جزيرة العرب كانت في الماضي جناناً وارفة الظلال ، تجري من تحتها الأنهار ، وهذا يدل على وجود حضارات قامت في تلك الجنان ، وعلى شطآن تلك الأنهار ، وقد أخبرنا القرآن عن حضارة قوم عاد ، وهي مدينة (( إرم )) التي لم يخلق مثلها في البلاد .
    وقوم عاد أصحاب مدينة (( إرم )) ليس لهم ذكر في كتب أهل الكتاب لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في غيرهما ، وقد شكك كثير من علماء التاريخ بوجود عاد كما شككوا بوجود حاضرتهم (( إرم )) .
    واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر صدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن أرض العرب كانت جنات وأنهاراً ، وصدق ما أخبر به القرآن عن عاد وحاضرتها (( إرم )) ففي رحلة من رحلات الفضاء . زود مكوك الفضاء بجهاز رادار له قدرة اختراق التربة إلى عشرة أمتار ، وحين مر المكوك بصحراء الربع الخالي ، صور مجرى لنهرين جافين يندفع أحدهما من الغرب إلى الشرق والآخر من الجنوب إلى الشمال ، فانبهر الأمريكيون لهذا الاكتشاف الذي لا يوجد عند علمائهم علم به .
    وفي رحلة ثانية زودوا المكوك بجهاز رادار له قدرة اختراق أكبر ، فصور مجرى النهرين وأنهما يصبان في بحيرة قطرها يزيد على أربعين كيلومتراً في جنوب شرق الربع الخالي ، وصور المكوك بين مصبي النهرين وعلى ضفاف البحيرة عمراناً لا تعرف البشرية نظيراً له في ضخامته ، فجمعوا علماء التاريخ وعلماء الآثار وعلماء الأديان ، وقالوا ماذا يمكن أن يكون هذا العمران ؟ فأجمعوا على أنه قصور إرم التي وصفها القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى : ( إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ )[الفجر : 7-8].
    وقالوا في تقريرهم : إن البشرية لم تعرف في تاريخها الطويل عمراناً في ضخامة هذا العمران . واكتشفوا حينما بدأوا في إزالة الرمال عن هذه المدينة قلعة ثمانية الأضلاع على أسوار المدينة ، مقامة على أعمدة ضخمة عديدة يصفها ربنا – تبارك وتعالى – بقوله عز من قائل : ( إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ )[الفجر : 7-8] .
    وذكر التقرير أن هذه الحضارة التي لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى قد طمرتها عاصفة رملية غير عادية ، وقد أطال القرآن القول في عاد وحاضرتهم (( إرم )) وتكذيبهم لرسولهم هود ، وكيف حل بهم العذاب ، إذ أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات ، استمرت تضرب ديارهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً ، وقد أبقى الله مساكنهم قائمة ليأتي الباحثون عن الخافي في باطن الأرض ، فتظهر آلاتهم ما حدّث به القرآن قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ، على النحو الذي أخبر به ، يقول الحق تبارك وتعالى :( وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ - مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) [ الذاريات : 41-42 ] .
    ويقول عز من قائل :( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ) [فصلت : 15-16] .
    ويقول :( وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ - فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ - وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون )[ الأحقاف : 21-26 ] .
    ويقول :( كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ - إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ - تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) [ القمر : 18-22 ] .
    ويقول : ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ - فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ) [ الحاقة : 6-8 ] .
    ويقول : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ) [ الفجر : 6-8 ] .
    ومن ذلك إخباره بالغيوب الآتية ، وبعض هذه الأخبار كان يقع ويتحقق في الحال أو بعد فترة وجيزة .
    فمن ذلك أنه أخبر بالمواضع التي سيصرع فيها صناديد الكفر قبل وقوع معركة بدر، عن أنس رضي الله عنه ، قال : فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا مصرع فلان " ويضع يده هاهنا هاهنا ، قال : فما ماط [ أي ما بعد ، وما تجاوز ] أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه مسلم .
    ومن هذه الغيوب التي أخبر بها ما وقع بعد وفاته ، فمن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعـده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " . وقد وقع الأمر كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه .
    وقد أكثر الرسول صلى الله عليه وسلم من الإخبار مما سيقع في مقبل الزمان ، قال حذيفة بن اليمان ، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ، فما ترك شيئاً يكون من قيامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته ، فأراه فأذكره ، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ، ثم إذا رآه عرفه " رواه البخاري ومسلم وأبو داود .
    ومن ذلك ما أخبر به من الفتن وأشراط الساعة وغير ذلك ، وقد تكفلت بذكرها كتب الحديث .
    10- حنين الجذع :
    في صحيح البخاري وغيره " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحوّل إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح عليه " وفي رواية عند البخاري أيضاً: " فلما وضع المنبر : سمعنا للجذع مثل صوت العشار ، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه " .
    11- انقياد الشجر وتسليمه وكلامه :
    عن جابر قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً أفيح [واسعاً]، فذهب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فلم ير شيئاً يستَتِرُ به ، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي ، فانطلق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها ، فقال : " انقادي عليَّ بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش ، الذي يصانع قائدَه ، حتى أتى الشجرة الأخرى ، فأخذ بغصنٍ من أغصانها ، فقال : " انقادي عليَّ بإذن الله " فانقادت معه كذلك ، حتى إذا كان بالمنصف [الوسط] مما بينهما قال : " التئما علي بإذن الله " فالتأمتا ، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتةٌ ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً ، وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدةٍ منهما على ساقٍ " .
    وعن يعلى بن مُرة الثقفي قال : سِرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا منزلاً ، فنام النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرض حتى غشيته ، ثم رجعت إلى مكانها ، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرتُ له فقال : هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلِّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُذن لها .
    وعن أنس قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزينٌ ، قد تخضب بالدم من فعل أهل مكة ، فقال : يا رسول الله ، هل تحبُّ أن نريك آية ؟ قال : نعم . فنظر إلى شجرةٍ من ورائه فقال : ادعُ بها . فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه ، فقال : مرها فلترجع فأمرها فرجعت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسبي حسبي " .
    وعن ابن عباس قال : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بمَ أعرفُ أنك نبيٌّ ؟ قال : " إن دعوت هذا العذقَ من هذه النخلة يشهدُ أني رسول الله " فدعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزلُ من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : " ارجع " فعاد ، فأسلم الأعرابي .
    وعن معن بن عبد الرحمن قال سمعت أبي قال : سألتُ مسروقاً : من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجنِّ ليلة استمعوا القرآن قال : حدثني أبوك – يعني عبد الله بن مسعود – أنه قال : آذنت بهم شجرةٌ .
    وعن ابن عمر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأقبل أعرابي ، فلما دنا قال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : تشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأنَ محمداً عبدهُ ورسوله ؟ قال : ومَن يشهدُ على ما تقولُ ؟ قال : هذه السَّلَمة ، فدعاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو بشاطئ الوادي ، فأقبلت تخدُّ الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثلاثاً أنه كما قال ، ثم رجعت إلى منبتها .
    12- تسليم الحجر :
    عن جابر بن سَمُرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لا أعرفُ حجراً بمكةَ كان يسلمُ عليَّ قبل أن أبعثَ إني لأعرفُهُ الآن .
    13- شكوى البعير :
    عن يعلى بن مرة الثقفي قال : " بينما نحنُ نسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مررنا ببعيرٍ يُسنَى عليه ، فلما رآه البعيرُ جرجَرَ ، فوضع جرانه ، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أين صاحبُ هذا البعير ؟ فجاءه فقال : " بِعْنِيهِ " فقال : بل نهبُهُ لكَ يا رسول الله ، وإنه لأهلِ بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُهُ .
    قال : أما إذ ذكرتَ هذا من أمره ، فإنه شكا كثرةَ العمل ، وقلةَ العلفِ ، فأحسنوا إليه "
    وعن عبد الله بن جعفر قال : أردفني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم ، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أُحدثُ به أحداً من الناس ، وكان أحبَّ ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجتِهِ هدفٌ أو حائشُ نخلٍ . فدخلَ حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح سراته إلى سنامه وذفراه. فسَكَنَ فقال : مَن ربُّ هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟ فجاءه فتىً من الأنصار فقال : لي يا رسول الله . فقال : أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها ؟ فإنه شكا إليَّ أنك تُجعيه وتُدئبُهُ " .
    14- خاتم النبوة :
    من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة بين كتفيه ، ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال : " رأيت خاتماً في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام " .
    وفي رواية عنه أيضاً : " ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه ، مل زر الحجلة " .
    وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن سرجس قال : " ثم درت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، عند ناغض كتفه اليسرى ، جُمعاً عليه خيلان ، كأمثال الثآليل " .
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...