1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

نهاية شهر العسل الامريكي؟

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة cortex, بتاريخ ‏25 أوت 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      25-08-2008 05:04

    زيارة السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية إلى كل من العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة، تعكس عمق المأزق الذي تعيشه السياسة الخارجية الأمريكية، في منطقة الشرق الأوسط. فرغم استثمار واشنطن أكثر من 700 مليار دولار في العراق على مدى السنوات الخمس الماضية، وخسارة أكثر من أربعة آلاف جندي، فإنها عجزت حتى الآن، عن حصد أي أرباح استراتيجية، أو مادية تذكر، وخاصة توقيع اتفاقية أمنية تشرّع وجودها العسكري في هذا البلد الخاضع لاحتلالها. أما على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي، فإن أكثر من عشر زيارات للسيدة رايس، وزيارتين للرئيس بوش لم تجعل هذا الملف يتقدم مليمتراً واحداً، بل تراجع إلى ما تحت نقطة الصفر منذ رعاية الادارة الأمريكية للعملية السلمية التفاوضية. ستظل لعنة المسلمين تطارد الولايات المتحدة لعدة سنوات قادمة، بسبب خطف قيادتها السياسية، وقواتها العسكرية الهائلة من قبل المحافظين الجدد الذين خاضوا كل حروبها تحت ما يسمى الحرب على الارهاب في العراق وافغانستان، وضخموا من خطر تنظيم 'القاعدة' بصورة مبالغ فيها من أجل تبرير هذه الحروب التي من الصعب ان لم يكن من المستحيل كسبها. كوندوليزا رايس تتصرف مثل المجرم الذي يحوم حول مسرح الجريمة، وهذا ما يفسر انشغالها بمنطقة الشرق الأوسط، وزياراتها المتكررة إلى المنطقة، دون أن تحقق أي تقدم في أي من ملفاتها المعقدة، فلا هي حققت الأمن والاستقرار في العراق، ولا نجحت في نشر الديمقراطية مثلما وعدت، والأهم من ذلك أنه بعد سبع سنوات من الحرب على الارهاب، باتت 'القاعدة' أكثر قوة وانتشاراً وخطراً.
    فتنظيم 'القاعدة' اعاد تجميع صفوفه في ملاذه الآمن الجديد في منطقة القبائل الحدودية في افغانستان، ونجح في توثيق تحالفه مع حركة طالبان وتوحيد الحركة وأجنحتها خلفه، على عكس ما كان عليه الحال قبل التدخل العسكري الأمريكي الغربي، وعوض بذلك خسارته لدولته الاسلامية في المثلث السني العراقي، وفتح فروعاً في المغرب الاسلامي والصومال دون أن يخسر تماماً فرعه في العراق.
    والأخطر من عدم تحقيق انتصار حاسم في الحرب على الارهاب، هو انشغال الولايات المتحدة في مستنقعها لدرجة التعامي عن صعود قوى جديدة عظمى على المسرح العالمي مثل الصين والاتحاد الروسي، بدأت تأخذ زمام المبادرة في مناطق حيوية من العالم مثل القارة الأفريقية وايران وبعض مناطق الشرق الأوسط الأخرى (سورية ولبنان). فتنظيم 'القاعدة' تحول إلى 'قوة عظمى' في نظر الادارة الامريكية تضاهي قوة الاتحاد السوفييتي في عز عنفوانه، وهو تقييم يكشف عن سذاجة استراتيجية سياسية غير مسبوقة، تخفي أحقاداً دفينة لدى كل من المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش وتوني بلير، ضد الاسلام والمسلمين. فهذا التنظيم ليس دولة، ولا يملك رؤوساً نووية، ويستطيع أن يحدث حالة من الرعب في منطقة محدودة، يحتل من خلالها عناوين الصحف ونشرات التلفزة، ولكنه لا يستطيع، بسبب تواضع الإمكانيات، تغيير أنظمة أو هزيمة دول بمفرده.
    أمريكا تربعت على سقف العالم كقوة عظمى وحيدة، دون أي منافس، حوالي عشرين عاماً، هي الفترة الممتدة من بداية انهيار المنظومة الشيوعية وحتى الآن، وكان بإمكانها أن تسوس العالم، وتعيد ترتيبه، والقضاء على كل بؤر التوتر فيه، وحل مشاكله العالقة وفق اعتبارات القانون الدولي، بما يجعل العالم أكثر أماناً واستقراراً، ولكنها لم تفعل، وتصرفت تصرف العصابات، وليس البوليس المحكوم بالقانون، واستغلت تفردها بالقوة لتفكيك دول، وخوض حروب، وارتكاب مجازر، والاستكبار على الضعفاء.
    ثماني سنوات كان باستطاعة الرئيس بوش خلالها حل 'أم المشاكل' في العالم، أي قضية الصراع العربي الاسرائيلي، وتجريد العنف الاسلامي من ابرز اسلحته، ولكنه أضاع فرصة ذهبية لن تعوض، عندما انحاز بالكامل إلى الرؤية الاسرائيلية، ووقف مع القوي المحتل ضد الضعيف المحاصر المجوّع، بحيث أصبح 'حل الدولتين' الذي تبنته ادارته في أشهرها الأخيرة سراباً من المستحيل تطبيقه، وبات أقرب منظريه في الجانب الفلسطيني على الأقل، يتنصلون منه باعتباره غير عملي.
    الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها ادارة الرئيس بوش هي اتباعها اسلوب 'الاذلال' ضد المسلمين والروس على وجه التحديد، ولن يكون مفاجئاً اذا ما شاهدنا في الأعوام المقبلة تحالفاً بين هذين القطبين النفطيين ضد الولايات المتحدة والمعسكر المتحالف معها. أمريكا أذلت العرب والمسلمين عندما احتلت العراق وافغانستان، وارتكبت أبشع أنواع انتهاكات حقوق الانسان فيهما، إلى جانب مجازر بشعة فاق ضحاياها المليون نسمة في حربين قد تصل تكاليفهما إلى ثمانية تريليونات دولار حسب تقديرات الخبراء الأمريكيين أنفسهم، أي ما يقارب ضعف تكاليف الحرب العالمية الثانية (5 تريليونات دولار حسب التقديرات الحالية)، هذا الإذلال يتواصل حالياً في أشكال متعددة، مثل دعم أنظمة ديكتاتورية فاسدة، وتشريع الاحتلال ونهب ثروات المحتلين النفطية (العراق)، والاعداد لضرب ايران لأنها تجرأت على امتلاك برنامج نووي يمكن أن يهدد اسرائيل، والهيمنة الأمريكية على منابع النفط.
    وكررت اساليب الإذلال نفسها ضد الاتحاد الروسي، وتعاملت مع موسكو بعجرفة استفزازية، عندما رفضت انضمامها إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، بينما فتحت أبواب المنظمتين أمام كل أعضاء الكتلة الاشتراكية السابقين. وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك عندما أرادت ضم جورجيا وأوكرانيا اللتين تسبحان في الفضاء الجغرافي والاستراتيجي الروسي إلى حلف الناتو، ووضع منظومات صواريخ في بولندا وتشيكيا في تحد ينطوي على درجة كبيرة من الوقاحة.
    لا نعتقد أن واشنطن يمكن أن تقبل بصواريخ روسية في المكسيك، أو كندا مثلاً، فما زالت تحاصر كوبا لأكثر من أربعين عاماً، لأنها تحالفت مع الاتحاد السوفييتي، وفتحت أرضها لمنظومة صواريخ روسية في الأزمة الشهيرة التي عرفت بأزمة (خليج الخنازير)، وكادت أن تؤدي إلى حرب نووية لولا حكمة الرئيس نيكيتا خروتشوف وسحبه لهذه الصواريخ.
    مشكلة الادارة الأمريكية الحالية انها لم تتعلم من دروس التاريخ. فإذلال المانيا بعد الحرب العالمية الأولى، واجبارها على توقيع معاهدات مذلة (فرساي) هما اللذان اديا الى صعود النازيين الى قمة السلطة وتفجير الحرب العالمية الثانية، واذلال الروس والمسلمين بالطريقة التي شاهدناها سيجعل العالم أكثر خطورة وأقل اماناً.
    فلن يكون مفاجئاً اذا ما شاهدنا روسيا تدعم تنظيمي الطالبان والقاعدة في افغانستان، لهزيمة القوات الامريكية واخراجها من افغانستان بالطريقة نفسها التي استخدمت امريكا التنظيمين بمساعدة دول اسلامية (السعودية وباكستان) لاخراج القوات السوفييتية مهزومة من كابول. فطالبان و'القاعدة' يحاربان غزواً غربياً يدعم نظاماً دمية. تماما مثل نظام افغانستان الشيوعي سابقاً.
    لم تمارس ادارة تخريب العالم واغراقه في الفوضى وعدم الاستقرار والدماء مثل الادارة الحالية وحلفائها في اوروبا (توني بلير خاصة)، ولم تخلق دول فاشلة مثل الذي خلقته هذه الادارة نفسها (العراق، افغانستان، وباكستان في الطريق). والمصيبة ان نتائج هذه السياسات التخريبية لا تتوقف عند حدود الدول التي تتبناها، وانما تشمل العالم بأسره. فالاقتصاد العالمي يترنح، والتضخم في ارتفاع مخيف، واسعار الوقود والغذاء تتصاعد بشكل مرعب.
    امريكا تخسر كل حروبها الحالية ولن تكسب اي حرب مستقبلية، لأنها فقدت ثقة العالم بما في ذلك اقرب حلفائها في اوروبا، وارتباك حلف الناتو تجاه الأزمة في جورجيا هو احد الامثلة في هذا الخصوص. فالاحاديث الغربية عن انتهاك القانون الدولي، ومحاولة تغيير نظام في دولة صغيرة (جورجيا) باتت مضحكة، والتهديدات بتجميد عضوية موسكو في منظمة التجارة العالمية او تجمع الدول الصناعية الكبرى جاءت جوفاء لم تخف احداً.
    الهيبة الامريكية تتمرغ في وحول الحروب الفاشلة وغير الاخلاقية في العراق وافغانستان، الامر الذي يذكرنا بالحال نفسه للاتحاد السوفييتي قبيل انسحاب قواته مهزومة من افغانستان، وهي الهزيمة التي أرّخت لانهياره.
    المخرج الوحيد لامريكا لتجنب مواجهة هذا المصير البائس، ربما يتمثل في مراجعة جذرية لسياساتها الفاشلة، والتخلي عن سياسات الإذلال الاستفزازية، والعودة للتسليم بمبدأ المشاركة، ورد الاعتبار مجدداً للقانون الدولي والامم المتحدة، وتقديم مصالحها الحيوية على مصالح من يدفعون بها الى الحروب، واخيراً محاكمة من اوصلوها الى هذه الهزائم المذلة.

    عبد الباري عطوان
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...