مسلك السعادة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة cortex, بتاريخ ‏30 سبتمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      30-09-2008 17:16
    الحمد للّه، والصلاة والسلام على رسول اللّه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه،

    أما بعد:

    معاشر الصائمين:

    إن السعادة في المنظور الاسلامي، ليست قاصرة على الجانب المادي فقط، وإن كانت الأسباب المادية من عناصر السعادة. ذلك أن الجانب المادي وسيلة وليس غاية في ذاته لذا كان التركيز في تحصيل السعادة على الجانب المعنوي كأثر مترتب على السلوك القويم.

    وقد تناولت النصوص الشرعية ما يفيد ذلك ومنها:

    أ ـ قال اللّه تعالى: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون).

    ب ـ وقال اللّه تعالى: (قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).

    ج ـ وقال صلى الله عليه وسلم: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح».

    1 ـ السعادة الدنيوية:

    فقد شرع الاسلام من الأحكام ووضح من الضوابط ما يكفل للانسان سعادته الدنيوية في حياته الأولى، إلا أنه يؤكد بأن الحياة الدنيا ليست سوى سبيل الى الآخرة، وأن الحياة الحقيقية التي يجب أن يسعى لها الانسان هي حياة الآخرة قال اللّه تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة). وقال تعالى: (وابتغ فيما آتاك اللّه الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا). وقال تعالى: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل).

    2 ـ السعادة الأخروية:

    وهذه هي السعادة الدائمة الخالدة، وهي مرتبة على صلاح المرء في حياته الدنيا قال اللّه تعالى: (الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون). وقال تعالى: (للّذين أحسنوا في هذه الدّنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتّقين).

    الحياة الدنيا ليست جنة في الأرض:

    لقد حدّد الاسلام وظيفة الانسان في الأرض بأنه خليفة فيها يسعى لاعمارها وتحقيق خير البشرية ومصالحها التي ارتبطت بالأرض، إلا أن هذا الاعمار وتحصيل المصالح تكتنفه كثير من الصعاب ويتطلب من الانسان بذل الجهد وتحمل المشاق في سبيل ذلك كما أن الحياة ليست مذللة سهلة دائما كما يريدها الانسان ويتمناها بل هي متقلبة من يسر الى عسر ومن صحة الى مرض ومن فقر الى غنى أو عكس ذلك، وهذه ابتلاءات دائمة يتمرس عليها الانسان في معيشته فيحقق عن طريقها المعاني السامية التي أمر بها من الصبر وقوة الارادة والعزم والتوكل والشجاعة والبذل وحسن الخلق وغير ذلك وهذه من أقوى أسباب الطمأنينة والسعادة والرضا قال اللّه تعالى: (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

    وقال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن فإن أمره كله خير، فإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».

    أسباب تحصل السعادة:

    1 ـ الايمان والعمل الصالح وتحصل السعادة بالايمان من عدّة جوانب:

    أ ـ إن الانسان الذي يؤمن باللّه تعالى وحده لا شريك له إيمانا كاملا صافيا من جميع الشوائب، يكون مطمئن القلب هادئ النفس، ولا يكون قلقا متبرما من الحياة بل يكون راضيا بما قدر اللّه له شاكرا للخير صابرا على البلاء. إن خضوع المومن للّه تعالى يقوده الى الراحة النفسية التي هي المقوم الأول للانسان العامل النشط الذي يحس بأن للحياة معنى وغاية يسعى لتحقيقها قال اللّه تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

    ب ـ إن الايمان يجعل الإنسان صاحب مبدأ يسعى لتحقيقه فتكون حياته تحمل معنى ساميا نبيلا يدفعه الى العمل وبذلك يبتعد عن حياة الأنانية الضيقة، وتكون حياته لصالح مجتمعه وأمته التي يعيش فيها، فالانسان عندما يعيش لنفسه تصبح أيامه معدودة وغاياته محدودة أما عندما يعيش للخير التي يحمله فإن الحياة تبدو طويلة جميلة تبدأ من حيث بدأت الانسانية وتمتد بعد مفارقتها لوجه الأرض، وبذلك يتضاعف شعوره بأيامه وساعاته ولحظاته.

    ج ـ إن الإيمان ليس فقط سببا لجلب السعادة بل هو كذلك سبب لدفع موانعها. ذلك أن المؤمن يعلم أنه مبتلى في حياته وأن هذه الابتلاءات تعد من أسباب الممارسة الايمانية فتتكون لديه المعاني المكونة للقوى النفسية المتمثلة في الصبر والعزم والثقة باللّه والتوكل عليه والاستغاثة به والخوف منه وهذه المعاني تعد من أقوى الوسائل لتحقيق الغايات الحياتية النبيلة وتحمل الابتلاءات المعاشية.

    ـ التحلي بالأخلاق الفاضلة التي تدفعه للإحسان الى الخلق:

    إن الانسان كائن اجتماعي لا بد له من الاختلاط ببني جنسه، فلا يمكنه الاستغناء عنهم والاستقلال بنفسه في جميع أموره فإذا كان الاختلاط بهم لازم طبعا، ومعلوم أن الناس يختلفون في خصائصهم الخلقية والعقلية فلا بد أن يحدث منهم ما يكدر صفو المرء ويجلب له الهم والحزن، فإن لم يدفع ذلك بالخصال الفاضلة كان اجتماعه بالناس ـ ولا مفر له منه ـ من أكبر أسباب ضنك العيش وجلب الهم والغم. لذلك اهتم الاسلام بالناحية الأخلاقية وتربيتها أيما اهتمام ويظهر ذلك في النماذج الآتية:

    أ ـ قال اللّه تعالى في وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم (وإنّك لعلى خلق عظيم).

    ب ـ وقال تعالى في ذلك أيضا: (فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).

    ج ـ وقال تعالى: (وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

    د ـ وقال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم. وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم).

    هـ ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

    و ـ وقال صلى اللّه عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

    3 ـ الاكثار من ذكر اللّه تعالى والشعور بمعيته دائما:

    إن الانسان يكون رضاه بمتعلقه بحسب ذلك المتعلق به وعظمته في نفس المتعلق واللّه تعالى هو أعظم من يطمئن له القلب وينشرح بذكره الصدر، لأنه ملاذ المؤمن في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره لذلك جاء الشرع بجملة من الأذكار تربط المؤمن باللّه تعالى مع تجدد الأحوال زمانا ومكانا عند حدوث مرغوب أو الخوف من مرهوب، وهذه الأذكار تربط المؤمن بخالقه فيتجاوز بذلك الأسباب الى مسببها فلا يبالغ في التأثر بها فلا تؤثر فيه إلا بالقدر الذي لا يعكر عليه صفوه، كما أنه لا يستعظمها فيجاوز بها أقدارها إذ لا تعدو أن تكون أسبابا لا تأثير لها بذواتها وإنما أثرها بقدر اللّه تعالى.

    ومن النصوص التي تدل على ذلك:

    أ ـ قال الله تعالى: (ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب)

    ب ـ وقال صلى اللّه عليه وسلم في بيان وجوب الأخذ بالأسباب والاستعانة باللّه وعدم الحزن على تخلف النتائج المرغوبة: «احرص على ما ينفعك واستعن باللّه ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل: قدر اللّه وما شاء فعل فـإن لو تفتح عمل الشيطان».

    العناية الصحية:

    والصحة هنا تشمل جميع الجوانب البدنية والنفسية والعقلية والروحية.

    ـ الصحة البدنية: إن الصحة البدنية مما فطر الناس على الاهتمام به لأنها تتعلق بغريزة البقاء كما أنها السبيل لتحقيق الغايات المادية من مأكل ومشرب وملبس ومركب.

    وقد اهتم الاسلام بالانسان فنهى عن قتله كما نهى عن كل ما يضر ببدنه وصحته، كما قال اللّه تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق). وقال تعالى: (ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث). وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

    ـ الصحة النفسية: يغفل كثير من الناس أهمية الصحة النفسية أو يغفلون السبيل لرعايتها والحفاظ عليها مع أنها ركن أساسي في تحقيق السعادة لذلك حرص الاسلام على تربية النفس الفاضلة وتزكيتها بالخصال النبيلة فكان أهم ما سعى إليه هو تكوين النفس السوية المطمئنة الواثقة. وقوام استواء النفس يكون بالايمان ثم بالتحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الخصال الذميمة من الغضب والكبر والعجب والبخل والحرص على الدنيا والحسد والحقد وغير ذلك مما يكسب الاضطراب والقلق.

    قال صلى اللّه عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تخلتطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه». وقال اللّه تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا اللّه إنّ اللّه تواب رحيم).

    ـ الصحة العقلية: إن العقل هو مناط التكليف في الانسان لذلك أمر الشارع الحكيم بالحفاظ عليه وحرم كل ما يؤدي الى الاضرار به أو إزالته ومن أعظم ما يؤدي الى ذلك المسكرات والمخدرات لذلك حرمها اللّه تعالى بقوله: (يا أيها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون. إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون).

    ـ الصحة الروحية: لقد اعتنى الشرع بوضع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على الصحة الروحية فندب المؤمن الى ذكر اللّه تعالى على كل حال كما أوجب عليه الحد الأدنى الذي يكفل له غذاء الروح وذلك بشرع الفرائض من الصلاة والصيام والزكاة والحج ثم فتح له بابا واسعا بعد ذلك بالنوافل وجميع أنواع القربات. هذه العبادات تربط الانسان بربه وتعيده إليه كلما جرفته موجات الدنيا لذا كان الرسول (ص) يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وكان يقول: «يا بلال، أرحنا بالصلاة»، وقد نهى الشارع عن الأمور التي تؤدي الى سقم الروح وضعفها فنهى عن اتباع الأهواء والشبهات والانهماك في الملذات، لأنها تعمي القلب وتجعله غافلا عن ذكر اللّه لذلك قال اللّه تعالى في وصف الكفار: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل). وقال تعالى: (والذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم).

    ـ السعي لتحقيق القدر المادي اللازم للسعادة:

    لقد تقرّر فيما سبق أن الإسلام لا ينكر أهمية الأسباب المادية في تحقيق السعادة، إلا أن هذه الأشياء المادية ليست شرطا لازما في تحقيق السعادة وإنما هي من جملة الوسائل المؤدية لذلك.

    وقد تناولت كثير من النصوص هذه الحقيقة منها:

    قال اللّه تعالى: (قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق).

    وقال صلى اللّه عليه وسلم: «نعم المال الصالح للعبد الصالح».

    وقال صلى اللّه عليه وسلم: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح».

    ـ تنظيم الوقت: يعتبر الوقت رأس مال الانسان، فهو فترة بقائه في هذه الدنيا، لذلك اعتنى الاسلام بالوقت وجعل المؤمن مسؤولا عن وقته وأنه سوف يسأل عنه يوم القيامة. وقد جاءت شرائع الاسلام بحيث تعين الانسان على ترتيب وقته وإحسان استغلاله وذلك بالموازنة بين حاجاته الحياتية والمعيشية من جانب وحاجاته الروحية والعبادية من جانب آخر وقد حث الاسلام المؤمن على استثمار وقته واعماره بالخير والعمل الصالح. قال اللّه تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخرّتني الى أجل قريب فأصدّق وأكن من الصالحين ولن يؤخر اللّه نفسا إذا جاء أجلها. واللّّه خبير بما تعملون).

    وقال صلى الله عليه وسلم: «لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن عمله ماذا عمل به». وقال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». وأرشد صلى اللّه عليه وسلم الى التوازن فقال: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي».

    وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...