1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

الموسيقى وآلات الطرب في القطر التونسي

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة cortex, بتاريخ ‏25 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      25-09-2008 16:53
    تمهيد
    مهما تتبع الباحث رسوم الحضارة في المجتمع البربري الذي يقطن شمال افريقية من قديم الزمان فانه لا يجد للفنون الجميلة-ومنها الموسيقى- ادنى اثر يذكر،وغاية ما يقال ان الاهالي الاصليين كانوا يتغنون ببعض الحان ساذجة بسيطة،ربما قلدوا فيها اغاني الزنوج المحيطين بهم من ناحية الجنوب-الصحراء الكبرى والسودان-فالقبائل المحافظة على بربريتها الاولى مازالت تصوت بألحان اقرب ما تكون الى ايقاع السودانيين،ولا غرابة في ذلك اذا علمنا انهم ورثوا لغتهم القديمة (الشلحة) من الاصل الحامي ممزوجا بالتأثير السامي،ذلك الاصل الذي تولدت منه لهجات زنوج افريقية الوسطى باسرها وبعض لغات الحبشة واللوبية يعني لغة البربر الاول.
    ويمكن الاستدلال على بساطة الموسيقى لاي شعب كان بآلات الطرب التي يستعملها لهذا الغرض.فالامم البربرية ليس لها من الادوات الا مزمار-وهي (الشبابة)- يتخذ في الغالب من القصب ينفخ فيه او نوع من الرباب ذي وترين لا غير (القمبري) وهو عين ما يوجد عند الزنوج البدائيين.وهذا من اكبر الشواهد على تأخر التلحين عندهم وكذلك الشأن في الاصوات نفسها التي تتغنى بها القبائل البربرية مثل جبل (زواوة)-كتامة قديما-وبلاد (الريف) واهل جبال المغرب من (السوس) الادنى والاقصى،فان الايقاع فيها بسيط جدا ولا يتجاوز بعض مقامات السلم،شبيه بما يشاهد عند السودانيين.
    وهذه هي الالحان الساذجة التي وجدها العرب عند عشائر البربر لما فتحوا البلاد عليهم،وبقي استعمالها شائعا بين السكان الاصليين الى ان امتد التعريب في البلاد ورسخ في البيئات اللوبية،فتحولت اوضاعهم بالتدريج الى اوضاع عربية، وانتشرت على مر الزمان من الحواضر العربية او المتعربة حتى بلغت قرارات البربر،
    فالقطر الافريقي-البلاد التونسية- مثلا تم تعريبه لغة واخلاقا وفنا في مدى ثلاثة اجيال او اربعة لوجود مدينة القيروان في القلب منه، بخلاف ما كان من البلاد في اطراف المغرب فقد تسرب اليه التعريب على بطء بحسب الظروف والاحداث السياسية.
    اول غناء للعرب في افريقية
    ومهما يكن من امر فان العرب لما تم لهم امتلاك افريقية ادخلوا اليها -علاوة على دينهم- لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطرائق معائشهم ومختلف اوضاعهم وحتى العاب صبيانهم التي يشاهد جانب كبير منها عند صغار افريقية الى الان.
    على ان الوافدين الاولين من العرب كانوا اما من الجنود والموظفين او من التجار ممن لا عناية لهم بالموسيقى،ولا يملكون اية خبرة بأوضاعها،ولكن كانوا لا محالة يتغنون باشعارهم على طريقة«الحدآء» تلك الطريقة التي استقلت بها قبائل جزيرة العرب وكانت منبثة في سائر انحائها،وهي الحان كانوا يتسلون بها في اسفارهم وفي مسايرة ابلهم وقطع المفاوز والبراري.
    ففي اثناء القرن الاول وصدر الثاني ادخل الفاتحون طريقتهم في الحدآء الى افريقية فلقنها عنهم ابناؤهم وكذا ابناء مسلمة البربر،فصاروا يرجعون الاصوات بأبيات من شعر الجاهليين او المخضرمين ومن الحظ الكبير ان دلنا مؤلف تونسي قديم على نوع الابيات التي كان يترنم بها في ذلك العصر السالف،واليك البعض منها:
    صوت
    اشار بتوديع اليّ بنانها اشارة محزون ولم تتكلم
    صوت
    يا ام طلحة والديار بعيدة والنجم من غفلات قومك اقرب
    صوت
    حمامة بطن الواديين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها
    صوت
    عهدي بها في الحي قد جردت بيضاء مثل المهرة الضامر
    صوت
    صحا القلب عن سلمى واقصر باطله وعري افراس الصبا ورواحله
    صوت
    وكنت اذا مازرت سعدى بأرضها ارى الارض تطوي لي ويدنو بعيدها
    صوت
    ولقد اردت الصبر عنك فعاقني علق بقلي من هواك قديم
    صوت
    تجول خلاخيل النساء ولا ارى لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
    صوت
    حجّ بالمطي على الكثيب من الحمى وبلعلع خط الركاب مخيما
    وظل ابناء افريقية-من عرب وبربر- يرددون تلك الاصوات واضرابها ويحدون بها في فترة ما بين استقرار السلطة الاموية وبين ظهور دولة بني العباس.
    الغناء ايام العباسيين
    وفي اثناء تلك المدة قام الامراء من آل المهلب- وهم من هم،حسبا ونسبا وكرما حاتميا مشفوعا بحكمة سياسية قلما اجتمعت في افراد اسرة واحدة- نشأوا في مهد الحضارة المنتشرة في العراق،وسكنوا بغداد قطب العالم المتمدن،وتداولوا الولايات الجليلة جيلا عقب جيل من السند الى ارمينية الى مصر الى المغرب عامة.
    جاء (يزيد بن حاتم المهلبي) اميرا على افريقية،قادما عليها من ولاية مصر،فدخل القيروان سنة 155هـ(772م).وناهيك من كان في صحبته من العلماء والادباء واهل الفن.وناهيك ما جلب يزيد ومن جاء بعده من آل بيته من وسائل الترف واسباب التمدن.
    وقد سرت تلك التقاليد الحضرية الى المجتمع القيرواني،ومنه انتشرت في سائر انحاء البلاد،فعصر (بني المهلب) يعد بحق مبدأ لتغيير اوضاع السكان،فقد قلدوا رسوم هؤلاء القادة الميامين-والناس على دين امرائهم.
    ومن بين وسائل الحضارة التي جاء بها (المهالبة) من العراق.
    آلات الطرب ولا سيما ذات الاوتار كالعود والرباب،والطنبور والبربط وغير ذلك ،وهكذا اقبل الافارقة على تعلم فن الموسيقى بعد ما لقنوا ترنيم الحداء واهازيج العرب ومحركاتها.ففي اخر القرن الثاني صرت ترى ذكر الات الاوتار في البيئة القيروانية،اما قبل ذلك فلا اثر لها في الاخبار والتراجم.
    روى ابو العرب:«ان شابا من ابناء الاعيان كان يختلف الى البهلول بن راشد-عابد القيروان المتوفى سنة 183هـ(799م)-ويحضر دروسه،ثم انه تركها واعرض عن حضورها واقبل على المجون واللهو.وقد بلغ البهلول الامر فساءه.فبينما هو ذات يوم جالس اذ مر به الشاب وتحت ثوبه«طنبور» فصدق عند البهلول ما نقل اليه»
    على ان العاصمة القيروانية في ذلك الزمان لم تخل من حوانيت تصنع بها آلات الطرب وتباع، مثل المزاهر (الدفوف) وشبابات القصب،كما يستفاد ذلك من خبر اورده الدباغ.
    الموسيقى والاغالبة
    ثم كانت دولة بني الاغلب (القرن الثالث) وفي مدتها تأصلت الاوضاع العربية وتقاليدها،وقد رحل ابناء افريقية الى عواصم المشرق وحواضره،وامتزجوا بسائر الطبقات واكتسبوا العلوم والاخلاق والعادات،ثم عادوا الى اوطانهم معلمين ومرشدين.وبثوا ثقافتهم في الاقارب والاباعد، فتأثلت الرفاهية في البلاد.
    يضاف الى ذلك ان الامراء الاغالبة انشأوا المدائن والقصور،ومنها انتشرت مذاهب التمدن والرفاهة الى المجتمعات.وصرت لا ترى قصرا الا وفيه اسباب البذخ، ولا دارا من دور رجال الدولة والاغنياء الا وللملاهي فيها نصيب.
    ظهرت هذه الحركة التمدينية بعد ان اسس ابراهيم الاول مدينة القصر-وتسمى (العباسية) خارج العاصمة القيروانية- واقر فيها بلاطه وحرسه وحاشيته.وابتنى دورا لرجالات دولته على اختلاف رتبهم،وسمح لسائر الناس بتخطيط البيوت بها. هنالك سكن المعلمون والمؤدبون،وهنالك تلقى صغار الامراء وابناء الرؤساء مبادئ العلوم والفنون ومرنوا على الفروسية،كما لقنت الحظايا اصول الموسيقى من ايقاع وغناء على اساتذة فنانين قدموا من المشرق،ومن ثمة ظهرت علائم الرقي،ودبت روح حضرية جديدة لم تكن مألوفة من ذي قبل.
    زرياب في افريقية
    ولا ننسى ان افريقية- بموقعها الجغرافي- كانت مقصد الوافدين من المشرق ،ومحط العابرين الى المغرب من ادناه الى اقصاه بادخال الغاية،اعني بلاد الاندلس،فكان كل من يؤم المغارب يجتاز بحكم الضرورة على افريقية وينزل بالقيروان فيقيم بها قليلا او كثيرا.
    وفي هذه الاونة قدم عليها رئيس المغنين المعلم (زرياب،علي بن نافع) في طريقه الى قرطبة،وكان ذلك اواخر سنة 205 هـ،فنزل بأهله وحشمه بالعاصمة الافريقية،وعلم زيادة الله الاول بمقدمه فاستدعاه وادناه واستضافه اشهرا في احد قصور (العباسية) وتمتع هو وحاشيته بألحانه الفنية وايقاعه البديع،وكان خروجه من القيروان في خلال سنة 206 هـ (821م).
    ولا يبعد في تلك الفترة ان يكون بعض فتيان الامير وجواريه قد اخذوا عن زرياب.على ان زيادة الله الاول زوده بعطايا سنية لنفقة السفر،وعلى ذكر زرياب يناسب ان نلمح بكلمة الى ما كانت عليه الالحان والاغاني في العدوة الاندلسية قبل عبور هذا الفنان اليها.
    ولدينا في هذا المعنى خبر من الاهمية بمكان:

     

  2. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      27-09-2008 01:47
    روى ابو اسحاق الرقيق ان الامير ابراهيم الثاني دخل يوما الى امه (تراب) فقامت اليه ورحبت به ودعت بطعام وشراب فتناول منهما وتحدث. فلما رأته قد انبسط قالت له : «ان عندي وصيفتين ادبتهما لك وادخرتهما لمسرتك وقد طال عهدك بالانس وهما يحسنان القراءة بالالحان فهل لك ان احضرهما لك للقراءة بين يديك ؟ فقال : افعلي .
    فأمرت باحضارهما فحضرتا فامرتهما بالقراءة فقرأتا احسن قراءة فقالت له : فهل ترى ان تنشداك الشعر ؟ قال نعم فامرتهما ففعلتا فقالت له : هل لك في الغناء ؟ فقال نعم فأمرتهما فغنتا ارتجالا ثم قالت فهل في ان يغنيا بالعود ؟ فقال نعم - فغنتا بالعود والطنبور ابدع غناء حتى اخذ فيه الشراب وانصرف».
    مجالس الانس برقادة
    وحكى الرقيق ايضا «ان الشاعر (بكر بن حماد) كان ينتجع ابراهيم الثاني ويمدحه فيصله بالجوائز السنية فغدا ذات يوم وهو في رقادة بمديح له الى (بلاغ) الفتى فقال له بلاغ : الامير عنا مشغول في هذا اليوم قال بكر : فالطف بي في ايصال رقعتي اليه فقال بلاغ «الامير مصطبح في البستان مع الجواري على بركة القصر ولا يصل اليه احد».
    فألح بكر وكتب رقعة وجعل بلاّغ يحتال في توصيلها مساعدة له وفي الرقعة ابيات منها :
    خلقن الغواني للرجال بلية فهن موالينا ونحن عبيدها
    اذا ما اردنا الورد في غير حينه اتتنا به في كل حين خدودها
    وكتب تحت الابيات :
    فإن تكن الوسائل اعوزتني فإن وسائلي ورد الخدود
    ووصل الشعر الىالامير فلما قرأه امر الجواري بإنشاده وايقاعه على العود بمحضر (مؤنس) المغني فاظهرت الجواري سرورا كبيرا بذلك وتوسطن اليه ان يخرج بصرة مختومة الى الاديب القائل فيها مائة دينار».
    فهذا نموذج حي من مجالس الانس التي كانت تجمع «مؤنسا» والجواري في حضرة ابراهيم الثاني الا ان الانباء الواصلة الينا عن هذه المجالس قليلة وقليلة جدا بسبب فقدان المصادر التي يرجع اليه في مثل هذا ومن جهة اخرى لسعي الفاطميين في طمس معالم من سبقهم في الملك ولقد استمر (مؤنس) في مصاحبة الامراء الأغالبة الى آخر عهدهم يطرب ويعلم ويلقن.
    وحكى الرقيق ايضا : ان الامير زيادة الله الثالث سأل (مؤنسا) يوما هل يعلم صوتا من اصواته لم يسمعه منه في ذي قبل فغناه :
    ولي كبد لولا الأسى لتصدعت وقلب ابى ان يستريح الى الصبر
    وقد كنت اخشى هجرهم قبل بينهم فقد صرت بعد البين اقنع بالهجر
    فاعجبه ما انشد ووقع منه احسن موقع وغنى به (مؤنس) على العود فطرب الامير وامر له بخلع وكيس فيه مائة دينار وفرس بسرج ولجام محليين . وليست هذه باول عطية فاخرة تناله منه.
    جلب المغنيات والآلات
    اقتفى زيادة الله الاصغر اثر جده ابراهيم الثاني في الاعتناء بالعلوم والاداب الرفيعة فجهز السفارات الى المشرق بقصد مهاداة خليفة بغداد على ما جرت به عادة اسلافه وبقصد استنهاض همة العباسيين لمقاومة الحركة الشيعية الظاهرة وقتئذ بافريقية واخيرا لتزويد قصره بالاطباء الحكماء والجواري وكذا لجلب الكتب النفيسة والتحف والاعلاق.
    فقد اخرج في عام 292 (904) اي سنة بعد ولايته احد خواص رجال دولته : (الحسن بن حاتم) الى العراق مصحوبا بهدية من جملة ما تضمنته : مائتا خادم وخيل بالسروج المحلاة وبز كثير وطيب والف ومائتان من اللبود المغربية الغالية وعشرة آلاف درهم فضة كبيرة الحجم في كل درهم عشرة دراهم والف دينار ذهبا وزن كل دينار عشرة دنانير من المعتاد منقوش على وجهيها بيتان من الشعر المناسب للمقام الى غير ذلك.
    قال الصولي في كتاب الوزراء : «قد رأيت ببغداد الشيخ القادم من افريقية يعني الحسن الحاتم - من قبل زيادة الله بن الاغلب الى الخليفة - المكتفي بالله وكان شيخا عظيم اللحية ومعه مال عظيم فاشترى مغنيات بنحو ثلاثين ألف دينار لابن الاغلب»
    وفي طريق رجوعه اشترى من مصر ايضا نفائس الآلات والمتاع واتفق مع الطبيب (اسحاق الاسرئيلي) فجلبه الى رقادة . وليس من شك ان من بين الطرائف المقتناة ادوات الموسيقى على ندرة ما تجود به الاخبار الواردة في هذا الشأن.
    والذي يمهنا هنا هو ان (مؤنسا) استمر على القيام في خدمة زيادة الله ومنادمته الى آخر ايام ملكه على ما في تلك الايام من الاضطرابات والفتن بظهور الدعوة الشيعية في اطراف المملكة مما جعل الامير مشغول البال مشتت الفكر من جراء حرب ابي عبد الله الصنعاني الداعي للفاطميين.
    وكان اذا ظهر الغم على زيادة الله وغلب عليه التفكير بامر الشيعي اخذ له حشمه واهل قصره في اسباب التسلية والاستجمام.
    قيل انه كان ذات يوم على تلك الحال البائسة في قصره قصر البحر اذ دخلت عليه احدى حظاياه وربما كانت ممن تعلمن على ( مؤنس) فغنته وقد ضمت العود الى صدرها :
    اصبر لدهر نال منك فهكذا مضت الدهور
    فرح وحزن مرة لا حزن دام ولا السرور
    فرغع رأسه وقال لها : صدقت وامر لها بصلة فاخرة
    ،لا ادري هل كانت هذه الجارية هي التي وقفت اليه ليلة فراقه رقادة الفراق الاخير متوجها الى المشرق تاركا وراءه ملك آبائه واجداده مسلما في منازلهم للقوات الفاطمية المهاجمة وذلك وقت صلاة العشاء من ليلة الاثنين لاربع بقين من جمادى الاخرة سنة 296 هـ (20 مارس 909).
    قال رواة التاريخ : فلما كان خارجا من آخر باب للقصر وقفت له جارية من جواريه وقد ضمت عودها على الصدر وغنته لتحركه على حملها معه وانشدته :
    لم انس يوم الوداع موقفنا وجفنها في دموعها غرق
    وقولها والركاب سائرة تتركني سيدي وتنطلق
    استودع الله ظبية جزعت للبين والبين فيه لي حرق
    فبكى زيادة الله واستبكى وانزل حملا ذهبا كان على دابة واركب الجارية والبقاء لله وحده!.
    أما المغني «مؤنس» فإنه بقي في جملة من بقي ودخل في زمرة من انضم من موالي الاغالبة وفتيانهم الى خدمة عبيد الله المهدي في قصور رقادة ثم انتقل معه الى المهدية بعد بنائها في جملة الحشم والاتباع ولم نعد نسمع خبرا عنه ولا ما كان حظه لدى عبيد الله المهدي ولم نقف له بعد على نبإ الا حين قضى نحبه فإنه توفي فجأة في آخر سنة 314 هـ (826م) وقد تجاوز عقد الستين.
    وهكذا تنتهي حياة ذلك الفنان البغدادي التربية والولادة الافريقي الوفادة والافادة. الذي قضى من عمره ثلاثين حولا في التطريب والتدريب والتلقين والانتاج ولم يقتنع بايقاع ما تعلم في صغره في المشرق بل طالما لحن اغان مخترعة، واهازيج مبتدعة على اشعار الادباء الوطنيين في الغزل والنسيب والحماس لا سيما ما كان منها من اقوال الامراء والوزراء مثل عبد الحميد الصائغ وبكر بن حماد وسواهما كثير.
    الموسيقى ايام الفاطميين
    وبسقوط الدولة الاغلبية العتيدة انخرطت فرقة من مواليها وفتيانها في خدمة الاسرة الفاطمية لكن هناك ثلة كبيرة من بينهم اختارت النزوح من البلاد والالتحاق بحاشية الامراء الأمويين بالاندلس : عبد الرحمان الناصر وابنه الحكم الثاني المستنصر بالله.
    وقد ساهم هولاء اللاجئون بالقسط الاوفر في تأثيل الحركة العلمية والادبية والفنية الظاهرة بقرطبة في القرن الرابع للهجرة كما بسطنا القول فيه من قبل وهنا تجمل الاشارة الى انتقال احد مشاهير المنشدين القيروانيين : وهو (ابو القاسم بن اخت الغساني) فقد ذكروا ان صوته كان اجهر اصوات زمانه واعذبها واحلاها قال المالكي : «انه كان اطيب الناس مساقا».
    والحق ان ابا القاسم نال في بلاده سمعة عالية في الإنشاد بل ان شهرته اخترقت البحر وامتدت الى الاندلس حتى ان (الحكم الثاني) امير قرطبة كان يتمنى ان يراه ضمن حاشيته فابلغه الله هذه الامنية حيث قصده ابو القاسم بعد سقوط الاغالبة وانخرط في بلاطه الى ان توفي هناك.
    ومن معاصريه منشد آخر لا يقل عنه سمعة وهو : ( حسنون الدباغ المعروف بابن زبيبة) قال الخشني : «واليه ينسب اللحن الحسنوني» وانا لا نعلم شيئا عن هذا اللحن ولا عن ماهيته واصوله .
    ومن مشاهير المغنيين في آخر القرن الثالث : ( ابن مرزوق ).
    ولا نعرف من اسمه اكثر من ذلك والذي نعلمه عنه انه كان يختلف الى الفيلسوف (ابي عثمان سعيد بن الحداد) ويحضر مجلس اقرائه قيل انه جلس يوما واخذ ابن الحداد في تفسير بعض الاحاديث النبوية لاصحابه فلما توسط الكلام سكت سعيد عن بقية الحديث وقطعه فلما قام ابن مرزوق قال سعيد الحداد لمن حضر : « كدنا نخجل جليسنا اذ فطنت ان الحديث الذي سكت عنه فيه ذم الغناء فتوقعت ان ابن مرزوق يكون معنيا به».
    وليس من شك ان مثال هؤلاء المنشدين والمغنيين اصحاب الاصوات الشجية المنسوبة كانوا كثيرين في خلال القرن الثالث والرابع غير ان كتب الطبقات اهملت ذكرهم فيمن اهملت.
    واذ أشرنا الى المغنيين اصحاب الاصوات الجميلة الذين اشتهروا فكلامنا لا يعني الرجال فحسب بل كان من النساء من برعت في الغناء واتقان الالحان بالسواء.
    حكى الشيخ ابو الحسن القابسي : «ان مغنية بالقيروان كانت مشهورة بجمال الصوت تغني في الافراح والاعراس. وكانت تقطن بجوار دار الشيخ مروان بن نصر العابد المتوفي سنة 245 هـ (902 م) فقام الشيخ ليلة يتهجد على عادته فما قدر ان يصلي بسبب علو صوتها وبعد مداه ».
    الفن الفاطمي
    مهد بنو الاغلب وسائل الحضارة واسبابها الى الفاطميين كما انهم يسروا لهم السبيل الى مدّ سلطانهم على افريقية والمغرب وجزائر البحر المتوسط.
    فلولا ما بذله الاغالبة من مساع جبارة متواصلة للنهوض بالبلاد وانبعاثها لما تهيأ لبني عبيد ان يحيطوا بهذا الملك العتيد البعيد ولا تسنى لهم ان تظهر على ايديهم حضارة عربية من المتانة والقوة بمكان عظيم.


     
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
حرقة حليب .. الشاعر التونسي منير بن صالح ميلاد ‏11 جويلية 2016
سؤال في النحو ‏25 جانفي 2016
في البحر ‏20 ديسمبر 2015

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...