أحببت فيك دموعي....

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة White_Wolf1, بتاريخ ‏18 أوت 2008.

  1. White_Wolf1

    White_Wolf1 عضو فعال عضو قيم

    إنضم إلينا في:
    ‏24 جويلية 2008
    المشاركات:
    317
    الإعجابات المتلقاة:
    1.070
      18-08-2008 14:06
    :besmellah1:


    لئن كان الحديث عن الأسد الشيخ قد كشف لكل شاب عن حقيقة همته؛ فإنا نستخرج من بين طيات الماضي البعيد ما يتوارى إزاءه الشباب خجلًا، إذ نقلب صفحات التاريخ لنقف على إحدى ورقاته المضيئة، لامرأة أتعبت من بعدها الرجال، قد حملت في صدرها همًا قد عجز عن حمله رجال، حملت هم الإسلام، فصرخت في العالم فهزته، وحركت الأرض فمادت، وألهبت القلوب الباردة، وأيقظتها من سباتها العميق.
    في سنة 607 هجرية، وعلى أرض دمشق الحبيبة، جلست "ميسون" تلك الفتاة الناعمة، تدافع الأحزان، حيث أنها فقدت إخوتها الأربعة، الذين توجهوا إلى ميدان الجهاد، فما عادت تسمع عنهم خبرًا، وذلك في غضون الغارة الصليبية الغاشمة، واجتياح أجنادها بلدان الشام.
    ولكن مصابها في إخوتها قد أذابه هم آخر، هو هم هذا الدين الذي يتهدده الخطر، فقد تناهى إلى أسماعها نبأ زحف العدو إلى فلسطين الحبيبة، فلسطين تلك البقعة المحفورة في قلب كل امريء مسلم.
    ولكن هم "ميسون" قد فاض من حناياها إلى أرض الواقع، وكلبؤة غضوب، تلفتت حولها في عصبية: ماذا أقدم لديني، كيف أنصر هذا الدين العظيم؟!
    إنها أنثى، لم تخلق للسيف والسنان، كيف لها ومقارعة الأبطال، ومنازلة المغاوير؟! كيف لها وصولات الخيول ورهج سنابكها؟! لكن هذا الدين ليس دين الرجال وحدهم، إنه هم مشترك، ومسئولية تتقاسمها الرجال مع النساء، فإذا ببريق الفكرة تلمع في ذهنها: شعري، نعم شعري، ذلك الشلال الناعم الذي سأخلب به لب فارس الأحلام وزوج المستقبل، سوف أقصه وأجعل منه لجامًا لفرس تركض في سبيل الله، عله يكون شعلة تضرم النار في قلوب الفرسان.
    وفي جمع من النساء جلست والحماس يطل من عينيها، وقد ظنن أنها أتت لتستأنس بهن في وحشتها، وتتسلى بحديثهن عن مصابها في إخوتها، فإذا هي تفاجأهن بكلمات لم تعهد مثلها النساء، كلمات تخرج من بركان يقذف حممه: (إننا لم نخلق رجالًا نحمل السيوف ونقود الخميس، ولكنا إذا جبن الرجال لم نعجز عن عمل، وهذا شعري أثمن ما أملك أنزل عنه، أجعله قيدًا لفرس تقاتل في سبيل الله لعلي أحرك هؤلاء الأموات)، فجزت شعرها وصنعت منه لجامًا، فإذا بهذا الوقود ينساب إلى قريناتها فصنعن مثل صنيعها في مشهد قد جعل التاريخ يفغر فاه.
    فأرسلن هذه اللجم إلى خطيب الجامع الأموي ـ سبط ابن الجوزي ـ فحمله إلى الجامع لصلاة الجمعة، وقد عصفت به الحماسة، فلم يقر له قرار حتى اعتلى المنبر والدموع تترقرق في عينيه والهجم بين يديه، ثم قام وخطب خطبة نارية تفتتت لها الأكباد، وتزلزلت لها القلوب، قد انتقلت إليه عبر المسافات هموم تجيش في صدر ميسون؛ فإذا بالكلمات تنطلق والصرخات تدوي بين جدران المسجد، تعبث بكيان الحاضرين.
    فكان مما قاله: (يا من أمرهم دينهم بالجهاد ليفتحوا العالم ويهدوا البشر إلى دينهم، فقعدوا حتى فتح العدو بلادهم وفتنهم عن دينهم، يا من حكم أجدادهم بالحق أقطار الأرض، وحُكِموا هم بالباطل في ديارهم وأوطانهم، يا من باع أجدادهم نفوسهم من الله بأن لهم الجنة، وباعوا هم الجنة بأطماع نفوس صغيرة ولذائذ حياة ذليلة، يا أيها الناس ما لكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم، وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم، وحسبتم أن العزة للمشرك، وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
    يا ويحكم، أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرآى عدو الله وعدوكم يخطو على أرضكم، التي سقاها بالدماء آباؤكم، يذلكم ويتعبدكم، وأنتم كنتم سادة الدنيا، أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم أن إخوانًا لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف، أما في البلد عربي؟! أما في البلد مسلم؟! أما في البلد إنسان؟! العربي ينصر العربي، والمسلم يعين المسلم، والإنسان يرحم الإنسان.
    أفتأكلون وتشربون وتنعمون وإخوانكم هناك يتسربلون باللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر، يا أيها الناس: إنها قد دارت رحى الحرب، ونادى مناد الجهاد، وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فافسحوا الطريق للنساء يدرن رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل يا نساء بعمائم ولحى، أو لا فإلى الخيول وهاكم هجمها وخيولها.
    يا ناس أتدرون مما صنعت هذا اللجم وهذه القيود؟! لقد صنعها النساء من شعورهن!! لأنهن لا يملكن شيئًا غيرها يساعدن به فلسطين، هذه والله ضفائر ذوات الخدور التي لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفاظًا، قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة، الحرب في سبيل الله، وفي سبيل الأرض والعرض، فإذا لم تقدروا على الخيل، تقيدونها بها فخذوها فاجعلوا ذوائب لكم وضفائر، إنها من شعور النساء، ألم يبق في نفوسكم شعور)، ثم ألقاها من فوق المنبر على رؤوس الناس، وصرخ: (تصدعي يا قبة النسر، وميدي يا عمد المسجد، وانقضي يا رجوم، لقد أضاع الرجال رجولتهم).
    وإزاء هذه الكلمات التي عصفت بكيان الحاضرين، صاح الناس صيحة لم يسمع مثلها، وهبوا ونهضوا لنصرة دينهم كالليوث، وتوافدت قوافلهم التي تنشد إحدى الحسنيين إلى ساحات الوغى، فأجلت كتائب التوحيد جند الصليبيبن إلى عكا.

    للأمانة منقول

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...