البترول العربي بين السًّعر والسٍّلعة

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏28 أوت 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      28-08-2008 17:22
    ها أن سعر البترول قد عاود تذبذبه التاريخي المعروف فهبط من مائة وخمس وخمسين دولاراً للبرميل إلى مائة وخمسة عشر دولاراً خلال فترة وجيزة لا تزيد عن بضعة شهور، وبهذا خسرت حكومات الدول العربية المنتجة للبترول حوالي ربع دخلها من عائدات البترول، فإذا أضيف إلى ذلك ما خسرته تلك الحكومات بسبب زيادة مصاريفها بمقدار حوالي خمسة وعشرين في المائة من جراء زيادات الرواتب والمنح لموظفيها وارتفاع أسعار المواد بجميع أصنافها والصعود الكبير في تكلفة كل أنواع الخدمات المحلية والدولية، إذا أضيف كل ذلك فان ماخسرته تلك الحكومات يصل في الواقع إلى حوالي خمسين في المائة من عائدات البترول. وللتذكير فان نفس الدول قد واجهت نفس الوضع في أواخر التسعينات من القرن الماضي عندما هبطت أسعار البرميل من ثمانية عشر دولاراً الى أقل من عشرة دولارات، ووصل الحال آنذاك ببعض الحكومات للتفكير جدياً بالإعلان عن عدم قدرتها للاستمرار في دفع مرتبات موظفيها، وللتذكير أيضاً فان تاريخ النفط، عبر عمره كلُّه، قد أظهر مراراً وتكراراً بأن تاريخ أسعار كل السٍّلع لم يعرف سعراً متذبذباً وغير قابل للتنبٌّؤ وحسًّاساً لأيٍ تغييرات سياسية أو أمنيًّة أو اقتصادية مثل سعر النفط، إنه سعر يعيش الخوف الدائم والقلق الذي لا يهدأ في كل الأوقات، سواء في فترات الازدهار أو في فترات الأزمات الاقتصادية، ذلك أن العوامل التي تؤثر فيه لا تعدٌّ ولا تحصى وارتباطه بسيرورة العصر أعقد من أن تفكً طلاسمه.
    ومن أجل أن تكتمل الصورة علينا تذكير أنفسنا بأنه منذ بضعة شهور فقط كانت حكومات دول النفط تستلم البشائر بقوة ويومياً من مختلف العًّرافين وقرًّاء البخت مؤكدين بأن سعر برميل البترول سيصل إلى مائتي دولار، وهم نفس العرًّافين الذين تنبأوا من قبل بانتهاء عصر البترول خلال بضعة عقود وبقرب إحلال الطاقات غير البترولية البديلة في العقد الأول من هذا القرن.
    نحن إذن أمام صورة بالغة التعقيد والغموض والتغيٌّر الدائم، والتعامل معها بالخفًّة والتبسيط التي تتعامل بها دول البترول العربية لهذا الموضوع سيؤدٍّي شيئاً فشيئاً إلى إضافة مأساة عربية جديدة إلى مآسي العرب الكثيرة الأخرى، هل من بديل ؟ نعم، هناك مسار التعامل الجدٍّي الذي سيأخذ الآتي بعين الاعتبار: أولاً: نعيد مع غيرنا للمرة المليون القول بأن الصورة التي رسمنا سابقاً لحالة أسعار البترول تستدعي أن تعتبر فترات تحسٌّن أسعار البترول فرصاً تاريخية لاستعمال الفوائض في تحقيق خطوات تراكمية لبناء إقتصاد إنتاجي واقتصاد معرفي بدلاً من الطريقة المفجعة الحالية التي تقتصر على المضاربات العقارية ومضاربات الأسهم العبثية وبناء مدن عولمية سياحية أو استيطانية لملايين الأغراب من غير العرب وصرف مدخرات الأجيال الحالية والقادمة في بذخ استهلاكي نهم، وإذا كانت هناك حكومات لا تعرف معنى الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي فلتسأل أهل الإختصاص ليعلموها بأنه أكثر من بناء بروج عالية وأكبر من تقديم التسهيلات، وهو حتماً سيكون مؤقتاً، شركات أجنبية من وراء البحار وأعقد من إقامة خدمات موسمية لهذا النشاط أو ذاك. ثانيا: أن يترك سعر سلعة البترول لمنطق العرض والطلب في السوق الدولية فهذا قرار منطقي ومقبول، لكن سلعة البترول نفسها يجب أن تعامل كقضية إستراتيجية تنموية كبرى في حياة العرب لا كسلعة تجارية، من هنا الأهمية لأن يوكل أمر متابعة كل جوانبها، بلا استثناء، إلى فرق متناغمة متكاملة في اختصاصات متعددة بما فيها حقول الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والتخطيط والسياسة الدولية، حتى يساهم هؤلاء في التخفيف من ظاهرة إتخاذ السياسيين العرب لقرارات عشوائية لا تبين مستقبلاً لأجيال ولأمة وإنما تزيد في تراكم مالي مؤقت يصرف في عبث استهلاكي مراهق يتصف بالجهل وقلة الحيلة.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...