الصلاة تكليف وتشريف

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة ami-sat, بتاريخ ‏22 جويلية 2008.

  1. ami-sat

    ami-sat عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏17 جانفي 2007
    المشاركات:
    1.046
    الإعجابات المتلقاة:
    593
      22-07-2008 13:09
    :besmellah1:

    مقتطفات من خطبة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي


    الحمد لله ثم الحمد لله‏،‏ الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده‏،‏ ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك‏،‏ سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك‏،‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له‏،‏ وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله‏،‏ وصفيه وخليله‏،‏ خير نبيٍ أرسله‏،‏ أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً‏،‏ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد‏،‏ وعلى آل سيدنا محمد‏؛‏ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين‏،‏ وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى‏.‏

    أما بعد‏،‏ فيا عباد الله‏:‏

    أرأيتم إلى الطعام كيف جعل الله سبحانه وتعالى الفاطر الحكيم منه غذاء للجسد‏،‏ به تبقى وظيفته‏،‏ وبه تشتد قوّته‏،‏ وبه تتحقق فاعليته‏،‏ وبه تستمر حياته‏؛‏ فكذلكم الصلاة جعل الله سبحانه وتعالى منها غذاء للروح‏،‏ بالصلاة تنشط الروح وتقوى‏،‏ بالصلاة تمتد فيها الحياة‏،‏ بالصلاة تنتعش الروح وتصح وتقوى‏،‏ هما غذاءان‏:‏ غذاء أكرم الله عز وجل به الإنسان لجسده‏،‏ من دونه يموت الجسد‏،‏ ويتحول أنكاثاً‏،‏ وغذاء آخر لروحه هو الصلاة‏،‏ بدون هذا الغذاء تموت الروح‏،‏ وتيبس‏،‏ وتتحول إلى وجود شكلي تافه لا معنى له‏.‏

    هذه الصلاة ‏-‏ أيها الإخوة ‏-‏ قبل أن تكون تكليفاً خاطب الله عز وجل به عباده‏؛‏ هي تشريف شرَّفهم الله سبحانه وتعالى بها‏،‏ ورفع أقدارهم بها إلى أعلى الرتب والدرجات‏،‏ أرأيتم إلى الرب سبحانه وتعالى عندما يدعو عباده إلى أن يدخلوا في حضرته‏،‏ فيقفوا بين يديه‏،‏ ويخاطبوه‏،‏ ويناجوه‏،‏ فيرَّد على خطابهم ونجواهم‏؟‏ أرأيتم إلى هذه الدعوة‏؟‏ أهي تشريف أم تكليف‏؟‏ إنها تشريف عظيم وعظيم جداً قبل أن تكون تكليفاً‏.‏

    إنني لأنظر إلى الداعي حين يدعوني إلى الوقوف بين يدي الله عز وجل بين الساعة والأخرى‏،‏ وأتأمل في هذه الدعوة‏،‏ وأنظر إلى بُعْدي عن الله عز وجل‏،‏ والـحُجُب الكثيفة التي تتمثل في الغفلات‏،‏ في المعاصي‏،‏ في الابتعاد عن الله عز وجل‏،‏ ومع ذلك يدعوني داعي الله عز وجل إلى الوقوف بين يديه‏،‏ وإلى الدخول إلى حضرته مخترقاً كل هذه الحواجز‏،‏ عندما أتصور هذا الشرف الرباني ينبغي أن أذوب خجلاً من الله‏،‏ ومَنْ أنا في عالم الله سبحانه وتعالى حتى أُدعى إلى المثول بين يديه‏؟‏ وحتى أناجيه‏،‏ وأخاطبه‏؟‏ يرتفع بي الباري عز وجل إلى مستوى خطابه‏،‏ إلى مستوى الوقوف بين يديه‏،‏ تأمَّلوا هذا المعنى العظيم ‏-‏ أيها الإخوة‏،‏ أجل هي تكليف من أعظم التكاليف‏،‏ ولكنها قبل ذلك تشريف من أَجَلِّ ما شرّف الله عز وجل به عباده المؤمنين‏،‏ وانظروا ‏-‏ أيها الإخوة ‏-‏ تلك هي الحكمة من أن الله عز وجل لم يخاطب بهذا الشرف‏،‏ ولم يَدْعُهم إلى رحابه إلا عندما أصبحوا مؤمنين‏،‏ لمالله عز وجل بهذه الصلاة غير المؤمنين‏،‏ ألم يقل عز وجل‏:‏ {إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً} [النساء‏:‏ 4‏/‏103]‏؟‏ لماذا‏؟‏ لأن الذين لم يَشْرُفوا بالإيمان بعد ليس لهم شرف الدخول إلى رحاب الله عز وجل‏،‏ ليس لهم شرف المثول بين يدي الله سبحانه وتعالى‏.‏

    إذا عرفنا هذه الحقيقة ‏-‏ أيها الإخوة ‏-‏ تعالَوْا نتساءَلْ كيف يتأتى لمن آمن بالله‏،‏ ولمن أسلم ذاته لله سبحانه وتعالى‏،‏ ولمن عرف نفسه عبداً لله‏،‏ وعرف الله سبحانه وتعالى إلهاً له وقيوماً عليه‏،‏ كيف يتأتى له أن يُعرض عن هذا الشرف‏؟‏ كيف يتأتى له أن يُعرض عن هذا التكليف الذي شرفنا الله سبحانه وتعالى به‏؟‏ عندما تكون مؤمناً بعبوديتك لله موقناً بربوبية الله الذي يملك الكون كله‏،‏ منه المبدأ وإليه المنتهى‏،‏ عندما تكون مؤمناً بذلك ثم تجد أن الله عز وجل تقديراً منه لك‏،‏ وتشريفاً منه لك‏،‏ يدعوك إلى رحابه‏،‏ يدعوك إلى حضرته لتخاطبه بما تريد‏،‏ ولتطلب منه ما تريد‏،‏ وليبادلك ‏-‏ وهو الإله القوي العزيز ‏-‏ ليبادلك حواراً بحوار‏،‏ كيف يتأتى منك أن تُعرض عن دعوته‏؟‏ كيف يتأتى منك أن لاتلبيه بكل كيانك وبكل شراشرك‏‏‏؟‏ كيف يتأتى منك وأنت مؤمن بذاتك عبداً‏،‏ ومؤمن بالله رباً‏،‏ كيف يتأتى إذا دعاك أن تُعرض عن دعوته‏،‏ وأن تُصِمَّ أذنيك عن الاستجابة لتكليفه وأمره وتشريفه‏؟‏ لا يمكن‏،‏ لايتأتى هذا ‏-‏ أيها الإخوة ‏-‏ بشكل من الأشكال‏.‏

    ومع ذلك فإننا لنقول دائماً‏:‏ إن الإنسان ضعيف‏،‏ ولنذكر في هذا قول الله عز وجل‏:‏ {وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً} [النساء‏:‏ 4‏/‏28] ربما تكاثرت عليه أعباء الكسل تواردت عليه أعباء الغرائز‏،‏ الرغبات والشهوات المختلفة التي تَصُدّه عن الاستجابة لأمر ربه فدعاه ذلك كله إلى الإعراض‏،‏ دعاه ذلك كله إلى الكسل‏،‏ إلى نسيان قول الله عز وجل‏:‏ {إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً}‏.
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...