النقود العربية في تونس

الموضوع في 'السياحة التونسية' بواسطة cortex, بتاريخ ‏10 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      10-09-2008 17:32
    متى عمد الباحث الى دراسة النقود العربية تبين له أول وهلة ان بحثه يتّجه في الواقع الى أصل من اصول النظام الاساسي للفتوحات الاسلامية، وقاعدة كبيرة ارتكزت عليها سياسة العرب في حكمهم للبلاد التي امتلكوها سواء أكان ذلك في المشرق أم في المغرب.
    واذا صحّ ان النقود هي واسطة التعامل بين البشر من يوم وجدت، وانها الصلة الوثيقة للتعارف بين الافراد والشعوب، فقد ثبت انها الوسيلة الكبيرة في سير الامم وتنظيم علاقاتها بعضا ببعض. كما صح انها من العوامل المهمة في تقريب الغالب من المغلوب، والمهاجم من المهجوم عليه، والقادم من المقيم.
    النقود البيزنطية
    عاش سكان البلاد التونسية ـ من أفارقة وروم وبربر ـ دهرا طويلا قبل مجيء العرب يتعاملون بالنقود البيزنطية المضروبة في القسطنطينية، ودأب الحال على ذلك الى آخر عهد الحكم البيزنطي بافريقية، اذ فكر البطريق جرير، نائب القيصر على البلاد في التمرد والانسلاخ عن حكومة بيزنطة، وذلك بالاستبداد بالحكم في افريقية وقطع ما بينه وبين القسطنطينية من الصلة، فعزم حينئذ على ضرب دنانير من الذهب في عاصمة قرطاجنة إعلانا لاستقلاله بالامر، وقد عرفت هذه الدنانير باسمه فقيل (الدينار الجرجيري) وهذا النقد هو الذي وجده العرب رائجا في سائر البلاد التونسية عند فتحهم لها.
    وتمتاز هذه الدنانير عن مثيلاتها المضروبة في عاصمة بيزنطة بانها تحمل وسط الوجه الثاني منها صورة صليب يعرف بصليب قرطاجنة، وهو يختلف عن بقية الصلبان المسيحية بزيادة خطين صغيرين متساويين يمثلان المدرج الى عمود الصليب، وهذه الخطوط موضوعة تحت عمود الصليب الأفقي.
    اما الوجه الاول من هذا الدينار ففيه صورة لقيصر الروم المتولي، اما وحده واما لجانبه صورة ولي عهد الامبراطورية البيزنطية وعلى دائر الوجهين نقش نصوص باللغة اللاتينية من بينها اسم القيصر والقابه الشرفية ومحل الضرب، ووزن الواحد من هذه الدنانير القرطاجنية 4.40 (اربعة غرام واربعون مليغرام) اي وزن الدينار العادي بلا فرق، غير ان حجمه يخالف مثيله البيزنطي لانه اصغر منه قطرا واغلظ سمكا، لكن قيمتهما الذهبية واحدة، وقد يتجزأ الديار الى نصف ديناروثلث دينار.
    وعلى غرار الدينار (الجرجيري) ضربت بقرطاجنة ايضا قطع من فلوس النحاس للتعامل الجاري البسيط، وقد تم هذا التغيير في مسكوكات قرطاجنة الرائجة في بلاد افريقية قبيل ظهور العرب وانتشار فتوحاتهم في المغرب باعوام قليلة. فلما غزا قوّاد بني أمية المغرب واستولوا على القسم الكبير من ارضه، اقروا التعامل بتلك النقود القرطاجنية وقبلوها في مغارم الصلح ومعلوم الجزية.
    نقود الفتح العربي
    ولما قدم (حسان بن النعمان الغساني) قائد الجيش العربي الغازي ايام الخليفة عبد الملك بن مروان، واخذ بخناق قرطاجنة عاصمة الروم ودخلها قسرا بعد حصار مرير اقر مؤسساتها الادارية، وابقى دواوينها تعمل للعرب على ما كانت عليه في زمن حكم الروم البيزنطيين، ومن جملة ما احتفظ به العرب «دار الضرب» للمسكوكات لما رأوا من المصلحة في استخدامها والانتفاع بها، متّبعين في ذلك منهج من تقدمهم من كبار القواد الفاتحين من العرب في بلاد فارس، وفي ارض الشام ومصر، اذ انهم سلكوا سياسة اشبه ما تكون ببسط الحماية على الشعوب الراقية المفتوحة، وذلك باحترام معتقدات المغلوبين وبقاء هيئة نظمهم واوضاعهم في الحكم، وباستعمال لغتهم في الرسائل الرسمية، فكانت المحافظة على المؤسسات الدولية والاستفادة منها تأنيسا من الفاتحين للسكان الاصليين على قبول الفتح الاسلامي.
    وقد نهج (حسان بن النعمان) تلك السياسة الرشيدة حينما امتلك قرطاجنة واقام البرهان للشعوب المغلوبة ـ باختلاف عناصرها ـ على حسن نيات الفاتح واستعداده للمشاركة في تسيير شؤون البلاد.
    وليس من شك ان حسانا استخدم مواهب كثير من اعوان البيزنطيين المحليين وموظفيهم في مصالح الادارة الجديدة وجيشها الفاتح، ولا ندري على التحقيق هل استعمل دار السكة بقرطاجنة اذ لم نعثر حتى الان على نقود من ضربه.
    نقود لاتينية عربية
    أما القائد (موسى بن نصير) الذي خلفه في حكم افريقية سنة 85 هـ (704م) فاننا نعلم يقينا انه عنى عناية خاصة بشأن التعامل النقدي بين الافراد من غالب ومغلوب، تطبيقا للقاعدة التي مهدها له سالفه (حسان) من امر الفتح، وتوطيدا لسياسة الاستيلاء النهائي على البلاد، ولدينا من عهد موسى نماذج كثيرة من دنانير الذهب وفلوس النحاس التي ضربها في دار السكة بالقيروان اواخر القرن الاول للهجرة.
    ومن المفيد جدا ان نقف لحظة عند هذا التجديد الذي احدثه موسى في المسكوكات الافريقية لتستبين لنا الطريقة التي نهجها العرب في سياسة انتشارهم ورغبتهم في مدّ نفوذهم في المغرب بوسائل سليمة.
    وجد موسى بن نصير عند قدومه تلك النقود المضروبة في قرطاجنة التي اشرنا اليها انفا متداولة في المعاملات بين السكان فاقرّ جولانها، وقلّد اول وهلة سبكها مع احترام شكلها وطرازها بعد ان صيّرها ملائمة للنظم العربية ومطابقة لمبادئ الديانة الاسلامية، فأمر وقتئذ بضرب نقود على شكل الدينار البيزنطي القرطاجني في سمكه، وفي وزنه وحجمه وتجزئته، وفي لغته اللاتينية ايضا، ولكن ادخل عليه تغييرا اساسيا يتماشى مع عقيدة الاسلام، وذلك انه حذف الخط الافقي الصغير القاطع للصليب صيره مجرد عمود منصوب ليس له الرمز المسيحي المقصود به في الاصل، وقد ابقى موسى على حالها الدرجتين او الثلاث درجات الممثلة للخطوط التونسية الافريقية المرسومة تحت الصليب، وبالجملة فانه احترم جميع مميزات الدينار البيزنطي، ومنها ابقاء صورة قيصر الروم وصورة وليّ عهده المنقوشين في وسطه.

     
    1 person likes this.

  2. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      12-09-2008 04:01
    وربما يستغرب من تصوير ذوات الاشخاص على النقود العربية، ونحن نعلم انها طريقة كنت متبعة، فقد استعملها غالب خلفاء بني امية منذ امتلاكهم لزمام الدولة الاسلامية، فهناك دنانير وفلوس تحملل صورة الخليفة (معاوية بن ابي سفيان) وفلس اخر عليه صورة ابنه يزيد، وكذلك صورة عبد الملك بن مروان، وابنه هشام، وهلم جرا.
    فكل هؤلاء الخلفاء لم يروا بأسا من نقش رسومهم على المسكوكات، الصورة تمثلهم وقوفا متمنطقين بالسيف، تقليدا في ذلك كله لاوضاع قياصرة الروم البيزنطيين.
    ولا يفوتنا ان ننبه القارئ الى أن هؤلاء الخلفاء اعتادوا رسم صورهم كاملة وفي طول الانسان بالادهان على جدران قصورهم في بادية الشام، كقصر الاخيضر وقصر مشتا وغيرهما، فاذا علمنا ذلك فلم لا يرخص موسى بن نصير لنفسه نقش صورة وجهه على فلس وضعه يوم فتح اكبر مدينة في المغرب الاوسط اعني: تلمسان؟ ولا سيما ان ولاة الجهات ـ في مدة الخلافة الاموية ـ كان يرخص لهم في وضع اسمائهم على فلوس النحاس دون الدنانير الذهب كما سنبينه بعد، فاذا صح هذا التخمين ـ ولا أظنه الا صحيحا ـ كانت لدينا صورة واضحة بينة لفاتح الاندلس: موسى بن نصير، وما ذلك بعجيب.
    على ان موسى اتخذ اكثر من نوع من المسكوكات اينما حل ركابه من بلاد المغرب، فله فلوس ضربها في طرابلس وعليها اسمه :(موسي بن نصير) او (موسى ) فحسب (MUSE) بالحروف اللاتينية، وقد ضرب مثلها في مدينة طنجة، وفي بلاد الاندلس بعد فتحها، وهي تشابه نقوده اللاتينية في افريقية ولا تختلف عنها الا في اسم المكان او في شكل قطعة من صورة العصا المعوضة للصليب، فانها بالاندلس تحمل كرة صغيرة فوق العمود الاصلي بدلا من الخطيّط الافقي الذي يشاهد على دنانير افريقية.
    ويلاحظ ايضا ان موسى بن نصير صاغ قطعا كثيرة في الفلوس النحاس، نص ما عليه من الكتابة عربي خالص وليس للغة اللاتينية فيه دخل ،وقد ضربها في القيروان، وأقدم هذه الفلوس مؤرخ بعام اثنتين وتسعين للهجرة، اي العام الذي أغزا فيه موسى مولاه (طارقا) بلاد اسبانيا، وفي هذه الفلوس ما يحمل تاريخ سنة 93 و94 و95 وهو اخر عهد لولاية موسى بالغرب ، ونص ما بالوجه الاول منها: «لا الاه الا الله وحده» وفي الوجه الثاني: «ضرب في سنة اثنتين وتسعين» وبقي الى الان من هذه القطع عدد كبير مبعثرا هنا وهناك في اديم التربة التونسية.
    ومن دراسة هذه الفلوس والبحث عن سبب اتخاذها يتضح ان موسى بن نصير انما ضربها ليوفي حاجة جنوده العرب والبربر الذين جهزهم لفتح الاندلس وبقصد تزويدهم بعملة ميسورة الصرف سهلة التداول لزهادة قيمتها.
    والقاعدة الاساسية في المسكوكات زمن الدولة الاموية هي ان النقدين ـ اي دينار الذهب ودرهم الفضة ـ لا يضربهما سوى الخليفة المتولي امر المسلمين خاصة، وليس لولاة الجهات الحق في وضع اسمائهم عليها، اذ كانت في الواقع من خصائص الخليفة وشاراته، وهو الذي يسهر على جودة مادة النقدين لذهب والفضة وخلوصها من الغش، وفيما دون ذلك يرخص للولاة والعمال ففي ضرب فلوس النحاس بأسمائهم وفي مقر ولايتهم، وهذه القاعدة لم تتخلف في كامل مدة الامويين ، ودام العمل جاريا بها الى ان جاءت الدولة العباسية فتغير حينئذ الوضع بحصول كثير من الولايات على الاستقلال الداخلي ووراثة الملك في اعقاب المتولين، وبذلك صار أمراء الجهات ـ كالأغالبة والادارسة وغيرهم يضعون اسماءهم على النقدين وللسبب المتقدم كنت ترى و لاة افريقية في العصر الاموي يرسمون بلا حرج اسماءهم على الفلوس النحاس خاصة ولا يضعونها على الدنانير ولا على الدراهم، لان فلوس النحاس، لم تكن تعتبر من النقد الرسمي، وانما هي عملة لتسهيل المقايضات وليس لها في ذاتها قيمة نقدية، وكذلك نجد الولاة يحلون بأسمائهم صنوج الزجاج المتخذة لعيار الدينار والدرهم، ولان المعتبر في النقد قديما هو ما يزن من المادة الثمينة ـ من ذهب او فضة لا نفس النقش والضرب، ولا يخفى ان النقدين ـ الدرهم والدينار ـ كانا في الزمان الاول يؤخذان بالوزن ويدفعان كذلك، ولم يكن التعامل في صرفهما بالعدد كما صار الشأن بعد ذلك في أيام الاغالبة
     
  3. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      12-09-2008 10:48
    :besmellah1:

    عمل رائع و مجهود يذكر فيشكر

    :kiss::kiss:
     
  4. AYOUDA24

    AYOUDA24 نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏12 مارس 2008
    المشاركات:
    1.700
    الإعجابات المتلقاة:
    6.091
      12-09-2008 10:59
    [​IMG]
     
  5. nidhal

    nidhal مسؤول منتدى السينما و التلفزيون طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏23 نوفمبر 2005
    المشاركات:
    6.437
    الإعجابات المتلقاة:
    28.006
      17-09-2008 01:53
    معلوملت قيّمة ومادة ثقافيّة رائعة
     
    1 person likes this.
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
مكان للتصييف العائلي في تونس ‏1 ماي 2016
السفر بالطائرة تونس جربة ‏22 أفريل 2016
تونس algérie -tunis ‏22 جويلية 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...