التوكّل على الله

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة prince2ombre, بتاريخ ‏20 سبتمبر 2008.

  1. prince2ombre

    prince2ombre صديق المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏15 جويلية 2008
    المشاركات:
    2.359
    الإعجابات المتلقاة:
    9.470
      20-09-2008 20:29
    غالبيّة النّاس لهم مفهوم خاطئ عن هذه العبادة، فالتّوكّل في اعتقادهم مثلا عدم اللّجوء إلى الطّبيب و عدم تناول الدّواء أثناء المرض، أو عدم مراجعة الدّروس استعداد للامتحان، أو عدم السّعي إلى كسب القوت بتِعِلّة أنّهم متوكّلون على الله.
    هذا المفهوم الرّاسخ في أذهان هؤلاء النّاس خاطئ، و بعيد كلّ البعد عن المفهوم الصّحيح لمعنـى التّوكّـل.
    المتوكّـل على الله عليه أن يأخذ بالأسباب فيسعى بكلّ جوارحه بما في ذلك اليد و اللّسان و الأذن ..لتحقيق مراده، و يُبْقي قلبَه فقط منقطعا عن الأسباب، متّصلا بالله عزّ و جلّ.
    فعلى العبد أن يزور الطّبيب و يتناول الدّواء الموصوف أثناء المرض، و يشتغل لكسب القوت، و يجتهد في الدّراسة استعداد للامتحان حتّى يحقّق النّجاح.
    - التّوكّل على الله أن تأخذ بالأسباب بالجوارح، و تقطع الأسباب بالقلب.
    - كلمة " التّوكّل " مشتقّة من اسم من أسماء الله الحسنى " الوكيل " فما معنى الوكيل ؟
    - الوكيل هو الّذي يتولّى بإحسانه شؤون عباده كلَّها، فلا يضيّعهم و لا يُسلمهم إلى الشّرّ أبدا، و لكنّ يأخذ بأيديهم لما فيه مصلحتهم.
    - الوكيل هو الّذي يأخذ بيدك إلى كلِّ ما ينفعك و يهديك إلى الخير، و لذلك نسمع دعاء النّبيّ وهو ينادي: [ لبيّكَ و سعْديْك، و الخير كلّه إليكَ، و الشّرّ ليس بيديْك ]
    - إنّ التوكّل على الله ضرورةٌ روحيّة و عقليّة و نفسيّة لا يستغني عنها أحد من المؤمنين سواء كانوا عاجزين أو قادرين، حكّاما أو محكومين، كبارا أو صغارا، ذكورا أو إناثا، جميعهم في حاجة إلى عون الله ربِّهِم العظيم، الّذي يستجيب إلى دعائهم و يلبّي استغاثَتهم، و يعينهم في إقدامهم، و يخفّف عنهم آلامَهم.
    مجتمعنا اليوم إخواني في أمسّ الحاجة إلى التّوكّل على الله لكثرة المشاكل الّتي يعيشها منها نقص في الرّزق، و بُعدِ الشّباب عن الطّاعةـ و غموض المستقبل، لذلك فنحن جميعا في حاجة إلى معرفة الوكيل و الثّقة فيه، و اللّجوء إليه، و التّوكّل عليه.
    - إنّ الله الوكيل عندما يسطّر حياة العبد يفتح له عدّة طُرق، لكنّ الله يسُدُّ عنه طريقا و يفتح بَدَلَهُ طُرُقًا عديدة.
    فإذا أظلمت الدّنيا في وجه العبد و انسدّ أمامه الطّريق فعليه أن يعلم أنّ الله سيفتح له طُرُقا جديدة أوسع و أرحب من الطّريق المسدود تُرضيه و تسعده.
    سأسوق إليكم أحِبّتي في الله مثالا يوضّح هذا المعنى!
    الجنين عندما يخرج من بطن أمّه يبكي كأنّ سبب بكائه هو انفصاله عن الحبل السّرّي الذي كان يزوّد جسمه بالدّم وهو المصدر الوحيد لغذائه لمّا كان في بطن أمه. و هذا الوليد لا يدري أنّ الله بفضل رحمته جعل له بدلا من طريق واحد للغذاء أي الحبل السّرّي طريقين جديدين هما ثديا أمّه، و عوّض له الدّم كغذاء بغذاء آخر ألذّ وهو اللّبن.
    عند فطام هذا الرّضيع يبكي ثانيّا لأنّه حُرِم من رضاعة اللّبن الّذي اعتاد عليه إثر انقطاع الطّريقين الّذيْن يمدّانه باللّبن أي الثّديين، وهو لا يعلم أنّ اللّه فتح عليه بدل الطّريقين طُرُقا عديدة وهي مختلف الأطعمة الحيوانيّة و النّبانيّة إلى جانب اللّبن و الماء.
    فمن الجهل يا أخي أن تعتقد أنّ الله قد سدّ بابا في وجهك ليسيء لكَ، فالله ما منعك إلا ليعطيك، و ما ابتلاك إلا ليعافيك.

    الله عزّ و جلّ مسيطر وحده سيطرة كلّيّة على مقاليد الأمور و مجرياتها في الكون.
    يقول ربّ العزّة: { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ** ( آل عمران 26 ).
    فمن غير المعقول أنْ يتعلّق الغريق بغريق مثله، و لا ينفع أن يسأل فقير فقيرا مثله.
    إذا تصوّرت أخي أنّ المشكلة الّتي تُعانيها لا يحُلّها إلا فلان تكون عندها فاقدا لثقتك بالوكيل، وهو الله تبارك و تعالى الّذي يقول وهو أصدق القائلين: { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَانِ ** ( الأنبياء 42 ).
    رغم عصيان العبد لله طوال يقظته، يكون عند منامه في حفظ الله و رعايته إلى غاية الصّبح الموالي.
    - التّوكّل يعرّفه بعض العلماء بانطراح القلب بين يدَي الله كانطراح الميت بين يدَي مغسّله.
    - و يقول أيضا التّوكّل على الله هو الاسترسال مع الله حيث يشاء.
    أي أنّ العبد يفوّض كامل أمره لله و يرْضى بكلّ ما يقدّره الله له نتيجة ثقته المطلقة في الله.
    - التّوكّل أن ترضى بالله وكيلا. هناك من يرضى أن يمضي توكيلا لشخص ليتصرّف تصرّفا مطلقا في كلّ ممتلكاته من أموال و عقارات، إلا أنّه لم يخطر على باله أن يوكّل الله مرّة في حياته، وهذا عدم ثقة في الله المسمّى بالوكيل الّذي لا يمكن أبدا أن يضيّع من أوكله أمره.
    فعلى المؤمن الصّادق أن يمضيَ عقد الوكالة مع الله، و يقول "حسبي الله و نعم الوكيل ".

    يقول العلماء مَنْ أكل ملّيما من مال الحرام لا يُعتبر متوكّلا على الله، لأنّه لم يثق في أنّ الله يرزقه، و منْ بكى على أولاده وهو يموت خوفا من ضياعهم بعد موته ليس متوكّلا على الله.
    - التّوكّل على الله يحفظ المؤمن من الفقر، و من الخوف من المصير المجهول، و بذلك يكون التّوكّل على الله تعالى و حسن الظّنّ به مصدر الصّحّة النّفسيّة و العقليّة و البدنيّة، علاوة على كونه علامة الإيمان الصّحيح و العقيدة الرّاسخة.
    الصّحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود وهو يموت زاره عثمان بن عفّان، و عرض عليه مالا لإعانة بناته الثّلاثة، فرفض بن مسعود أن يتسلّم المال، و قال لعثمان بن عفّان: " لا أخشى الفقر على بناتي، فقد علّمتهنّ سورة من القرآن إذا قرأت كلّ واحدة من البنات هذه السّورة كلّ ليلة، لا يصيبها الفقر أبدا، لأنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول: [ من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصِبْه فاقةٌ أبدا ].

    اعلموا أيّها الكرام أنّ ترسيخ ثقة المؤمن في الله تعالى تكون بحسن توكّله، و اعتماده عليه و تفويض أمره إليه، و أنّه قريب سميع مجيب، يجيب دعوة الدّاعي إذا دعاه، و يعين من يتوكّل عليه موقنا بعونه.
    و التّوكّل على الله يُشيع في نفس المؤمن الطّمأنينة و راحة البال، فيحقّق الصّحّة النّفسيّـة و العافيّة البدنيّة، لأنّ التوكلّ يحفظ المؤمن من المخاوف، و الانفعالات و الصّراعات النّفسيّة و الأمراض العصبيّة الّتي تحيل سعادة الإنسان إلى شقاء و بِؤس، و تفاؤلَـه إلى تشــاؤم، و نجاحه إلى فشل.
    لقد أمرنا الله بالتّوكّل عليه لما نجنيه به من فوائد لا تُحصى في شتّى شؤوننا الحياتيّة.
    - قال تعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ** ( الفرقان 58 ).
    - و التّوكّل على الله من علامات الإيمان الرّاسخ، إذ لا إيمان بدون توكّل، حيث يقول المولى جلّ جلاله: { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ ** ( إبراهيم 12 ).
    و يقول أيضا:
    { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ** ( يونس 83 )
    فحسبك أيّها المؤمن أن تتوكّل على الله حتّى تتغلّب علـى المصاعـب و تتخطّـى العراقيـل و تستعين به لتحقيق خيري الدّنيا و الآخرة، إذ أنّ الله سبحانه يقول:
    { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ** ( الطّلاق 3 )، أي أنّ الله مسؤول عنه، هذه الآية موجودة في سورة الطّلاق، وهي إشارة خفيّة لأحد الزّوجين الّذي يشكو سوء معاملة الطّرف المقابل له أن يتوكّل على الله حتّى تزول معناته.
    و أمرنا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بحُسْن التّوكلّ على الله تعالى، فعن عمر بن الخطّاب صلّى الله عليه و سلّم قال: " قال صلّى الله عليه و سلّم: [ لو أنكم كنتم تتوكّلون على الله حقّ توكّله، لَرُزقتم كما يُرْزَقُ الطّيرُ تغدو خماصا و تروح بِطانا ].
    - و أمرنا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بأن نستعين بالله وحده،و لا نستعين بسواه، فلن ينفعنا أو يضرّنا شيءٌ أبدا إلا بإذن الله تعالى.
    - الرّسول صلّى الله عليه و سلّم يغرس قيمة التّوكّل على الله في نفس النّاشئة منذ الصّغر، فها هو يعلّم غلاما بن عشر سنين التّوكّل على الله، فعن ابن عبّاس قال: " كنت خلف رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يوما فقال: [ يا غلام إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله، و اعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لكَ، و لو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام و جفّت الصّحفُ ].
    - و يعلّما الرّسول صلّى الله عليه و سلّم الاستخارة بالله، فنستخير الله في كلّ أمورنا الحياتيّة من سفر و عمل و ودراسة و زواج...الخ.
    يدعو الرّسول صلّى الله عليه و سلّم: [ اللهمّ إنّـي أستخيـرُك بعِلْمِـك، و أستقْدرُك بقُدْرَتِـك، و أسألك من فضلِك العظيم، فإنّك تقْدِر و لا أقْدِر، و تعْلَم و لا أعلم، و أنتَ علام الغيوب. اللّهـمّ إنْ كنـتَ تعلـم هذا الأمـرَ ( و تسمّيه باسمه ) خيرا لي في دينـي و معاشـي و عاقبـةِ أمـري فاقْـدِرْهُ و يسِّـرْهُ لـي ثـمَّ بارِكْ لي فيه. اللّهـمَّ و إن كُنـــت تَعْلَــمُه شرًّا لي في دينــي و معاشي و عاقبة أمري، فاصرفني عنْهُ و اصرِفْهُ عنِّي و اقدِر ليَ الخيرَ حيث كان، ثمّ رضّني به و لا حول و لا قُوَّةَ إلا بالله] ( رواه أحمد و البُخاريّ ).
    - ففي هذا الدّعاء تتجلّى قمّة التّوكّل على الله، لأنّ الإنسان يطلب به من الله أن يختار له ما فيه الخير، فإن أدّى المُؤمن صلاة الاستخارة وهو واثق بالله، لن يتحقّق له إلا ما فيه الخير بفضل الله.
    لو تأمّلنا أدعيّة النّبّي صلّى الله عليه و سلّم الصّباحيّة منها و المسائيّة، فسنجد أنَّ جُلّها تُرَكِّز معنى التّوكّل على الله تعالى.
    فعند الخروج من البيت صباحا نقول: " بسم الله توكّلت على الله، و لا حوْلَ و لا قُوّةَ إلا بالله. " أي يا ربّ أنا مغادر المنزل و داخلُ معتركَ الحياة، فاختر لي ما فيه الخير.
    عند النّوم نقول: " باسمِك ربِّي وضَعْتُ جنْبي و بِكَ أَرْفَعُــهُ، إنْ أَمْسَكْـتَ نَفْسِـي فَارْحَمْهـَا، و إِنْ أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُُ بهِ عِبَادَكَ الصّالحين." ( رواه البخاري و مسلم )
    أخي المؤمن! احذر أن تقول: " يا فلان أعتمد عليك و على الله "، بل قُلْ: " أعتمد على الله ثمّ عليك."
    - على كلّ منّا أن يفوّض كلّ أموره لله الوكيل مثل الطّفل الصّغير الّذي لا حول و لا قوّة له، إن أخطأ و أحسّ بأنّهُ سيؤذى، يلجأ إلى أبويه و يسلّم نفْسًهُ لهما، وهو واثق من حمايتهما.
    - علينا أنْ نتأسّى برسول الله صلّى الله عليه و سلّم، الّذي كان يتوكّل على الله في كلّ شيء، و يفوّضُ له الأمر في كلّ شيء.
    - قال الله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ۞ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ** ( التّوبة 128/129 ).
    - يقول أحدا لتابعين: " يئست من نفع نفسي لنفسي، فكيل لا أيأس من نفع غيري لنفسي؟
    و رجَوْتُ الله لغيري، فكيف لا أرجو الله لنفسي ؟ "
    فمن علامات التّوكّل أن تكون في راحة نفسيّة بعد التّخطيط للمستقبل، فالتّوكّل على الله لا يتعارض مع التّخطيط و التّدبير، لكن يتعارض مع الإحساس بالتّوتّر النّفسي بعد التّخطيط و التّدبير، لذلك كان ابن عطاء يقول: " أرِحْ نفْسك بعد التّدبير، فما تكفّلَ الله به لا تشغل به نفسك ! ".
    أخي المؤمن اعلم أنّ رزقك متكفّل به الله الرّازق سبحانك الّذي يقول: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ** ( الذّاريات 22 )، فما عليك إذا سوى العمل و أنت متفائل و واثق تمام الوثوق بأن الله الوكيل يرزقك من حيث لا تحتسب إذ يملك خزائن السّماوات و الأرض.
    و لْتعْلم أنّ النّفس لا تموت قبل أن تستكملَ رزقها و أجلها.
    و الله القدير قادر على أن يبعث لك رزق سنة في شهر، و رزْق شهر في يوم، و رزق يوم في ساعة واحدة، و الإخوة التّجار والمشتغلون في الأعمال الحرّة يدركون هذا المعنى جيّدا.
    - الله السّميع المجيب يسمع دعاء من توكّل عليه و يجيب نداءه، فالله حسيب عبده ونعم الوكيل.
    عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: [ إنّ اللهَ يقول: " أنا ظنِّ عبْدي، و أنا معه إذا دعاني ]
    فلك الحمد و الشّكر يا ربّ على رحمتك و عطفك و شفقتك بالمتوكّلين عليك من عبادك.

    التّوكلّ على الله تعالى لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب، و لا يعني التّواكل أو التّقاعس عن السّعي الجادّ و بذل المجهود لتغيير الواقع نحو الأفضل.
    فالله تعالى الّذي ربط الأسباب بالمسبّبات، و النّتائج بالمقدّمات، يُلْزِمُ عبْده بالاجتهاد في العمل بكلّ تفاؤل، فالتّوكّل الصّادق على الله يدفع العبد إلى الحركة و النّشاط،، و يحفّزه إلى طلب معالي الأمور بكلّ ثقة، و تغيير الواقع نحو الأفضل.
    - يقول ربّ العزّة: { يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ** ( المائدة 35 )
    و يقول المولى سبحانه أيضا: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ** ( الأنفال 60 )
    القوّة عامّة تشمل قوّة الجسد و قوّة العلم و قوّة الإيمان.
    الرّسول صلّى الله عليه و سلّم كان يستعدّ استعدادا تامّا لملاقاة الكفّار في غزواته و معاركه المختلفة، و يتّخذ أسباب النّصر، و كان يعمل و يكدح لكسب القوت، و يأمر ببذل الجهود لتحقيق الأهداف المنشودة بإذن الله تعالى.
    إذا فالشّبهة الّتي قد تتبادر إلى أذهان بعض النّاس أنّ التّوكّل على الله من شأنه أن يُضعِف الهمّة للعمل و يؤدّي للكسل لا أساس لها من الصّحّة، فالقرآن دحضها في هذه الآية الكريمة: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ **
    ( آل عمران 159 )
    - هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ التّوكّل على الله يجب أن تسبقه المشاورة مع أهل الرّأي في الطّريقة المناسبة للعمل، ثمّ العزم الصّادق على اتّباع الطّريقة الّتي استقرّت المشاورة عليها، و بعد ذلك يأتي التّوكّل على الله لنيل النّجاح.
    هناك فئات من النّاس في حاجة إلى التّوكّل على الله أكثر من حاجة غيرهم إليه، و هم الأنبياء و الرّسل و الدّعاة إلى الله عزّ و جلّ الّذين تعترضهم دائما العقبات، و يجابهون المحن و المصاعب، هؤلاء يعلّمهم الله أن يفوّضــوا أمرهـم إليــه حتّــى لا تفشــل هممهـم و تُحْبَطُ أعمالهم، لذلك يأمرهم الله بأنْ يقتدوا بالنّبيّ شُعيب الّذي قال: { إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ** ( هود 88 ).
    و لقد علّم الله رُسُلَهُ التّوكّل على الله حتّى لا يلجؤوا لغيره عند الشّدائد، فسيّدنا إبراهيم عليه السّلام كان وهو يُقْذَفُ في النّار يردّد قائلا: " حسبي الله و نعم الوكيل " فنزلت عليه النّار بردا وسلاما.
    - سيّدنا نوح عليه الصّلاة و السّلم جسّد التّوكّل على الله في أبهر صورة إذ قال الله تعالى:
    { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِي ** ( يونس 71 )
    - سيّدنا هود عليه السّلام قال: { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ** ( هود54/56 ).
    - سيّدُ الأنبياء محمّدٌ صلّى الله عليه و سلّم فقد اثنين من أعزِ مناصريه في الدّعوة إلى الله تعالى، في شهر واحد، و هما عمّه أبو طالب و زوجته السّيّدة خديجة رضي الله عنها، فقد هذين النّصيرين و الرّسول مازال في مكّة يواجه كفّار قُريش و بطشهم ليس من قبيل الصُّدفة، فحكمة الله تعالى اقتضت ذلك حتّى يُعَلِّمَ رسولَه الكريمَ التّوكّل على الله و اللّجوء إليه وحْدَه.
    أحبّتي في الله ! اعلموا أنّ الله الوكيل إذا قطع عن عبده الأسبابَ كموتِ مُشَغِّلِهِ أو إفلاسِ الشّركة الّتي كان يعمل بها أو بوار تجارته، فذلك ليعلّمَهُ أنّ الوكيلَ هو الحيّ الّذي لا يموت، وهْو الوكيلُ الوحيد بِرِزْقِهِ، و لِيُكَرِّمَهُ بِاِنْ يجْعَلَ قلْبَهُ مُتَعَلّقا بالله وحدَهُ.
    تذكّروا إخواني ماذا كان ردُّ الرّسول الكريم عن سُؤَال أحد المشركين الّذي وضع بغتة سيفَهُ على عُنُقِهِ: " مَنْ يمنَعُكَ مِنِّي يا محمّد الآن ؟ "، فأجابهُ المصطفى الحبيب بكلّ طُمَأْنينة: [ الله ]، فسقَطَ السّيف مِن يدِ الكافر.
    التّوكّل على الله في الإسلام هو زاد روحيّ للتّغلّب على الخوف و التّوتّر و القلق، وهو الّذي يجعل المُؤمن متفائلا في أصعب الفترات الّتي يمرّ بها، و يمنحه الطُّمَاْنينة الّتي حُرِمَ منها كثير من النّاس الّذين لا يلجؤون للوكيل عند الشَّدائد.

    منقول
     
    7 شخص معجب بهذا.
  2. amortunis

    amortunis نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    1.822
    الإعجابات المتلقاة:
    3.623
      20-09-2008 21:07
    أحسنت أخي فهناك فرق بين معنى كلمة التوكل ، وكلمة التواكل.
    فالتوكل هو الفاعلية والحيوية والعطاء ، هو موثقة المؤمن بالله عز و جل و لا يعتمد على سواه
    و من مزايا التوكل نذكر:الاجتهاد في طلب الرزق ، اعتماد الأسباب ، الصبر و التحمل.
    بينما التواكل يعني التقاعس والخلود الى الراحة والنوم والجلوس في البيت ( إدعاء التوكل على دون عمل أو سعي)
    و للتواكل عواقب وخيمة منها:تعطيل طاقاته الفكريةوالجسدية ، حرمان اهله من العيش الكريم و الرزق و تعريضهم للضياع ، التضييق على النفس كالتسول و العيش ذليلا بين الناس.
     
    3 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...