1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

حافلاتنا ... وأسلحة الدّمار الشّامل.

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة صاحب المقال, بتاريخ ‏23 أكتوبر 2008.

  1. صاحب المقال

    صاحب المقال القلم الذهبي

    إنضم إلينا في:
    ‏15 جويلية 2008
    المشاركات:
    223
    الإعجابات المتلقاة:
    3.373
      23-10-2008 14:30
    حافلاتنا ... وأسلحة الدّمار الشّامل

    :1::mad:.

    لا أدري إلى اليوم من الّذي دعا عليّ ذات أذان وباب العرش مفتوح فقال " اللهمّ لا تجعل عبدك هذا الاّ راكبا للحافلات إلى يوم الممات "... أي نعم يا جماعة الخير فأنا منذ أن كنت طفلا لم أعرف طعما للمواصلات إلاّ على ظهور الحافلات وحتى عندما إشتغلت لم أستطع أن أوفّر قرشا واحدا لأشتري به وسيلة نقل خاصة.. لذلك فقد أسلمت أمري للّذي خلقني ورضيت بالحافلة وسيلتي الوحيدة لنقلي من مكان لآخر ومن مصيبة لأخرى أيضا.. فركوب الحافلات أربع مرّات يوميّا لابدّ وأن يُوقع المرء في مشاكل لا حصر لها خاصة مع رجل مثلي يُعدّ - ولا فخر- مصبّا لبلاوي الدنيا ومصائبها...

    على كلّ.. عليكم أن تعلموا أنّ رحلة العذاب مع الحافلة تبدأ منذ الصباح الباكر.. مع أوّل إستعمال لهذه الوسيلة الكريمة.. فأنت ما إن تطأ قدمك أرض الحافلة حتّى تستقبلك روائح تتمنى بعدها لو أنك تتلمّس جهازك العصبي لتطمئنّ على سلامته.. ولقد صرت بحمد الله وبفضله خبيرا بما يملأ به الركاب معدتهم كلّ يوم.. فما بين الفسّ والنَّفس صرت أميّز بين آكل البيض على الريق.. وطاحن الثوم قبل النوم.. ومُمَصمص عشاء البارحة.. وأصحاب البطون الخاوية أمثالي...

    ولَكُم أن تتخيّلو حجم المعاناة وكلّ هذه الروائح الطيّبة تختلط في بعضها البعض لتفيض بها الرئتان الى ما شاء الله من الوقت.. على كلّ أنا متأكد بأنّه لو قامت الدراسات المخبريّة والمجهريّة والفوق ما ورائيّة على هذه الروائح لأَثبـتَـتْ بأنّ خطرها أشدّ فتكا من خطر التدخين وبأنّها ترتقي حتما إلى منزلة الغازات المميتة.. ولكن من سيهتم، فالمنسيّون أمثالي ليس مهمّا بماذا أو لماذا يموتون.. ولكن المهم أن يموتوا، ويريحون العالم من أعباءهم ومطالبهم الّتي لا تنتهي..

    على أنّ هذا المسلسل المكسيكيّ الركيك مع أزمة الروائح يُعتبَر هيّنا أمام بعض المواقف الّتي يجد الواحد منّا نفسه واقعا فيها، بدون سابق إنذار أو حتّى حمحمة.. مواقف تتمنّى بعدها لو أنّ أباك طلّق أمّك قبل إنجابك.. حتّى لا تعيش تلك اللّحظات وما أكثرها.. وما أصعبها.. وما أشدّ وطأتها..
    من تلك المواقف أو البلاوي المرّة.. أذكُر ما حصل لي ذات يوم صيفيّ قائض.. فقد كنت راكبا الحافلة كعادتي.. واقفا بجانب الشبّاك أتنسّم بعض الهواء الطّازج.. وكانت هناك من بين الراّكبين سيّدة بدينة، جالسة قبالتي على كرسيّ أكاد أسمع أنينه من ثـقـل ما يحمل.. وبما أنّ السيّدة كانت نائمة أو - هكذا بدا لي- فقد كنت أختلس إليها النّظر...
    مرّةً متعجّبا من بدانتها المفرطة.. ومرّةً تلبية لدعوة الشّيطان لعنة الله عليه.. فبصراحة كان لهذه السيّدة صدر.. حسبته في لحظة ما بأنّه مطار دوليّ.. أو قاعدة أمريكيّة أُستُحدِثَتْ في البلاد مؤخرا.. من فرط رحابته وفساحته – اللهمّ لا حسد وبارك الله في أموال الصّارفين عليه وعليها – قلت إذن بأنّ هذه الضخامة أجبرتني على أن أسترق إليه النّظر من حين لآخر.. دون أن أنسى بأن أستغفر الله بين نظرة وأخرى.. وبينما كنت مستغرقا في نظرات الكرّ والفر تلك.. دفعني أحد الركّاب وبشدّة من دون قصد لينزل من الحافلة قبل أن تغلق أبوابها.. المشكلة أنّه بدفعي ذاك أفلتت التذكرة من يدي.. وقبل أن أتمكّن من مسكها سقطتْ الملعونة ويا ويلي من سقطتها تلك.. أتعلمون لماذا..؟ لأنّ تذكرتي المصونة سقطت على صدر تلك المرأة البدينة.. وهوب.. إختفتْ التذكرة من سطح المطار إلى أنفاقه.. وكأنّ آلة شفط سحبتها في رمشة عين.. فأحسستُ ببعض الإنقباض وأنا لا أدري ما عليّ القيام به.. وقبل أن أتوصّل إلى حل، صعد الحافلة مراقب التذاكر.. الّذي ينزل نزول القضاء من حين للآخر وبصورة مفاجئة للتـثـبّت من إقتطاع كلّ راكب لتذكرته.. عندها أحسست بجفاف في حلقي.. وتمنّيت لو أنّ الحافلة تنشق وتقذفني بعيدا عن موقف هو لناظره قريب.. وبالفعل إقترب منّا حضرة السيّد المراقب وطلب منّا الإستظهار بالتذاكر.. فبدأتُ أفتّش جيوبي وأنا لا أعرف ما سأقول.. المفاجأة كانت مع السيّدة البدينة.. الّتي – وبكلّ ثقة في النّفس- أدلتْ بدلوها عفوا بيدها في ذلك الصدر الدولي لتُخرج منه التذكرة.. هل كانت تذكرتي.. أم تذكرتها.. هل أطلب منها أن تبحث أكثر لتُخرج التذكرة الثانية.. أم تُراها لم تقتطع تذكرة أصلا وأنّها كانت دارية بتذكرتي الّتي حطّت على مطارها المنحوس.. أسئلة كثيرة تدافعتْ إلى رأسي في تلك الثواني القليلة قبل أن يصفعني صوت المراقب وهو يستحثني قائلا هيّا يا سيّدي أخرج تذكرتك.. تذكرتي..؟ قلتها بكلّ بلاهة وقلبي يكاد يقفز من مكانه من شدّة الحيرة والخوف.. " في الحقيقة.. قلتها متلعثما.. في الحقيقة تذكرتي سقطت منّي يا سيّدي".. فضحك المراقب ضحكة مجلجلة قائلا: هذه قديمة أليس لك عذر آخر.. فقلت له.. أقسم لك يا سيّدي إنّني إقتطعتُ تذكرتي ولكنّها سقطت..فقال وهو يسحبني من يدي كلصّ ضُبط متلبّسا.. هذه قلها هناك.. فقلتُ له أين لا تقل لي في مخفر الشرطة.. فقال مستهزئا.. لماذا هل خرجت منه البارحة.. فقلت لا والله يا سيّدي، إنّني رجل شريف.. فقاطعني وهو لا يزال يسحبني سحب الشاة إلى باب الحافلة قائلا: كلكم تغنّون نفس الإسطوانة.. قسما بالله لو كنت حاكما لقطعتُ دابركم من على سطح الأرض.. عندها إقتربتُ منه وهمستُ في أذنه: بشرفي لقد سقطت التذكرة على صدر تلك المرأة.. ثمّ إختفت بين ثناياته.. فصاح المراقب صيحة خلتُ معها أنّ الصّدر الّذي كنت أتحدث عنه قد ورّثه له أبوه قبل مماته.. ثمّ تابع مزبدا.. خسئتَ ألَمْ تجد عذرا أقبح من هذا لتقوله.. قسما عظما لأسلّطنّ عليك أشدّ ما يمنحني إيّاه القانون من حقّ في عقابك..وبالفعل لم يدّخر حضرة المراقب جهدا في معاقبتي.. فقد حرّر بحقي مخالفة ذهبت بنصف راتبي.. وأمضاني على إلتزام يحملني للسّجن مباشرة لو تمّ إلقاء القبض عليّ مرّة أخرى دون إقتطاع تذكرة.. هذا إضافة إلى الأيام الّتي أمضيتها في الجري بين مختلف الإدارات لإتمام الإجراءات.. والّتي أكلت أربع أيّام من عملي غير خالصة الأجر طبعا.. فسحقا للمطارات الدولية.. و للأسلحة النوويّة.. ولمناطق حظر الطيران البشرية.. وتبّا لتلك للحافلات الّتي جعلت من المصائب والويلات أكلتي اليوميّة.



    بقلم إلياس القرقوري.
     
    33 شخص معجب بهذا.
  2. s.sabry

    s.sabry كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أفريل 2008
    المشاركات:
    4.637
    الإعجابات المتلقاة:
    19.269
      23-10-2008 16:28
    بسم الله الرحمان الرحيم
    مقال ساخر ساخط بأسلوب تهكمي يقفز من بين العبارات والسطور قفز من اعتاد ركوب الحافلات الجافلات من المحطات التي لا يراها الا القليل من سائقي هذه الناقلات التي اجهزت على ماتبقى من العقول ونهبت بركابها ما جمعنا من النقود في الصباح دفع للاخر ودفع للمستخلص وفي المساء هرولة نحو بطاحي تجميع انواع الأجناس لحملهم الى حيثو يحنون.
    انا مثلك يا صاحب المقال اعاني مما قلت ومما سيقال والاكثر من ذلك احيانا تجد نفسك على اخذ وضع مع من لا تحب واخرى تتنفس على هوى ذاك الذي بيده غلق الشباك او فتحه اذا شاء.
    اما نصيحتي لك يا صاحب المقال لا تنظر الى مطارات غيرك وان الزموك فكل مطار له ركابه واختر انت لنفسك مطار تهبط فيه ولا يكون لغيرك منزلا فالله قد خلقنا وجعل فينا من قوة كبح جماح النفس ما يغنينا عن اطلاق ضوء العين فانظر اخي نتيجة جرمك الا وهو اطلاق بصرك فكان عاقبتك ان اطلقت منك تذكرة الحافلة فغاضت في مكان ليس لك ولم تستطيع ان تثبت انك صاحب المفقود ودفعت ما لذا وطاب لمن سلط عليك العقاب
     
    17 شخص معجب بهذا.
  3. صاحب المقال

    صاحب المقال القلم الذهبي

    إنضم إلينا في:
    ‏15 جويلية 2008
    المشاركات:
    223
    الإعجابات المتلقاة:
    3.373
      23-10-2008 18:05
    شكرا اخي الكريم على ملاحظتك الرشيقة.. بقي ان اشير الى ان المقال يأخد جانبا من جوانب الحياة المعاش بشكل كاريكاتوري ساخر ومبالغ فيه يندرج في اطار الادب الساخر دون ان يعني باني انا من عاش كل هده الواقعة... فأنا لست ممن ينظرون لما لا يملكون
    مع التحية..
     
    9 شخص معجب بهذا.
  4. polo005

    polo005 صديق المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏2 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    5.415
    الإعجابات المتلقاة:
    10.529
      23-10-2008 18:18
    السلام عليكم

    أخ إلياس, ما ذكرته ليس إلا قطرة من فيضان المعانات التي يتكبدها أمثالنا من النقل و أهله, ففي كل يوم تطرب آذاننا لحكايات نتندر بها و نضحك منها و لكن هي في الحقيقة مأسات نعيشها و لا نملك إلا أن نعيشها.
     
    7 شخص معجب بهذا.
  5. nasano

    nasano نجم المنتدى عضو قيم

    إنضم إلينا في:
    ‏24 جويلية 2008
    المشاركات:
    2.097
    الإعجابات المتلقاة:
    6.680
      23-10-2008 20:36
    :kiss:
    حافلاتنا ... وأسلحة الدّمار الشّامل
    :kiss::kiss:
    مع ألف شكر على المقال الجميل
    نحمدو ربي ما فاقش بيهم "هانس بليكس " والباقي راهو رصاتلنا في مشاكل مع ما يسمى بمجلس الأمن

    :easter::easter:
     
    6 شخص معجب بهذا.
  6. prince2ombre

    prince2ombre صديق المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏15 جويلية 2008
    المشاركات:
    2.359
    الإعجابات المتلقاة:
    9.470
      24-10-2008 01:33
    أخي إلياس شكرا على الموضوع لكني ألومك لأنك تغاضيت عن إيجابيات نقلنا الجميل
    ألا ترى معي أننا بركوبنا لهذه الصناديق المتحركة نكتسب عديد الأشياء
    فالروائح التي تكلمت عنها هي تحضير و تدريب لنا على الحروب الكيميائية

    ثم ألا ترى معي أننا لو أخذنا أيا منا للمنافسة في أكبر الشواطء العالمية لبرع في ركوب الأمواج وكان الأكثر توازنا على تقلبها

    وكيف تلوم المراقب وقد أراد بك خيرا,أصدقني القول ألم تتعرف في تجوالك الطويل لتسوية وضعيتك على إدارات جديدة وكيفية عملها وسيرها و قوانين لا يسمع بها المواطن إلى في مثل زيارتك وأنت كنت لا تفارق مكان و نظام عملك فكسر عليك روتينا أكيد أنه أقلقك

    أما تلك المرأة المسكينة فأي ذنب إقترفت غير تواجدها في نفس الزمان بتلك الحافلة فهي وأمثالها من الطفيليين ومن يعيشون على الفرص الضائعة لا يتواجدون عادة بحافلات إلا أنه يبدو أنها لم تبرع بعد في فنون ’التهنيد’وإلا لكانت في إحدى السيارات
     
    4 شخص معجب بهذا.
  7. رمح الليل

    رمح الليل كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏10 مارس 2006
    المشاركات:
    9.433
    الإعجابات المتلقاة:
    21.487
      24-10-2008 02:05
    أولا السلام عليكم

    ---------------
    ثانيا أدعوا الله لك ان لا يعاد لك هذا الموقف و مشتقاته

    -------
    اخي الكريم بالرغم من أسفي على هذا الحال إلا أنه شرفني أن أقرأ لك
    و شرفني أن يكون في هذه البقعة من الأرض أناس لهم أقلام تجف لها الأقلام . و لا اجامل .


    -------------------
    يقال أن الجهل مصيبة
    و لكني أراه أحيانا مكيدة و أحيانا أخرى خصلة مفيدة ،
    لأن المثقف يتأثر بكل ما حوله و لا يفوته شيء مما يعانيه إلا أن الجاهل لا يهتم لا لهذا و لا لذاك
    -----------

    إليك هذه الهدية المتواضعة على ضفاف بحر الأنترنت

    [​IMG]

    رمح الليل
     
    4 شخص معجب بهذا.
  8. khaldoun

    khaldoun كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    15.771
    الإعجابات المتلقاة:
    36.150
      24-10-2008 09:11
    :wlcm:
    مرحبا،
    كعادتك أخي إلياس أسلوبك مُميّز في طرح القضايا، مقال رجع بذاكرتي إلى مقامات المويلحي والهمذاني أو إلى نصوص أديبنا الدّوعاجي، طريقة ذكيّة وساخرة للتطرّق إلى قضيّة النقل ووسائله ومشاكله في ربوعنا بتفاوت بين المناطق والوسيلة المُعتمدة، شخصيّا لم أمتطِ الحافلة منذ سنوات وقد أنساني قطار الضاحية الجنوبيّة ما وجدته من الحافلات أثناء الدراسة في الجامعة ولكن تبقى ظاهرة "النشلة" والسّرقة داخل الحافلات من أشدّ ما يعانيه المواطن وتهون معها حكاية الروائح والمناظر المزعجة التي يشاهدها داخل الحافلة.
    :satelite:


     
    8 شخص معجب بهذا.
  9. s.sabry

    s.sabry كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أفريل 2008
    المشاركات:
    4.637
    الإعجابات المتلقاة:
    19.269
      24-10-2008 10:20
    اخي الياس لو لاحظت في بداية كلامي لوجدت باني بينت شدة سخرية المقال, فلذلك اردت ان اساير اسلوبك فاتبعته بتلك الدعابة في آخر كلامي.
    ربما اخذت كلامي على محمل الجد لا الهزل, لكن اقول لك لا يغالطنك ما كتب تحت اسمي فليس لانني ملتزم "وارجو ان اكون كذلك" اكره المرح والمزاح.
    انا افتخر بمثل اقلامك يا رجل .
    لك مني كل الود والاحترام
     
    2 شخص معجب بهذا.
  10. صاحب المقال

    صاحب المقال القلم الذهبي

    إنضم إلينا في:
    ‏15 جويلية 2008
    المشاركات:
    223
    الإعجابات المتلقاة:
    3.373
      24-10-2008 15:02
    ها الحكاية بصدق ضاعت عليّ وعلى فهمي المتواضع.. يا خويا على الدزة هاذي الحافلات متاعنا الاّ ما يوليو يقريو عليهم في جامعة اكسفورد والسربون ويا ويلو يا طول ليلو اللّي حكى عليهم بالخايب.. على مزبلة التاريخ طوّالي.. وفي صفوف الجُهّال هو لولاني.. قالو حتى هوما ناس بكري الجهل مصيبة..
    تحياتي :kiss:
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...