مدينة طرابلس القديمة مدينة بروح متوسطيّة

الموضوع في 'السياحة العالمية' بواسطة cortex, بتاريخ ‏7 أوت 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      07-08-2008 15:16
    هي مدينة متوسطية تختزل في ارجائها ودروبها ذاكرة المتوسط بحضاراته المتعاقبة وصفحات تاريخه الطويل، ذلك ما تكتشفه وانت تجوب ازقة وشوارع مدينة طرابلس... طرابلس الغرب كما تسمى لتمييزها عن طرابلس الاخرى الواقعة بلبنان.. اذا لم يتسن لك اكتشاف مدينة طرابلس لسبب او لآخر فانه يمكنك ارواء فضولك عبر كتاب ملون انيق عنوانه «روح المدينة 2» لمؤلفه التيجاني احمد زكري وهو فنان تشكيلي ليبي ومن الاسماء المتميزة بليبيا سواء عبر فن الرسم او الكاريكاتور.
    صفة التيجاني احمد زكري كفنان تشكيلي، جعلت من كتاب روح المدينة اشبه بحكاية مرئية ترصد تاريخ مدينة طرابلس ويكشف اسرارها وعلاماتها والحياة فيها، حياة المعمار والناس على حد سواء انه كتاب فني بالأساس وهذا ما يذهب اليه الكاتب الفنان التيجاني احمد زكري في مقدمة الاصدار عندما يقول: بداية اعترف بانني لست بصدد كتابة تاريخ هذه المدينة العتيقة (مدينة طرابلس القديمة) وفي تقديري هذا دور المؤرخين والباحثين ولكن ما اكتبه هو عبارة عن ومضات لهذه المدينة والتي عرفتها عن قرب بعيدا عن انشغالات المؤرخ او الانتربولوجي او عالم الاجتماع، بحث التيجاني احمد زكري. بعين شغوف عن روح مدينة طرابلس فعدسة الفنان هي بالاساس عدسة ترصد الباطن واللامرئي المختفي في الظاهر والمرئي وهذا ما ذهب اليه الشاعر الليبي محي الدين محجوب. في مقدمة الكتاب عندما قال: اذا كانت الامكنة، البيوت، الشرفات الشوارع والازقة سمات الانجاز الفني تمثل هذه جميعها جسد المدينة فان رروحها تتجلى ضمن بلاغة الصورة المنجزة والتي يحاول التيجاني زكري رصدها بعين كاميراه محددا نسقه الفني الذي يبرز محملا بالاشارات والرموز.
    مدينة تختزل تاريخ المتوسط
    تطل مدينة طرابلس القديمة على المتوسط وكأن الاخير بالنسبة اليها حبل سري او خيوط ذاكرة ممتدة غائرة في الزمن ومستمرة في الحاضر... تقع مدينة طرابلس في الجزء الغربي من الساحل الليبي اسسها الفنيقيون منذ ثلاثة آلاف سنة. وطرابلس كلمة لاتينية تتكون من مقطعين Tri بمعنى ثلاث وبولس polis بمعنى مدينة. اي ان كلمة طرابلس في الاصل تعني ثلاث مدن تريبوليس Tripoli’s (طرابلس ـ لبدة وصبراتة) لقد ادت مدينة طرابلس دورا تاريخيا هاما حيث كانت ذات مركز تجاري مهم منذ الالف الاولى (ق، م) سواء عندما استخدمها الفنيقيون لتجارتهم ثم الرومان، فالبيزنطيون ثم الوندال. لتكون بذلك اقدم البوابات التي تربط افريقيا باوروبا، ومع الفتح الاسلامي حافظت المدينة على حيويتها واهميتها الاستراتيجية، كما استولى عليها الاسبان وحكموها عشرين سنة. قاموا بعدها بتسليمها لفرسان القديس يوحنا القادمين من مالطا سنة 1530 حتى اعاد فتحها العثمانيون سنة 1551 فطرأت على المدينة عدة تغيرات مست عمارتها وتفاصيل الحياة فيها. وهذا ما تعكسه اسواقها التي مازالت تحتفظ بوجودها وخصائصها المتألقة ككتاب تاريخ عن المتوسط مع ما يوجد من اثار وبصمات الحضارات المتعاقبة كقوس ماركوس اوريليوس والذي يسميه سكان المدينة قوس الرخام وهو قوس روماني يعود الى القرن الثاني للميلاد (عام 163) على بعد امتار قليلة من هذا القوس العتيق يوجد مبنى السفارة الفرنسية والذي يعود بناؤه لسنة 1630 م والذي تحول منذ سنوات الى ما يشبه المدينة الثقافية التي تحتضن ورشات الفنانين ودور الكتاب والشعراء الليبيين... قرب هذا المعلم يوجد ايضا مبنى القنصلية الانقليزية وكنيسة السيدة مريم التي وضع حجر الاساس لبنائها سنة 1615م.
    تحمل اسواق طرابلس القديمة اسماء ليست غريبة عنا كتونسيين بما يدلل على وحدة الذاكرة والانتماء التاريخي والجغرافي. ففي دروب تلك المدينة التي وصفها الرحالة التيجاني بالمدينة البيضاء لشدة نظافتها يوجد سوق البلغة والبلاغجية والترك واسواق اخرى عديدة... ترى كيف نقل الينا التيجاني احمد زكري في كتابه «روح المدينة 2» اصداء كل ذلك التاريخ الكامن في جسد المدينة وروحها. لن نجد اكثر تعبيرا وصدقا مما كتبه الشاعر محي الدين محجوب في مقدمته عندما قال: «تتحرك آلة التصوير عند هذا الفنان بتحرك عينه في تلاقح حدقتين (حدقة الآلة مع حدقة الفنان) التي تنسج رؤاها في لحظة خاطفة تفلح العين الممرنة في اقتناصها والتقاطها لتكون جذاذة داخل هذا النسيج وهو يصاغ بالضوء واللون حاملا ابعاده التي تمتلك قدرة الملتقط صداه القراءة الجديدة والناضجة.
    يحتوي المؤلف على كم هائل من الصور الملونة والتي جاءت على غاية من الامانة والمحاكاة التقنية والفلمية. تبدأ الرحلة من خلال صور تسرد سور المدينة وابوابها وميناءها وشاطئ طرابلس السخي على اهله بما يمنحه لهم من خيرات ولحظات سباحة واسترخاء. ثم تتواصل رحلة الصور مع مواقع تشهد على اصالة المدينة وتاريخها ثم يأخذك المؤلف في زيارة الى ازقة المدينة المتعرجة... زنقة البيليك... زنقة الفرنسيس... ومن ظل الامكنة، حيث العتمة تغمرها يحيط بها تبدأ الرحلة مع ابواب البيوت بزخارفها وجليزها ثم تستمر الرحلة داخل الشوارع والساحات... شارع الوراقين... شارع سوق الحرارة... الاربع عرصات... شارع جامع الدروج.. ا لحارة الكبيرة... ثم تعيدك الرحلة الى ازقة اخرى تفتح على شوارع اضافية تخفي اسرارها. شواهدها ووجوهها تخفي فناءها التي كانت في زمن ما راحة وواحة للقادمين من تجار وقوافل ورحالة مغامرين.
    أما للاسواق باجوائها، سلعها ووجودها، جولة تسرد ما بلغته مدينة طرابلس من صنائع وحرف تعكس روح المدينة المتأصلة فيها.
    مدينة طرابلس ووفق ما حملته رؤية التيجاني احمد زكري ليست معمارا وامكنة وعابرين فقط، بل هي ايضا الاطفال وهم يلعبون ويجوبون ازقتها وقد رسمهم الكاتب بقولة سرية نفهم منها ان طرابلس ككل المدن الاصيلة، تستمر في خلود من جيل الى آخر، بين صفحات البوم مدينة طرابلس نجد ايضا وجوه او بورتريهات لنخبة من ابناء المدينة شيوخ وكهول وشبان كل وجه من تلك الوجوه يحمل علامات وتفاصيل يعكس ذلك الثراء والتنوع الحضاري للمدينة، وجوه تختزن تاريخ المدينة، كما تختزل المدينة انتماءهم.



    marafi4.gif
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...