إطلالة على الإعجاز في القرآن والسنة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏16 سبتمبر 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      16-09-2008 11:14
    إطلالة على الإعجاز في القرآن والسنة

    مصطفى ياسين


    يشغل الإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية الباحثين والعلماء في الدراسات الإسلامية، في هذه الأيام، أكثر من أي وقت مضى، وخاصة (الإعجاز العلمي).

    ولذلك أسباب منها:
    * أن الإسلام وعقائده ورموزه يتعرض لهجمةٍ شرسةٍ تريد اقتلاعه من النفوس، وإبعادَ أصحابه عنه؛ لأسبابٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ، ورغبةً في الهيمنة على أرضه وثرواته، وهم يعلمون ما له في النفوس من قوة وأثر، قَدرت في الماضي على صد كل الهجمات القادمة من الخارج، والصمود في زمن المحن، والصبر على الشدائد، حتى تَمَّ إبعاد الخطر عن ديار الإسلام، ومن هنا كانت شراسة الحملة وعنفوانها ومساحتها وتصميمها على هدمه في النفوس؛ لتتحقق أهدافها.

    أما الكشوف العلمية التي جاءت في هذا العصر برهانًا قاطعًا وصادقًا يؤيد حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية في تطابق عجيب، عن الإنسان والنبات والكون، فقد أهدت المؤمنين بالإسلام - دعاةً ومهتمين وأفرادًا - سلاحًا فاعلاً وفعالاً في الدعوة إلى الإسلام، وتجديد إيمانهم، وتعزيزه في النفوس، وإمدادهم بالطاقة؛ للثبات على دينهم وسط العواصف المزمجرة، والأنواء الهادرة، واستقبال أعداد كبيرة من الداخلين في الإسلام؛ لما يجدون فيه من القدرة على إنقاذ البشرية وهدايتها إلى الحق، وأنه كلمة الله إلى الإنسانية جمعاء.

    وهكذا وجد الباحثون مادة تستأثر باهتمام الناس، يؤيد ذلك الجموع الغفيرة التي تستمع إلى محاضرات الإعجاز، وما يحظى به الموضوع من اهتمام في الصحف والمجلات والمؤتمرات، التي تناقش كل جديد في هذا الميدان.

    ولدى مطالعة الباحث لموضوع (الإعجاز) في مراجعه قديمًا وحديثًا تَرَاكَم لَدَيْهِ كَمٌّ هائل من المعلومات، تشكل تراثًا متراكمًا ومتكاملاً ومتباينًا أحيانًا.

    والإعجاز في صوره المختلفة - البياني والعلمي والتشريعي والعددي، وغيرها - ليس بنفس المستوى من الدلالة على موضوعه وقدرته على التأثير، كما أنها ليست في اتفاق بين الباحثين.

    الدكتورة عائشة عبدالرحمن، في كتابها "التفسير البياني للقرآن" تستقصي رحلة الإعجاز والتحدي، من بدايتها إلى الوقت الحاضر، وقد فرَّقت بين (الإعجاز والتحدي)، كمفهومين جاءَا متلازمين؛ لإعطاء كل مصطلح دلالته، وميدان عمله.

    تقول: "فمن حيث هو معجز (القرآن) الأمر فيه واضح بيّن لكل ذي سليقةٍ عربيةٍ أصيلةٍ، وإدراك الإعجاز كان ميسرًا لهم جميعًا في عصر المبعث، لا ينفرد به خاصة بلغائهم دون العامة، وما تلا المصطفى آيات معجزته وهو يُقَدِّر أن البلغاء وحدهم هم الذين يدركون إعجازها، أمَّا من حيث تحدِّيهم أن يأتوا بسورة من مثله فتلك قضية أخرى تخص أبلغ بلغائهم، ومن يظاهرونهم من جِنٍّ فيما زعموا".

    "ونوجز القول بين إدراك المعجزة والتحدي: أن الشاعر العربي كان يقول قصيدته، فيتلقاها جمهور المستمعين بالإعجاب والتقدير، أو الصد والتهاون، وأما أن يعارضها آخر منهم، فذلك مقصور في أقرانه من الشعراء، لا يَعْدُوهم إلى عامة القوم".

    ونعيد إثبات هذا الرأي لنبيّن معنى الإعجاز، والذي يعني أن القرآن مفارق لكلام البشر، وأنه كلام الله، وأن لا أحد يستطيع أن يأتي بمثله، قلَّ أو كثر ذلك المثل، ثم ننعطف إلى التحدي، وهو وإن كان موجهًا إلى البشر والجن، فإن المعنى بهذا التحدي هو من يتوهم في نفسه، ومن يظاهره من الجن أنه قادر على مضاهاة القرآن.

    وأينما ولَّيْت وجهك في آثار الباحثين تجد تلازمًا بين الإعجاز والتحدي، وإذا قِسْناه بما جاءت به بنتُ الشاطئ، وجدنا بعضه لا يتَّسم بهذه الدقة.

    وكما ترى الدكتورة بنت الشاطئ: أن مجرد سماع القرآن الكريم كان كفيلاً لإدراك العربي - حين ذاك - بأن هذا الذي يسمعه هو كلام غير كلام البشر، فإن الرافعي يذهب المذهب نفسه في ذلك.

    يقول الرافعي: "ولما كان مرجع تقدير الكلام في بلاغته وفصاحته إلى الإحساس وحده، وخاصةً في أولئك العرب الذين، من أين تأمَّلْتَهم ورأيتهم، كأنما خلقوا خَلْقًا لغويًّا، وكان القرآن الكريم قد جمع في أسلوبه أرقى ما تحس به الفطرة اللغوية من أوضاع البيان، ومذاهب النفس إليه، فقد أحسوا بعجزهم عما امتنع مما قبله، وكأن كل امرئٍ منهم كأنه يحمل في قرارة نفسه برهانَ الإعجاز، وإن حمل كل إفكٍ وزورٍ على طرف لسانه". (إعجاز القرآن، ص191-192).

    ولهذا انقطعوا عن المعارضة مع تحديهم لها على طول المدة وانفساح الأمر، وعلى كثرة التقريع والتأنيب، وعلى تصغير شأنهم وتحقيرهم، وذلك بالنزول عن التحدي بمثل القرآن كله، إلى عشر سور مثله، إلى عشر مفتريات لا حقيقة فيها، إلى سورةٍ واحدةٍ من مثله، ولو هم أرادوا هذه السورة الواحدة ما استطاعوها.

    محمود شاكر والإعجاز:
    "وكان هذا القرآن ينزَّل منجمًا، وكان الذي نزل عليه يومئذ قليلاً كما تعلم، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه الفرد على نبوته.

    وذلك القليل منطوٍ على دليل مستبين قاهر، يحكم له بأنه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلاً على أن تاليَه عليهم - وهو بشر مثلهم - نبي من عند الله، مرسل من وجه واحد، وهو وجه البيان والنظم".

    "ومن ذلك الوجه طولب العرب بالإقرار والتسليم، ومن هذا الوجه تحيَّرت العرب فيما تسمع من كلام يتلوه عليهم رجل منهم، تجده من *** كلامها؛ لأنه نزل بلسانهم، لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، ثم تجده مباينًا لكلامها، فما تدري ما تقول فيه من طغيان اللَّدَد والخصومة".

    "وظل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاثة عشر عامًا، والمسلمون قليل مستضعفون في أرض مكة، وظل الوحي يتتابع وهو يتحدَّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور مثله مفتريات، فلما انقطعت قواهم، قطع الله عليهم وعلى الثقلين جميعًا منافذ اللَّدد والعناد؛ فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]".

    وهذا البلاغ الحق الذي لا معقب له من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي اصطلحنا عليه فيما بعد وسمَّيناه (إعجاز القرآن)، وأين مكمن الإعجاز؟

    "إن الإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه"، ويرى شاكر رأيًا لا بد من إثباته، فيما احتواه القرآن الكريم من حقائق في الخلق أو في الكون.

    يقول: "إن ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلاً على أنه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباينٌ لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلام رب العالمين، لا كلام بشر مثلهم".

    هل نستطيع الآن أن نقول بأن مصطلح "الإعجاز العلمي" أو العددي أو التشريعي أو غير ذلك مما يتابع هذا القول - ليس من "إعجاز القرآن"، بل هي أدلة على أن القرآن الكريم هو من عند الله، مما يستدعي إعادة بناء المصطلح؛ ليكون دالاًّ على موضوعه؟

    الرأي الآخر:
    منذ بداية النهضة الحديثة أشفق كثيرون من العلماء والمفكرين من ربط آيات القرآن ببعض حقائق العلم الحديث؛ خشيةً من التطورات التي تطرأ على النظريات العلمية، فينعكس ما بها من أخطاء أو نُبوءات لم تحقق على صدق الخبر القرآني.

    ولكن الذين تحمسوا لتلك العلاقة الرابطة، فرقوا بين حقائق العلم التي ثبتت وتحققت بالتجربة، وبين الفروض التي لا تَعدُو أن تكون رأيًا مفسرًا لم يثبت بعد.

    ومن الذين يرون في "الإعجاز" مدلولاً أوسع الإمام ابن تيمية (ت 728هـ)، فهو يقول: "وكون القرآن معجزةً، ليس من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، بل هو آية بيِّنة معجزة من وجوه متعددة: من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، من جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن، هو حجة على إعجازه، ولا يناقض ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له".

    ويرى الرأي ذاته، الداعية الإسلامي أحمد ديدات، يرحمه الله، فيقول: "إن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى، وإنه كتاب الإعجاز الذي يفسَّر من عدة وجوهٍ، وقد حاولت من خلال مجموعةٍ من الأفكار البسيطة أن أوضح هذا الأمر الذي أثَّر فيَّ، وأنا إنسانٌ عاديٌّ غير متخصِّص، ولا توجد نهاية لهذه الأبحاث والدراسات".

    ويرى الشعراوي رأيًا متميزًا في وجاهته وأسانيده: "ولكن التحدي في القرآن ومعجزاته ليست للعرب وحدهم، بل هي للعالم أجمع، والقرآن جاء لكل الناس وكل الألسنة، فأين التحدي لغير العرب، ثم هذا الكتاب سيبقى إلى أن تقوم الساعة، فلا بد أن يحمل معجزة للعالم في كل زمان ومكان، ومن هنا كانت هناك معجزات للقرآن وقت نزوله وبعد نزوله، وهي مستمرة حتى يومنا هذا، وستستمر إلى قيام الساعة؛ لتظهر لنا آيات الله في الأرض".

    وفي نفس هذه المدرسة التي ترى للإعجاز وجوهًا، وليس وجهًا واحدًا يُطِل علينا د. زغلول النجار، وهو من أكثر العلماء من أصحاب العلم الطبيعي (الجيولوجيا) اشتغالاً بالدعوة إلى الله، سالكًا طريق (الإعجاز العلمي) في القرآن الكريم، في أسلوب وبيان ساحرَين، يُعَرِّف "الإعجاز العلمي":
    "أما موضوع الإعجاز العلمي، فهو موقف من مواقف التحدي، الذي نريد أن نُثْبت به للناس كافة أن هذا القرآن الذي أُنْزل قبل 1400 سنة على النبي الأمي، في أمة كان غالبيتها الساحقة من الأميّين - يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يستطع العلماء إدراكه؛ إلا منذ عشرات قليلة من السنين، هذا السبق يستلزم توظيف الحقائق، ولا يجوز أن توظف فيه الفروض والنظريات إلا في قضية واحدة: هي قضية الخلق، والإفناء، وإعادة الخلق: خلق الكون، وخلق الحياة، وخلق الإنسان، وإفناء كل ذلك، وبعثه من جديد؛ لأن هذه القضايا لا تخضع للإدراك المباشر للإنسان، ومن هنا فإن العلم التجريبي لا يتجاوز فيها مرحلة التنظير".

    رأي البوطي في الإعجاز التشريعي:
    الإعجاز التشريعي - كما يراه المشتغلون بالإعجاز - يكمن في فاعلية العقوبات والتنظيم، الذي أقَرَّه القرآن في العلاقات الإنسانية في مجالات الحياة المختلفة، واتساقها مع الفطرة، وتأثيره في تنظيم المجتمع، ودفن دواعي الخلاف، ولكن البوطي يرى أن المجتمعات الإنسانية في مسيرتها التطوُّرية تحتاج إلى القوانين والأنظمة، فتصوغها عندئذ في حين أن الإسلام صاغ القوانين - أحكام الشريعة - أولاً، ومن ثَمَّ كانت حركة المجتمع على هذه الأحكام.

    آراء شوقي ضيف:

    ويرى شوقي ضيف في كتابه "معجزات القران" أن للقرآن معجزةً لم يتنبَّه إليها السابقون، ألا وهي معجزة "التلاوة والاستماع"، ويستشهد عليها بما كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته للإسلام تَفعَل في النفس، وتحول المستمع إلى الإسلام، أو في سماعهم أو قراءتهم للقرآن، كما حدث مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه.

    يقول في معنى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم رأيًا آخر: "وهذا التحويل الواسع للأمة بإخراجها من عالم الجهالة إلى عالم العلم؛ بفضل عرض القرآن خلق الله للكون، وتدبيره لكل شيء في سمائه وأرضه، بل حث الإنسان على العلم وجعله واجبًا عليه، بل فريضة يؤديها كما يؤدِّي عبادة ربه، هذا التَّحويل العظيم - في رأينا - الإعجاز العلمي الذي أراده الله لعباده المسلمين وبثَّه في عقيدتهم، واستحال به الرسول إلى معلِّم كبير يعلم الصحابة علوم تفسير القرآن والحديث والفقه".

    أخبار القرآن الكريم ونبوءاته:
    "الإعجاز العلمي" بالمفهوم الذي يعطيه الاصطلاح المعتمد وغيره، من أوجه الإعجاز التي تعددت، كما يراها أصحاب هذه المدرسة، إنما هي تأتي بالبرهان المادي العلمي على صدق الإخبار القرآني.

    وهكذا فهي تنشئ إيمانًا في نفس غير المسلم، فيتحول إلى الإسلام ويصير مسلمًا مؤمنًا بما جاء في القرآن الكريم؛ فتقوده معلومة واحدة إلى تصديق كل ما جاء به الإسلام؛ لذا فهو سلاح من أسلحة الدعوة إلى الله في هذا العصر، الذي يأتي العلم فيه بالعجائب في كل ميادين الحياة، ويأخذ بألباب الناس ويقودهم إلى المعرفة، فهذه سمة العصر، هذا بعض ما يراه النَّجار، ومالك بن نبي، ومن ذهب مذهبهم.

    أما المسلم فتزيده إيمانًا، وتجدد شعلة الإيمان في نفسه، وتمده بالطاقة للصمود في وجه الشبهات والدعوات، التي تدفعه إلى هنا وهناك بعيدًا عن جادة الإسلام، والمسلم آمَنَ بكل ما جاء في القرآن الكريم بما يسمى (التصديق الإيماني)، وما البرهان العلمي إلا مؤيدًا صدقَ الحقيقة القرآنية، يقيم في النفس طمأنينة المشاهدة الفعلية على الإيمان، الذي قام في الصدر قبل ذلك.

    تساؤل إبراهيم - عليه السلام -:
    وما أثر الإعجاز العلمي وغيره من أوجه الإعجاز الأخرى في نفس المسلم إلا أنها في سياق تساؤل إبراهيم - عليه السلام - وكما يرد الحوار القرآن الكريم:
    قال إبراهيم: {رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى}، فيقول سبحانه وتعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} [البقرة: 260]، قال: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، واستجيب لطلب إبراهيم، ورأى بأم عينه: كيف يحي الله الموتى.

    وكذلك كانت إجابة الحق على تساؤل العُزَير عندما قال: {أنَّى يُحْيِ هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}، وجاءه البرهان بعد مائة عام؛ ليقول: {أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

    ولقد كان إبراهيم مؤمنًا بقدرة الله - سبحانه وتعالى - ولم يخالجه شك في ذلك، وكذلك العُزَيْرُ، ولكنه انتقل بالبرهان من التصديق الإيماني إلى يقين المشاهدة.

    وهكذا فإن السياق يسلمنا للإيمان بكل الأخبار التي سوف تنكشف للإنسان في رحلته على الأرض، وفي جوفها مقبورًا، وفي بعثه ليقوم للحساب والمساءلة، ومثوله أمام الله مسؤولاً عما فعل في دنياه، وفي سوقه إلى النار أو الجنة، وما يلاقيه كل نزيل فيهما، وما يصير إليه الكون بعد ذلك على مشيئة الخالق الواحد الأحد.

    وإذا كانت الآية الكريمة {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ} [فصلت: 53] قد جاءت في إقناع الناس ليدخلوا في دين الله، وينبذوا شركهم - وعدًا مستقبليًّا بانكشاف الأدلة التي تؤيد حقائق القرآن عند النزول، فإنها أيضًا وفي الاستدلال على صدق نسبة القرآن الكريم كلامًا لله - سبحانه وتعالى - دالة على موضوعها، في تحقيق الوعد الإلهي.

    ولقد أخبَر القرآن الكريم عن وقائع حدثت في الزمن الماضي: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى} [القصص: 44]، {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا} [القصص: 45]، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44].

    وأخرى ستقع في المستقبل، والقرآن يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
    {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 16]: جاءت في الوليد بن المغيرة، وقد تحقق ذلك بعد نزوله في بدر، عندما قتل فرئي موسومًا على خرطومه، كما جاء في القرآن قبل ذلك.

    و{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]: نزلت والمسلمين في مكة قلَّة، فقال عمر بن الخطاب: "أيُّ جمع هذا الذي سيهزم، ونحن لا نستطيع أن نحمي أنفسنا"؟ وتحقق ذلك فيما بعد بنصر المسلمين في بدر، والإشارات الكونية ترى في القرآن الكريم في أكثر من ألف آية كما يقول د. زغلول النجار، وقد جاء العلم الحديث يصدق محتوى هذه الآيات.

    والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها: أن كشف العلم الطبيعي عن بعض الحقائق في الكون، مما جاء عنه خبر أو إشارة في القرآن الكريم مطابقًا وموضحًا - هو أمر محمود في صالح قضية التدين، وتعميق الإيمان بخبر السماء الصادق لما جاء في القرآن الكريم، وسببًا مباشرًا لكسب المزيد من الناس لاعتناق الإسلام والانتماء إلى أمته، من أي زاوية نظرنا إليه.

    ومن أراد الوقوف على أسرار الإعجاز العلمي، فعليه أن يقرأ كتاب د. زغلول النجار: "من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم" بجزأيه، بتقديم أحمد فراج؛ ليجد فيه التوافق المذهل بين حقائق القرآن والسنة ومعطيات العلم الحديث.

    الإعجاز والمعجزة في السنّة النبوية:
    إعجاز السنة النبوية يأتي بنفس المفهوم في إعجاز القرآن الكريم؛ فهو موقف من مواقف التحدي، الذي يقيم العلم الحديث البرهان عليه، كما في حديث: " عجب الذنب"، و"أمراض شيوع الفاحشة".

    وأما معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي "الوقائع التي جرت على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارقة العادة، لا تأتي إلا من مؤيد من الله، إثباتًا ودليلاً وتأييدًا لنُبُوَّته مثل: انشقاق القمر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وغير ذلك".

    ولا بد لنا، وقبل أن نغادر هذه الحديقة الغنّاء أن نعرج على زاوية رحبة، أودع فيها المفكر الإسلامي: مالك بن نبي إحدى روائعه الفكرية (الظاهرة القرآنية)، يلخصها د. ابن عيسى باطاهر، من جامعة الشارقة، كما يلي:
    1 - الإعجاز في تصور مالك: هو الحُجَّة التي يقدمها النص القرآني؛ لإثبات حقيقته ومصدريته الإلهية، وأنه معجز فوق الطاقة البشرية، وهو جوهر القرآن، ومقصد من مقاصده، ووسيلة من وسائل تبليغ رسالته.

    2 - يشترط في الإعجاز أن يكون خارقًا للعادة، وفوق الطاقة، وأن يكون في مستوى إدراك جميع المخاطبين، وأن تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه، وهذه الشروط لا تتوافى اليوم إلا في القرآن الكريم.

    3 - مَرَّ الإعجاز بثلاث مراحل مختلفة في تاريخ المسلمين، فكانت مرحلة التذوق الفطري في زمن النزول، ثم تلتها مرحلة التذوق اللغوي في القرن الثالث الهجري، واستمرت حتى العصر الحديث الذي شهد مرحلة التذوق العلمي، ولكل مرحلة من هذه المراحل رسائلها الخاصة في إدراك الإعجاز وتذوقه.

    وترى د. عائشة عبدالرحمن: أن انشغال الدارسين بالقرآن الكريم على مر العصور - هو وجه من وجوه الإعجاز، وكما قال مالك بن بني: "بقي الإعجاز مع القرآن؛ لأنه من جوهره، وليس من توابعه".

    وأقول: إن العناية بالقرآن الكريم ودراسته من أوجب الواجبات على القادرين من المسلمين؛ فهو كتاب الله وحجته على عباده، وهو كلام الله الوحيد الذي يسمعه كل ما في الكون، وهو أمانة بين أيدي المسلمين تكفَّل الله بحفظه، وهو تكريم كرَّمنا الله به، وشرَف شرَّفنا الحق به، والقرآن - على الحقيقة - لا تنقضي عجائبه، ولما أوغلت البشرية في علومها المادية، وحققت الكشوف والانتصارات الباهرة، ازدادت حاجتها إليه؛ لأنه يردها إلى الخالق العظيم، الذي صنع الموجودات كلها، وأودع فيها نظامها على النسق المبهر الذي يكتشفه الإنسان.

    وكلما قرأت قول الحق: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77]، رددت إلى الحقيقة البدهية التي غابت عن إنسان العصر، إن ما يقدمه الإنسان اليوم من الكشوف العلمية إنما هو استقراء لصفحة الكون، الذي أبدعه الخالق العظيم - سبحانه وتعالى،، والله أعلم.

    مراجع البحث:
    - "الظاهرة القرآنية"، مالك بن بني.
    - "من آيات الإعجاز العلمي"، زغلول النجار.
    - "التفسير البياني للقرآن"، عائشة عبد الرحمن.
    - "المنتخب من تفسير القرآن الكريم"، الشعراوي.
    - "عالم الفكر" الكويتية (فصلية).
    - "معجزات الرسول"، مصطفى مراد.
     
    3 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...