مُخْتَصَرُ غزوة فتح مكة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة souissiamine, بتاريخ ‏8 أكتوبر 2008.

  1. souissiamine

    souissiamine عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏26 مارس 2007
    المشاركات:
    394
    الإعجابات المتلقاة:
    489
      08-10-2008 21:34
    [​IMG]

    مُخْتَصَرُ غزوة فتح مكة​

    سبب الغزوة:
    جاء فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ " أَنّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ فَعَلَ " فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ إنّ بَنِي بَكْرٍ وَثَبُوا عَلَى خُزَاعَةَ لَيْلًا بِمَاءِ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ ، قَرِيبًا مِنْ مَكّةَ . وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسّلَاحِ . وَقَاتَلَ مَعَهُمْ بَعْضُهُمْ مُسْتَخْفِيًا لَيْلاً ، حَتّى لَجَأَتْ خُزَاعَةُ إلَى الْحَرَمِ .

    فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ لِنَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ قَائِدَهُمْ - يَا نَوْفَلُ إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ اتق إلَهَك . فَقَالَ كَلِمَة عَظِيمَة لاَ إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ . يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ . فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ. أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ ؟

    فخر ج عمرو بن سالم الخزاعي و بديل بن ورقاء الخزاعي [ و قوم من خزاعة ] حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعلموه بما كان من قريش و استنصروه عليهم، فأجابهم صلى الله عليه و سلم و بشرهم بالنصر، و أنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكداً العقد و أنه سيرده بغير حاجة.

    أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح:
    فكان ذلك ، و ذلك أن قريشاً ندموا على ما كان منهم ، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم و بين محمد صلى الله عليه و سلم و يزيد في الأجل ، فخرج ، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة ، فكتمه بديل ما كان من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها ، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعته ، و قالت : إنك رجل مشرك نجس . فقال: و الله يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

    ثم جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه صلى الله عليه و سلم بكلمة واحدة. ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فطلب منه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فأغلظ له، و قال : أنا أفعل ذلك ؟ ! و الله لو لم أجد إلا الدر لقاتلتكم به. و جاء علياً رضي الله عنه فلم يفعل ، و طلب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس ، فقالت : ما بلغ بني ذلك، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه و سلم. فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يقوم هو فيجير بين الناس، ففعل. و رجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه و منهم، فقالوا: و الله ما زاد ـ يعنون علياً ـ أن لعب بك.

    التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء:
    يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ قالت: واللَّه ما أدري. فقال: واللَّه ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول اللَّه؟ قالت: واللَّه لا علم لي، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً. فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل ثم أبو سفيان وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة. وقال: اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.
    وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال تحت قيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم فيما بين ذي خشب وذي المروة على ثلاثة برد من المدينة، في أول شهر رمضان سنة 8هـ، ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته.
    وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة،وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والمقداد، فقال: انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش، فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها، وقالا معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئاً. فقال لها علي: أحلف باللَّه، ما كذب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، واللَّه لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حاطباً، فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول اللَّه واللَّه إني لمؤمن باللَّه ورسوله وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ملصقاً في قريش، لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول اللَّه أضرب عنقه، فإنه قد خان اللَّه ورسوله، وقد نافق، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل اللَّه قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فذرفت عينا عمر، وقال: اللَّه ورسوله أعلم. ** أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3007) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2494) من حديثِ عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { .
    وهكذا أخذ اللَّه العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال.

    الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة:
    ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك سنة 8 للهجرة غادر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة متجهاً إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة رضي اللَّه عنهم من المهاجرين و الأنصار و قبائل العرب واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري.
    ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً، ثم لما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد اللَّه بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. وقال علي لأبي سفيان بن الحارث ائت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ** [يوسف: 91] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:{لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ** [يوسف: 92]

    الجيش الإسلامي ينزل بمر الظهران:
    وواصل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد فأفطر بعد العصر على راحلته ليراه الناس، و أرخص للناس في الفطر. ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران نزله عشاءً، فأمر الجيش، فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.

    أبو سفيان بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :
    وركب العباس بعد نزول المسلمين بمر الظهران بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم البيضاء. وخرج يلتمس لعله يجد بعض الحطابة أو أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها.
    وكان اللَّه قد عمى الأخبار عن قريش، فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار.
    قال العباس و اللَّه إني لأسير عليها أي على بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً. قال: يقول بديل هذه واللَّه خزاعة، خمشتها الحرب، فيقول أبو سفيان خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
    قال العباس فعرفت صوته، فقلت أبا حنظلة؟ فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل؟ قلت نعم. قال: مالك؟ فداك أبي وأمي. قلت هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش واللَّه.
    قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قلت واللَّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه.
    قال: فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على بغلته. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان، عدو اللَّه؟ الحمد للَّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وركضت البغلة فسبقت، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ،ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول اللَّه، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال: قلت يا رسول اللَّه، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول اللَّه، إني قد أجرت، ثم جلست إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت واللَّه لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر، فواللَّه لو كان من رجال بني عدي ابن كعب ما قلت مثل هذا، قال: مهلاً يا عباس، فواللَّه لإسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب، لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.
    فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع اللَّه إله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد.
    قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللَّه، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحملك وأكرمك وأوصلك؟ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء. فقال له العباس ويحك اسلم، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق.
    قال العباس يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن.

    الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة:
    وفي هذا الصباح - صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8هـ - غادر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند حطم الجبل، حتى تمر به جنود اللَّه فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول مثلاً سليم، فيقول ما لي ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء؟ فيقول مزينة، فيقول ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مر به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان اللَّه يا عباس من هؤلاء؟ قال: هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. ثم قال: واللَّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً. قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذن.

    قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي:
    ولما مر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال له العباس النجاء إلى قومك. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأخمش الساقين، قبح من طليعة قوم.
    قال أبو سفيان ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك اللَّه، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

    الجيش الإسلامي بذي طوى:
    أما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمضى حتى انتهى إلى ذي طوى وكان يضع رأسه تواضعاً للَّه حين رأى ما أكرمه اللَّه به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل.

    الجيش الإسلامي يدخل مكة:
    وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الفريق التي كلفت الدخول منها.
    و قد جعل صلى الله عليه و سلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على المقدمة ، و خالد بن الوليد رضي الله عنه على الميمنة ، و الزبير بن العوام رضي الله عنه على الميسرة ، و رسول الله صلى الله عليه و سلم في القلب.
    فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه. وقتل من أصحابه من المسلمين كرز بن جابر الفهري وخنيس بن خالد بن ربيعة. كانا قد شذا عن الجيش، فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً، وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخندمة فناوشوهم شيئاً من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلا فانهزم المشركون.
    وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الصفا.
    وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحجون عند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
    و قد أمن صلى الله عليه و سلم الناس إلا عبد العزى بن خطل ، و عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، و عكرمة بن أبي جهل ، و مقيس بن صبابة ، و الحويرث بن نقيذ ، و قينتين لابن خطل ، و هما فرتنا و صاحبتها ، و سارة مولاة لبني عبد المطلب ، فإنه صلى الله عليه و سلم أهدر دمائهم ،و أمر بقتلهم حيث و جدوا ، حتى و لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل ، و هو متعلق بالأستار ، و مقيس ابن صبابة ، و الحويرث بن نقيذ ، و إحدى القينتين ، وآمن الباقون .


    الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام:

    ثم نهض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا** [الإسراء: 81] {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ** [سبأ: 49] والأصنام تتساقط وجوهها.
    وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم اللَّه، واللَّه ما استقسما بها قط. ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسر بيده، وأمر بالصور فمحيت.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش:
    ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف، وجعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى هناك. ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد اللَّه، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسج صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع؟ فأخذ بعضادتي الباب، وهم تحته، فقال: لا إله اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا، كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا، وقتل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها.
    يا معشر قريش، إن اللَّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ** [الحجرات: 13].

    لا تثريب عليكم اليوم:
    ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم، قالوا: خيراً، أخ كريم وابن آخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ** [يوسف: 92] اذهبوا فأنتم الطلقاء.

    مفتاح البيت إلى أهله:
    ثم جلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي رضي اللَّه عنه، ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول اللَّه، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى اللَّه عليك، وفي رواية أن الذي قال ذلك هو العباس، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، وفي رواية ابن سعد في الطبقات أٌّه قال له حين دفع المفتاح إليه خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن اللَّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.

    بلال يؤذن على الكعبة:
    وحانت الصلاة فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم اللَّه أسيداً أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث أما واللَّه لو أعلم أنه حق لأتبعته، فقال أبو سفيان: أما واللَّه لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم. قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول اللَّه، واللَّه ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.

    صلاة الفتح أو صلاة الشكر:
    ودخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانىء بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان ضحى، فظنها صلاة الضحى وإنما هذه صلاة الفتح، وأجارت أم هانىء حموين لها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لها ذلك.

    خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من الفتح:
    ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إن اللَّه حرم مكة يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقولوا إن اللَّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب.
    وفي رواية لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس يا رسول اللَّه إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر.
    وكانت خزاعة قتلت يومئذ رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله.
    وفي رواية فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اكتبوا لأبي شاه.

    تخوف الأنصار من بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة:
    ولما تم فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم وهي بلده ووطنه ومولده قال الأنصار فيما بينهم أترون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ فتح اللَّه عليه أرضه وبلده أن يقيم بها وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول اللَّه، فلم يزل يقيم بها حتى أخبروه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: معاذ اللَّه المحيا محياكم، والممات مماتكم.

    أخذ البيعة:
    وحين فتح اللَّه مكة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا.

    إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة، وعمله فيها:
    وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يجدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى. وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره.


    الْمَصاَدر:


    • السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ لِابْنِ هِشَامٍ
    • الفصول في السيرة لابْنِ كثير
    • مُخْتَصَرُ سِيْرَةِ الْرَّسُوْلِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلشَيخِ ابْنِ عَبدِ الوَهَّابِ
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...