• كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها

المغادر بالوعي , الصعود إلى الحكمة

nader.amer

كبير مسؤولي منتدى الأخبار
طاقم الإدارة
إنضم
20 جانفي 2012
المشاركات
9.216
مستوى التفاعل
38.642
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته



المغادر بالوعي , الصعود إلى الحكمة


5c1576a39b8876419db09078b4b804f8.jpg


ملحوظة: مقال بلا مساندة علميّة


الوعي .. بأصنافه العديدة , أعتبره لغز الإنسان الأزلي و الغير قابل للحلّ العلمي و النظري
وهنا سأقول في الوعي التأملي و مغادرة الجسم المادّي , و الإقتراب كثيرا من الموت لحدود خطيرة جدّا ..
بمعنى الوقوف على الخطّ النهائي و الفاصلة الوحيدة بين الحياة و الموت ..لحظة الصفر
كثيرة هي الشهادات عن مغادرة الجسم و الذهاب مع الوعي لرؤية أكثر شمولية و أوسع نطاق من التعامل الحسّي التقليدي
حدّثني أحدهم قال " كنت على السرير المحمول نحو غرفة العمليّات , لأجري عمليّة جراحيّة دقيقة على المخّ , لإستئصال ورم ما , سبب لي ضيقا و ألما عانيته لسنين , كانت عواطفي مشحونة جدّا , و أنا أودّع كلّ من أحببتهم , زوجتي و أبنائي و إخوتي . لم يكن أحد منهم يأمل أنّي سأعود من تلك الغرفة البيضاء , بل إنّي و معهم قانعون أنّي سأغادر في الساعات التي سيقضيها الجرّاحون في معالجة رأسي الأصلع حديثا ..
كان تسلل المخدّر المبنّج سريعا في عروقي , و بدأت الأصوات تخبوا بسرعة , و الصورة تغيب رويدا رويدا نحو الظّلام , قبل أن تستقلّ دمعة أخيرة جُرفا بخدّي الأيسر , كأنها تحاول نسج خيط أخير يربطني بالحياة ..
فجأة عمّ النور المكان , نور ساطع أبيض , سرعان ما بدأ ينقشع كسحابة صيفيّة خفيفة ..و طفقت الصورة و الصوت يعودان إليّ .. من أعماق سحيقة ..
كانت مشاعري غير موجودة , أو كانّي في حالة من الهدوء العميق جدّا , و كأنّي بدون زمن أو لحظات أو حركة ..
توضّح المشهد , لأجدني أقف داخل غرفة العمليّات , بين الأطبّاء و الجرّاحين , و هم يعالجون جسدا ما .. جسدا بالكاد تظهر ملامحه , لأتبين أنه جسدي أنا .. بالتأكيد لست أهذي , كنت أرى جسدي بالفعل .. رغم ذلك لم أشعر بالذهول , أو الرعب , أو الصدمة .. إبتسمت , أو أحسست أنّي أبتسم .. إنتقلت للخارج , لخارج الغرفة , لأقف بين المُنتظرين .. زوجتي و أبنائي و بناتي و إخويّ ..كان أخي يقول " ستنجح العمليّة , لا تخافوا " ..كانت زوجتي جالسة على كرسي الإنتظار , تداعب جهاز هاتفها بين أصابعها حين نطق أخي بما قاله , لترتبك فجأة و يسقط الهاتف من بين اصابعها نحو الأرضية الصفراء ... شعرت انّي ابتسم مرّة أخرى .. أعرف من تتحذّر لإتصال بها .. إنهاأمّي المقعدة القابعة في وحشة الإنتظار بالبيت .. إلتفتّ نحو اليمين , لأجد نفسي أمامها مباشرة , و هي تجلس على أريكتها الوثيرة قبالة التلفزيون الذي يعرض فيلم " أفواه و أرانب " على قناة سينما عربية بلا صوت ..
كانت تحملق في جهاز الهاتف المحمول القديم على حِجْرها العريض , تنتظر ..مكالمة من .....زوجتي ..
إلتفت مرات عديدة بين يمنة و يسرة , ذهبت إلى المسجد القريب من داري , وقفت بينالمصلين , إنتقلت إلى قبر والدي العتيق , و تجولت في أماكن طفولتي كلها ..و رايت كلّ الأشياء .. كلها .. مذ وعيت .. منذ وعيت .. منذ كان لي وعي ..بالموجود و الغير مفهوم ..صدمت بالكثير من الحقائق .. و الأكاذيب .. عايشتها و مارستها و أضعتها ..
سرت قليلا في مسلك قديم نحو المدرسة , حين رأيته واقفا بقامته الممشوقة , أسرعت نحوه ..و سألته "أبي ؟ "
نظر في وجهي بنفس دُفْقة الحنان التي عرفتها , كأنها حقيقة لا تضمحل تحت الضروف ..قال " إذهب ..مازلت محبوسا في زمنك .."
قلت له رغم أنّي لا أشعر بإندفاع " لا أريد , أحبّ أن أبقى معك ..."
إبتسم بسعة مغدقة و قال " ستبقى .. يوما ما .. أنظر هناك ...."
إلتفتّ لا شعوريا حيث أشار , لأجدني أقفُ مجددا في غرفة العمليات , بين هلع الموجدين على جسدي المسجي و المختنق بالمادّة , أغمضت عيني في هناء و حبور غريبين ..و تركت الظلام يكمل المسيرة ..لتنتهي الأصوات و تغلق المنافذ و ......أفقت .."
همهمت أن أقاطع مخاطبي وهو يرفع كوب ماء صاف نحو شفتيه , حين أكمل قائلا , "حين فتحت عينيّ , إبتسمت لزوجتي المذهولة بعد أن سألتها " لم ينكسر هاتفك حين وقع أليس كذلك؟.."
لم تستطع أن تردّ بسؤال " كيف تعرف ؟ " و قد إبتسمت لأخي قائلا " كما قلت , عدت مجددا" وحين قلت لزجتي و هي تضع الهاتف على صدغها " أخبري أمّي أن الفيلم رائع , و أنه سيعرض مجددا و سأكون بجانبها ..."
مرت سنوات يا صديقي , و مازلت أذكر كل التفاصيل .. بوعي لا أعرف ما هو أو اين المصدر.. حين كان كل من خاطبتهم بعدها من المصلين في الصف الأول يومها , أنّهم كانوا في الصفّ الأوّل يومها ..."
لا أعلم ما أقول لصاحبي .. بقيت أبحث في ثنايا و خلايا عقلي .. لم أجد الأجوبة
قلت له " حمد لله على السلامة "



بقلم نادر عامر
 
أعلى