• كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها

متلازمة العذاب

GhassenIbrah

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 ديسمبر 2013
المشاركات
2.574
مستوى التفاعل
8.276
كعادتي كل يوم من أيام العمل، أتوجه إلى محطة مترو الأنفاق، أقف على رصيف الانتظار وكل رجائي ألا يبدأ عمال المحطة بجر الحواجز الحديدية، وإن فعلوا فستراني أضغط على أسناني بشدة وقد بدى على ملامحي السخط والغضب والعصبية. أتمنى في تلك اللحظة أن أهوي بذلك الحاجز الحديدي على أمهات رؤوسهم جميعا، ولكني لا أستطيع إلا أن أهرول إلى مكان قصيّ. اهتديت فيما بعد إلى فكرة تسجيل مواعيد تحريك الحواجز الحديدية، مع كثير من الانتباه وقليل من الحظ أمكنني تحديدها بدقة فتراني من يوم الغد أتحين الوقت المناسب للخروج من المنزل لأصل المحطة في غير تلك المواعيد.

يصل المترو وقد حشر بمئات الأجساد، أحشر نفسي بينهم ومنتهى رجائي ألا تلوك إحدى الأفواه المجاورة علكة أو ما شابه. لعلها صاحبة جمال أخاذ ولكنها تغدو في نظري أقبح خلق المعمورة ما أن تحرك فكيها تجتر علكة. وإن منيت بواحدة فتجدني أحرك قدمي بعصبية إن كان لها متسع بانتظار المحطة القادمة فأسرع بالنزول وأنتظر المترو الموالي...
يتبع
 

GhassenIbrah

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 ديسمبر 2013
المشاركات
2.574
مستوى التفاعل
8.276
أبلغ مقر العمل فتراني أمعن النظر في عيني زميلتي الضيقتين. أتراها تفطنت إلى أني الفاعل؟ لا أعتقد، فهي أبعد من أن تظن بي الظنون وأنا صاحب الابتسامة الوديعة. قد خربتُ بالأمس، غير آسف، لوحة مفاتيحها باهض الثمن، قالت متحسرة أن ثمنه يبلغ ما يعادل 450 دينار واستغربتْ أنّى لمثله أن يعطب بهذه السرعة. إنه من النوع الميكانيكي الفاخر، ولكن علته عندي، وميزته عند غيري، أنه يصدر صوتا بليدا حادا عند النقر عليه. وأكاد أقسم، لو عادت بمثله فسأعود بمثل ما صنعت.

يحين وقت الغداء فتجدني أسابق الريح إلى جهاز الميكروويف. لا ينبغي لأحد غيري أن يسبقني إليه. لعل الجميع يرميني بالفظاظة والأنانية، ولكني لا أبالي. أرتدي معطفي وأذهب بوجبتي خارج المبنى، أتخذ مكانا لا تصله الريح وأتناول غدائي في طقس ما دون الصفر بقليل كمتسكع متشرد. أنهيه بسرعة قبل أن يجهز البرد على أوصالي ثم ألج مبنى مجاورا أتسكع بين متاجره إلى أن يحين موعد العودة إلى العمل.

ولعلي أصل إلى العمل ومازال أحد من جواري يأكل، حينها ألوذ بالمرحاض. رائحة البول أرحم على حواسي من صوت امتصاص شوربة ساخنة (شرووووبش) أو مضغ سلطة خضار (تقشط تقشط تقشط). قد حاول بعضهم فك طلاسم عزلتي بأن دعاني أكثر من مرة إلى تناول وجبة الغداء في مطعم مجاور أو في قاعة الأكل بمقر الشركة، ولكني كثيرا ما أتعلل بأكثر العلل سذاجة وسخافة واستخفافا بالعقول. فانصرفوا من حولي ورموني بالتكبر والغلاظة، ولا أبالي. أفضّل أن أُنعت بمثل ذلك على أن أجهز على أحدهم أو أن أقحم وجهه في طبق شوربته إن استطعت تمالك نفسي.

يتبع
 
التعديل الأخير:

GhassenIbrah

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 ديسمبر 2013
المشاركات
2.574
مستوى التفاعل
8.276
أدرك البيت وقد حرصت زوجتي على تناول سلطتها قبل وصولي، ولا تدع من الأكل لتناوله سويا غير الذي لا يصدر إلا القليل من الأصوات، هي تدرك ما يلم بي، قد قرأت عن علتي وحرصت على تتبع خباياها، وتفهمت ذلك وإن كرها وعلى مضض. أحيانا تطلب مني رفع صوت التلفاز لأنها تريد أن تتناول سلطة، أو تتوسل رجاءً أن تتناول لبان إن اشتكت من شيء في معدتها. تدرك جيدا أن أدنى صوت من تلك الأصوات قادر أن يوقظ ذلك الوحش داخلي، أبدأ بتحريك قدمي ويدي بعصبية، تتسارع دقات قلبي، أشعر بالغيظ والحنق، ينتابني الغضب، أتعرق، أشعر بالإرهاق والإجهاد لمجرد سماعي لمثل هذه الأصوات، بل أصاب بالانهيار أحيانا ولا أشعر بيدي وقد كادت تحطم بابا وأغراضا أخرى. إنها متلازمة الميزوفونيا أو الميسوفونيا يا سادة، أو ما يعرف بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية. واحد من كل مائتي ألف شخص حول العالم يعاني من هذه المتلازمة.
فإن بدأ أحدهم بأكل رقائق البطاطا المقلية في عربة القطار وإن كان في أقصاها، فإني أقوم من مكاني وأقف بين العربتين ولعي أبتعد أكثر إلى المدى الذي لا يصلني معه من صوتها شيء، فلا أرجع لمكاني إلا حين ينتهي منها حتى وإن طال الوقوف لعشرات الدقائق. ثم أعاود الوقوف لإن إحداهن تلوك علكة... أو أطلب من جليسي وقف تحريك قدميه أو يديه وأحيانا بجلف وغلظة. أنهض من مكاني إلى زميل في العمل فأمد يدي نحو قلمه وأوقف طقطقته على الطاولة وارجع لمكتبي دون أن أنبس ببنت شفة. بل أتذكر أني رمقت حماتي بغضب شديد ما عن بدأت تسلي نفسها ببذور عباد الشمس حتى إنها خافت واشتكت لزوجتي.
قد جربت سماعات الصوت العادية، ولكني كثيرا ما أضطر إلى رفع الصوت إلى الدرجة التي أدركت معها أني سأصاب بالصمم عما قريب. ثم اهتديت أخيرا إلى السماعات عازلة الصوت، اقتنيت أفضلها وأبهظها ثمنا. أصبحت قادرا على البقاء في نفس الميترو إلى أن أصل وجهتي، وعلى تجنب الصقيع عند تناول الغداء، وعلى تجنب الانهيار العصبي، أضحت زوجتي قادرة على أكل السلطة والتفاح وغيرهما بوجودي. صحيح أن هذه السماعات لم تجهز على جميع ما يكرب أذني، ولكنها أنقذتني من جنون وشيك ومن عزلة قاتلة.

1800ss_getty_rf_misophonia_sounds.jpg
 
التعديل الأخير:
أعلى