أيّتها الأمّ لا تدفعي لتضرّي بصحّة إبنك

الموضوع في 'الأسرة والطفل' بواسطة cortex, بتاريخ ‏17 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      17-09-2008 02:00
    ظاهرة الأكل السريع في الشارع عند الشباب

    تتجوّل في المدن التونسية فتلاحظ أنّ محلاّت الساندويتشات والبيتزا تكاد تكون متلاصقة إن لم تكن كذلك فعلا. وتتحوّل ملاحظتك إلى دهشة عندما تكتشف الازدحام في جميعها وعندها ستتساءل عن سرّ الازدهار الذي يشهده قطاع الأكلة الخفيفة رغم موجة الغلاء التي مسّت المواد الاساسية.
    لن تطول دهشتك إذا ما اكتشفت أنّ زبائن هذه المحلات هم بالأساس من الشباب والشباب المراهق وكلنا يعلم جيّدا أن هؤلاء الشباب يعيشون عالة على ذويهم وعائلاتهم إذ مازالوا كلّهم يحصلون على مصروفهم اليومي من آبائهم وأمّهاتهم ,وإذن فإن العائلة هي التي تدفع في النّهاية ثمن هذا الأكل السريع والمضرّ بالصحة والجيب في نفس الوقت.
    من أين يبدأ المشكل؟
    ينطلق المشكل عندما يضغط إيقاع الحياة السريع على الأمّ وخاصة الأم العاملة فتعطي ابنها التلميذ نقودا لشراء لمجته بدل أن تعدّها بنفسها في المنزل.تجد الأمّ المتعبة والمشتتة الجهد بين متاعب المنزل والعمل سهولة في ذلك ,بل إنّها تحسّ بنوع من المساعدة, غير أنّها لن تنتبه حينها أنّها بصدد ارتكاب خطإ حياتها ,ذلك أن ّ الأمر لن يتوقف عند ذلك الحد الذي ترى فيه الأمّ مجرد حل مستعجل ووقتي لحل مشكلة اللمجة.
    فالتلميذ الذي كان طفلا سيصبح بعد سنوات قليلة مراهقا،وعندما نقول مراهقا نقول تكوّن الشخصية وما يرافقها من تبدل المزاج ومن استعداد للتأثر بآراء الأصدقاء الذين يقترحون بيتزا لذيذة هنا في هذا المحل القريب من المنزل أو ساندويتشا ألذ هناك قرب المدرسة الإعدادية.
    في هذه المرحلة التي يصعب فيها التعامل مع المراهق سوف يصبح من الأصعب تعويده على تقاليد الأكل العائلي الصحي أوّلا والذي يكلّف أقل بكثير من الأكل في محلات البيتزا والساندويتشات .
    الظاهرة
    شيئا فشيئا تشكلت الظاهرة واستتب أمرها وبتنا نشاهد الشباب من سنّ المراهقة وحتى ما بعد العشرين يتزاحمون أمام محلات الأكلات السريعة التي انتشرت في العاصمة وأحوازها وفي المدن الكبرى من البلاد ، وفي القرى أيضا,في كل مكان من أرض تونس تستطيع أن تقتني قطعة بيتزا أو أي نوع من السندويتشات التي أصبحت على كل صنف ولون بعد أن كان ساندويتش التن هو الأشهر على الإطلاق.
    من المتسبب في هذه الظاهرة التي كلّما توسّعت وتغلغلت في مجتمعنا كلّما تدهورت عادات الأسرة التونسية من حيث الأكل الذي يشكّل أهمية أخرى إلى جانب تأمين الصحة والنمو و هي التواصل الحضاري من خلاله.
    جيل بأكمله من أبنائنا ينمو الآن أمام أعيننا ويكبر ويتخلى عن أهم وجه من وجوه الحضارة الإنسانية والمتمثل في الأكل وعاداته.
    فإذا ما استغنى هذا الجيل عن تقاليدنا الجميلة في الأكل فلم يعد يسعى إلى مواعيد الأكل واحترامها, وإذا ما فقد طعم أكلاتنا التونسية الشهيرة فلم يعد يسعى إلى طبخها وأكلها والتلذّذ بها فكيف سيتمكن إذن من تمريرها إلى الجيل الذي سيليه من أبنائه؟
    من المسؤول؟
    سؤال خطير يستحق أن نتوقف عنده بل إنّه يجرّنا إلى طرح سؤال آخر وهو من المسؤول عن هذه الظاهرة الخطيرة التي هي بصدد نخر ترابط الأسرة التونسية وبالتالي تفتيت مجتمعنا؟
    كلّنا في الحقيقة مسؤول ابتداء من الأمّ التي سرعان ما تنهار أمام ضغط الإيقاع المجنون للحياة وأمام عجزها عن تلبية كل الواجبات التي تكاثرت عليها وحاصرتها فاستساغت الحل الأسهل والمتمثل في التضحية بالمال مقابل بعض من الراحة لكنّها لو تدري كم هو باهظ الثمن الذي يدفعه الوطن.
    ربّ العائلة مسؤول هو الآخر من موقعه السلبي والصامت بل والموافق أحيانا على فكرة التخلي رويدا رويدا عن عادة الأكل في المنزل حسب مواعيد مضبوطة وعن الطبخات التي عرف بها المطبخ التونسي الثري.
    ذلك أن ذهابه بنفسه إلى البيتزريا لجلب ما تيسّر للعشاء مساهمة منه في تفشي الظاهرة.
    كما لن ننسى إيقاع العصر الاستهلاكي الذي يجتاح البيوت من خلال التلفزيون ومن خلال الإشهار الذي يغزو العقول ويحرّض الشهوات.
    ما هو الحل؟
    لأنه الصيف ولأنّها العطلة الصيفية فإنّ الجميع قد يعتقد أنه من الصعب التفكير في حلّ الآن في هذه الفترة بالذات حيث يذهب كل واحد في الاتجاه الذي يفضل وعندها يتفرق أفراد العائلة بطبيعتهم فتصبح عملية الطبخ والتجمّع حول طاولة الطعام غير متاحة كما هو الحال خلال الأيام العادية من السنّة حيث يساعد التوقيت المدرسي على الإنضباط العائلي.
    غير أنني أعتقد لأن فترة العطلة الصيفية هي الأنسب لاستعادة عادة التجمّع حول الأكل بما أنّه في الصيف موسم العطلة والإجازات والافراح وعودة المهاجرين تصبح عملية الطبخ ولم شمل الأسرة حول أكلة تونسية حقيقية ممكنة بل وممتعة.
    إنه أهمّ أنجاز يمكن للعائلة التونسية أن تحققه وأجلّ خدمة يمكن للأمّ أن تقدّمها لابنها ولأسرتها من حيث الصحّة ولوطنها من حيث الحفاظ على تواصل الأجيال والحضارة.
     
    1 person likes this.

جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
هذا العصر لا يسعدني و لا يشبهني ‏22 مارس 2016
لا أحد يفهمني! ‏9 أفريل 2016
المسؤولية لا تتجزأ ‏16 ماي 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...