التنين ينهض.. ولكن!

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏20 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      20-09-2008 20:52
    الصين تنتج والفقراء يدفعون الثمن والدول الغنية تجنى الأرباح

    روجت وسائل الاعلام لظهور الصين على الساحة الدولية كعملاق جديد يدخل نادى الكبار من اوسع الابواب. واعتمد الكثير فى طرحهم هذا على ان الصين أسرع الاقتصاديات نموا "11% سنويا"، وتحتل المرتبة الأولى فى ادخار الاحتياطات الأجنبية حيث بلغت 1534 مليار دولار " بالدرجة الأولى الدولار الأمريكي". وتمتلك أكبر جيش فى العالم من حيث العدد "يتراوح بين 2.5 - 3 مليون فرد"، ورابع أكبر ميزانية دفاع فى العالم والتى تتزايد بنسبة 10% سنويا.

    كما تعتبر الأولى عالميا فى انتاج الحديد والمعادن والاسمنت، والثانية فى استهلاك الطاقة بشكل عام، والثالثة فى استهلاك النفط تحديدا، كما تعتبر ثالث اقتصاد من حيث الدخل القومى الاجمالى الذى بلغ 6991 مليار دولار امريكي.

    وحسب موقع مجلة الايكونومست، فقد ساهم الاقتصاد الصينى بانقاذ الاقتصاد العالمى فى بدايات هذا العقد من ركود عالمى خصوصا بعد الأزمات المالية التى ضربت الاقتصاد الامريكي.

    ويرى بنك "مورغن ستانلي" أن انتقال الكثير من الشركات الأمريكية إلى الصين بغرض الانتاج وفر على المستهلك الامريكى خلال عشر سنوات "1996-2006" أكثر من 600 مليار دولار.

    وتضاعفت صادراتها الى أمريكا 16 مرة خلال 15 عاما بينما تضاعفت وارداتها من أمريكا أربع مرات فقط، فقد استوردت شركة "Wal-Mart" الأمريكية "التى يمثل دخلها حوالى 2 الى 3% من الدخل القومى الامريكي" 80% من منتجاتها من الصين، ففى عام 2006 استوردت أكثر من 18 مليار دولار من المنتجات الصينية.

    اضافة الى ذلك، يذهب الكثير من المحللين إلى المغالاة فى تعظيم الدور الصينى عالميا من خلال اعتبار أن الظهور الصينى يمثل مرحلة ثالثة من مراحل التطور فى الساحة العالمية خلال القرون الاربعة الماضية، حيث تمثلت المرحلة الأولى بظهور القوة الاوروبية فى القرن السابع عشر. ثم المرحلة الثانية المتمثلة بنهوض الاقتصاد الامريكى فى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أما المرحلة الثالثة المبالغ فيها تتمثل فى بزوغ قوة جديدة من الشرق وهى القوة الآسيوية وتحديدا فى الصين بالدرجة الأولى ومحيطها من الهند وكوريا واليابان.

    وبالعودة إلى تاريخ هذا التطور العالمى نجد أن الانتقال من مرحلة إلى اخرى كان مترافقا مع أزمات ومحاولات من طرف للتغلب على الاخر ليحل محله ويتابع مسيرة جديدة فى النظام العالمي، فمثلا بروز أمريكا كقوة عالمية وقطب أوحد لم يصل إلى هذا المستوى الا بعد الاستفادة من انتصارات عسكرية لها ولحلفائها فى الحروب العالمية وانتهاء مرحلة الحرب الباردة بازاحة أى منافس عن المشهد العالمى بكل الطرق. وسابقا الظهور الاوروبى والنهج الاستعمارى التقليدى الذى غذى النهضة والثورة الصناعية وقدم اروربا كقوة عظمى، اما اليوم فيبدو أن المرحلة الجديدة الصينية لا تحمل هذا البعد "من انتصارات، ازاحة، استعمار.." لا لكونها أكثر انسانية بل لكونها غير قادرة على أن تزيح اللاعبين الرئيسيين فى الساحة الدولية ولا تزال عاجزة ان تفرض نفسها بشكل مستقل.

    إن ظهور الصين كقوة حقيقية منافسة فى المجتمع الدولى أو بديل عن أقطاب رائدة فى العالم أمر مشكوك فيه، فهى لا تعدو عن كونها ورشة عمل تنتج لحساب الدول المتقدمة على حساب الدول الفقيرة. ولتوضيح هذا الطرح لابد من أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

    - قطاع الصناعة الصينية عبارة عن مصنع او معمل ينفذ تصاميم وطلبات العالم المتقدم الذى يحدد معايير الانتاج ومواصفاته وتصاميمه ومدة الانتاج ونوعية المنتج وجودته لتتناسب مع السوق الذى تختاره الدول المتقدمة، حيث تنفذ الصين ذلك بارخص التكاليف تاركة هامشا كبيرا من الربح لتلك الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التى نقلت جزءا كبيرا من خطوط انتاج شركاتها الى الصين.

    وبالتالى فان النمو الاقتصادى فى الصين لم يخلق قطاعات ابداعية، لأن أغلب المنتجات الصينية قائمة على تنفيذ الاوامر المحددة مسبقا وتخلو من أى إضافة صينية ابداعية فى أغلب مجالاتها..

    - الصناعة الصينية تقدم منتجا مصنعا من مواد أولية مستوردة بأسعار رخيصة جدا من الدول الفقيرة. وتعيد تصنيعها لتحويلها إلى سلع تحتوى قيمة مضافة لترفع أسعارها إلى أضعاف ما استوردته من مواد اولية. لتقدمه للعالم المتقدم باسعار رخيصة نسبيا "فى حال إذا ما قارنا عملية الانتاج هذه بين الصين والعالم المتقدم" ليتكفل مهمة تسويقه وجنى الأرباح على حساب الدول النامية المصدرة للمواد الاولية الرخيصة، والصين المنتج للسلع باستخدام القوة العاملة الرخيصة. عليه, يبقى العالم الثالث "بما فيه الصين طبعا" فى المرحلة المقبلة عالماً متخلفاً لا يجد اى فرصة لتحقيق تنمية تخرجه من هذه الدائرة المغلقة.

    - النمو الصناعى الكبير الذى تحقق فى الصين لم ينعكس على المستوى المعاشى للشعب الصينى بل تضاعفت الفجوة بين طبقات الشعب وتحول أغلب الطبقة المتوسطة إلى طبقة عاملة بدخل محدود، بينما ظهرت طبقة ثرية تستثمر بالتعاون مع الشركات العالمية التى توظفهم كوسطاء ينقلون أوامر الانتاج إلى الشركات الصينية التى تقتصر مهمتها على الانتاج بأرخص التكاليف، ولم تلعب هذه الطبقة الثرية دوراً تنموياً فى الصين كما فعلت الطبقة البرجوازية التى ظهرت أيام الثورة الصناعية فى أوروبا. اذاً، النمو الاقتصادى الصينى لا يحمل فى طياته بعداً تنموياً بل نمواً متسارعاً نتيجة دخول استثمارات أجنبية يهمها الانتاج الرخيص وليس تحقيق تنمية تخدم الشعب الصيني.

    - الثورة الصناعية فى الصين خالية من مضامين النهوض الاجتماعى كونها لم تترافق مع انفتاح فى الحريات وحقوق الانسان والتحرر الفكرى والثقافى بل ظهرت كطفرة فى مسيرة النمو على عكس ما شهدته التجربة الغربية فى أوروبا.

    - المنتج الصينى ليس له معايير وطنية ودولية ثابتة، فما تنتجه الصين من منتجات موجه الى أوروبا مثلاً لها مواصفات الانتاج الاوروبي. وما ترسله إلى الدول المتخلفة خال من أية معايير ومقاييس للجودة ولا تتشابه مع ما ترسله إلى الغرب الا فى الشكل فقط فهى مجرد سلعة رخيصة للاستخدام بدون معايير الجودة والسلامة والامان، المهم أنها رخيصة.

    - دخلت الصين نادى كبار الملوثين للبيئة ليس نتيجة الأعمال التنموية التى تحققت فى الصين بل نتيجة تحولها إلى أكبر منتج لحساب الاخرين على حساب تحمل الصين أعباء بيئية أمام شعبها من جهة، حيث اصبحت أغلب المدن الصينية مصنفة من بين أسوأ المدن للعيش عالميا نتيجة ارتفاع مستويات التلوث فى الجو والتربة والهواء.

    ومن جهة أخرى، تتحمل الصين عبئاً بيئياً دولياً أمام المجتمع العالمى الذى بدأ يضغط على الدول الصناعية لتحمل مسؤولية التلوث المسبب لاتساع ثقب الأوزون واعتبار الصين أحد أكبر المسؤولين، متناسين أن الانبعاثات الملوثة للبيئة الصادرة عن الصين ليست نتيجة بناء وتنمية بل نتيجة ما تقدمه وتنتجه بالنيابة عن العالم المتقدم والذى وجد فى الصين "كبش الفداء" لتحميلها أغلب الأعباء بتصنيفها أكبر الملوثين الان، ومتناسين أيضا أن العالم الصناعى التقليدى وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تلوث خلال الخمسين عاما مضى رافضة أن توقع على اتفاق "كيوتو"، ولكن بعد ان نقلت اغلب صناعاتها الى الصين، أظهرت الدول الصناعية اهتماما بقضية التغير المناخى وحماية البيئة ومطالبة الصين عن ذلك وتحميلها مسؤولية عن الكوارث المناخية.

    - جزء كبير من الانفاق العام الحكومى الصينى يتوجه لخدمة عمليات الانتاج المخصص للتصدير "التى تخدم السوق الخارجية" مع اهمال قطاعات حيوية "التى تخدم الشعب الصيني" مثل الصحة والتعليم والتربية.

    - النمو الصناعى حمل أثراً سلبياً على قطاع الزراعة حيث سحبت الصناعة الأيدى العاملة من الزراعة التى تخضع إلى العامل الموسمى غير الثابت من جهة. ومن جهة ثانية، تراجع دعم الحكومة للقطاع الزراعى وبالتالى انخفاض المستوى المعاشى للفلاحين على عكس ما يفعله الاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة الامريكية من دعم غير محدود للزراعة.

    - تعتمد الصين الدولار الامريكى كعملة لتقييم كل الاصول الصناعية والاستثمارات وبالتالى يترتب عنه ربط غير مباشر بهذه العملة ومستقبلها، مما يعنى أن الاقتصاد الصينى سيعمل جاهدا على حماية الدولار من الانهيار من خلال ضخ المزيد من الأموال لشراء سندات الخزينة الأمريكية لتغطية العجز فى الميزانية الأمريكية والعجز فى ميزان التجارة الخارجية ولدعم الدولار. اى تعاظم المديونية الامريكية التى بلغت 12250 مليار دولار امريكى لحساب الصين التى تعتبر اكبر الدائنين. وبكلام اخر لا يكتفى المستثمر الامريكى مما يجنيه من ارباح السلع الصينية رخيص التكاليف بل يضع الصين فى موضع لا يمكنها أن تتخلى عن الاقتصاد الأمريكى أكبر مستورد للسلع الصينية. مما يجعل الصين تابعا بشكل غير مباشر للسياسات الاقتصادية "النقدية والمالية" التى تصدرها واشنطن، وواجب عليها أن تصلح وتتحمل أعباء ما تخربه الادارة الامريكية فى الاقتصاد العالمى ككل.

    - النمو الاقتصادى السريع الذى تنعم به الصين يسير فى مستقبل ضبابى لكونه معتمداً على تلبية احتياجات السوق الدولية "أى تنتج للخارج فهى اقتصاد تصدير" مما يعنى أن مستقبل هذا النمو الاقتصادى يعتمد على مدى استقرار السوق الخارجية، فأى أزمة فى السوق الأمريكية ستنعكس على الاستهلاك الامريكى وبالتالى على الانتاج الصينى وعلى مستقبل النمو الاقتصادى هناك، لغياب سوق صينى حقيقى وغياب عملية تنمية مستدامة فى البلاد.

    - على الرغم من كون نموها معتمد على التصدير فهى تعتبر من أكبر مصدرى السلع فى العالم من ناحية الكم، أما من ناحية قيمة صادراتها فترتيبها الرابع بما يقدر بحدود 1217 مليار دولار بينما تفوقت ألمانيا على الصين فى قيمة ما تصدره 1334 مليار دولار بالرغم من الأزمات الاقتصادية التى تعانيها "العجوز الاوروبية". لذا لا يمكن تصنيف الصين كقوة اقتصادية خارقة حتى مع الاخذ بعين الاعتبار اهم عنصر من عناصر نموها وهو التصدير.

    - وعلى الرغم من أن شنغهاى مركز مالى مساحته ثمانية اضعاف مساحة مدينة المال فى لندن تظل الصين غير قادرة على أن تلعب دور مركز مالى عالمى يضاهى لندن او نيويورك. وعلى صعيد النظام البنكي، تعانى الصين من عدم وجود سياسيات نقدية فعالة يديرها بنك مركزى تابع لسياسات الحكومة المركزية ذات التوجه المشوش بين الاشتراكية والرأسمالية، اضافة الى غياب قطاع مصرفى يتناسب مع الانظمة البنكية العالمية، فلازالت أغلب الاستثمارات الأجنبية فى الصين تدار من قبل بنوك وصناديق استثمارية غربية بالدرجة الاولى.

    - صحيح أن الاقتصاد الصينى هو الثالث من حيث الدخل القومى الاجمالى ولكن عندما نوزع هذا الدخل على الشعب الصينى نجد ان متوسط الدخل السنوى بالنسبة للمواطن الصينى بحدود 5300 دولار امريكى فقط لا غير. اى تحتل مرتبة اقل من الكثير من الدول الفقيرة حيث اخذت المركز 133 بينما مصر إحدى الدول النامية تحتل المرتبة 130. أضف إلى أننا اذا أخذنا فى الاعتبار أن حوالى 30% إلى 40% من الدخل القومى الصينى ناتج عن مستثمرين وشركات اجنبية ويعود لحسابها الخاص، سنجد ان متوسط الدخل السنوى الفعلى بالنسبة للمواطن الصينى سينخفض الى اقل من 4000 دولار امريكي، وبالتالى ستصنف الصين فى مراتب بعد 150 بين دول العالم وستكون أكثر فقرا من كوبا مثلا التى تصنف فى المركز 149. بكلام اخر سيتحول هذا التنين العملاق الناهض إلى سحلية هزيلة فى عالم تسود فيه القيمة على الكم والحجم.

    غير أن الامر الذى لا شك فيه هو ان التنين الصينى ينهض، ولكن يبدو أنه نهوض هزيل وتابع لدرجة أن الصين غير قادرة على أن تأخذ دورا حقيقيا فى الاقتصاد العالمي، لتظهر كطرف ثالث يعمل بالوساطة لحساب أطراف أخرى، وليس كلاعب مستقل يأخذ مكانا بارزا فى المجتمع الدولى ويفرض شروطه التى يفضلها بقدر ما يتقبل شروط الاخرين ويخدم مصالحهم أملا فى الحفاظ على نصيب فيها او على بعض من الفتات المتبقي.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...