من معركة الغذاء إلى معركة الأدوية

الموضوع في 'الدروس الصحية' بواسطة cortex, بتاريخ ‏17 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      17-09-2008 01:57
    تواجه حكومات البلدان النامية والصاعدة والبلدان الأقل نموا صعوبات وضغوطا لتوفير الادوية بأسعار معقولة تتماشى والقدرة الشرائية لشعوبها. وقد تفاقمت هذه الضغوط في السنوات الأخيرة بعد دخول اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة للمنظمة العالمية للتجارة حيز التنفيذ في سنة 1996 بالنسبة للبلدان المصنعة (هذه الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ بالنسبة للبلدان النامية في سنة 2000) حيث أحكمت هذه الاتفاقية سيطرة الشركات العالمية المنتجة للادوية على هذا المجال بعنوان حماية الملكية الفكرية من خلال براءات الاختراع الضامنة والحامية لحقوق المخترع والشركة المنتجة من كل عملية نسخ وتقليد.
    هذا الوضع ساهم في السنوات الاخيرة في ارتفاع أسعار الادوية باعتبار احتكار هذه الشركات لهذا المجال وغلق الأبواب أمام بلدان نامية قادرة على انتاج أدوية جنيسة كما كان الشأن بالنسبة للهند والبرازيل قبل سنة 1995.
    فقبل هذا التاريخ تمكنت الهند من اقتحام مجال انتاج الادوية الجنيسة (الدواء الجنيس هو نسخة من دواء يخضع لبراءة اختراع أو نسخة لدواء انتهت مدة حمايته التي تبلغ 20 سنة. ويعتبر انتاج هذا الدواء قانونيا باعتبار أن صناعته تمت في اطار ترخيص ارادي، أو ترخيص وجوبي، أو بعد انتهاء مدة الحماية) بأسعار أقل من أسعار الشركات العالمية، وتصديرها لبلدان نامية أو فقيرة ساعدتها على مواجهة بعض الامراض والاوبئة.
    ولئن انطلقت معركة الادوية بعد على الصعيد العالمي الا أنه لم يتم الاعلان عنها باعتبار ظهور أزمة الغذاء والمواد الاساسية الاولية والتي أخذت الأولوية في اهتمامات المجموعة الدولية. فمعركة الادوية لا تقل أهمية عن معركة الغذاء باعتبارها تمس و بنفس الدرجة الانسان وحقه في الحياة.
    وانطلاقا من الرؤية الاستشرافية التي تتميز بها السياسة التونسية في جميع المجالات بما في ذلك المجال الصحي، شرعت بلادنا منذ نهاية تسعينات القرن الماضي في تأهيل القطاع الصحي وتطوير صناعة الادوية وتدعيم الاختصاصات ومراجعة التشاريع الوطنية في المجال بما يتطابق مع احكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة وخاصة في مجال الملكية الفكرية. وفي هذا السياق اقتحمت بلادنا مجال انتاج الادوية في اطار التراخيص الارادية التي تمنحها الشركات العالمية لصناعيين تونسيين وذلك بفضل التقدم الذي حققته بلادنا في هذا المجال على المستويين الفني والموارد البشرية.
    وباعتبار حرص رئيس الدولة على مزيد العناية بالقطاع الصحي ومنحه كل الامكانيات لخدمة أولويات التنمية فقد أذن يوم الجمعة الماضي باعداد خطة العمل حول الصحة في تونس كقطب للتصدير في أفق 2016، ومن بين الاجراءات التي أقرّها تطوير نشاط تصدير الادوية من خلال تنمية الصناعات الصيدلانية الجديدة مثل الادوية الجنيسة، والعمل على تطوير التشريعات ذات الصلة بالانشطة التصديرية. انّ حرص تونس على الالتزام بمتطلبات واحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة، وعلى استشراف المستقبل والاستعداد له، كان وراء هذا الاهتمام الرئاسي الرامي الى الارتقاء بتونس الى مصاف الدول المتقدمة، وضمان مقومات سيادتنا من خلال توفير الشروط اللازمة التي تمنحنا حق الاعتماد على الذات للاستجابة الى حاجياتنا الاساسية.
    الوضع العالمي
    لقد أصبح العالم اليوم، وبمقتضى احكام اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، يعيش تحت رحمة الشركات العالمية المنتجة للادوية، لتقف عاجزة عن الضغط على أسعار الادوية الموردة في ظل التضخم العالمي وتدهور القدرة الشرائية لمواطنيها. كما أن تدخل الدولة لتحمل جزء من أسعار الادوية بات صعبا باعتبار الضغوط التي تواجهها ميزانية الدولة في ظل الاسعار الحالية للمحروقات والمواد الغذائية والمواد الاولية.
    وأمام صرامة ووجوبية احترام وتطبيق احكام اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة تحركت البلدان الافريقية، قبل سنة 2000، الاعضاء في المنظمة العالمية للتجارة مطالبة بادخال مزيد من المرونة على الجانب المتعلق بالصحة العمومية بالاتفاقية ومنح حكوماتها استثناءات لتوريد أدوية جنيسة بأسعار معقولة.
    صوت هذه البلدان الافريقية كان له صدى في الاجتماع الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة المنعقد في الدوحة في سبتمبر 2001 حيث أكد اعلان الدوحة على ضرورة ادخال مرونة فيما يتعلق بمسألة البراءة سمي بـ «النظام المستند الى الفقرة 6» من اعلان الدوحة 2001 حول اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة والصحة العمومية. وقد تجسدت هذه الدعوة في سنة 2003 بتبني قرار يسمح للبلدان غير القادرة على انتاج دواء بتوريد مواد صيدلانية تمت صناعتها في اطار ترخيص وجوبي (وهو ترخيص تمنحه حكومة بلد عضو الى شركة وطنية مختصة في صناعة الادوية من توريد أو انتاج نسخة جنيسة بسعر معقول لدواء لا يزال محميا ببراءة الاختراع ودفع إتاوة للشركة صاحبة البراءة. ويعتبر هذا النوع من التراخيص استثناء محدودا في الزمن ويخضع لشروط معينة). وقد اعتبر هذا القرار انتصارا للبلدان الافريقية والنامية بصفة عامة.
    وقد انطلقت هذه المفاوضات في اطار الفصل 30 من اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة الذي يمنح استثناءات ترمي الى منح البلدان النامية امكانية التوريد الموازي للادوية (التوريد الموازي هي عملية قانونية تتمثل في توريد بلد دواء من بلد قام بعملية توريد دواء بموافقة وترخيص الشركة المنتجة، وتتولى تصديره بدون موافقة هذه الاخيرة) أو توريد أدوية خاضعة للترخيص الوجوبي شرط أن يتم التنصيص على هذين الاستثناءين في تشريعاتها الوطنية ذات الصلة. كما منحت الاتفاقية استثناء آخر للبلدان النامية يتمثل في السماح لها بانتاج أدوية جنيسة بأسعار معقولة وتسويقها مباشرة بعد سقوطها في المجال العمومي (أي بعد انتهاء مدة الحماية 20 سنة) وذلك في اطار الاستثناء من «أجل البحث وترتيب بولار».
    وقد جاء هذا الاستثناء لتشجيع البلدان النامية على البحث والتطوير وذلك من خلال السماح لباحثيها باستعمال اختراع ما يزال يتمتع بالحماية لأغراض علمية تندرج ضمن مزيد فهم الاختراع. وفي هذا الاطار بادرت عديد الحكومات الى السماح لمصنعي الادوية المحليين باستعمال هذه الاختراعات والعمل على الحصول على موافقة السلطة المختصة في الصحة العمومية لتسويقها وذلك بعد انتهاء مدة الحماية دون الحصول على ترخيص من صاحب البراءة.
    استغلال هذه الاستثناءات لاقتحام السوق العالمية للادوية الى جانب عمالقة الادوية وسيطرتهم المطلقة في السوق العالمية، من قبل بعض البلدان الاعضاء في المنظمة العالمية للتجارة ما يزال في بداية الطريق، وأول بلد بادر الى ذلك هو الكندا الذي قدم بتاريخ 4 أكتوبر 2007 للمنظمة العالمية للتجارة التغيير الذي أدخله على تشريعه الوطني في مجال الصحة العمومية والادوية والرامي الى السماح لشركة تصنيع نسخة جنيسة لدواء ما يزال تحت الحماية قصد تصديره بعنوان الترتيب الخاص للمنظمة العالمية للتجارة المتفق عليه في سنة 2003. وبمقتضى ذلك سيصدر الكندا دواء جنيسا لمعالجة نوع معين من السيدا في رواندا التي أعلمت المنظمة بنية توريد 260 ألف علبة من هذا الدواء على امتداد سنتين.
    ***
    النجاح الذي حققته البلدان الافريقية الاعضاء في المنظمة العالمية للتجارة في هذه المفاوضات من أجل ادخال مزيد من المرونة على تطبيق اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة في الجزء المتعلق بالصحة العمومية، لا يمكن اعتباره الا قطرة من بحر يجب أن تكون فاتحة نضال طويل النفس لاقتلاع حقوق شعوبها في الصحة وفي حق الحياة. فالقبضة التي أحكمتها الشركات العالمية على سوق الادوية من خلال اقرار قانون الملكية الفكرية وحق حماية اختراعاتها بدعوى الاستثمارات الهائلة التي تنفقها على البحوث، لن يكون من السهل فكها باعتبار مصادقة جميع البلدان الاعضاء على هذه الاتفاقية.
    المسؤولية ملقاة اليوم على مفاوضي البلدان النامية حتى يبرعوا في افتكاك حقوق هذه الشعوب، كما برع مفاوضو البلدان المتقدمة في صياغة هذه الاتفاقيات التي لها طابع اجباري يعاقب كل من يخالفها.
    استباق الأحداث
    انّ المستجدات العالمية، وتنامي سيطرة الشركات العالمية على أسواق كل المواد، تتطلب اليوم يقظة أكبر من طرف حكومات البلدان النامية لاستشراف المستقبل والاستعداد لمعارك شرسة على جميع الجبهات وفي مقدمتها جبهتي الغذاء والادوية.
     

جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...