نظرية Jared Diamond في تفسير انهيار الحضارات

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة gzara.h, بتاريخ ‏29 أوت 2008.

  1. gzara.h

    gzara.h عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏21 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    15
    الإعجابات المتلقاة:
    5
      29-08-2008 08:05
    يبدأ Jared Diamond تفكيره بإلقاء سؤال : لماذا تقدم الغرب وتخلف أهل غينيا الجديدة ؟ لماذا لم يحتل هنود أمريكا الجنوبية أسبانيا في القرن السادس عشر والعكس هو الذي حصل؟
    يتخلص الرجل من قصة التفوق الحضاري و حتى البيولوجي للغربيين بكثير من الازدراء استنادا إلى حجتين . الأولى هي أن أطفال البدائيين في غينيا الجديدة يتعلمون قيادة الطائرات بنفس سهولة أطفال البرجوازيين البيض. والثانية ،وهي الأهم، أن الغرب، لو كان لديه تفوق عرقي، لكان دوما متفوقا لكن العكس هو الذي يثبته التاريخ .فقد بقي في آخر القافلة تسعة أعشار تاريخ الحضارة الإنسانية.
    يتطلب توضيح النقطة التذكير بأن الحضارة *بدأت منذ عشرة آلاف سنة، تحديدا في منطقة الهلال الخصيب ،وذلك باكتشاف الزراعة. لكن هذه الأخيرة لم تصل بريطانيا إلا في الألفين وخمسمائة سنة الأخيرة. إن كل ما يقال عن الحضارة الإغريقية والرومانية تهويل وتضخيم لإخفاء حجم وعمق التخلف الغربي . فكاتدرائيات العصور الوسطى كانت لتكريم ديانة من الشرق قضت على الأديان المحلية . وفي نفس السياق بقي الغرب يتعيش على ديانات وعلوم الشرق الأوسط وتكنولوجيا الصين إلى انطلاق نهضته. والأهم من هذا كله أنه ما كان يدخل عصر الزراعة أصلا لولا نباتات وحيوانات
    ----------
    * يستعمل الباحث كلمة الحضارة بمفهوم عالم الاجتماع ألفين طوفلر أي التكنولوجيا المتميزة التي تميز حقبة من التاريخ و /أو تقطع مع تكنولوجيا عصر سابق مما ينجر عنه تحول جذري في التنظيم الاجتماعي والسياسي والأفكار والقيم . هكذا يتحدث طوفلر عن الحضارة الزراعية وعن الحضارة الصناعية ، علما وأنه يقصد بالثقافة الجزء الأيدولوجي للحضارة ومختلف التنويعات التي يأخذها عند مختلف الأمم التي تعيش في ظل نفس الحضارة . و تنبأ ألفين طوفلر في بداية السبعينات بظهور حضارة جديدة هي الحضارة الإعلامية.

    وتقنيات الشرق القديم. لذلك يؤكّد Jared Diamond أن الغرب بقي إلى حوالي 1600 بعد المسيح أكثر مناطق العالم المتحضر القديم (أورو آسيا و شمال إفريقيا)...تخلفا وتبعية. أنه كان عالمه الثالث يتعيش على تقنيات وأفكار ومواد العالم المتقدم كما هو الحال اليوم لكن في علاقة معاكسة
    السؤال الآن لماذا تقدم الهلال الخصيب ثم الصين على الغرب ؟ هل لوجود جينات تفوّق عند أهل الشرق القديم كانت معدومة عند الأوروبيين ؟ طبعا لا . فالقفزة النوعية التي حققتها إنسانية الشرق القديم باكتشاف الزراعة، كانت نتيجة توفر المحيط على عوامل نجاح هذه الطريقة الجديدة في ضمان لقمة العيش.
    يقول الباحث أن ما كانت تتميز به منطقة الهلال الخصيبة آنذاك هو وجود نباتات مثل القمح والذرة تنبت بسهولة وأمكن بسرعة فهم كل إمكانياتها. كذلك وفّر المحيط أجناسا من الحيوانات هي البقر والغنم والماعز والخنزير( ثم لاحقا الجمل والحصان والدجاج ) وهي الهدايا الملكية التي لولاها لاستحالت القفزة النوعية.فبديهي أن مثل هذه الحيوانات كانت توفر البروتينات الضرورية عبر اللحم والحليب وكذلك الصوف والجلد ناهيك عن دورها في حمل الأثقال والحرث.
    هنا يقوم Jared Diamond بمقارنة بين ما وفره محيط الهلال الخصيب مع ما وفره محيط أمريكا الجنوبية أو غينيا الجديدة ، أو أفريقيا ليكتشف نفس القانون : فقر مثل هذا المحيط بالنباتات الصالحة للزراعة وبالحيوانات القابلة للترويض. ففي خصوص أفريقيا جنوب الصحراء، لم يكن ممكنا زرع القمح الذي يحتاج لأمطار في الشتاء بينما الأمطار هناك لا تكون إلا صيفا. كذلك لم يكن بقدرة الصيادين ترويض الفيل ووحيد القرن والغزال ،لأن الحيوانات القابلة للترويض تخضع لشروط مدققة منها المسالمة ،والتوالد في الأسر، وسرعة النمو، وكلها شروط معدومة عند هذه الحيوانات. كذلك الأمر في أمريكا الجنوبية أو غينيا الجديدة حيث لا توجد إلا نباتات قليلة وذات مردود ضعيف وحيوان أو اثنان على أكثر تقدير للترويض. لهذا انطلقت الزراعة في منطقة الهلال الخصيب قبل غيرها من المناطق مما أعطاها سبقا كبيرا في كل المجالات.
    وحتى نفهم تبعات اكتشاف الزراعة لنتذكر أن المجموعات البدائية التي تعيش على الجني والقنص مضطرة للحركة طول الوقت، وبالتالي أعجز عن تحمل أعباء عدد كبير من الأطفال الصغار الذين يعيقون تقدمها. هذا ما يجعلها تحد من عدد أفرادها وخاصة من الأطفال فلا يزيد حجم المجموعة عن ثلاثين شخصا. مما يعني أن بشرية الحضارة الأولى كانت مؤلفة من مجوعات صغيرة متحركة طول الوقت ولا هم لها غير قوت اليوم. انظر الآن للتبعات الهائلة للزراعة. هي تسمح ،بل تجبر على الاستقرار في قرى. هي تسمح بوجود عدد أكبر للأطفال.هي تسمح بتغذية مختصين مهمتهم حفظ الأرض من غزو أهل الجني والقنص، أو تعهد الحيوانات أو عدّ المحصول وتوزيعه ،أو التنسيق بين مختلف المهام ، أو تعهد أحسن العلاقات الدبلوماسية الممكنة مع السماء التي يأتي منها المطر الخ ...ها قد وضعت كل أسس الحضارة بحسناتها وسيئاتها.
    الظاهرة الثانية الهامة الأخرى التي تسمح بها الثورة الجديدة هي التكاثر المتصاعد .والقاعدة أن تجاوز سقف معين يؤدي إلى تجمعات سياسية تنطلق من القرية- القبيلة إلى التجمعات الأوسع فإلى الوطن وصولا إلى الإمبراطورية المتعددة الأعراق .من البديهي أنه كلما تكاثر العدد كلما تكاثر المختصون ، كلما زاد الإنتاج ليس فقط من المواد الغذائية وإنما أيضا من الأفكار والقوانين والقيم والفنّ والتقنيات. من منا فهم مغزى الفارق الديمغرافي الهائل بين غرب أوروبا وبين المغرب العربي، أو أفريقيا، عشية انطلاق الاستعمار في القرن التاسع عشر؟
    لنتذكر أن الرشيد كان يفاخر بالتوجه للسحابة : أمطري أينما شئت فسيأتيني خراجك مما يعني أن الزراعة هي التي كانت مصدر ثروة الدولة لا التجارة أو ما يوفره الغزو.
    ثمة فكرة هامة أخرى يدافع عنها الباحث وهي أن الحضارة تنتشر على خط شرق –غرب بسهولة أكبر من انتشارها على خط شمال جنوب. هكذا أمكن لحضارة الهلال الخصيب أن تغزو الصين شرقا وأن تغزو أوروبا غربا ، لأن هذه المناطق موجودة في نفس المنطقة المناخية ويمكن لنباتات وحيوانات الهلال الخصيب أن تتأقلم فيها بسهولة. لكن التنقل من الشمال إلى الجنوب معضلة أمامها حيث هناك صحراء قاحلة للاختراق ثم مناطق استوائية تكثر فيها الأوبئة ومن ثمة التأخير الهائل لوصول الزراعة وقلة مردودها مما جعل بشر تلك المناطق يحافظون لأطول فترة ممكنة على حياة الجني والقنص وربما كانوا يحافظون عليها إلى اليوم لولا غزو " المتحضرين" الذين فاضت بهم مناطقهم.
    السؤال داخل السؤال وقد انقلبت الآية : لماذا تقدم الغرب فجأة طيلة الخمسة قرون الأخيرة ليدخل الشرق القديم والصين في منطقة الظل؟هل لأن جينات التفوق العرقي التي كانت نائمة في كروكوزومات الأنجلوساكسون تحركت فجأة ؟ هل لأن جينات التفوق العرقي التي عملت آلاف السنين عند أهل الشرق القديم ومصر والصين انطفأت بعد أن أصابها الإرهاق. طبعا لا .
    لنتابعه وهو يحلل سبب تفوق الغرب على العالم العربي الإسلامي ، وينصح هنا باستحضار صورة القمر الصناعي للأرض. تأملوا الفرق بين أوروبا ومنطقتنا : الأولى خضراء تنبئ بوجود الماء والكلأ والأراضي الخصبة والثانية صحاري قاحلة ليس عليها إلا خط محتشم من الخضرة قرب الشواطئ أو على ضفاف النيل ودجلة والفرات. كل السرّ في هذه الصورة . من جهة أرض خصبة معطاء مكّنت البشر الذين فوقها من العيش والتكاثر وإفراز الثروة والمختصين الذي أعدوا بأبحاثهم ومشاريعهم لتحسين الآلات التي كانت الزراعة بحاجة إليها مرحلة الثورة الصناعية . وفي المواجهة أرض فقيرة لا تغذي إلا شعوبا أقل عددا وأكثر فقرا وأعجز من تجهيز الأساطيل الضخمة وتحمّل تكلفة البعثات العلمية والعسكرية خارج حدودها.
    تسألون لكن هذه الأرض كانت مهد الحضارة . هنا يذكر Jared Diamond أن المنطقة العربية والإسلامية التي نعرفها اليوم ليست الأرض التي عرفها الأوائل . هذه أرض عجوز فقدت طوال آلاف السنين باقتلاع الأشجار المكثف والتصحّر وتزايد ملوحة الأرض وارتفاع درجة الحرارة كل نظارتها . فالشرق القديم مثل شمال أفريقيا شيء لا علاقة له بهذه الأراضي الجدباء التي يمكن اعتبارها بقايا كارثة بيئية بطيئة تطورت على امتداد آلاف السنين
    قد تعترض على هذا التفسير بالقول أن الصين على خارطة الأرض لا تقل خضرة عن أراضي أوروبا ومع هذا سقطت هي الأخرى في السباق*.
    هنا يدخلJared Diamond العنصر الثاني للتخلف. من يعلم منا أن تاريخ البشرية تأرجح في نهاية القرن الخامس عشر وأنه كان بوسعه أن يشهد احتلال الصين للغرب وسطو الصينيين على مجوهراتقصر اللوفر وبكنجهام، وأننا ربما كنا نتخاصم اليوم مع عقدتنا تجاه التفوق الصيني لا الغربي.
    ففي بداية القرن الخامس عشر قررت الصين التوجه لما وراء البحار بأغراض التجارة خاصة لكن أيضا لتوسيع مجال نفوذها السياسي والثقافي .ولأن ثروتها وعدد سكانها ، المرتبط بحجم الأراضي الزراعية ، كان يسمح لها بذلك،فإنها استطاعت في وقت من الأوقات تجهيز أسطول يعدّ أحيانا
    ثلاثمائة قطعة ،وصل شواطئ أفريقيا الساحلية واخذ الجزية من دول منطقة بحر العرب والمحيط الهندي واحتل عسكريا جزيرة سيلان ( سري لانكا). آنذاك كان الغرب لا يتوفر إلا على بعض البوارج المعزولة لبعض المغامرين وأعجز من قدرة التعرض للقوة البحرية العظمى للعصر.
    فما بين 1405 و1433 قاد أميرال الأسطول الصيني "شنج هي " ( وكان مسلما) سبعة بعثات عسكرية وتجارية وسياسية. ثمة من يقول أنها وصلت رأس الرجاء الصالح وربما دخلت الأطلسي . لكن لا أدلة على الأمر. فجأة انسحبت هذه القوة الجبارة ودمرت البواخر وسنت الصين في نهاية القرن الخامس عشر قانونا يحظر بناء السفن وخروج الصينيين من بلدهم .هذا ما سبّب حسب مؤرخين مثل
    Jhon Fairbanks و Joseph levinson توقف التطور العلمي والتكنولوجي للصين .
    كيف حدث أمر غريب كهذا؟السبب هو تغير النظام في البلاط الصيني وسقوطه بيدي مجموعة من المحافظين والشوفينيين ترفض الخروج إلى العالم الرحب وتفضل التقوقع داخل حدود الصين، بل وذهبت لحدّ طمس روايات رحلات "شنج هي " الذي أنهى بقية حياته منبوذا. هكذا بجرة قلم من إمبراطور غبي انكفأت الصين على نفسها وتركت المحيطات للمغامرين الغربيين بانتظار وصول تجار الأفيون الإنجليز ثم قوّات الاحتلال.
    أمر كهذا،يقول الباحث ،كان مستحيل الوقوع في الغرب،حيث لا قدرة لشخص واحد على تغيير مجرى
    -------------
    * لننتبه أيضا لكون خضرة المناطق الاستوائية في أفريقيا ليست خضرة الأراضي الزراعية الخصبة والمراعي الدسمة وإنما خضرة مناطق غابية غير صالحة للزراعة والرعي ومنطقة أمراض بالغة الانتشار مثل الملاريا ومرض النوم وبقية الأمراض الاستوائية التي شكلت ولا تزال عائقا هائلا للتقدم.


    التاريخ . فأوروبا بحكم التضاريس الجبلية والمضائق البحرية والأنهر الجبارة، كانت مقسمة
    إلى دول متنافسة وهذا التنافس بينها كان عامل قوة للكل .أضف أن قوة النبلاء والكنيسة ثم البرجوازية التي انتهت إلى فرض النظام الديمقراطي الذي يسمح بحركية وديناميكية أكبر للمجتمع .لهذا لم يكن بوسع قرار سياسي واحد ن يعطل أمة بأكملها، بينما كان الأمر ممكنا في الصين الموحدة والواقعة في قبضة الاستبداد... والدليل على ذلك وقوعه.
    والآن يمكننا تلخيص الوضعية العامة كالتالي إلى موفى 1600:
    1-استطاعت أوروبا وخاصة الغربية، أن تدمج ،لا فقط نباتات وحيوانات الشرق القديم، وإنما كل الايدولوجيا ( الدين ، العلوم ، القيم) التي تبلورت فيه منذ آلاف السنين..أضف إلى هذا تمكنها من تكنولوجيا الصين المتقدمة( صناعة الحرير والبرسلين والورق والمطبعة والبارود والبوصلة)...أضف إلى هذا توفّرها على أخصب الأراضي وأجودها للزراعة وتربية الماشية ...أضف إلى هذا ضربة الحظ التي تكاد تشبه المعجزة، وهي توقّف زحف الأساطيل الصينية القوية نحو الغرب، ثم تبخرها فجأة من كل بحار الشرق تاركة المجال مفتوحا للأساطيل الغربية لتتقدم بعيدا دون أن تطلق رصاصة واحدة.
    2-كانت الصين تملك كل مقومات القوة من أراضي زراعية شاسعة وتكنولوجيا متقدمة ، لكنها كانت معاقة بنظامها السياسي الذي فوّت عليها فرصة التحكم في العالم أو على الأقل لعب دور كان سيغير جرى التاريخ.
    3- كان الخاسر الأكبر العالم العربي –الإسلامي لأنه كان يتوفر على معوّقين هائلين: أراضي جدباء ونظام سياسي أجدب . من جهة ضعف رصيده من الأراضي الزراعية نظرا للكارثة البيئية البطيئة وتبعات الأمر ( فقر المجتمعات وفقر الدول وضعفها ، وقلة النمو الديمغرافي، وقلة المختصين، وداخلهم ندرة الشخصيات الفذة القادرة على قيادة النقلات النوعية في كل الميادين). ومن جهة أخرى هذه الآفة والعاهة التي نسميها الاستبداد والتي لم تعد الثروة في عهد الأراضي الخصبة قادرة على التغطية على عيوبه.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. cobraaa

    cobraaa كبير مراقبي المنتدى التعليمي

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    5.809
    الإعجابات المتلقاة:
    25.476
      29-08-2008 20:55
    أخي العزيز،
    شكرا لم على ما تفضّلت بكتابته في هذه المشاركة، ولكنك قد أغفلت ذكر المصدر، وكتابة اسم صاحب المقال، وهما أمران ضروريّان للبحث العلميّ الأكاديميّ، لذا أنتظر منك تدارك ذلك بخصوص هذه المشاركة وغيرها، وإلاّ فإنّي مضطر لحذفها..
    مع الشّكر سلفا على التفهّم، ومرحبا بك أخا عزيزا بيننا..

     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...