فى دماغنا عقلان .. عقل يفكر وعقل يشعر

الموضوع في 'الأخبار الطبية الحديثة' بواسطة cortex, بتاريخ ‏9 أوت 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      09-08-2008 17:08
    أصبح بالإمكان للمرة الأولى فى تاريخ البشرية أن نرى رؤية العين ما كان دائماً مصدر غموض شديد، أى كيف تعمل هذه المجموعة المعقدة من الخلايا فى الأثناء التى نفكر فيها أو نشعر, أو نتخيل، أو نحلم.

    وذلك بفضل التكنولوجيا المتقدمة لتصوير المخ.

    هذا الفيض من البيانات العصبية البيولوجية يجعلنا نفهم أكثر بكثير من أى وقت مضى كيف تحركنا مراكز " المخ " الخاصة بالعواطف والانفعالات، فتجعلنا نشعر بالغضب أو بالخوف، أو نحزن ونحبط أو نبكى بالدموع.

    وكيف توجه أجزاء المخ الأقدم، والتى تدفعنا إلى أن نقود حرباً، أو نمارس مشاعر الحب.

    هناك شواهد متزايدة اليوم على أن المواقف الأخلاقية الأساسية فى الحياة تنبع من قدرات الإنسان الانفعالية والعاطفية الأساسية.

    وأن فهم التفاعلات بين تراكيب المخ التى تتحكم بانفعالاتنا وعواطفنا يكشف الكثير فيما يتعلق بكيفية تصرفاتنا الانفعالية والعاطفيةن، وكذلك العقائدية.

    لقد نما " المخ " على مدى ملايين السنين من التطور، من الجزء القاعدى إلى المراكز العليا, حيث تطورت مراكزه الأرقى من الأجزاء الأقل تطوراً والأقدم، وأكثر أجزاء المخ بدائية هو جذع الدماغ المحيط بالحبل الشوكى وهذا الجزء مشترك بين كافة أنواع الفقريات، فهذا الجزء " القاعدى " من " المخ " ينظم وظائف الحياة الأساسية, مثل التنفس والتمثيل الغذائي.., كما يتحكم فى ردود الفعل والحركات النمطية.

    هذا المخ البدائى لا يمكن أن يفكر أو يتعلم, لأنه ليس أكثر من مجموعة أدوات تنظيم مبرمجة تحافظ على استمرارية قيام الجسم بوظائفه كما ينبغى والاستجابة بطريقة تضمن البقاء. كان هذا " المخ " سائدا فى عصر الزواحف.

    نشأت مراكز المشاعر من جذع الدماغ – أصل المخ الأكثر بدائية – ثم نشأ العقل المفكر أو " القشرة الدماغية الجديدة أى اللحاء" مع تطور هذه المراكز العاطفية بعد ملايين السنين من مسيرة التطور.

    هذه القشرة الجديدة عبارة عن انتفاخ بصلى كبير مكون من لفائف نسيجية تشكل الطبقات العليا من " المخ ".

    ونشوء العقل المفكر الذى هو ناتج عن عمل اللحاء بشكل أساسى فوق العقل الانفعالى الذى هو ناتج عن عمل الدماغ الحوفى يكشف عن العلاقة بين الفكر والمشاعر والانفعالات، فقد كان العقل الانفعالى موجوداً فى "المخ" قبل وجود العقل المنطقى بزمن طويل.

    إن أقدم أصل لحياتنا الانفعالية هو حاسة الشم أو " الفص الشمى " أى الخلايا التى تستقبل واردات حاسة الشم وتحللها. فكل مفيداً أو ضار، أو رفيقاً جنسياً، أو مفترسا، أو فريسة، كل كيان من هذه الكيانات له بصمة جزيئية مميزة يمكن أن تنتشر فى الهواء.

    لذا كان الشم فى تلك الأزمنة البدائية هو أهم حاسة حاسمة للبقاء على قيد الحياة.

    وقد بدأت المراكز الانفعالية القديمة فى التطور من " الفص الشمى " فى الدماغ, إلى أن كبر حجمها بالقدر الذى يكفى للتحلق حول مقدمة جذع الدماغ, وكان مركز الشم فى المراحل البدائية يتكون من خلايا عصبية على شكل طبقات رقيقة متجمعة, مهمتها أن تحلل الروائح ثم تصنفها, وترسلها إلى مجموعة الخلايا المتصلة بها التى تحدد ما هو صالح للأكل أو ضار،صالح للتعامل معه جنسياً، أو معاد...، ثم ترسل طبقة أخرى من الخلايا رسائل عن النتيجة تبلغ الجسم بما يجب أن يفعله, هل يأكل الشيء أم يتحاشاه، هل يقترب أم يبتعد ويهرب، أو يطارد...

    وقد نشأت الطبقات الرئيسية للعقل الانفعالى مع ظهور الثدييات، وهى الطبقات المتحلقة حول جذع المخ، وتشبه عمامة صغيرة بأسفلها تجويف يستقر فيه الجذع، ولأن الجزء من الدماغ يلتف ويحيط بجذع المخ، أطلق عليه أسم " الجهاز الحوفى ".

    هذه الأرض الجديدة الخاصة بالأعصاب، أضافت إلى سجل المخ التاريخى عواطف وانفعالات مميزة. فالجهاز الحوفى هو الذى يتحكم فينا حين تسيطر علينا الشهوة أو الغضب أو التراجع خوفا أو الوله والحب...

    ويقول د. داماسيو " إن البوابة التى يمر فيها تعلم الإنسان للانفعالات أو نقطة الالتقاء بين التفكير والعاطفة، المتمثلة فى الدائرة العصبية ل " الأميجدالا " فى مقدم الفص الأمامى للمخ, والتى تمثل المخزن الذى يحتفظ فيه الإنسان بخبراته التى يكتسبها عما يفضله وعما يرفضه خلال حياته ".

    لدينا فى الحقيقة والواقع عقلان عقل يفكر وعقل يشعر وينفعل.

    هاتان الطريقتان المختلفتان للمعرفة, تتفاعلان لبناء حياتنا العقلية.

    الأولى طريقة العقل المنطقى السببى وهى طريقة فهم ما ندركه تمام الإدراك والواضح وضوحا كاملا فى وعينا, وما يحتاج منا إلى التفكير فيه بعمق وتأمله. وهذا العقل يعمل بطريقة التسلسل وبمعالجة منحى واحد من الأحداث أى يدرس ويعالج سلسلة أفكار واحدة.

    الثانية طريقة العقل الحوفي، والعاطفى والانفعالى وهو مندفع وغير منطقى أحيانا. وهو يعمل بالتوازي، أى بمعالجة عدة مدخلات حسية فى نفس الوقت, ويركز على واحد ويضع الباقى فى الانتظار ريثما ينتهى منه.

    وهناك تأثير متبادل بين الانفعال والتفكير.

    فقنوات الاتصال بين النتوء اللوزى " الأميجدالا " والتراكيب الحوفية المتصلة به وبين اللحاء " القشرة الجديدة " هى محور كل المعارك واتفاقات التعاون بين العقل والقلب "العاطفة "، بين التفكير والشعور.

    هذه الدوائر العصبية تفسر أهمية الانفعال الحاسمة لفاعلية الفكر فى اتخاذ قرارات حكيمة، وإتاحة الفرصة للتفكير الواضح.

    ويقترب هذا التقسيم الثنائى إلى عاطفى ومنطقى من التمييز الشائع, بين العقل والقلب. فحين يعرف الإنسان بقلبه أن هذا الشيء صحيح " وهذا بمثابة حدس "، فهذا أمر يختلف عن الاقتناع المنطقى السببي.

    هذان العقلان – العاطفى والمنطقى – يقومان معاً فى تناغم دقيق دائما بتضافر نظاميهما المختلفين بقيادة حياتنا.

    ذلك لأن هناك توازنا قائما بين العقل العاطفى والعقل المنطقي.

    العاطفة تغذى وتزود عمليات العقل المنطقى بالمعلومات، بينما يعمل العقل المنطقى على تنقية مدخلات العقل العاطفي، وأحيانا يعترض، ومع ذلك يظل كل من العقلين ملكتين مستقلتين، كل منهما يعكس عملية متميزة, لكنهما مترابطتان فى دوائر المخ العصبية.

    وظيفة الانفعالات والعواطف

    إن الوظيفة الأساسية للانفعالات والعواطف هى رفع جاهزية وقدرة الفعل والاستجابة التى تعتبر مناسبة وفعالة فى مواجهة ما يتعرض له الكائن الحي، وهى موجودة فقط لدى الحيوانات الراقية, فهناك انفعالات أساسية نشترك بها مع الثدييات الراقية و الرأسيات, وهى انفعال الغضب والخوف والحب.....، وهى انفعالات أساسية قديمة لدينا، وقد نشأت لدينا نتيجة حياتنا الاجتماعية انفعالات وعواطف جديدة وهى خاصة بنا، فهى تكونت نتيجة العلاقات الاجتماعية و الحضارة والثقافة والعقائد...، فقد نشأت وتطورت أنواع كثيرة من الانفعالات والعواطف نتيجة لذلك.

    والانفعالات لدينا دوماً تكون مترافقة مع أحاسيس خاصة بها. وهناك انفعالات إخبارية مثل الدهشة والتعجب والترقب والضحك.

    وهناك انفعالات مثل الحب والحنان والصداقة، والزهو، الغيرة، الحسد، والكراهية.....، وكل هذه الانفعالات ترافقها أحاسيس معينة خاصة بكل منها.

    وأحاسيس الانفعالات لدينا لا تنتج عن واردات أجهزة الحواس فقط، فهى تنتج بعد حدوث تفاعلات وعمليات فى الدماغ والذاكرة بشكل خاص، بالإضافة إلى عمل وتأثيرات الغدد الصم, فالغضب لا يحدث لدينا إلا بعد معالجة فكرية، والتى تتأثر بالذاكرة وما تم تعلمه، وهناك تأثير متبادل بين الدماغ والغدد الصم، ويمكن التحكم فى إحداث الانفعالات باستعمال تأثيرات كيميائية وفسيولوجية.

    أما الضحك والاندهاش وبعض الانفعالات المشابهة فآلية حدوثها تعتمد بشكل أساسى على عمل الدماغ ويكون تأثير مستقبلات الحواس غير أساسي، لذلك هى خاصة بالإنسان وبعض الرأسيات فقط. والأحاسيس الناتجة عن انفعال رعشة الحب تحدث بمشاركة تأثيرات دماغية مع تأثيرات انفعالية مع تأثيرات المستقبلات الحسية.

    وهناك الأحاسيس الناتجة عن انفعالات وعواطف النصر أو الفوز والنجاح، أو الهزيمة والفشل، وغيرها وهى تشبه فى بعض النواحى انفعال الضحك بأنها تعتمد بشكل أساسى على معالجة ما هو مخزن فى الذاكرة.

    وهناك الكثير من الانفعالات والعواطف المتطورة الأخرى التى تكونت لدى البشر نتيجة الحضارة والثقافة وهى ليست عامة بين البشر, فهى لا زالت فى طور التشكل والتطور والانتشار.

    و يبقى الضحك انفعالاً مميزاً وهو ليس آخر الانفعالات التى نشأت لدى الإنسان، وهناك علاقة بين انفعال الضحك والتعجب والمفاجأة والتوقع والتناقض، فالضحك يحدث نتيجة المعالجة الفكرية للحوادث والأفكار والتناقضات...، فالغباء والأخطاء والتناقضات الواضحة أو المستورة قليلاً والمبالغات... هى من عوامل حدوث الضحك، وإن آلية حدوث الضحك تعتمد على:

    1- التناقض أو سير الأحداث بطريقة غريبة وغير متوقعة، أو بشكل عكسي.

    2- المفاجأة بحدوث غير المتوقع، أو حدوث المدهش، أو ظهور الغباء مع ادعاء الذكاء، أو أدعاء القوة بينما هناك الضعف أو العكس.

    3- المبالغة، يا له من غبى جداً- يا له من ذكى جداً يا له من ماكر جداً.......

    4- تفريغ المشاعر العدائية، أو الجنسية... والمطلوب إخفاؤها أو كبتها.

    كما ذكرنا إن كافة الانفعالات والعواطف لدينا، لها دور و وظيفة فسيولوجية وعصبية ونفسية، فالضحك وظيفته الظاهرة هى الشعور بالغبطة والسعادة، ولكن له دور و وظيفة أعمق من ذلك وهى غير ظاهرة فانفعال الضحك نشأ أخر الانفعالات لدى الرأسيات الراقية فهو موجود بشكل محدود لدى الشمبانزى والأورانج أوتان.

    إن الغضب, والحقد، والإحباط, و الكآبة, والرعب، والقلق،..... وكافة الانفعالات المؤلمة والمجهدة للجسم وللجهاز العصبي، وخاصة دارات القلق والتردد والندم والوسوسة والتى تعمل باستمرار تستهلك الطاقات العصبية بكميات كبيرة، بالإضافة إلى أنها تؤدى لجعل الجسم والدماغ يفرز الكثير من المواد الكيميائية العصبية والهورمونات التى تجهد العقل والجسم بدون داع فى أغلب الأحيان.

    إن كل هذا يمكن أن يخفف أو تتم السيطرة عليه، وذلك بقطع أو إيقاف هذه الدارات العاملة, بواسطة الموسيقى والأغانى الجميلة وبواسطة النكتة والمزاح بشكل خاص، ويكون تأثيرهم فعالاً وسريعاً فى أغلب الأحيانن إلا إذا كانت تلك الدارات قوية جداً فعندها يصعب تقبل الموسيقى أو المزاح والتنكيت.

    التأثير المتبادل بين المزاج والتفكير

    لقد لوحظ وجود علاقة بين التفكير والتذكر والأحاسيس والانفعالات من جهة والمزاج من جهة أخرى - ويقصد بالمزاج الوضع الكيميائى والكهربائى للدماغ-، فعندما تكون فسيولوجيا الدماغ - وهى تتأثر بحوالى مئة مادة وغالبيتها ينتجه الدماغ أثناء عمله والباقى يصل إليه عن طريق الدم- فى وضع معين تؤثر على التفكير والأحاسيس بشكل مختلف عنه فيما لو كانت فى وضع أخر.

    وفلم شارلى شابلن مع السكير الغنى مثالاً على ذلك: فالرجل الغنى يتعرف على شارلى و يكون صديقه عندما يكون ثملاً، وعندما يصحو لا يتذكره ولا يتعرف عليه.

    وقد أظهرت التجارب على الفئران أنها تتعلم الجرى بالمتاهة عندما يكون فى دماغها مواداً كيميائية معينة وتفشل فى الجرى عندما تختلف كيمياء دماغها عن وضعها أثناء التعلم، وقد تم جعل فأر يتعلم الجرى يساراً عندما يكون دماغه معالجاً بمادة معينة، ويجرى يميناً عندما يكون دماغه معالجاً بمادة أخرى.

    إن للوضع الفسيولوجى للدماغ علاقة أساسية بآليات المعالجة أو التفكير والتذكر، والاستجابات العصبية والانفعالية، فعمل الدماغ العصبى الكهربائى يتم التحكم به بالمواد الكيميائية والتى يتم إنتاجها أثناء عمله، وكذلك نتيجة تفاعله مع باقى الجسم وخاصةً الغدد الصم.

    فهناك تأثير قوى وواسع للمزاج على عمل الدماغ سواء كان تفكيراً أو تذكراً أو توليد استجابة -أفعال أو أحاسيس-.

    وبما أن الفرح أو الحزن أو الغضب أو الخوف أو الضحك وكافة الانفعالات تؤدى إلى إفراز مواد كيميائية تؤثر فى عمل الدماغ، فتجعل القياسات والتقييمات والأحكام تناسب أوضاع الانفعالات، فإن هذا يجعل عمل الدماغ يتكيف -أو يتلون - ليناسب تلك الانفعالات والأوضاع، وبالتالى تتغير النتائج وتنحرف بشكل كبير.

    وبناء على ذلك يمكننا التحكم بتقييماتنا وأحكامنا واستجاباتنا إذا غيرنا انفعالاتنا من الحزن إلى الفرح أو من الإحباط إلى الضحك، أو من الخوف إلى الشجاعة,......الخ.

    والإنسان أثناء تطوره استخدم- طبعاً دون وعى منه- هذه الخصائص بشكل كبير، فأخذ يضحك فى أو ضاع خاسرة لكى يحول دون إفراز المواد التى تجعل مزاجه سيئاً، لأن الضحك يؤدى إلى جعل المزاج جيداً، فهو- أى المزاج الجيد واللذة والسعادة- كان ينتج بشكل أساسى عند الفوز والنجاح والنصر، فعندما يضحك الإنسان على خسارته أو فشله - شر البلية ما يضحك – كانت تلك استجابة فعالة فى التعامل مع الأوضاع السيئة الخاسرة، فإنه بذلك يحول فشله إلى نصر ولو بشكل كاذب لتلافى النتائج المزاجية السيئة الناتجة عن الفشل أو الخسارة، فالنكات تزدهر فى الأوضاع السيئة والصعبة لما تحقق من فاعلية فى التعامل مع هذه الأوضاع.

    فالمزاح والفكاهة والتنكيت لهم تأثير فسيولوجى هام وفعال فى رفع طاقات ومعنويات الفرد وزيادة قدرته على امتصاص تأثير الصدمات والتوترات الانفعالية الشديدة، فالمزاح يجعل تهديدات الذات من قبل الآخرين ضعيفة التأثير، ويمكن التعامل معها بسهولة لأنها لا تحدث انفعالات قوية تستدعى استنفاراً كبيراً لقدرات الجسم والجهاز العصبى والتى ليس هناك داع لها وتعيق التصرف، ولأن أغلب هذه التهديدات شكلية، وحتى لو كانت هذه التهديدات جدية، فالتعامل معها بروية وهدوء وعدم انفعال زائد وبمعنويات عالية أفضل وأجدى.

    فالمزاح والفكاهة ضروريان بشكل خاص للأفراد شديدى الانفعال, فدور المزاح كبير فى خفض التوترات والانفعالات الشديدة، وكلما استخدم الشخص الانفعالى المزاح والفكاهة مبكراً فى حياته كان ذلك أفضل له فى تحقيق التكيف والتعامل المناسب مع الآخرين، والكثير من الناس انتبهوا لميزات الفكاهة والمزاح واستخدموها وحققوا الكثير من الفوائد.

    إن التحول من المرح والسعادة إلى الغضب أو الحزن أو الخوف، أو التحول من المزاج الجيد إلى المزاج السيئ يمكن أن يحدث بسرعة ولكن العكس صعب الحدوث، فنحن لن نستطيع إضحاك إنسان فقد إبنه أو حلت به كارثة كبيرة, ولكن نستطيع جعل إنسان فى قمة السعادة يتحول إلى الغضب أو الخوف أو الحزن بوضعه فى ما يوجب ذلك.

    فعندما يحدث الغضب أو الخوف أو الحزن تنتج وتفرز المواد الهرمونية والعصبية التى تنتج المزاج المرافق له، وهذه المواد لا تزول بسرعة لذلك تبقى تأثيراتها فترة من الزمن, وهذا الزمن يختلف من شخص إلى آخر، وكلما كان طول هذا الزمن مناسباً للأوضاع كان أفضل للتكيف معها.

    فالاستنفار لمواجهة الأوضاع الخطرة أو الصعبة يجب أن يكون سريعاً، أما فك أو إلغاء هذا الاستنفار فليس هناك ضرورة للإسراع به.


    قرع أحاسيس الانفعالات

    إن أحاسيس الانفعالات لا تحدث بسهولة، فيجب حدوث الانفعال المطلوب أولاً لكى يحدث الإحساس المصاحب للانفعال، ولإحداث الانفعال يجب التحضير والتمهيد له جسمياً ونفسياً وعصبياً، فإحساس الضحك مثال على نوع منها، وانفعال الضحك ليس من النوع الصعب جداً إحداثه، بعكس رعشة الحب التى ليس من السهل إحداثها فيجب التحضير الجسمى والنفسى لها.

    ومن أحاسيس الانفعالات الأحاسيس الناتجة عن الأعمال الأدبية والأعمال السينمائية، وعن الخطابة وغيرها, فهى تحتاج إلى تهيئة المتلقين لها، وامتلاكهم لخصائص نفسية وفكرية مناسبة لكى يتسنى إحداث الانفعالات المطلوبة لديهم.

    وأغلب أحاسيس الانفعالات إن لم يكن كلها, سواء كانت أحاسيس انفعال الغضب أو الحقد أو الخوف أو الحزن أو اليأس والإحباط..... أو كانت أحاسيس انفعالات الفرح أو النصر والفوز أو الشجاعة أو السمو....., لا يمكن إحداثها أو التحكم بها بسهولة وبساطة, فلا بد من حدوث الأوضاع التى تؤدى لحدثها, ولا بد من التحضير لها نفسياً وفكرياً.

    وهذا يجعل الفنون التى تسعى لإحداث أحاسيس الانفعالات, مثل الخطابة والأدب والسينما والموسيقى، ليس من السهل إحداثها وقرعها لدى المتلقين، فهى تحتاج إلى إمكانيات وخبرة من الذين يريدون جعل الآخرين يتأثرون بها ويتذوقونها، فإحداث أحاسيس الانفعالات أصعب من إحداث كافة أنواع الأحاسيس العادية. و نحن الآن فى حالة تغير سريع للأوضاع الاجتماعية, وهذا جعل الكثير من الانفعالات والعواطف غير مناسبة للأوضاع الجديدة , وهى بحاجة إلى تعديل أو إلغاء, وإيجاد ما هو مناسب للأوضاع الجديدة.

    والكثير من الناس ينتقدون ويهاجمون هذه الانفعالات التى هى غريزية، ويعتبرونها الآن أصبحت حيوانية وسيئة ويجب القضاء عليها, وهم محقون فى أغلب الأحيان.

    إلا أن بعضها لا زال يؤدى وظيفة ودوراً فى التكيف والتطور.

    فالغضب والمنافسة والغيرة والصراع مثلاً لا زال لهم دور هام فى تطور البنيات الاجتماعية.

    و مع الزمن سوف تطور الكثير من الانفعالات والعواطف، وتنشأ انفعالات جديدة، لتلائم بشكل أفضل الأوضاع والتطورات الاجتماعية، وهذا ما نشاهده فعلاً.
     

  2. aissa a

    aissa a عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏22 ماي 2008
    المشاركات:
    464
    الإعجابات المتلقاة:
    765
      09-08-2008 18:25
    شكرا على الموضوع الرائع كما عهدناك دائما بالجديد
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...