1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

التنمية والديمقراطية مكمن المعجزة فى اليابان

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة cortex, بتاريخ ‏23 جويلية 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      23-07-2008 09:08
    كانت اليابان منشطرة متشظية فى مقاطعات عديدة، تتقاسمها إقطاعيات، ثم جاء توحيد تلك المقاطعات فى دولة مركزية بدءا من النصف الثانى من القرن السادس عشر؛ صادف ذلك مع بداية تغلغل الغرب الحذر فى اليابان، وتمثل هذا التغلغل، بالإرساليات التبشيرية التى دعت إلى التنصير، أى الدعوة إلى المسيحية بدلا من الديانة البوذية، وقد أفلحت هذه الإرساليات رغم المشاق والمحاذير من استمالة بعض زعماء المقاطعات، من ذوى النفوذ، سهلت بالتالى مهمتهم فى التبشير، وقد مارس الغرب فى اليابان ضروبا من التجارة بما فيها تجارة الرقيق، وبيع الأسلحة، رغم الحظر على الديانة المسيحية، فقد بلغ عدد اليابانيين الذين اعتنقوا المسيحية 150 ألفا فى عام 1582، ثم ارتفع هذا العدد ليصل إلى 300 ألف فى مطلع القرن السابع عشر، مما أثار حفيظة ومخاوف الرهبان البوذيين، فقاوموا التنصير بعنف وقوة، لكن ظلت الحالة تتأرجح بين حاكم متسامح وآخر متشدد حيال الديانة المسيحية، وإن تظاهر بعضهم بالحظر نزولا عند دعوة المتشددين والمتزمتين منهم الذين توجسوا خيفة على ثقافتهم ووحدة أراضيهم، وهذا بالحقيقة كان هاجس الأكثرية الساحقة من اليابانيين، فالعديد منهم تصدى بعنف لحالة التغريب بمقاومة دموية، حتى جاء عام 1624 بتعليمات تحظر التعامل مع الأجانب، وفى معارك دارت بعد سنوات راح ضحيتها عشرون ألفا من الفلاحين الذين اعتنقوا المسيحية، حيث جاء حظر الديانة المسيحية نهائيا فى عام 1637، ومنع التعاطى والتواصل مع الأجانب، ففر عدد كبير من اليابانيين المتنصرين عبر البحر، ودخلت اليابان فى "عزلة طوعية" استمرت أكثر من قرنين، لتستفيق اليابان من جديد فى القرن التاسع عشر حيث عد هذا القرن بوابة التسريع لعجلة التاريخ، وولوج العالم نحو حالة جذرية من التحول والتواصل والترابط، وقد استمرت ترجمة ذلك، وتجسدت بما نشهده، وما نحن عليه اليوم ..

    رغم العزلة اليابانية الطوعية والمقاطعة، ظلت نقاط احتكاك وتواصل بين اليابان وألمانيا، وعلى نطاق ضيق مع هولندا، واتسعت مع الصين وكوريا، واندارت اليابان فى عزلتها إلى تصليب وحدتها الداخلية، وتطوير وتنمية البلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وهنا لابد من التنويه والتذكير من أن الثقافة اليابانية، هى إحدى تفريعات الثقافة الصينية الأم التى ترجع بنسبها إلى الحكيم الصينى الأكبر فى العصر التقليدى القديم وأعنى به " كونفوشيوس ".

    ساد البلاد فى فترة العزلة وئام واستقرار فارتفعت وتيرة نمو الإنتاج، واتسعت حركة المواصلات، وجاء ارتفاع ملحوظ فى عدد السكان.. ساعد على تحقيق ذلك انسجام المجتمع اليابانى وتماسكه، وبما تميزت مبادئ العقيدة البوذية من الطاعة المطلقة للحاكم، وعدم التمرد عليه، وعبادة الإمبراطور، والتضحية بالذات.

    فى أواسط القرن التاسع عشر، واجهت اليابان مخاطر تفكك وبعثرة مقاطعاتها، فكانت المهمة المركزية الأولى، هى توحيد المقاطعات، وتشكيل حكومة مركزية، والالتفاف حول الإمبراطور الجديد، الذى اعتلى العرش وهو ما يزال فتى صغيرا، فقد تولى الحكم فى الأيام الأخيرة المتبقية من عام 1867 وتلقب باسم "مايجي" أى المصلح أو الحاكم بالعدل، قام الإمبراطور بإصلاحات عديدة وفى شتى القطاعات، جوبهت هذه الإصلاحات بمعارضة قوية، لكن تمكن الإصلاحيون من القضاء على المناوئين للإصلاح بعنف، واستمر الإمبراطور فى خطته الإصلاحية، فاتخذ طوكيو عاصمة للبلاد بعد أن انتقل إليها فى عام 1869 للإقامة الدائمة، وقسم اليابان إلى 72 مقاطعة إدارية تتبع جميعها السلطة المركزية، وتمثلت توجهات الإمبراطور الإصلاحية أيضا بالمشاركة الجماهيرية الواسعة، بحيث لا يتخذ أى قرار أو توجه أو تدبير قبل أن يشبع نقاشا ودراسة وتداولا واسعا، ثم يتم إقراره، كما نودى بإشاعة مبدأ المساواة، دون التفريط فى التراتبية الاجتماعية، والتخلى عن العادات القديمة التى تكرس التمييز وبالتالى التقسيم الاجتماعى الفظ، وهذا كله يضر بالمساواة الطبيعية التى يعمل عليها طاقم الإصلاح فى الإمبراطورية، وأيضا جاء الطلب بمركزة السلطة، وضمان حقوق الجميع والانكباب على الثقافة العصرية والعلوم الحديثة، واتخاذها ركائز البناء الاقتصادي، وجاء الوعد من الإمبراطور بتأسيس دستور عصرى للبلاد، وفعلا تم إصدار الدستور فى عام 1889، وإصلاحات أخرى كثيرة تتعلق بالإصلاح الزراعي، والنظام الضريبي، وإصدار قانون للصحافة، وتأسيس برلمان، والنزوع نحو الليبرالية فى النشاط السياسي، وقوانين وإجراءات عديدة، لقد كانت المؤثرات والمحاذير الغربية هى المحفز الأساس للمضى قدما فى تلك الإصلاحات، فبريطانيا بعد احتلالها للصين عام 1839 وإذلال شعبها، قامت ببناء جيش قوي، وتطلعت لاحتلال دول المنطقة، وهذا ما أثار مخاوف اليابانيين، فاعتمدوا الإصلاحات التى سوف تعطيهم المنعة، وتجنبهم بالتالى من أخطار التدخل ومن ثم الاحتلال..

    رغم العزلة الطوعية المزعومة، كان لا بد لليابان أن تنحو منحى الغرب فى الفصل بين السلطات الثلاث، وإجراء انتخابات عامة، وبناء دولة مركزية قوية، والتخلى عن التقسيمات الاجتماعية القديمة، أى أن كل شيء فى اليابان أصبح عرضة للتحويل والتطوير والمساءلة ما عدا منصب الإمبراطور، كونه رمزا للوحدة الوطنية، وأبا لجميع اليابانيين، وسليل الآلهة، فكان لابد أيضا من تحديث الجيش، على منوال الغرب، من حيث التنظيم والعتاد والتكنولوجيا فتبنت اليابان شعار " تكنيك غربى وروح يابانية " كما شرعت اليابان فى الإصلاح الاقتصادى وتحديث بناه، وسعت لإنعاش الصناعة والتجارة، وتطوير السكك الحديدية، كما دعمت مشاريع البنى التحتية لتعزيز الاقتصاد الوطني، و بادرت إلى عملية الخصخصة، جراء تقاعس بعض القطاعات "القطاع العام أو قطاع الدولة " من تسديد نفقاتها، أوعدم قدرتها على منافسة القطاع الخاص من حيث كمية الإنتاج والجودة، أو عجزها عن تقديم سلع جيدة يقبل عليها الناس لاقتنائها، كما سعت اليابان على استقدام الخبراء وأصحاب الكفاءات من مختلف الاختصاصات العلمية لتدريب اليابانيين على مختلف المهن، والوقوف على أسرار التكنولوجيا، وتوطينها فى اليابان، ولنفس الغاية أرسلت بعثات متتالية من الطلاب، للتعلم والتدريب لاكتساب التقانة اللازمة وفن الإدارة، وتوزعت البعثات فى مختلف بلدان الغرب للتزود بشتى الاختصاصات، وللإطلاع على صناعة السفن والتجارة البحرية، الأسلحة، الأدوية، الطبابة، النظم والقوانين وأشكال الإدارة... وقام غالبية قادة الإصلاح برحلات استكشافية إلى الغرب بمن فيهم الإمبراطور " مايجى " نفسه، للإطلاع عن كثب على مختلف مناحى التنظيم والإدارة والتجارة والتسويق..إلخ كما أن اليابان نفسها أغرت كثيرا من الأدمغة والكوادر المهرة وذوى الكفاءات العلمية، فاجتذبتهم للقدوم والعمل فى اليابان، ووضع هؤلاء خبراتهم فى خدمة تطوير وتحديث اليابان، فتقبلهم الشعب اليابانى بكل ترحيب , وتبدلت ما تطبعت فى أذهانهم صورة " الغرب البشع ـ الغرب البرابرة " وأجزلت لهم بالمرتبات حتى منهم من كان يتقاضى ما يعادل راتب وزير.. ثمة حكاية طريفة وذات مغزى، فقد قرأت فى أحد المصادر أن اليابان ــ فى فترة لاحقة ــ أوفدت طالبا إلى مصر لتعلم العربية بغية ترجمة مقدمة ابن خلدون فى العمران إلى اليابانية، للاطلاع والاستفادة؛ فتصوروا! كم كان اليابانيون حريصين على التنمية البشرية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية..!

    بلا ريب أن بعض هذه الإصلاحات ترافقت مع إجراءات تعسفية لا إنسانية، فمثلا تم إجبار كثير من الفلاحين لترك قراهم ومزارعهم، للالتحاق بالقطاعات الإنتاجية، أو الوحدات العسكرية، وللغاية نفسها تم فرض ضرائب مجحفة وبنسب مرتفعة جدا على الأراضى الزراعية ومنتجاتها من المحاصيل، ونجمت عن هذه المظالم حركات تمرد وعصيان، ما لبثت أن قمعتها الدولة بعنف..

    نتيجة للاستقرار الاجتماعى والاقتصادى والسياسي، شهدت اليابان زيادة مضطردة فى السكان، وتضاعف حجم المدن، مما ساعد فى تحضر وتمدين السكان، فأدخلت تعديلات جذرية على نظام التعليم، وشرعت بتأسيس الجامعات لتأهيل الكوادر العلمية والإدارية، وفى عام 1910 بات التعليم إلزاميا فى المراحل الأولى للبنين والبنات، فارتفعت نسبة الطلاب، ودخلت المرأة فى معترك الحياة، معترك العمل والتعليم.

    تسلم الإمبراطور مايجى الحكم فى عام 1868 وهو فتى، لكن مروحة الإصلاحات التى قام بها خلال حكمه الطويل نسبيا ـ 1868 ـ 1912 وما تحقق من إنجازات ضخمة وعلى مختلف الصعد فى عهده, جعل منه أكثر أباطرة اليابان شهرة، وأعظمهم مكانة لدى اليابانيين، ويعد الإمبراطور نفسه أحد المتنورين، لقد تم فى عهده تحديث اليابان، وتجنيبها من مخاطر التدخل الغربي، وتحولت اليابان فى حكمه إلى دولة إمبريالية، وتطلعت كسواها للمستعمرات، وكان يتمتع بصلاحيات مطلقة، تسببت فى تذمر اليابانيين، وكان من المتعذر إمكانية تعديل الدستور، والحد قليلا من صلاحيات الإمبراطور فى الظروف العادية، لكن سقوط اليابان تحت الاحتلال الأمريكى فى الحرب العالمية الثانية، وبضغط مباشر من الولايات المتحدة، جاء الإعلان عن ولادة دستور عصرى جديد فى عام 1946، وكان لسان حال الجنود اليابانيين يقول: الحرب انتهت وأنهم لم يعودوا مجبرين على الموت فى سبيل الإمبراطور، وأشاد أحد الأمريكيين ــ فى فترة لاحقة ــ بجدوى الاحتلال حيث عدّ الاحتلال الأمريكى تجربة إيجابية بالنسبة للمنتصر والمهزوم..اتخذت اليابان منحى ديمقراطيا فى مسيرتها التنموية، ولا تزال التجربة مستمرة إلى اليوم، وهى محط اهتمام ودراسة الكثيرين، وتحولت اليابان إلى دولة عملاقة فى التقانة والاقتصاد.

    قصارى القول إن التقدم الاجتماعى لا يتحقق إلا بقدر ما يتوفر من عزم أكيد، وما يبذل من جهود خلاقة، وإن مشوار ألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، حتى لو بدت أن الخطوة الأولى لا تنبئ بالضرورة بالنهاية العملية المجدية، فالدول لا تولد جبارة غنية، قوية، عند نشأتها، أى عند ولادتها، وهذا ما يشير إليه أحد الشعراء اليابان حيث يقول :" إيه.أجل كل الناس بلا أسماء، وكل الناس عرايا، عندما يولدون، حتى الإمبراطور. وحتى إيتا" "إيتا هى الطبقة الاجتماعية الدنيا فى السلم الاجتماعى لدى اليابان" بقى لنا أن نذكر، أن محمد على باشا فى مصر سبق إمبراطور اليابان فى إصلاحاته، والسؤال المطروح بإلحاح هو : لماذا أفلح اليابانيون وأخفق العرب؟ وندع السؤال برسم من يريد الخوض فى الموضوع والاجتهاد فيه، لكن.! علينا أن نقر بالحقيقة الساطعة، وهى أن إمبراطور اليابان استطاع أن ينقل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة، ويرقى بشعبه إلى درجة من المترفة، وأن أباطرة العرب أبقوا بلدانهم فى وهدة المنحدرات، كما أبقوا شعوبهم فى درك من المسغبة والمتربة، وشتان ما بين الترف والتراب.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...