1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

قصة الثقافة التونسية

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة cortex, بتاريخ ‏4 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      04-09-2008 16:57
    إذا ما اعتنى الباحث بمظاهر الثقافة في سيرها بالبلاد التونسية، وتتبع خطواتها منذ فجر الحضارة علم أنه من عهد بعيد في التاريخ أدرك الفنيقيون في جولاتهم البحرية طيب مناخ تونس، فألقوا سفن ترحالهم واستوطنوا سواحلها، متخذين منها الوطن والمقر، واحدثوا بها ـ بعد دهر وحين ـ محطهم الاكبر : مدينة «قرطاجنة» وجعلوها أم البلاد.
    ومن هناك انتشر القرطاجنيون فاتحين ومعمرين، ومعلمين للشعوب المغربية وللاقوام الايبارية ـ سكان اسبانيا ـ وبثوا بينهم وسائل تمدينية، واسباب رقي، ما بين فلح الارض، وتصنيع المعادن، وانشاء السفن لخوض عباب البحر. ولا مرآء انهم اول من ادخل غراسة الزيتون المباركة في هذا القطر وفي جميع ممتلكاتهم المغربية، وهذا (ماجن) احد شيوخ قرطاجنة يضع للافريقيين ـ وربما كان ذلك للعالم اجمع ـ اقدم كتاب في الزراعة وغرس الاشجار، ولم يجد الرومان بدا من نقله الى لغتهم اللاتينية حينما اخضعوا البلاد، لاعجابهم بهذا الاثر الفريق، وافتقارهم الى تعاليمه.
    وما كان القرطاجنيون ليرتضوا لانفسهم أن يكونوا معمرين للارض واصحاب صناعة فحسب بل خصوا الوعي الفكري بأوفر نصيب، وشاركوا من تقدمهم في هذه الرسالة البشرية بامتزاجهم الامتزاج القوي بالافارقة وصاهروهم ولم يستنكفوا من تزويج بناتهم اقيال البربر.
    ولما بدد الرومان سلطان القرطاجنيين من افريقية، وخلفوهم بها لم يجدوا مندوحة من تقليد أسلافهم في علومهم، والانتفاع بتجاربهم، والاستفادة من خزائن كتبهم الغنية الثرية، والعمل بوسائلهم في التمدين وتعمير الارض.
    وعلى انقاض العاصمة الفينيقية رفع الرومان «قرطاجنة» جديدة اجتهدوا في جعلها ـ بعد رومة ـ ثانية مدائنهم وقرينة لقاعدة ملكهم الواسع، فازدهرت بالمباني والهياكل الضخمة، وامتد نفوذها السياسي والأدبي الى مغارب الارض، وقد أخرجت البلاد على عهدهم علماء افذاذا من ابنائها مثل (يوبا الثاني) الملك البربري والمؤلف البديع، ومثل (أبولي) صاحب التصانيف الفلسفية والقصص الفكاهية وغيرهما.
    ونستوقفك هنا قليلا وندعوك الا تجزم بان جميع ما يشاهد من الاثار العديدة المنبثة في انحاء التراب التونسي والمنسوبة الى الرومان هي من محدثاتهم بل ان جلها من عمل ابناء البلاد انفسهم شيدوها بسواعدهم وانفقوا عليها من مالهم وحسبهم انهم قلدوا الطراز اللاتيني، وليس للرومان فيها من فضل سوى الزخرف والشكل.
    وبعد معارك دامية هاجم جنود الوندال الجرمانيون البلاد، وأزاحوا عنها القوات الرومانية وحلوا مكانهم، واستقروا في ربوعها نحو مائة عام، ولم يكن للحضارة في مداها حظ يذكر سوى ما اظهروه في تغيير المعتقد المسيحي الشائع، وقد تمسك بنحلتهم جمّ غفير من البربر المقاومين للهيمنة الرومانية، واشتد بين الفريقين صراع قاست افريقية من جرائه الوانا من التخريب والتهديم.
    وخلف الروم البيزنطيون الوندال في حكم تونس، واعادوا النضارة برهة من الزمان الى (قرطاجنة) غير ان الحروب الداخلية والنزعات المذهبية شغلتهم عن الاهتمام بالوعي القومي وتمدين البلاد، وفي تلك الاثناء قام رجال افريقيون ناضلوا عن المبادئ الدينية وسعوا جهدهم في محاربة الوثنية وكفاح المقاومين لنشر مبادئ العقيدة، وفي مقدمة المدافعين المخلصين (اوغوستان) الذي ناضل عن الاعتقاد ورفعه الى درجة عالية من البحث وقد عرفه علماء العرب وذكره البكري في «مسالكه».
    في منتصف القرن الاول للهجرة تمكن العرب من اقامة سلطانهم على البلاد الافريقية، ولاول وهلة من فتحهم انشأوا (قيروانهم) فكان لهم في آن واحد. مركزا حربيا، ومحطا لرحالهم وعيالهم، وقاعدة لبث لسانهم ومبادئ دينهم القويم، ومن «القيروان» امتد سلطانهم فعم المغرب باجزائه ـ تونس والجزائر والمغرب الاقصى ـ ثم عبر الى العدوة الاوروبية فاستقر في الاندلس من ناحية وانتشر الى السودان من اخرى فادخل كامل القارة الافريقية المعروفة حينئذ في حضيرته.
    ومن القرن الثاني للهجرة ابتدأت عناية ابناء مدينتي القيروان وتونس بحمل العلم، فقصدوا موارده بالمشرق كمدينة الرسول، والكوفة والبصرة، ثم دمشق وبغداد والفسطاط وملأوا من العرفان وطابهم، وعادوا بعد حين الى وطن ولادتهم لبثّ ما لديهم بين ابناء جلدتهم.
    ونبغ من بين الرعيل الاول أفذاذ مبرزون وصلوا بالعلم التشريعي الى اقصى درجات البحث والاستنباط والتخريج، مثل (علي بن زياد) تلميذ مالك ودفين تونس و(أسد ابن الفرات) صاحب مالك وابي يوسف، و(سحنون بن سعيد) محدث المدرسة المالكية الافريقية وسواهم كثير.


    :kiss::tunis:
     

  2. عبد السلام مسمار

    عبد السلام مسمار عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    63
    الإعجابات المتلقاة:
    87
      04-09-2008 18:40
    كورتكس
    معلومات تاريخيه
    زادت من جمال هذا البلد
    اشكرك
     
    1 person likes this.
  3. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      05-09-2008 18:42
    وما كان اشتغال أفراد هذه الحلبة بادئ بدء بالحديث والفقه (الحقوق) الا لمس حاجة العالم الاسلامي حين ذاك لتنظيم هيئته الإجتماعية، وتدبير سياسته الشرعية على أصول نظام الدين.
    ولما تمهدت وسائل التشريع وابحاثه، اتجهت الطبقة التالية الى العلوم العقلية والرياضية، ويرجع الفضل في ظهور هذه الحركة الجديدة، الى رجلين يجب ذكر اسميهما بكل تقدير واحترام، أعني (اسحاق بن عمران) الذي اشاع الفلسفة في القيروان، وفسر غامضها كما نشر علم الطب وما يتفرع عنه من فنون الحكمة والصيدلية.
    والثاني هو الأديب الكبير، والكاتب البليغ : أبو اليسر ابراهيم الشيباني حامل لواء الرواية للأدب والترسل العربي.
    وقد ساعد الامراء الاغالبة على ظهور هذه الحركة العقلية المباركة وعلى نشرها بتأسيس أول جامعة افريقية للعلم والترجمة وبث المبادئ الرياضية في الاوساط المغربية، وهي (بيت الحكمة القيرواني) الذي ترأسه أبو اليسر الشيباني المقدم (حدود سنة 265 هـ).
    وقد جلب اليها الاغالبة نفائس الكتب من اطراف العالم العربي : من العراق والشام، ومصر، كما ألحقوا به بعد ثلة من القسيسين المسيحيين، استقدموهم من صقلية، التابعة يومئذ لملكهم، فانكبت تلك النخبة على ترجمة مؤلفات يونانية ولاتينية في شتى الموضوعات من فلسفة، وتاريخ وجغرافية، وطب ونبات والمؤكد أن من ضمنها قسما من مصنف (بلنيوس الكبير) في معنى التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات كما أشار اليه الوزاني المراكشي في تعريفه باقطار المغرب، وكانت هذه الترجمات، تتمّ بمعونة رجال افريقيين متضلعين في العربية.
    انتفعت افريقية التونسية ايما انتفاع بهذا الوعي فهظر فيها فلاسفة مجيدون منهم أبو سعيد الحداد، وأطباء ماهرون من اشهرهم افراد بيت (الجزار) وهم اربعة تداولوا رياسة الصناعة، ومنهم (زياد بن خلفون) و(أعين بن أعين) وسواهم.
    ولا يغيب عنا أن نسوق هنا ما كان لجماعة من أبناء اليهود الافريقيين من الاشتغال بالاخذ عن علماء بيت الحكمة القيرواني، ثم تدريسهم به لفنون الفلسفة والطب والفلك والتقويم، وفي مقدمة هؤلاء الطبيب الطائر الصيت : اسحاق بن سليمان الاسرائيلي، والطبيب دونش ـ ويسمى أدنيم بن تميم المعروف ـ بالشفلجي، وموسى بن العزار، وغيرهم كثير وقد قاموا بوضع أمهات الكتب في الفلسفة، والطب، والفلك، وحوّلها بعضهم بعد ذلك من العربية الى اللغة العبرية والى اللسان اللاتيني.
    ومن تلاميذ هذا الرعيل عالم اسرائيلي يدعى نسيم بن يعقوب القيرواني، فاق اقرانه في علم الهيئة وحركة الكواكب حتى أن الاسئلة كانت ترد عليه من يهود العراق في المشرق، ومن الاندلس في المغرب، يستفتونه في توقيت مواسمهم الدينية اذ لم يكن من بينهم من هو أعلم منه بهذا الشأن.
    ومازال (بيت الحكمة) يضطلع بأداء رسالته العلمية في ربوع افريقية وخارجها الى ان نقله ملوك الفاطميين الى القاهرة عند تحولهم الى المشرق (سنة 362 هـ 973 م) فزاد هنالك ازدهارا، ونما قوة وانتشارا بفضل من صحبهم من العلماء الافارقة، وبفضل ما نقله الفاطميون معهم من تراث افريقية العلمي.
    لكن نقل (بيت الحكمة) الى القاهرة لم يمنع من امتداد روحه، وسريان تأثيره في العقلية المغربية، الى ان توفقت الحركة العلمية بسبب ما اعترى البلاد الافريقية من خلال الامن، واضطراب الأحوال على آخر عهد بني زيري الصنهاجيين.
    وفي الوقت الذي كان تأثير بيت الحكمة القيرواني ينضوي، كانت روحه العلمية تتمادى قدما وتنتشر نحو العدوة الاوروبية، بواسطة أحد الإفريقيين المسيحيين واعني به (قسطنطين المشهور بالافريقي) لولادته بمدينة قرطاجنة، فانه أخذ العلم بالقيروان عن البقية الباقية من رجال بيت الحكمة ولقن علوم العربية والرياضة وخصوصا الطب والفلك، ثم انتقل الى مصر ومنها عاد الى بلده قرطاجنة ـ وكانت عندئذ قرية ضئيلة ـ ومنها قصد ايطاليا واستقر اخيرا بمدينة (سالرنو) واتصل هناك بملك النرمند ثم التحق بدير جبل كاسينو الشهير ولم يلبث ان تولى رئاسة هذا الدير وحمل رهبانه على الاشتغال بالعلوم العربية. ورغبهم في ترجمة مصنفاتها لا سيما ما كان منها في العلوم الرياضية كالطب والهيئة والفلك الى اللغة اللاتينية، فكان قسطنطين بعمله هذا في مقدمة نقلة تلك العلوم التي انفرد المسلمون عندئذ باتقانها ومعاناتها والابتكار فيها.
    هذا الحادث العظيم كان من أهم الأسباب لدخول علوم العرب الى العدوة الاوروبية وانتشارها من هنالك الى الاصقاع الشمالية خصوصا وقد صادف ان كان ذلك في مبتدإ ظهور النهضة الافرنجية في العلوم الطبيعية والهيئة وغيرها، وجدير بالملاحظة ان جل ما ترجمه قسطنطين من الكتب العربية الى اللاتينية او حاول تقليده والوضع على غراره انما كان مستمدا من مصنفات اطباء قيروانيين خاصة، مثل تأليف اسحاق بن عمران واسحاق الاسرائيلي، واحمد بن الجزار كما انه اعتمد في الفلك وعلم الهيئة على تأليف أبي الحسن علي بن أبي الرجال القيرواني، وفي ذلك بلاغ.


    :tunis:
     
  4. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      07-09-2008 16:22
    المصاهرات بين افريقية والعراق

    زخرت القيروان-في مستهل القرن الثاني للهجرة-بالسكان،ولم تكن رقعتها تضم اهلها الاصلاء وحدهم،وانما تفسح صدرها للواردين عليها من مختلف الامصار الاسلامية، فكانت بيئتها الاجتماعية تحتوي على عناصر اشتات من عرب وافارقة وبربر وروم، وقد اشار الى ذلك الرحالة (اليعقوبي) حيث يقول:
    «وفي مدينة القيروان اخلاط من قريش ومن سائر بطون العرب، من مصر وربيعة وقحطان،وبها اصناف من عجم البلاد البربر والروم واشباه ذلك..»
    ومن بين قطان القيروان:الاجناد وابناء الاجناد الوافدون من شمال جزيرة العرب،ومن اليمن والشام ومصر،وكذلك الولاة والاعوان الذين تبعث بهم الخلافة الاموية لكي يسند اليهم الولاة مرافق ادارة البلاد،وكذلك اهل التجارة الذين يزاولون عرض بضائعهم المجلوبة من اطراف المشرق والمغرب.
    وفي من ضمت القيروان طائفة اخرى غير هؤلاء وهؤلاء،طائفة العلية والسراة من اهل البيوتات العربية العريقة الانساب،ساقتهم مطامحهم السياسية الى افريقية، لكي يكونوا بمنأى عن مقر الخلافة،وبمنجاة من سلطان بني امية،او كانت هجرتهم لغير ذلك السبب من الدواعي والمرغبات،فوجدت الجالية العربية الفتية في مقدمهم تعزيزا لها وتقوية على الايام..
    فمن اعيان الوافدين:(منصور بن عبد الله بن يزيد الحميري) من ذرية (ذي رعين) احد ملوك اليمن قبل الاسلام.
    طرأ منصور على القيروان نحو سنة 110 هـ.واتخذها له وطنا،وابتنى بها دارا حسنة في الحي المنسوب الى (بني نافد) غير بعيد من المسجد الجامع،وقد صاهره البشير بن خالد صاحب الشرطة بإفريقية اذ تزوج اخته، فزاد ذلك من مكانته في الجالية العربية.
    قال ابن الابار-ناقلا عن ابن الوكيل القيرواني-:«كان منصور شريفا في قومه ،معروف المكانة فيهم،مذكورا بالبلاغة والشعر وكرم الاخلاق».
    وبعد حين من مقدمه،ورد عليه شاب قرشي من البصرة، يعرف آل بيته في المشرق،وهو:(ابو جعفر عبد الله العباسي) فأكرم منصور مثواه وانزله على الرحب والسعة.
    ويجمل بنا هنا ان نسوق نبذة من خبر ابي جعفر وما كان له من الصلة الوثيقة بافريقية التونسية قبل ان يلي الخلافة وبعد ان وليها، وهو: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،وامه (سلامة) بنت بشير،جارية بربرية من قبيلة نفزة التونسية،تزوجها ابوه محمد فولدت له ابا جعفر سنة خمس وتسعين للهجرة بمدينة البصرة ،فنشأ بها، وقرأ على اعلامها،ومن رفقته في مدارسة العلم زمن الصغر:عبد الرحمن بن زياد بن انعم الافريقي.
    حكى عبد الرحمن عن نفسه،قال:
    -«كنت اطلب العلم مع ابي جعفر المنصور،قبل ان يلي الخلافة، فادخلني يوما منزله في (الكوفة)،فقدم طعاما ومريقة من حبوب ليس فيها لحم،ثم قدم زبيبا،وقال:يا جارية! عندك حلوى؟
    قالت:لا،قال:ولا تمر -قالت:ولا تمر» .فاستلقى ابو جعفر تم قرأ هذه الاية:(عسى ربكم ان يهلك عدوكم،ويستخلفكم في الارض،فينتظر كيف تعملون).
    ولما كبر ابو جعفر وترعرع، اقتفى خطا اخويه الكبيرين ابراهيم المعروف بالامام،وابي العباس الذي اشتهر فيما بعد بالسفاح،فجرى مجراهما في دعوى استحقاق الخلافة، فأذكت الدولة الاموية العيون عليه ،واوعزت الى العمال والاعوان ان يتتبعوه،وان يتعرفوا ما يكون منه، وان يقبضوا عليه اذا لزم الامر،فكان هو واهل بيته يتخوفون ما استطاعوا،ويسرون دعوتهم بكل سبيل،ويلوذ منهم لائذون بالبقاع القاصية،مثل خراسان ببلاد فارس، وصنعاء باليمن.
    وما عتم ابو جعفر ان توخى افريقية لما بينه وبينها من رحم واشجة،فان ابن عمه حفيد عبيد الله بن عبيد الله بن العباس كان قد طرأ على القيروان وتزوج فتاة تسمى «اروى» وتكنى «ام موسى»،وهي ابنة منصور بن يزيد الحميري فأولدها بنتا، ومات نحو سنة عشرين ومائة للهجرة، فبقيت «اروى» في بيت ابيها،وتقلبت بها الايام،حتى كان مقدم ابي جعفر يستلحق ابنة ابن عمه في ظاهر الامر على حين ان حقيقة الغرض من مقدمه هي التماسه سبيل النجاء من طلب بني امية له،حل ابو جعفر ضيفا عزيزا على منصور بن يزيد الحميري،وفي اثناء مقامه عنده، شهد من وسامة «اروى» ما بهر بصره وخلب لبه، فخطبها الى ابيها وتزوجها،وتعلق بها اكبر التعلق طول حياته،وقد اشترط لها ابوها في عقد زواجها الا يتزوج ابو جعفر غيرها والا يتخذ السراري معها، فان تسرى عليها كان طلاقها بيدها،كما جرت بذلك عادة اهل القيروان من عهد قديم، حتى سميت تلك الطريقة بالصداق القيرواني.
    مكث ابو جعفر في كنف منصور بن يزيد الحميري والد زوجه (اروى) حتى كتب الخليفة هشام بن عبد الملك الى عامله على افريقية يطلب منه القبض على أبي جعفر، فلما احس الخطر اضطر ان يستخفى في بيت ختنه بشير بن خالد،وهو قصر يقوم في وسط ضيعة خارج القيروان على طريق سوسة،وربما كان في موضع الخزازية الان.
    وبعد حين ازمع ابو جعفر عودا الى المشرق،ليلتحق باخوته وآل بيته،وكانت انباء دعوتهم تتناهى اليه في القيروان،فانحدر بزوجه اروى مختفيا الى الكوفة،وظل يتردد على منازل الاشياع من الهاشميين في سر،حتى ظفرت الدعوة العباسية بمناصرة ابي مسلم الخراساني وسقطت دولة بني امية،وآلت الخلافة الى عبد الله السفاح سنة 132هـ. وكان الاخ الاكبر لابي جعفر،فلما مات اسندت اليه الخلافة سنة 136هـ.وفي بادئة امره انشأ مدينة بغداد التي سميت اول ما سميت:مدينة المنصور،وابتنى لنفسه قصرا سماه«قصر الخلد» واسكن فيه زوجه اروى وبنيه وذويه.
    وقد وفى المنصور لزوجه«ام موسى» ما كان عاهدها عليه في عقدة الزواج،فلم يتخذ له زوجا سواها، ولم تكن له سراري معها طول حياتها،وقد ولد له منها جعفر أكبر أولاده، ومات في حياة ابيه،وهو والد (الزبيدة) التي تزوجها هارون الرشيد فيما بعد، وابن ثان هو (محمد المهدي) الذي صارت اليه الخلافة.
    ولم تزل (اروى) - ام موسى- في المحل الارفع من قلب زوجها ومن اجلاه وتكريمه،يرعى أولادها،ويحتفي بأهل بيتها، حتى توفيت سنة 146هـ.بعد عشر سنين من ولايته امارة المؤمنين.
    حزن المنصور على زوجه الحميرية الافريقية حزنا اليما،اذ كان يحمد لها ما تمتاز به من جليل الخصال،ويذكر لها مشاركتها اياه في البأساء والنعماء،ويفاخر بأنها سلالة ملوك اليمن من حمير،ذروة مجد العرب الأثيل.
     
  5. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      09-09-2008 00:55
    ومن آثار (أروى) التي خلدت لها ذكرا دائما وحسنة باقية على الدهر ما رواه الجاحظ نقلا عن معاصره علي بن محمد بن سليمان قال : أبي يقول : «كان المنصور اشترط (لام موسى الحميرية) ان لا يتزوج عليها ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتابا اكدته واشهدت عليه بذلك، فبقي المنصور على عهده حتى ماتت ببغداد، فأتته وفاتها وهو بحلوان ... وكان المنصور اقطع أم موسى الضيعة المسماة «بالرحمة» فأوقفتها قبل موتها على المولدات الاناث دون الذكور، فهي وقف عليهن الى هذا الوقت» ـ حدود سنة 250 هـ.
    وقصدت أم موسى بالمولدات الأميرات من بني العباس اللواتي لم يتزوجن او اللواتي مات عليهن بعولتهن وتركوهن ارامل، وفي غالب الوقت لم يكن للخلفاء المتولين عناية كافية بشؤونهن والقيام بنفقاتهن بالرغم من منزلتهن الرفيعة، فيجدن حينئذ في ريع ما اوقفته جدتهن المحسنة ما يصون عفافهن، ويحفظ كرامتهن، ويغنيهن عن الالتجاء الى الامراء وغيرهم، والالحاف بالسؤال فيما يعوزهن من الضروريات.
    وبهذا العمل الانساني كانت (أروى) من اول نساء الاسلام تفكيرا في حالة العوانس والارامل اللاتي عضّهن الدهر بنابه، وفي تخفيف وطأة النوائب عليهن ونيل الاحداث منهن، رحمها الله تعالى وقد عرفت أم موسى فيما بعد بأنها «أم الخلائف»، اذ ان خلفاء بني العباس ـ من بعد المنصور ـ كانوا من ذاتها الماجدة، نازعين الى تلك الاعراق البالغة من النبالة اقصى المبالغ.
    ومن قول الشاعر الكبير سالم بن عمرو المعروف بالخاسر في مدح الخليفة المهدي.
    اكرم بقم امين الله والده * * * وامه ام موسى بنت منصور
    ومن قول الشاعر المعروف ابي نواس في الخليفة محمد الامين بن الرشيد وزبيدة :
    ومامثل منصوريك منصور هاشم * * * ومنصور قحطان اذا عدّ مفخر
    فمن ذا الذي يرمي بسهميك في الورى * * * وعبد مناف والدك وحمير
    ومن قول ابي نواس ايضا :
    فجدّاك هذا خير قحطان واحدا * * * وهذا ما عدّ خير نزار
    يعني بالقحطاني منصور الحميري، وبالنزاري ابا جعفر المنصور.
    ونقتصر على هذه الابيات في الاشارة الى رفعة نسب منصور الحميري واتصاله ببني العباس، والمأثور من امثالها كثير لا يتسع لايراده المقام.
    عاش ابو جعفر المنصور بعد وفاة زوجه، في عزه وصوله، حتى توفي سنة 158 هـ، وهو في طريقه الى الحج، ودفن في مكة، وخلفه على الامر ابنه الاكبر محمد المهدي.
    وقد اجتمعت كلمة المؤرخين على انه لم يكن في خلفاء بني العباس اعلم من ابي جعفر المنصور، وحفيده عبد الله المأمون، ودونهما في المعرفة هارون الرشيد، والواثق بالله، والمنصور معدود في الملوك الشعراء.
    وقد اورد له الاخباريون وصيته الخالدة الى ابنه وخليفته المهدي، ومن قوله في بعض مواقفه الحربية، وقد التفّت عليه جموع من الاعداء :
    وجعلت نفسي للرماح دريئة * * * ان الرئيس لمثل ذاك فعول
    وقوله، مجيبا من نصح له بالأناة في امر ابي مسلم الخرساني :
    اذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * * * فان فساد الرأي ان تترددا
    ولا تهمل الاعداء يوما بقدرة * * * وبادرهم ان يملكوا مثلها غدا
    وقوله ايضا :
    تقسمني امران لم افتتحهما * * * بحزم ولم تعرك قواي الكراكر
    وما ساور الاحشاء مثل دفينة * * * من الهمّ ردتها عليك المصادر
    وقد علمت ابناء عدنان انني * * * لدى ماعرا مقدامة متجاسر
    وله غير ذلك من الشعر الحماسي، نظمه اثناء ولايته وقبل ان يتولى.
    عني المنصور عناية خاصة بالبلاد الافريقية وبأهلها منذ قبض على زمام الخلافة اذا كان يعلم من حقيقة امرها ما بصّره به العيان، فقد سكنها واقام بها زمنا. وعرف خباياها، وخبر رجالها، فلا غرو اذن ان يصطفي لإمارتها كبار قواد دولته، مثل محمد بن الاشعث الخزاعي والاغلب بن سالم التميمي، ويزيد بن حاتم المهلبي، واخيه روح بن حاتم، وما منهم الا من قاد الجيوش في الفتوح، وتوّسد جلائل الاعمال في تلك الدولة الفتية الناهضة.
    ويروى عن المنصور انه كان يسأل من يفد عليه ببغداد من اهل افريقية : «كيف حال احدى القيروانين؟» يعني بذلك مدينة تونس، اذ اقام بها فترة من الزمن.
    والان وقد قصصنا عليك ما كان من صلة ابي جعفر المنصور بالقيروان قبل الخلافة وبعدها، نلمع الى ما كان من صلة ذرية العباس بن عبد المطلب ـ عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بافريقية التونسية، وما لهم من قدم صدق في فتحها ...
    شارك عبد الله بن عباس ـ حبر هذه الأمة ـ في اول غزوة لافريقية، مع عبد الله بن ابي سرح سنة 27 هـ وهو الذي قسم الغنائم بين القواد والاجناد في (سبيطلة).
    والغزو الثاني لافريقية باشره شقيقا عبد الله بن عباس، وهما (معبد) و(عبد الرحمان) سنة 35 هـ، مع الامير معاوية بن حديج، وقد استشهدا جميعا ـ رضي الله عنهما ـ في فتحها، ودفنا في تربتها، وتبرك اديمها باشتماله على رفاتهما الطاهر وثلاثتهم ابناء العباس عم الرسول، عليهم صلوات من ربهم ورحمة.
    وقد اسلفنا لك من نبإ منصور بن يزيد الحميري انه اتخذ بالقيروان دارا فسيحة لاهل بيته ومواليه، ويبدو انه كان واسع الثراء، يتخذ الحاشية والاتباع فمن مواليه حفص الذي تولى بعد خراج افريقية، يدير اموال البلاد، وابتنى لنفسه قصرا اشتهر باسمه (قصر حفص)، وذلك في عاصمة القيروان وقد ورد ذكر هذا القصر كثيرا في تراجم الافارقة.
    كان لمنصور الحميري عدة اولاد في القيروان من اشهرهم : يزيد بن منصور الذي التحق بابن اخته محمد المهدي لما آلت اليه الخلافة سنة 158 هـ. فقر به المهدي منه، واستعان به في المهمات، واسند اليه المناصب، مثل ولاية خراسان، والكوفة، واليمن، وإمارة موسم الحج، وقد لمع اسم يزيد حتى مدحه علية الشعراء، كأبي نواس، وتوفي يزيد سنة 165 هـ.
    ومما يحسن التنبيه اليه في هذا الصدد ان ابا محمد يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي الذائع الصيت، صاحب أبي عمر بن العلاء وأحد كبار القراء، انما قيل له اليزيدي لانه كان يؤدب ولد يزيد بن منصور هذا، فنسب اليه، ثم انه ادب بعد ذلك الخليفة المأمون.
     
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
قصة مؤمن ‏26 سبتمبر 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...