برشة...برشة

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏23 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      23-09-2008 01:16
    العود الى المدرسة وافق هذه السنة منتصف رمضان، وفي السنة القادمة ستكون تباشير العيد هي التي ترافق التلاميذ الى المعاهد،والطلبة الى الجامعات،و«الزغزغ» الى المدارس ،لنخلص في السنة التي بعدها تماما الى رمضان الرمضاء..رمضان الصيف،لمدة عشر سنوات او اكثر من ذلك بقليل.وأيام الشهر المبارك في الصيف طويلة جدا،تظل الشمس جاثمة في سرة السماء تلفحنا بأشعتها وهجيرها،ضاحكة منا، مختبرة أيّنا اشد صبرا واكثر تحملا،حتى اذا ما انتصرنا عليها في المساء،عادت نحو الجنوب،صفراء خائبة،او حمراء خجلة..وكنا صغارا..وكنا نصوم.

    في تلك السنين الخوالي،كان التوقيت الدراسي صارما جدا، لا يتأقلم البتة لا مع شهر رمضان ولا مع الشهور الحرم،لذلك لم يكن غريبا ان يفاجئنا اذان المغرب ونحن نشرح معلقة عنترة في القسم، شفاهنا مشققة عطشا وبطوننا تعتصر جوعا، ولان جدول الاوقات يمتد احيانا الى السادسة مساء فانه كان عاديا ان نبقى بالمعهد لنصف ساعة او اكثر بعد اعلان الافطار بالاذان..وبصوت المدفع،لانه ايامها كان لنا مدفع..ولكنه لا يدافع عنا نحن التلاميذ ولا عن اساتذتنا الصائمين ايضا،والذين حين يوحد المؤذن في اخر الاذان يخرجون كلهم السجائر ويوقدونها،على الاقل لـ«يعمروا» رؤوسهم في انتظار«تعمير الكروش»..ورغم ذلك كانوا يصومون،وكنا نصوم.

    لسنين عديدة ودأبنا كذلك،الا اننا وعلى عكس اساتذتنا، الذين حين يدوي صوت مدفع الافطار يسرعون الى سجائرهم،فاننا كنا نسحب محافظنا من ادراج طواويلنا الخشبية ونخرج منها لمجاتنا التي هيأتها امهاتنا لنا ونحن ذاهبون الى المعهد،عادة ما تكون خبزا مغمسا في الادم، او خبزا وتمرة و المحظوظ المحظوظ خبزا وجبنا، ذلك كل ما في الامر ،ولكن طعم تلك الكسرة لا تسمو اليها الان نكهة البيتزا، ولذتها لا يرقى اليها مذاق«الخاورما»..عفوا الشورما..وفي حين يركن استاذنا الى عرصة باب القسم، يمج سيجارته وينفث دخانه بعيدا،نتلهى نحن بقضم خبزنا منتظرين رنة ناقوس المعهد لنلملم ادباشنا ونهرع في اتجاه البطاح لتبدأ مشقة حافلة النقل العمومي التي نتكدس فيها بكل جوعنا وصخبنا، لنلتحق اخيرا بمنازلنا،بعد ساعة ونصف او اكثر من المغرب ،احيانا كنا نلتقي بالمصلين وهم ذاهبون الى صلاة العشاء..في حين كنا نحن نهرع للافطار..وكان رمضان قاسيا..وكنا نصوم.

    ومن الثابت اننا لم ندرس فقط في رمضان،ولم يكن يصلنا الاذان ونحن في الفصل فقط ايضا،بل اجتزنا امتحاناتنا ونحن صائمون،لان امهاتنا،اللائي لم يكن اقل حنانا علينا من امهات هذا الوقت،كن اكثر حزما واشد صرامة مع رمضان ،فقد كان عارا حقيقيا ايامها ان يدرك الواحد منا الثانية عشر من عمره ولا يصوم،كن يردن ان يصنعن منا رجالا ونحن في تلك السن ،رجالا حقيقيين،يصبرون على الاكل والشرب..ويقاومون الجوع والعطش..وكانت تلك اقصى ما يمكن ان نصبر عليه،لاننا لم تكن لنا بلاو اخرى.ولاننا لا نختلف عن الرجال الكبار في الصوم،فاننا لم نكن نفرط في حقنا في كل متع ذلك الشهر البديع ومنها السحور تلك الوجبة اللذيذة التي نلتهمها بأعين نصف مفتوحة ،فما اجمل ان يأكل الواحد«المسفوف» وهو نصف نائم ،حتى لكأنه يحلم، لذلك كنا نأكل كثيرا دون ان نشعر،لنعود مباشرة الى افرشتنا وننساب في نوم عميق لا يقطعه سوى ساعة تهزنا امهاتنا من اكتافنا او جنوبنا لتوقظنا حتى نذهب الى المعهد..ذلك حين لا نكون في موسم الامتحانات، اما حين تهجم علينا هذه الاخيرة ،فان سحورنا لا ينتهي بالملعقة الاخيرة،لانه سيمتد الى الصباح..لنمكث على الضوء الخافت للفانوس البترولي نراجع دروسنا ونعد واجباتنا،ونهيئ انفسنا ليوم طويل من الجوع والعطش واوجاع الرأس بالامتحانات.
     
    7 شخص معجب بهذا.
  2. mehdibenka

    mehdibenka عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏8 فيفري 2008
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    229
      23-09-2008 01:43
    و الله شوي معاناة فييها برشة لذة و طعمة ما عادتش
    موضوع و كلمات حلويين
     
    1 person likes this.
  3. mohamed_info

    mohamed_info نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏28 جوان 2007
    المشاركات:
    1.668
    الإعجابات المتلقاة:
    1.467
      24-09-2008 06:54
    سلمت يداك.. صراحة روعة, أسلوب جميل..
    شكرا لك, على بعض المفردات التونسية التي تضيف البصمة الشخصية.

    // بالرغم من وجود بعض الأخطاء ; إلا أن ذلك لا ينقص من مجهودك
    // حبذا لو إخترت عنوانا آخر (ربما ترى أن إختيارك صائب, لكن هذا مجرد رأي)

    دمت في رعاية الله
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...