1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة
  1. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:44
    هونج كونج تعيش مع درويش في أمسية غير مسبوقة!

    حضر الصينيون فملأوا أماكن الجلوس والوقوف ، وغاب العرب!!

    الندوة العربية - هونج كونج - 5 أكتوبر 2008


    كتب: سيد جودة - هونج كونج



    لم تكن أمسية عادية تلك التي نظمها الشاعر الصيني الكبير "بي داو" ، الذي التقى بمحمود درويش عدة مرات كان آخرها في برلين منذ ثلاث سنوات. كانت أمسية تليق بمحمود درويش ، أكبر شاعر عربي ، وتليق بـ "بي داو" ، أكبر شاعر صيني في وقتنا الراهن. لا أذكر أمسية شعرية في هونج كونج ، التي أقطنها منذ ستة عشر عاماً ، امتلأت فيها القاعة هكذا ، حتى أماكن الوقوف امتلأت!

    بدأت الأمسية في تمام الرابعة عصراً بكلمة للشاعر الصيني "بي داو" عن محمود درويش قال فيها إن يوم الخامس من أكتوبر 2008 ليس يوماً عادياً ، فهناك أكثر من مائة مدينة في أنحاء العالم تحيي ذكرى درويش بقراءة أشعاره بلغات مختلفة ، وقال "بي داو" بأنها ربما تكون أول مرة يحدث هذا في التاريخ. ثم قرأ "بي داو" قصيدة كتبها عام 2002 بعد زيارته لرام الله والتقائه بمحمود درويش ، وتحدث عن مقال كتبه في ذلك الوقت وأثار غضب واعتراض الحكومة الإسرائيلية آنذاك. كانت الفقرة التالية قراءة لقصيدة "أنا من هناك" و أجزاء من قصيدة "لاعب النرد" بإلقاء الشاعرة الأمريكية مادلين ماري سلافيك للنسخة الإنجليزية ، والشاعر الصيني زن داني للنسخة الصينية ، والشاعر المصري سيد جودة للأصل العربي. أعرب الحاضرون عن دهشتهم حين ألقى جودة القصيدتين من الذاكرة دون القراءة من ورقة ، وسألوا الشاعر كيف تسنى له حفظ كل هذا. أجاب جودة بأنه كان يستطيع أن يقرأ من الورقة ولكنه أراد أن يرسل رسالة للحاضرين بأن كلمات محمود درويش ستظل في قلوبنا وسنظل نرددها حتى بعد رحيله!

    توالت قراءات الشعراء الصينيين المقيمين في هونج كونج و الزائرين لها من ماكاو و الصين الشعبية خصيصاً لحضور الأمسية. كما شارك في القراءة الشاعر الإنجليزي مارتن ألكسندر بقراءته الترجمة الإنجليزية لقصيدة "إلى أمي". جديرٌ بالذكر أنه تم طباعة كتيب من خمس وثلاثين صفحة قطع متوسط يحتوي على عدد اثنتين وعشرين قصيدة لمحمود درويش مترجمة للغة الصينية وأربع قصائد مترجمة للغة الإنجليزية.

    تخلل القراءات عزف على الجيتار من الموسيقار الصيني وانج يانكواي صاحبه غناء وقراءة للفنانة الصينية بريسيلا لونج. كما تحدثت الصحفية الصينية تشيو يونج عن زيارتها لفلسطين عام 2002 ولقائها بمحمود درويش أكثر من مرة وذكرياتها وانطباعها عن الشاعر الكبير. ذكرت تشيويونج أنه سألها ذات مرة عن عبارة "أنا أحبك" باللغة الصينية ، وحين سألته عن السبب قالها لها بكل جدية: "لأننا افتقدنا الحب بيننا ، ويبدو أنه انتهى في لغتنا ، ولهذا فإنه من الجميل أن نسمع هذه العبارة بلغات أخرى لعلها تلهمنا الحب الذي نفتقده".

    تحدث أستاذ في جامعة بابتيست هونج كونج قائلاً بأنهم وجهوا الدعوة لدرويش منذ عامين لزيارة هونج كونج فاعتذر لسببين: السبب الأول هو عدم رغبته في قطع كل هذه المسافة في الطيران ، والسبب الثاني هو قناعته بأنه لا أحد يعرفه في هونج كونج! وأكمل الأستاذ الجامعي كلمته قائلاً: واليوم ها قد رأينا بأن محمود درويش كان مخطئاً وبأنه لو زار هونج كونج لأدرك كم نعرفه وكم نحبه".

    بعد الأمسية كان جودة يحادث الصحفية "تشيويونج" وخاطبها باسمها الإنجليزي "سوزانا" ، فطلبت منه أن يناديها باسمها الصيني وأخبرته أن محمود درويش أعرب عن دهشته من أن لها اسماً غربياً ، فشرحت له أنها عادة أهل هونج كونج أن يكون لهم أسماء غربية إلى جانب أسمائهم الصينية لأن هونج كونج كانت مستعمرة بريطانية. قال لها محمود درويش: إن اسم الإنسان هو هويته. لذلك لا يجب عليك أن تستخدمي اسماً غربياً لأنه لا يمثلك ، بل استخدمي اسماً صينياً لأنه يحمل هويتك!

    بعد الأمسية وأثناء حوارهم مع الشاعر جودة أعرب مدراء تحرير المجلات الأدبية الصينية في الصين الشعبية وماكاو وهونج كونج عن عميق إعجابهم بشعر محمود درويش وطلبوا منه أن يتعاون معهم في إعداد ملفات خاصة عن محمود درويش يتضمن ترجمات صينية لأشعاره. هذا وستصدر هذه الملفات الخاصة بكل مجلة على حدة خلال شهري نوفمبر وديسمبر من هذا العام.

    الشيء الوحيد المخجل في الأمسية هو أنه لم يحضرها عربي واحد من العرب المقيمين في هونج كونج ! ولكن لا عليك يا درويش! فهم إن حضروا فالشرف لهم وليس لك! حتى وإن حضروا فلم يكن هناك مكان لهم ، فالصينيون قد ملأوا الأماكن ، فكان غيابهم جديراً بهم ، أما أنت فكنت حاضراً برغم الغياب وهذا يكفينا! شكراً لهذا الجمهور الصيني الذي ملأ القاعة ، وشكراً للصحافة التي غطت الحدث ، وشكراً لرجال التليفزيون الذين سجلوا الأمسية بكاميراتهم لتكون وثيقة تشهد بما يتمتع به درويش من حب في قلوب الصينيين ، وشكراً للشاعر الكبير "بي داو" وكل الشعراء المشاركين والمنظمين لتلك الأمسية الغير مسبوقة لشاعر غير مسبوق!







    ترجمة لنص الكلمة التي ألقاها الشاعر الصيني الكبير "بي داو"

    ترجمها عن الصينية سيد جودة

    كلمة في إحياء ذكرى درويش
    بي داو - الصين



    اليوم ، 5 أكتوبر 2008 ، ليس يوماً عادياً: فهناك أكثر من مائة مدينة في القارات الخمس تقيم قراءات شعرية بمختلف اللغات إحياءً لذكرى شاعر رحل عنا مؤخراً. ربما يحدث هذا لأول مرة في التاريخ الإنساني. لهذا فإن هونج كونج وتايبيه انضمتا لهذه القراءة الشعرية العالمية كمدينتين ممثلتين للشعب الصيني.

    الشيء المحزن هو أننا نعيش في عالم محكوم بالسلطة والمال ، والإنسان الذي بلا مال أو سلطة إما أن يكون عبداً لهذا العالم أو أن يكون عدوه. إننا نحيي ذكرى درويش ، نحيي ذكرى شاعر ليس فقط بلا سلطة ولا قوة ، ولكنه حتى بلا بلد ٍ، لكنه استطاع أن يقول لهذا العالم: "لا"!

    إننا لا نتوقف عن التساؤل: لماذا الشعر؟ اليوم وفي هذه اللحظة التي يحيي فيها شعراء العالم ذكرى درويش بكل لغات العالم ، ربما نستطيع تجديد فهمنا لعظمة الشعر ومأساته: فالشعر هو سلطة من سلطة له ، ثروة من لا ملكية له ، وطن من لا وطن له.

    إنه الشعر الذي يجمعنا جميعاً هنا ، متخطياً العِرْق ، الوطن ، الوعي ، والثقافة. ربما مثلما قال درويش في شعره: "أنا من هناك" ، فـ "هناك" هذه هي مكان واحد تحلم به البشرية يمثل المعرفة الحدسية ، والشجاعة وقوة الإبداع. وبسبب هذه الـ "هناك" ، كانت هذه اللحظة وهذه الهوية ، وكانت هناك إمكانية أن نتخطى الوجود الواقعي.
     

  2. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:46
    هونــج كونــج توقــد الشـموع لـروح درويــش

    النــدوة العــربيــة - هونــج كونــج -

    28 أغسطس 2008




    في صالونها الأدبي الشهري نظمت الندوة العربية مساء اليوم أمسية شعرية لقراءة ومناقشة أشعار محمود درويش باللغات العربية والصينية والإنجليزية.



    بدأت الأمسية التي استمرت لساعتين في تمام الثامنة بكلمة للشاعر سيد جودة عن محمود درويش ومدى أهميته في العالم العربي كشاعر أول أخلص للشعر فأخلص له الشعر، وعن مدى مكانته في العالم أيضاً ، وأنه كان الشاعر الوحيد في العالم الآن الذي من أجله كان يمكن أن تحدث أزمة مرور عند زيارته لبلد ما ، وأنه ربما الشاعر الوحيد في العالم الآن الذي كان اسمه كفيلاً بأن يملأ مدرجات استاد لو كانت قراءته في استاد وذلك لما يتمتع به من كاريزما خاصة لا يحظى بها شاعرٌ آخر في وقتنا الحالي. تحدث بعدها جودة عن ثلاث خصائص في شعر محمود درويش وهي أولاً: أنه استطاع أن يرضي القراء الثلاثة ، وهم الناقد المتخصص والقارئ المثقف والقارئ البسيط ، وفي إرضائهم جميعاً ما يشبه المستحيل ، إلا أن درويش نال رضاهم واحترامهم جميعاً. ثانياً: التواضع في رؤيته لنفسه ، حتى أنه لم يكن يرى نفسه شاعراً كبيراً ، ولم يكن يرى نفسه يستحق جائزة نوبل من الناحية الفنية ، بعيداً عن أية أسباب سياسية ، وكيف أن هذا يؤكد كم كان ذلك الشاعر عظيماً ، ولولا تداخل وتشابك خيوط الأدب بالسياسة لنال الجائزة باستحقاق. ثالثاً: الرؤوية فمحمود كان شاعراً رائياً كتب عن موته كأنه رآه قادماً إليه في يوم بعينه وساعة بعينها حين كتب في "أثر الفراشة" : صدقت أني مت يوم السبت! وهو بالفعل مات يوم السبت التاسع من أغسطس! كل هذا يؤكد أن محمود درويش كان من الشعراء الذين لا يوهبون للعالم إلا مرة كل عدة عقود.



    قبل بدء قراءة أشعار محمود درويش أوقد الحاضرون الشموع لروح محمود درويش ، ثم بدأت القراءة بقصيدة "لاعب النرد" والتي قرأ جودة أجزاء تتعدى نصف القصيدة باللغة العربية ، ثم قراءة للترجمة الإنجليزية والصينية ، تلتها قصائد "إلى أمي" ، "كمقهى صغير هو الحب" ، "أنا يوسف يا أبي". قام بالقراءات شعراء وكتاب من جنسيات مختلفة مثل "مادلين ماري سلافيك (الولايات المتحدة) ، مايكل هولاند (أستراليا) ، مايكل بيرك (المملكة المتحدة) ، جميلة إسماعيل (كندا) ، ﭽودي كونج (هونج كونج) ، پولي هو (هونج كونج) ، كاثرين (هونج كونج). تخللت القراءات وتبعتها مناقشات حول كل قصيدة كما صاحبها عزف موسيقي لآلتي الدوتار والتانبور وهما آلتان وتريتان من أوزباكستان عزف عليهما الفنان يوﭽين من هونج كونج. لوحات بكاميرا الشاعرة والفوتوغرافية مادلين ماري سلافيك تم عرضها لتماشيها مع طقوس الأمسية.



    بعد هذه القراءات التف الحاضرون لالتقاط صور تذكارية حول صورة محمود درويش المحاطة بشموع تبكي لرحيله.
     
  3. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:49
    وقتٌ لبكاء الأصابـــع

    منير محمد خلف - سورية

    إلى الراحل الكبير محمود درويش





    جبتَ الجهاتِ فخانتِ العتبـــاتُ أسبابَ وصلك وانحنتْ دمعـــاتُ



    يا حاديَ الكلمات في ليل الأسى ما أنتَ إلا ضوؤهـــا وصفـــــاتُ



    إن كنتَ قد أرّختَ موتك هادئــاً طوبــى لهذا الموتِ فهــو حيــــاةُ



    ولئن تركتَ حصان صمتك مفرداً فلأنـه جمـــــعٌ وأنت كُمــــــــاةُ



    أهزمتَ يا موتُ الفنونَ جميعَهــا وتركتهـا يُتْمـــاً وهــنّ عــــــراةُ ؟



    فلمَنْ سنسمع بعد فقـدك يا أبا الـ.............. إبداع .. أنت رحيـقــــــه والذّاتُ ؟



    منحتكَ أحزانُ الحيـــاة حليبَـهـــا فتناوبتْ في حملك الآفــــــــــاتُ



    أبدعتَ حنطتنـــا وليلَ جفوننــــا وأقمتَ فينـــا ما طـواهُ سبـــــاتُ



    ونثرتَ شعرك في دروبٍ جمّــةٍ فتزاحمـتْ في خطوك الطّرقــاتُ



    حاولتَ أن تصغي لنبض فراشـةٍ تُركتْ على آثارهـــــا الخفقـــاتُ



    واصطدتَ في حلك الهزائم غيمةً بيضـــاءَ غطّتْ زيتَهــا الصبواتُ



    عسليّة المعنــى تفتّــحُ صبحَهــــا فتقـوم من نبض الشّذا الكلمــــاتُ



    أنشأتَ من شمّ الحروف بلادنــــا نحن الصغار أمـام بيتك باتـُـــــوا



    واستمتعوا بربيع صوتك وانتشَوا وصفَتْ لهم بنبيــذك الحـــــالاتُ



    تتسلّقُ الشّجــراتُ ظلّكَ .. إنهـــا سُحِرتْ بيوسفِ ظلّكَ الشّجـراتُ



    ولأنت في أفق الكــلام صلاتـه وسمــاؤه المغنــــاجُ والميقــــاتُ



    ما فاتَ قلبك أن تطير حمامــةٌ إلا وأنت أوانُها وفـَـــــــــــــواتُ



    لا تعتذرْ عمّــا فعلتَ من الغيا ................ بِ ، فكلّنا كالحاضرين عُصـــــاةُ



    محمودُ نصّكَ واحةٌ شمعيّة الـْ .............. مَرأى وموجُ حريرهـــــــا العَبَراتُ



    درويشُ صمتُك صائـدٌ وغزالةٌ والسّهــــمُ بينهمـــــــا هوىً ودواةُ



    مستقبلُ الكلماتِ ينحَــتُ مجدَه من ميمك المحمـــود وهو شتـــاتُ



    مستقبلَ الإبداع كنتَ ولم تــزلْ في الأرض تخطفُ وهجك المَلَكاتُ



    تتأمّــل اللحظـاتِ وهي غوافـلٌ لتهيــمَ في وقت الخيــــــال بنــاتُ



    فمديــحُ ظلّك للعـــراء عبــــاءةٌ وأقلُّ وردك لليـــــراع هِبــــــاتُ



    يا أيّها المرئــيّ والمخفــيّ فيــ ................ ـنا قد سكنتَ .. فعزّتِ الحركـــاتُ



    حرّكتَ أرض المفردات فغرّدتْ في أصغرينـــا حاجـــةٌ وصِـلاتُ



    وهززْتَ نخل الذكريات فطاب في ذاك السّرير بلاغــــةٌ وثبــــــاتُ



    ها قد وصلتَ إلى الحضور لكي تكمِّــلَ نقصَنــــا .. أو تزدهــــي الخطواتُ



    أجيالُ نهجكَ شُـرّبوا من ضوئه وتعرّفتْ في ليلهـــــم نكــــــراتُ



    من نهر إشراقٍ حرسْتَ ضفافه فتورّدت في الجانبيــن لغـــــــاتُ



    قنديلُ صوتكَ لم يزل في دربنا يمشي بنا .. إذ تختفي الأصــواتُ



    لم تبتعدْ عن أرض شعركَ ،إنما خانتك قبل الذّكريـــات جهـــــاتُ



    *******

    بيروت – آب 2008
     
  4. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:51
    رسالة إلى الشاعر محمود درويش

    عبد العزيز جويدة - مصر




    ليس للأشواقِ حدٌّ

    والهوى دربٌ طويلٌ

    قد قطعناهُ سويًّا

    ورجعنا غرباءْ

    شاعرَ الجُرحِ أجبْنا

    كيفِ تَبني أسطُرًا من بحرِ دَمْ

    تَبعثُ الأمواتَ منا

    كي يَهُبُّوا للفداءْ ؟

    كم تُعاني ، كم تُقاسي !

    تَحتسي عِطرَ المآسي

    ثم تَهمي فوقَنا شِعرًا جميلاً

    مثلَ زخَّاتِ الشتاءْ

    ***

    واقفٌ كالسيفِ تَلمعْ

    في عيونِ الكبرياءْ

    سوفَ تَبقى فارسًا دومًا عنيدًا

    فسيوفُ الشعرِ أمضى

    من سيوفِ الادعاءْ

    ضِفَّةٌ للجرحِ تبدو لي هنالِكْ

    وأنا جُرحي كذلكْ

    ضِفتانِ ..

    من جروحِ الأنبياءْ

    وأنا والليلُ نبحثْ ..

    عن طريق ،

    عن صديقْ ،

    أيِّ مقهى ...

    نتسامرْ ..

    ثم نجهشْ ..

    في البكاءْ

    ***

    قبةٌ من فوقِها درعٌ ورايةْ

    حين صارتْ كلُّ راياتِ العروبةْ ..

    "كربلاءْ"

    أولُ الراياتِ جرحٌ

    آخرُ الراياتِ فتحٌ ..

    في السماءْ

    ***

    أيها الداعي لنا

    ابقَ فينا

    علَّهُ يُجدي البقاءْ

    راكبًا مُهرَ القصيدةْ

    شاهرًا سيفَ المعاني

    في وجوهِ الأدعياءْ

    ساحةُ العيدِ جَبينُكْ

    كلُّنا جئنا نُصلي عندَ رأسِكْ ..

    في انحناءْ

    سوفَ نشتاقُ إليكَ

    كلَّ صُبحٍ

    لنشُمَّ ..

    من عبيرِ الشعرِ عطرًا

    إن في الشِّعر شفاءْ

    ***

    يَسألُ الأطفالُ عنكَ

    في طوابيرِ الصباحِ المدرسيَّةْ

    عاشقَ النايِ تَعبْنا من غِناءٍ

    كلما جئنا نُغني شِعرَنا

    غُصَّةٌ في الحلقِ تَذبحْ ..

    حبلَ صرْخاتِ الضحيَّةْ

    أيها الأمواتُ ندعوكم جميعًا

    للوقوفِ ..

    للحدادْ

    ونُعبِّئْ ..

    شعرَنا أكياسَ قمحٍ

    للعبادْ

    ويكونُ الطفلُ "محمودُ"

    الذي بالأمسِ سافرْ

    راحَ للموتِ وعادْ

    ***

    يا بُراقَ الموتِ ألهمني السَّكينةْ

    كي أردَّ ..

    بعضَ ما يومًا أخذتُ ..

    من هِباتْ

    يا تُرى هل بعدَ هذا الموتِ شيءٌ

    ربما إنْ كانَ شيْءٌ ...

    ربما طولُ السكاتْ

    إن يكنْ شيئًا جديدًا

    فامنحوني في فلسطينَ الحياةْ

    علِّموني قطعَ أعناقِ الغُزاةْ

    هذهِ أرضُ القيامةْ

    والقيامةْ ..

    سوفَ تأتي الآنَ من كلِّ الجهاتْ

    ليسَ للأرضِ أمانٌ

    كلُّ زلزالٍ تَخَفَّى سوفَ يَضرِبْ

    لا تَقُلْ لي : ومتى الزلزالُ آتْ ؟

    إن تأخَّرْ ليسَ يعني

    أن وقتَ الحسمِ فاتْ

    ***

    تُصبحونَ الآنَ في خيرٍ

    وأُصبِحْ ..

    في المنافي من جديدْ

    يا تُرى في الموتِ نُنفى

    من جديدْ ؟

    ونعاني من سجونٍ ومعابرْ ،

    وقريبٍ ، وبعيد ؟

    آهِ يا موتُ اختطفْني

    لا تُفكرْ في الأحبَّةْ

    اختطفني سوفَ أولدْ ..

    من جديدْ

    ياتُرى للقبرِ بابٌ ؟

    سوفَ أخرجْ ..

    للتنزُّهْ ..

    كلَّ فجرٍ ، كلَّ عيدْ

    سوفَ أنظُرْ ..

    من عيونِ الموتِ كُرهًا

    للطغاةِ ، والبغاةِ ، والعبيدْ

    وذراعي سوفَ تَخرجْ ،

    وتُلوِّحْ ..

    يابلادي للأحبَّةْ ..

    من بعيدْ

    آهِ ياموتُ اختطفْني

    سوفَ أقطعْ ..

    أيَّ بيدْ

    يا صغارَ القدسِ خلفي

    رددوا هذا النشيدْ

    كلُّ موتٍ نحن منهُ ..

    سوفَ نولدْ ..

    من جديدْ

    لا المجازرْ ..

    أنهكتْنا

    كيفَ نَفنى في المجازرْ ؟

    والخيامُ جمَّعتْنا

    لقَّبتْنا بالمُهّجََّرْ

    صنَّفتْنا بالشَّريدْ

    والدموعُ ، والدماءُ ،والمنافي ، والبريدْ

    كلُّها قد صادفتْنا

    بعدَها ماذا نريدْ

    والتجارِبْ ..

    علَّمتني أن في الآفاقِ بُعدًا

    لن أراهُ

    رغمَ أني كنتُ في يومٍ أريدْ

    ***

    يا صباحَ الشعرِ

    هل للشعر صبحٌ

    وبلادي تستقي كلَّ المشاعرْ

    كي تُسافرْ ..

    خلفَ راياتِ المحبَّةْ ..،

    والسلامْ ؟

    صبرَ أيوبٍ صبرْنا

    وانتهتْ أيامُنا

    قد تبعثرنا بآلافِ الخيامْ

    ليسَ هذا صبرَ أيوبٍ ولكن

    ذاكَ صبرُ العجزِ دومًا

    عندَ تزويقِ الكلامْ

    ***

    سفَرٌ لأينَ

    وأنتَ وجهُ قضيَّةٍ

    ودليلُ شعبٍ ضائعٍ وسطَ الزحامْ ؟

    أهي البدايةُ

    أم نواقيسُ الختامْ ؟

    ماذا سنكتبُ فوقَ شاهدِكَ الرخامْ ؟

    سنقولُ كانَ مُقاتلاً

    أو فارسًا ،

    أو عبقريًّا بالسليقةِ

    مستحيلٌ أن يكونَ له قرينْ

    ماذا أضفْنا بالكلامْ ؟

    ستظلُّ أكبرَ من جميعِ كلامِنا

    والحزنُ لا يَهَبُ التأسِّي

    في مآسينا العِظامْ

    والقولُ يعجِزُ آهِ يعجِزُ آهِ

    في هذا المَقامْ

    يا فارسَ الكلِماتِ

    ما عادَ الفتى متوشِّحًا

    سيفَ القصيدةِ ،

    ذاهبًا للقنصِ من حُمرِ الكلامْ

    نامَ الفتى متوسِّدًا جُرحَ القصيدةِ

    في أسى

    تحتَ الخيامْ

    هالوا الترابَ على جفونٍ تحترقْ

    بجفونِهِ حضَنَ الترابَ

    وراحَ في صمتٍ ونامْ
     
  5. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:53
    يوسفُ الشعراءِ

    سيد جودة – مصر / هونج كونج




    تلازم روحُكَ روحيَ منذ ليال ٍ ثمان ٍ

    تمدّ إليّ يديكَ

    وتنثر في ساحة القلبِ

    بعضَ حروفٍ

    تشعُّ وتخفتُ

    تطرق جدران قلبي

    فيعلو الصدى ثم يسقطُ

    شيئاً فشيئاً

    وراء سياج المعاني



    يسائلني الحرفُ عنكَ

    لماذا ؟ وكيفَ ؟

    وما زال بعدُ الطريقُ طويلاً

    وما زال بعدُ الكثيرُ لتكتبَ عنهُ

    وعما رأيتَ هناكَ

    بأعلى الصليبِ

    تئنُّ وتنزفُ شعراً

    لتمنحنا من حرير الفراشاتِ

    رقية َ شعرٍ

    نعلقها في رقاب السنينَ



    تحدثنا عن مساءٍ سيأتي

    تغني جديدكَ للآخرينَ

    وليس لنا

    في نشيدكَ هذا نصيبٌ

    وليس لنا

    غيرُ ما قد تركتَ لنا

    من أغاني الحياةِ

    وأنشودةِ الموتِ



    لم يفرغ ِ الكأسُ

    لم تنضبِ البئرُ من مائها العذبِ

    لم ترتوِ الروحُ بعدُ

    صدى كلماتكَ يركضُ في القلبِ

    يصهل في المعبد الآدميِّ

    يدقُّ نواقيسَ أحلامِنا

    ويؤمُّ السنابلَ

    كي يهطلَ المطرُ المتعطشُ للارتواءِ



    ستسقط أشعار إخوتكَ الغائبين ببئركَ

    يا حاضراً في غيابكَ

    ترفعنا فوق سُحْبِ النبوءاتِ

    ندركُ

    أن الحياةَ أدقُّ وأجملُ

    أن السماءَ أرقُّ وأنبلُ



    متكئاً في السماء أراكَ

    على غيمةٍ

    قطرة ً للندى فوق زهر البنفسج ِ

    سُحْبُ السماوات أرضُكَ

    سُحْبُ السماواتِ بحرُكَ

    والريح طيِّعة ٌ

    كالكمان ِ تدندنُ شِعركَ في اللازمان ِ

    وأنتَ هنالكَ تنتظر الزائرينَ

    وكلَّ الصحاب القدامى

    سلامٌ إليكم جميعاً



    يمرُّ الزمانُ وئيداً ببئركَ

    يشربُ من عذبِ شعركَ

    يملأ جعبتهُ ثم يمضي

    وينسى الذين بها سقطوا

    دون صوت ارتطام ٍ بصفحة مائكَ

    يا يوسفََ الشعراءِ

    ويذكرُ أن زمانكَ ..

    كان زمانكَ

    أنَّ غيابكَ ..

    كان حضوراً

    وموتكَ ..

    كان حياة ً

    لأنكَ أنتَ

    لأنكَ ..

    محمودُ درويشْ !





    18/8/2008
     
  6. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:55
    يعجز الرثاء عن رثائك

    إلى روح فقيدنا العزيز محمود درويش

    فاطمة الزهراء بنيس - المغرب




    مثلَ قدّيس

    لوّحتَ

    بيد بيضاء

    ورحلتَ

    بشغاف مُتعب

    و جسد شامخ

    في حضرة الغياب

    مثل قدّيس

    حلَّقتَ

    حالما بالعودة

    إلى أرض النزوح

    و اللعب بالحجارة

    من أجل نصر خاسر

    مثل قدّيس

    تلوتَ

    وحيَكَ الأخير

    لتجنَّ بكَ السماء

    و تقطفكَ

    من رحم المجاز

    إلى عرشك الأبديّ

    مطرّزا باستعارات مائيّة

    مثل قدّيس

    يعجز الرثاء

    عن رثائكَ .

    **

    فاطمة الزهراء بنيس

    12/8/2008
     

  7. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 14:58
    معطف محمود درويش

    جمال الموساوي - المغرب



    عندما استمعت لأول مرة مباشرة لمحمود درويش في مسرح محمد الخامس، في أواسط التسعينيات، استشعرت ضآلة أمام إلقائه الذي لم يترك لنا الفرصة حتى للتنفس.

    كان كل شيء فيه يشد الحاضرين. ليس شعره فحسب، بل حركة يده وهو يسيج «هذا الرحيلا»، وانفجار نبرته وهو يؤكد أن ثمة فوق الأرض ما يستحق الحياة، أو حتى وهو يتعلم كل الكلام ويفككه كي يركب تلك المفردة الواحدة الأثيرة إلى قلبه: الوطن. الوطن الذي كان قلب الشاعر وطنه. وهذا أمر عجب، أن يصبح الوطن مواطنا، بمعنى من المعاني، من مواطني ذلك القلب الهش، على عكس ما هو مألوف.

    لم تبدأ العلاقة بمحمود درويش هنا بطبيعة الحال. أذكر أنه في أواخر الثمانينيات بينما كنت قد شرعت في إنضاج الكلمات على نار هادئة، ويسمح لي بعض أساتذتي بفسحات من الوقت لقراءة بعض ما كان يتبعثر من حروف، أحسبها وحيا، قال لي أحدهم إن في ما قرأته شاعرين كبيرين، وكان يقصد صدى قصائدهما. الشاعر الأول هو نزار قباني، والثاني لم يكن سوى محمود درويش. يستقي المراهق فيّ ما كان يقرأه لنزار، ويلوذ الشاب المتحمس بالظلال الوارفة لدرويش، زاده في ذلك تلك الأسطوانات التي كانت تباع في سوق "باب النوادر» في تطوان، وبشكل خاص «مديح الظل العالي» و»بيروت» و»خطابات الديكتاتور العربي».

    كان الإلقاء باذخا بحيث حفر تلك القصائد في الجمجمة، وأوجد لها مكانا في القلب اعتبارا لما كانت تعنيه تلك الأشعار من تمثل لقضية فلسطين، ولواقع عربي بدأ الشاب يدرك أنه مر، وأن عليه أن يعيشه، وأن يحاصره إن اقتضى الحال « بالجنون وبالجنون».

    والواقع أنني لم أدرك أن محمود درويش يسكن تلك الخواطر الأولى التي كنت أقرأها على زملاء القسم (مزهوا) إلا بعد أن نبهني ذلك الأستاذ الكريم. لقد كانت قوة اللغة أكبر من أن تقاوَم، وسحر الصور أقوى من كل سحر آخر، فكان طبيعيا أن يعثر عليه داخلي.

    ولعلي هنا لا أقول شيئا مختلفا عما يمكن أن يقوله أي شاعر لا يزال يتلعثم في الطريق إلى قصيدته، قصيدته الخاصة، بمعنى أن الشعراء العرب من الأجيال التي تنتمي إلى الثلاثين سنة الأخيرة، ارتدوا جميعا معطف محمود درويش اللغوي الساحر، والصّوري المذهل، ومن هؤلاء من أسعفته الحيلة فانطلق خارجا من المعطف، ومنهم من قضى نحبه هناك، ومنهم أيضا من ينتظر.

    وبهذا يكون درويش واحدا من الآباء الأساسيين للقصيدة العربية المعاصرة التي تكتب الآن، ومن لم يقرأ لهذا الشاعر، لا شك أنه فوت على نفسه الاستفادة من الجزء الأهم من الشعر العربي الحديث منذ الرواد الأوائل.

    الشاعر محمود درويش ليس هو الشاعر الوحيد الذي شكل لاوعينا الشعري، وهذه مسلمة من المسلمات، ونصه ليس النص الغائب الوحيد في نصوصنا، لكنه مع ذلك كان الأقرب إلى الوجدان، فهو شاعر للوطن، وشاعر للحياة، وشاعر للحب، وشاعر لي لأنه يمنحني تلك المتعة التي لا تمنحها الكلمات إلا في بناء لغوي غاية في الأناقة، أفيء إليه إذا شدني الحنين إلى اعتناق الجمال الذي لا يبلى، وهو بالمناسبة حنين لا يبلى أيضا.

    وهنا لا بد من وقفة مع الحنين في هذا الدرب، ذلك أن أكثر ما يمكن العثور عليه بسرعة في أشعار درويش، ليس القضية الفلسطينية، ولا الوطن، ولا المرأة، ولا الحب، بل ذلك الحنين المتواتر من قصيدة لقصيدة، المستمر منذ ما لا أدري من شعره. حنين ليس إلى شيء محدد، بالرغم من أنه محدد وواضح، حنين ليس إلى ما هو كائن أو إلى ما كان، وإنما إلى ما سيكون. وتساءلت غير ما مرة هل هو حنين إلى الحياة التي أفقدنا إياها النزول من الجنة؟ ربما.

    كان يرى نفسه ميتا، فاشتد في قصائده الحنين إلى الحياة، كما لو أنه في حياة أخرى، يحن إلى أمه وخبزها، إلى الوطن وأهله، ويحن إلى المستقبل وغموضه... ويحن إليه قراؤه حنينهم إلى أي شيء جميل مر بهم.

    وفي آخر قراءاته في مسرح محمد الخامس بالرباط، كان الموت أشدُّ وطأة في تلك القصائد التي ألقاها، تماما كما في كل قصائده الأخيرة. دخل في حوارية مع الموت، وخالجني شعور، من المؤكد أنه لم يخطئ الطريق إلى قلوب الذين يقرأونه ويتابعون جديده. هذا الشعور كان قاسيا، إلا أنه اتضح أنه صادق... كان الشاعر الكبير يعزي نفسه في وفاة نفسه، ويحاول الإجهاز على موته قبل أن يصبح فريسة سهلة بين يديه، وقد كان يدرك أن قلبه سيخذله يوما ما. يوما كنا – نحن المحبين- نراه بعيدا، وكان يراه، وهو الرائي، قريبا.

    ومما لا شك فيه أن فكرة الموت في حد ذاتها حين تتحول إلى مطرقة تضرب في القلب، ويشعر به الإنسان يحوم حول عزيز، يصبح هذا العزيز محط خوف من أن ينزلق إلى العدم ولما يشبع محبوه منه. وقد كان درويش هذا العزيز. ولا أحتفظ منه الآن سوى بصدى إلقائه الذي يشبك القلب بجموح المتخيل وسطوة الكلام، وسوى بما وصلتُ إليه في مرتفعات الشعر من قصائده، وسوى توقيع من يديه في ديوانه "ورد أقل".

    كانت أناقته مغرية. أناقته الشعرية، وصفاء معجمه طبعا. ولأجل ذلك لم يكن لي إلا أن أكتب له نصا ضمنته مجموعتي الثانية "مدين للصدفة" الصادرة أواخر العام الماضي، وكان عنوانه "ذاكرة الشاعر الأنيق"، وآخر كلماته:

    " يحلم
    بجحيم وافر.
    باللعنة.

    وبكلمات يقول إنها متمردة
    على الشكل
    وأيضا على الجوهر المسيج بالغبار،
    يحلم بريح من الشك تزحف إليه
    ويتساءل مع الغيمة التي تغسل دمه
    كل فجر
    عن سره
    عن مكمن السهو الذي لا يبرحه.
    وأحيانا ينسج مع الموت وشيجة قربى
    كي ينسى جحيمه
    ويسرح في العالم مليئا بالعزلة."

    انتبهت، ولست وحدي على أي حال، إلى أنه يقترب من حديقته السرية، وأنه يوشك أن يشتبك مع حتفه باسما، وهو الذي لم يشتبك إلا مع العالم المبعثر يحاول إعادة صياغته، ويحاول استعادته من التيه الذي انخرط فيه، والآن أستعيده من داخلي قبل عشرين سنة، عندما اكتشف ذلك الأستاذ أن ثمة في هذا ال"داخلي" يسكن شاعر كبير اسمه محمود درويش. وربما كان وجوده هناك بمثابة تلك النار التي أمدتني بما نثرته على حافة الحياة من نصوص وقصائد. ولا أدري ما إذا كان يمكنني الحديث عن نوع من النموذج الأمثل، أو نوع من المثل الأعلى، أو عن واحد من الآباء الحقيقيين، فهو ليس صنما ولا أحسبه أراد أن يكون له أتباع هنا وهناك أوفياء له كما لو كان شيخ طريقة، ولو أنه أراد ذلك لما حرص على الانفلات في كل مرة من قبضة قارئه باحثا عن آفاق أخرى غير مطروقة، وبالتالى فهو لم يترك فرصة لنفسه من أجل أن يكرس طريقة ما، نمطية في الكتابة الشعرية، فأحرى أن يعطي هذه الفرصة لأتباع محتملين.

    ولكنه مع ذلك قاد الكثيرين إلى إدراك أن للكلمة سحرا، وللشعر نصيبا من المجد لا يدركه إلا الراسخون في الاجتهاد من أهله، فقد كان درويش، وفق ما قاله غير ما مرة، يرى أن الشعر يحتاج إلى اشتغال يومي، وبدون ذلك لن يتحقق للشعر ولا للشاعر ذلك السمو المرتجى.

    الآن لم يعد أحد ينتظر قصيدة جديدة من درويش. فقد رأيناهم يدفنونه على مشارف القدس، لكنني لن أزيد عما قاله هو، إنه يصر على أنه لن يموت:

    وها أنذا أستطيع الذهاب إلى آخر العمر في اثنين: وحدي، ووحدي

    ولا أستطيع التواطؤ إلا مع الكلمات التي لم أقلها، لأفدي

    مكوثي على حافة الأرض، بين حصار الفضاء وبين جحيم التردي

    سأحيا كما تشتهي لغتي أن أكون... سأحيا بقوة هذا التحدي".




    --
    جمال الموساوي
    شاعر وصحفي مغربي
     
  8. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 15:00
    مُتَخَفِّفًا من أشْوَاكِ اُلْعَالَمِ عَبَرَ جِدَارَ حَيَاتِهِ
    أحمد بلحاج آية وارهام - المغرب




    1ـ رأسه عصفور يقظة وعيناه قباب حلم:



    يتأملنا ويعبر منا إليه

    هذا هو محمود درويش،

    الحديقة التي أوتنا

    والأغصان التي ضمتنا برأفة

    هاجرت بورودها

    انكسرت كسنابل الشمس،

    يتأملنا ويعبر منا

    فوق رأسه عصفور يقظة

    وتحت عينيه قباب النوم.


    2 ـ يده فانوس أضاء يدي



    في مراكش رأيته ذات زمن جميل، وعلاقة مراكش بالزمن الجميل المكثف هي علاقة بالشعر. فهي تاريخ مثبت للأزمنة الثقافية والاجتماعية والميثيولوجية والدينية والجمالية، يبدو الزمن الشعري فيها مُتَمدِّدًا على الحيوات المادية بمستوياتها المتعددة.



    كان ميلاد اللقاء به فيها سنة 1974م، حين استضافته الأستاذة الشاعرة مليكة العاصمي والأستاذ مولاي محمد الخليفة، فقد شعرتُ أثناء مصافحته بأن يده فانوس أضاء يدي، وبذاكرتي تنتقلُ بين أوراقها لتقف عند ورقة أول ربان نقدي قادني إليه، وفتح روحي الشعرية على عوالمه المتمثلة آنذاك في " أوراق الزيتون" و "عاشق من فلسطين" و "آخر الليل".





    هذا الربان هو المرحوم رجاء النقاش

    ثم توالت لقاءات الإصغاء الروحي إليه، حيث أدمنت حضور كثير من أمسياته الشعرية المتعددة التي يقيمها في المغرب بوله نبيلٍ وعشق صوفي شفاف، والتي كانت أعراسا شعرية قدسية، تحلق في سماواتها الروح بأجنحة الضياء صوب البعيد البعيد، وتلتئم صدوع الوجدان بنبيذ اليتم. وأذكر من هذه الأعراس واحدا لا يمكن لسدائلِ المحو أن تتمدد عليه، لأنه عرس "الجدارية" في مسرح محمد الخامس بالرباط، فطيلة المدة التي كان فيها درويش يقرأ جداريته ـ وكأنه كائن نوراني من كوكب البهاء يصلي صلاته الخاصة ـ كان نبضي مخطوفا بنبضه، كانت جوارحي تورق وتورق فراشات فيوضٍ وائتلاق. وحين أرجعني دوي التصفيقات إلى أرض الذات سجد كياني سجدةً، لا أنقى منها ولا أندى.



    وفي اليوم الموالي حضر القراءات الشعرية المبرمجة في إطار مهرجان الرباط، ولما جاء دوري قدمني الناقد الحصيف الدكتور البشير القمري فارتبكت وتصببت هيبة من القراءة أمامه، فقد ضاعت حروف قصيدتي مني، ولم يبق تحت عيني سوى البياض. إنها المحنة، لم أدر إلى الآن كيف اجتزتها، ولا كيف قرأت فيها، كل ما أسترجعه هو يده التي امتدت إلي؛ حين نزلت من منصة القراءة ؛ كابتسامة فيها كل شيء إلا المكر.



    وآخر لقاء عانقت فيه يدي يده كان في المؤتمر الأخير لاتحاد كتاب المغرب، وبعد انتهاء أعمال جلسة الافتتاحية...مصافحات ثلاث ورطتني في البهي الأبهى الممتد ما بين "عصافير بلا أجنحة" و " أثر الفراشة" حتى جاء الرحيل الصاعقة فانذررت حسرة تخيط فتوقات سمائها بحجز الألم، وتسير عارية كشعاع مألُوسٍ.



    3 ـ قامته ما لا " يصير" فيما يصير:



    فالشعر هو قامته، مشروعه الوجودي المؤسسُ لفعل الخلق والإبداع، والمهووس بالعمل على إخراج "شيء" ما إلى حيز الوجود بأي شكل من الأشكال، ومن هنا كانت شعريته شعريةَ الأشياء العميقة التي تحبُّ القناع، والسفرَ في مدارات خارج الرمز والصورة، وكانت فضاءً يمثل قوة الاختلاف التفاضلية التي تتجلى بها الأشياء من حيث هي عالم يصير. إنها شعرية القوة المولدة للاختلاف والكامنة وراءه، ووجهٌ " يصير"(1) فأنت إذا كنت في الفلسفة تسعدُ برؤية وجه الحقيقة مهما كان شكله، فإنك في شعر محمود درويش؛ بوجه خاص؛ تسعد أكثر بوصولك إلى مشاهدة الجمال الأبدي، وإلى نماذج كل ما هو جميل. فالجميل عنده لا يتطلب غاية خارجَ ذاته، فهو على درجة عليا من الاكتمال، وذلك لأن ماهيته كامنة في كونه وجد اكتماله في ذاته.



    فقارئ شعره يدرك أن هذا الشعر لا يتطابق إلا مع اليقظة الشغوفة بالمجهول، والمنفتحة أساسا على اللانهائي، على الصيرورة، وعلى ذلك الشيء المنفلت في الأبعد البعيد. ومن هنا انبثقت قُدرته على كسر قيود جميع التعريفات والتحديدات، والتنكر لها ولجميع الأسئلة المشتعلة بالإرادة المُلْجِمة، إنه جرح وجودي مفتوح على كل الرياح، وعلى كل الاحتمالات، لغزٌ تخترق به كل الاتجاهات...ولكنه يظل فاردا قامته في صميم ماهية اللغة، في تحقق الحقيقة بكل أَوْجُهِهَا الجمالية، لأنها شعرية في ماهيتها.



    إن إصغاء محمود درويش لصوت الوجود جعله يبحث للوجود عن الكلام الذي تأتي انطلاقا من الحقيقة إلى اللغة، وفي هذا الفخ تكمن يقظته وهمه. إذ الحقيقة انكشاف وانحجابٌ لا تسمح بقولها إلا بطريقة مُلْغِزَةٍ يمتزج فيها الحلم والخيال والواقع، والوهم والسراب باليقين، والخوف والرهبة بالسكينة، والحياة و العدم والخلود، والجهل بالمعرفة، فهي الانحراف الدائم للجواب على شكل علامة استفهام. فشعره شجرة تمتد كحقيقة مُقَدِّسة للوجود من حيث هو حضورٌ مؤسَّسٌ على غياب، بمعنى أن البعد الفلسفي الذي ينقال في شعره ليس إلا نداء يدعونا إلى الإصغاء له عبر اللغة والإيقاع المرهَفِ أولا إلى حد التطابق والإندغام معه، ففي دهشة السؤال تثوي غرابةُ الوجود التي تسعَى إلى تسمية ما بقي هاربا وضاربا في البعيد كمسافة لا تُحدُّ بين السماء والأرض، ففي هذه المسافة يتوحد الإنسان بالله، والأرضُ بالسماء، وتمتد "مساحة" متوارية هي بمثابة الملاذِ الذي يستوطنه الشعر، وطنٌ هو ذات الشيء حين تكون الأشياء وتصيرُ، وحين لا تكون إلا لتصير بما هي عليه من جديد. (2)



    وتحت هذا الشرط الإبِّيستيمولوجي يُصبح متلقي شعر درويش متمكنا من فهم الوجود، ومن إنارته، وتأسيس سكن إنساني فيه، وذلك "لأن المقياس الحقيقي الذي يتخذه الإنسان على مقاسه مسكنا له في الأرض ليس هو العلم، بل هو الشعر الذي يقيس كل الامتدادات الفاصلة بين الأرض والسماء، ويذهب بها تجاه بعضها. فهو المقياس الذي يرقى إلى مستوى كينونة الإنسان في سكنها المقدس" (3). وشعر محمود درويش تتوفر فيه كل مواصفات هذا المقياس، فقد أبدعه الإبداعُ وأتقنه الإتقانُ، واقتات من عمر الشاعر حتى جاء على ما هو عليه، فكان بحق تدفُّقًا أونطولوجيا مؤشرا على تعددية العالم، وتنوع اختلافاته التي تفر من مكر النسَقِ، والتطابق، والوحدة، وعماء الهُوية، ومن قانون الانتظام والثابت الجوهري الذي يُلجم تعدد الاحتمالات اللامتناهيةِ المنفتحة على المستقبل، ويُقولب العالم وفق نموذج مُحدد تكون فيه الموجودات نُسخًا متشابهة في مستودع الوجود.



    إن هذه السمة في شعر درويش هي التي أبقته دائم التوهج، وجعلته دائم الانفلات من محاولات التحديد، والضبط، والمَوقَعَةِ ضمن حالة ثابتة ومضمونة، أو بقعة جغرافية معينة،، لأنه جاء من قلب أثخنه الوجود حدَّ الفظاعة، فتحول فراشة في حديقة الله.



    4 ـ قلبه فراشة في حديقة الله:



    هل يمكن ملاكًا مثله أن يُغمض عينيه؟

    هل يمكن شجرة مثله أن تنحنيَ على أوراقها؟

    هل يمكن يمامة مثله أن تسقط في النسيم؟

    الأحلام التي لم تَغْفُ تحت أغصانها

    تركها في منتصف الطريق

    كي يدلنا إلى فردوس الألم

    ليته أكمل كأسه بيننا
    فنجان قهوته المرة

    ليته نظر مرة أخرى إلى وجوهنا

    ليته أكمل رغيفه،

    ألم يكن يكفيه

    أن يصبح قلبه

    فراشة

    في حديقة الله؟
     
  9. hammur9002

    hammur9002 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.139
    الإعجابات المتلقاة:
    1.530
      01-11-2008 15:03
    من أوراق خاصة لم تنشر في حياة درويش

    قال إنه سيموت يوم السبت

    محمود درويش:ما لا نرضى عنه هو عورات الشعراء

    معدل ماأنشره هو ثلثا ما أكتب والثلث الآخر للإبادة

    الشاعر ينضج في سن الأربعين

    لم أحب شعر حافظ إبراهيم

    قال لي في ندم:نشرت شعري مبكرا

    أنا من أكثر الشعراء نكدا

    لم أتعلم العروض بتاتا ولم أقرأه

    أحب موسيقى أغنية العتبة قزاز

    أعشق صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

    كفافيس قضى على الأقل على ثلاثين شاعرا عربيا



    أحمد الشّهاوي - مصر





    رغم ما بيننا من محبَّةٍ لم أُجْرِ حوارًا واحدًا مع محمود درويش، لكنَّني سألتُهُ مئاتِ الأسئلةِ، وتحدثنا في موضوعاتٍ شتَّى، وليس لديَّ سببٌ لأذكَرَهُ عن لماذا لم أحاوره، رغم أنَّني حاورتُ أحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد الماغوط، وأدونيس، ونزار قباني وغيرهم طبعًا.



    هل لأنَّه الأقربُ لي شعريًّا، ربَّما.

    هل لأُحافظَ عَلَى المسافةِ بين حَرْفٍ وآخر ربَّما.

    وربَّما أشياءٌ أُخرى كثيرةٌ.



    لكنَّني كُنْتُ دائمَ الحديثِ عنه في كلِّ مجلسٍ، وإذا ما كان هناك موضوعٌ مَثَارُ جَدَلٍ حولَهُ في الصحافة العربية، أُشَارِكُ فيه بالرَّأي والكِتَابَةِ.



    فَتَحتُ صفحات مجلة 'نصف الدنيا' – التي يصدرها الأهرام أسبوعيًّا - حيث أعملُ نائبًا لرئيس التحرير، لنشر سلسلةٍ من الحواراتِ معه أَتَتْ من دولٍ عربيةٍ شَتَّى.

    كما كان أحد الكبار في برنامجٍ تليفزيونيٍّ شاركتُ فيه، أنتجتْهُ قناةُ النِّيل الثقافية، وقد تحدَّثَ فيه درويش عن أشياء جديدةٍ ومختلفةٍ وزوايا مغايرةٍ لا يعرفُها عنه جمهورُهُ.



    أصدقاؤنا المشتركون حاوروه، ربَّما أكثر من مرَّةٍ، وجاءت حواراتهم وثائقَ مهمةً ستبقى طويلا، ومن هذه الحوارات ما نُشِرَ في كُتبٍ. لكنَّني كُنْتُ أفعلُ أشياءً أُخْرى لمن أُحبُّ، ومحمود في مقدمةِ هؤلاء من الشُّعراء، مِنْهَا دعوتي إياه إلى مكتبةِ الإسكندريةِ، إذْ أمضينا أَيّامًا مُهمةً: محمود وصبحي حديدي وأنا، كُنَّا في ضيافةِ الإسكندريةِ برعايةِ وحبِّ صديقي د. يوسف زيدان مدير مركز المخطوطات بمكتبةِ الإسكندرية، وَدَعَوْنَا علي الحجَّار ليغنِّي من شِعْرِ محمود، وجاء أصدقاؤنا الشُّعراء والصحفيون والنقَّاد والكتَّاب من القاهرةِ.



    وكانت أيام محمود في الإسكندرية في مايو 2003 ثريةً وخاصَّةً ومحتشدةً بالذكرياتِ والشِّعرِ والفَيْضِ والتذكُّرِ والحنينِ إلى مصر، والسبعينيات من القرن الماضي، حيث عاش محمود في القاهرةِ، التي كانت أوَّلَ مدينةٍ عربيةٍ يراها بعد خروجِهِ التاريخيِّ من فلسطين.



    قررتُ وكان معي المصوِّر الصَّحفي محمد حجازي، أن أُسَجِّلَ هذه الأيامَ بالقلمِ والكاميرا. وأعلمتُ محمود أنَّني سأدوِّن كُلَّ مايذكرُهُ، وأخرجتُ من جيبي قلميَ الأَسْوَدَ، ومفكَرةً صغيرةً قرمزيةَ الَّلونِ، عثرتُ عليها بسهولةٍ يوم السبت التاسع من أغسطس 2008 (تاريخ رحيل محمود في مدينة هيوستن الأمريكية).



    ويوم السَّبت هذا حدَّده محمود من قبل في كتابِهِ الأخيرِ 'أثر الفراشة' موعدًا لموتِهِ، إنه استشرافٌ مثيرٌ وشفيفٌ في آنٍ:

    'صدَّقتُ أنِّي مِتُّ يوم السَّبتِ،

    قَلْتُ: عليَّ أن أُوصِي بشئٍ ما

    فلم أَعْثُرْ على شئٍ

    وقلتُ: عليَّ أن أدعو صديقًا ما

    لأخبَرهُ بأنِّي مِتُّ

    لكنْ لم أجدْ أحدًا.

    وقلتُ: عليَّ أَنْ أمضي إلى قبري

    لأملأَهُ، فلم أجد الطَّريقَ

    وظلَّ قبري خاليًا منِّي

    ....'

    إلى نهايةِ القصيدةِ التي عنوانها 'إجازةٌ قصيرةٌ' كأنَّ محمود كان يُشيِّعُ نَفْسَهُ يوم كَتَبَ هذه القصيدةَ بين صيف 2006 وصيف 2007 (هو لم يحدِّد. لأنَّه غالبًا لا يؤرِّخُ قصائَدُه ولا يحدِّد أمكنةَ كتابتها، خصوصًا في سنواتِهِ الأخيرةِ).



    'وأُشيِّعُ نفسي بحاشيةِ من كمنجاتِ إسبانيا

    ثُمَّ

    أمشي

    إلى المقبرة'.

    'لم أكتب السَّطْرَ الأخيرَ من الوصيِّةِ،

    لم أُسَدِّد أيَّ دَيْنٍ للحياة'.

    'وَطَارَ الموتُ من لُغَتي إلى أشغالِهِ'.

    كأنَّ محمود في كتابهِ الأخيرِ 'أَثَرُ الفَرَاشَةِ'، كان يودِّعنا، يودِّع لُغته، مَاءَ قصيدتِهِ، صَوْتَهُ في رنَّة الذَّهَبِ حينما يَنْزِلُ من نَارِهِ.



    وَافَقَ محمود أن أدوِّنَ، دُونَ أَنْ أخدشَ صَمْتَهُ، أو استرسالَهُ، وكان يتحدَّثُ دون أَنْ أَعِدَ بالنَّشْرِ قريبًا. ومحمد حجازي يُصوِّرُ، ولم نَنْشُرْ صورةً أو كَلِمةً واحدةً قبل موتِهِ.

    وظلَّت الذكرياتُ محفوظةً بتدوينها الأوليِّ في مفكِّرتي، وأنا أَسَاسًا لا أستخدمُ المفكِّراتِ في التدوينِ، وهي المرَّةُ الأولى في حياتي التي أدوِّنُ فيها لصديقٍ. فَأَنَا عادةً أدوِّنُ لنفسي في رحلاتي فقط، أو فيما يتعلَّقُ بشعري.



    وما سأكتبُهُ الآَنَ ليس كُلّ ما دوَّنْتُهُ، لأنَّ بَعْضَ ما قال محمود، لا يجوزُ أَنْ يُنْشَرَ الآنَ، لكنَّه قَال، ويدركُ أَنّهُ سَيُنْشَرُ يومًا ما، كأنَّ عبئًا ما كان يحملُ، هي وجهاتُ نَظَرٍ أراد أن يقولَها حتَّى لو عَرفَها شَخْصٌ واحدٌ على هذه الأرض، هو أنا.



    بدأتُ التدوينَ في يوم الخميس الثاني والعشرين من مايو 2003 ميلادية. وسأكتفي بأجزاءٍ مما دوَّنتُ، كيْ يتعرّفَ قارئُ محمود جَوَانبَ من حياتِهِ الشخصيةِ.



    وسأعلِّق أحيانًا لأضِئَ، أو أضيفَ؛ كيْ يكتملَ المشْهَدُ (مع أنَّ المَشَاهِدَ تظلُّ دومًا ناقصةً حتَّى بعد مَوْتِنَا).



    1- أعشقُ صوتَ الشِّيخ عبد الباسط عبد الصَّمد (عادةً ما يقومُ محمود من نومه في التاسعةِ صباحًا، ويتناولُ قهوته مضبوطةً و'من غير وش' على حدِّ تعبيره). ولا يتناولُ إفطارَهُ في مطعم الفندق إذا كان على سَفَرٍ، إذْ يفضِّل الأكلَ في الغرِفةِ، وهو عمومًا لا يأكلُ كثيرًا. ولا يأكلُ الأرزَ.



    2- في أوائل عام 1971 جاء محمود إلى مصر، حيث كان يسكنُ في حي جاردن سيتي في وسط المدينةِ، وقبل ذلك كان نزيلاً في فندق شبرد، وعمل في جريدة الأهرام وكان يتقاضى راتبًا قدره (مئة وخمسون جنيهًا مصريًّا)، وكان مكتبه في الطابقِ السَّادسِ من برج الأهرام مع كُتَّابِ الأهرام نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ولويس عوض، وزكي نجيب محمود، وبنت الشاطئ، وآخرين.



    وفي تلكَ الفترةِ زار بورسعيد والإسماعيلية والسويس والأقصر وأسوان، (نزل في فندق كتراكت)، والإسكندرية إذْ حَضَرَ حَفْلاً لعبد الحليم حافظ وكان يشدو وقتذاك أغنية 'مدَّاح القمر' – كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي'7من أكتوبر1932-17من سبتمبر1993' – أي قبل ست سنوات من موت عبد الحليم (30 من مارس 1977 ميلادية).



    وكانت رحلة محمود درويش هي الثالثة إلى الإسكندرية، أمَّا الرابعة فكان مُحَدَّدًا لها في أكتوبر أو نوفمبر 2008، خمسة عشر يومًا، وسبع أمسيات شعرية، وتسجيل ما تيسَّر من شعره على سبع اسطوانات DVD في استوديو مكتبة الإسكندرية، على أن تُهدي المكتبةُ هذه التسجيلات إلى مكتباتِ العالم والمراكزِ الثقافيةِ في كلِّ مكان.



    يقول د. يوسف زيدان: قلتُ له: سأرتِّب لك إقامةً في قصر السلاملك، فهو أفضلُ مكانٍ بالإسكندرية يليقُ بالشُّعراء. فقال: ليس هذا هو المهم، المهم أن تدعوَ أحمد الشّهاوي ليكونَ معنا.. قلتُ: سوف أعتقلُهُ في الإسكندرية طوال أيامِ بقائِكَ بها، ولن أسمحَ له بالخروج منها ما دمتَ موجودًا، ضحك محمود درويش، وقال ما نصّه: 'هذا جيِّدٌ، حتَّى نسترجعَ ذكرياتِ الزيارةِ السَّابقةِ'.



    3- في المرَّة السابقة مايو 2003، نزل محمود في الغرفة رقم 308 بفندق سيسل (تأسَّسَ عام 1929) بجوار غرفة أم كلثوم'4من مايو 1889-3 من فبراير1975'، وهي الغرفة التي كانت تقيم فيها وقد أحبَّ محمود هذا الفندقَ، أو تلك الإقامةَ لأسبابٍ كثيرةٍ منها أنه قريبٌ من بيت الشَّاعر اليوناني السكندري قسطنطين كفافيس (29 من أبريل 1863 – 29 من أبريل 1933) وأنه – أيضًا – شهد كتابةَ لورانس داريل'27من فبراير 1912-1990' لـ 'رباعية الإسكندرية' كما أنَّ بعض غُرَفِهِ تحملُ أسماءً لفنانين وكُتَّابٍ ومبدعين نزلوا فيه، ويحبُّهم محمود أو شَاهَدَ أعمالهم وهو المُتيَّمُ بالسينما: عمر الشريف، طه حُسَيْن، أجاثا كريستى وغيرهم.



    وبمناسبة كفافيس الذي زرنا بيته (متحفه) وكلانا حصل على جائزة كفافيس في الشِّعر، فقد طلبتُ منه كتابةَ كلمةٍ في 'دفتر سجل الزيارات' كما جرت العادةُ مع كبار الزائرين، فكانت كلمته مدهشةً: 'رزتُ اليومَ غيابَ الشَّاعر قسطنطين كفافيس، فوجدته حاضرًا بأشيائِهِ الصُّغرى في المكان، ولكنَّه حَاضِرٌ أكثر في شِعْرِهِ العظيم، لأنَّ مَكَانَ الشَّاعر الحقيقيِّ والطبيعيِّ هو القصيدةُ فقط التي يضيقُ بها المكان'.



    (وكانت زيارة محمود يوم الجمعة، الثالث والعشرون من مايو 2003).



    أما أجملُ الأسبابِ لفرحِ وابتهاجِ درويش بإقامتِهِ، فهو بسببِ تجاور غرفتِهِ غرفة أم كلثوم، وهي بالنسبة إليه 'إدمان الوحيد'.



    قال لي: 'أم كلثوم معجزةٌ / وهي من الظَّواهرِ الكونيةِ/ عبقريةٌ خَارِقَةٌ صوتُها فيه قوةٌ تعبيريةٌ'. حدَّثتُ محمود عن انزعاجي من كتاب 'الهَوى دونُ أَهْلِهِ' الذي كتبه حازم صاغية، وهو كتابٌ في ذَمِّ أم كلثوم.



    وبعد سنواتٍ فاجأني محمود بنصِّه المدهشِ في كتابِهِ الأخير 'أَثَرُ الفَراشَةِ'، عن أم كلثوم أسماه 'إدمان الوحيد':

    'أستمعُ إلى أم كلثوم كلّ ليلةٍ، منذ كان الخميسُ جوهرتَها النادرةَ، وسائر الأيام كالعقدِ الفريدِ. هي إدمانُ الوحيدِ. وإيقاظُ البعيدِ على صهيلِ فرسٍ لا تُروَّض بسرجٍ ولجامٍ. نسمعها معًا فنطربُ واقفين وعلى حدة فنظلُّ واقفين.. إلى أن تُومئَ لنا الملكةُ بالجلوسِ فنجلسُ على مترٍ من ريحٍ.



    تقطِّعنا مقطعًا مقطعًا بوترٍ سحريٍّ لا يحتاجُ إلى عودٍ وكمانٍ.. ففي حنجرتها جوقةُ إنشادٍ وأوركسترا كاملة، وسرّ من أسرار الله. هي سماءٌ تزورنا في غيرِ أوقاتِ الصلاةِ، فَنُصلِّي على طريقتها الخاصة في التجلِّي. وهي أرضٌ خفيفةٌ كفراشةٍ لا نعرفُ إن كانت تَحْضِرُ أم تغيبُ في قطرةِ ضوءٍ أو في تلويحةِ يدِ الحبيب. لآهتها المتلألئةِ كماسةٍ مكسورةٍ أن تقودَ جيشًا إلى معركةٍ.



    ولصرختها أن تعيدَنَا من التهلكةِ سالمين. ولهمستها أن تُمْهِلَ الَّليْلَ فلا يتعجَّلُ قبل أن تفتحَ هي أولاً بابَ الفَجْرِ...'



    إلى آخرِ النصِّ الذي أدعو حازم صاغية إلى قراءته علَّه يعيدُ النَّظَرَ في كتابه الذي لم يُكْتَبُ له 'النجاح' الذي أراده له.



    هل قُلْتُ إنَّ درويش ونحن خارجان من بيتِ كفافيس الذي صار مُتْحَفًا، قال لي إن 'كفافيس قَضَى على الأقلِّ على ثلاثين شاعرًا عربيًّا'.



    ومقولته واضحةٌ، وخطيرةٌ وَدَالَّةٌ وحقيقيةٌ، لكنَّه لم يُسْم أحدًا ممن قَضَوْا تحت 'سنابك' كفافيس في معركةِ التأثُّرِ والتقليدِ والمحاكاةِ.



    كان محمود يعرفُ أنَّني أحبُّ صوت عفاف راضي، وأنَّها قريبةٌ منِّي روحًا وَشَخْصًا فقال لي: 'عفاف راضي صوتها خاصٌّ جدًّا'. بالمناسبةِ هو لم يحب صوت محمد فوزي'28 من أغسطس 1918-20 من أكتوبر 1966'، لكنَّه فاجأني بحبِّه لموسيقى أغنية 'العتبة قزاز والسلم نايلو في نايلو' التى غَنَّتها ليلى نَظْمي (وهي أغنيةٌ شهيرةٌ ذاعت بعد هزيمة 1967 وهي من ألحان الموسيقار الطليعي علي إسماعيل (الخميس 28 من ديسمبر 1922- الأحد 16 من يونيو 1974).



    كان مذياع السيارة التي تُقلُّنا محمود وأنا مفتوحًا على 'إذاعةِ الأغاني'، وأطلَّ على آذاننا كمال حُسني'1929-أبريل2005' بأغنيته: 'لو سلمتك قلبي واديت لك مفتاحه' وحاول محمود أن يتذكَّرَ الأغنيةَ، باعتبارها من الأغنياتِ التي يحبُّها، والصَّادرةِ عن صوتِ كمال حسني الذي يُحِبُّ.



    وهذه الأغنيةُ وُضعت بمناسبةِ الوحدةِ بين مصر وسورية عام 1958 ميلادية.



    4- 'الشَّاعر ينضجُ في الأربعين.



    5- أُفضِّلُ شِعْرَ أحمد شوقي في المسرحياتِ والغزلياتِ، وهو من أمتن الشُّعراءِ في القرنِ العشرينِ. لقد تحقَّقَ شعر صلاح عبد الصبور في المسرحيات، فالصنعةُ عنده مُحْكَمةٌ. لم أحب شِعْرَ حافظ إبراهيم.



    6- قال لي في نَدَمٍ: 'نشرتُ شِعْرِي مُبَكِّرًا'.



    7- أَخْطَرُ شئٍ أَنْ يُقَرِّرَ الشَّاعرُ قصيدتَهُ سَلَفًا.



    8- سِياقُ المقطعِ الأوَّلِ هُوَ الذي يُقَرِّرُ القصيدةَ. وهذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النَّظْمِ والكتابةِ. وأصعبُ قافيةٍ هي السَّهْلةُ، لأنَّها مُسْتَهْلَكَةٌ، ولابدَّ عِنْدَمَا تستخدمُها أن تجدِّدَهَا.



    9- لم أقرأْ العَرُوضَ، ولم أتعلَّمْهُ، وليس لديَّ كِتَابُ عَرُوضٍ وَاحِدٍ. فيما بعد اطَّلعتُ على كتابٍ بسيطٍ في العَرُوض. لم أتعلِّمْ العَرُوضَ بتاتًا، كان ذلك بالسليقةِ، وقرأتُ – فقط – كتابًا لضبطِ القواعدِ. وَأُحسُّ أنَّ لديَّ سَيْطَرةً على العَرُوضِ.



    10- لا أكتبُ النَّصَّ في نَفٍس وَاحِدٍ.



    11- أَنَا من أَكْثرِ الشُّعراءِ نكدًا. فَأَنَا أكتبُ القصيدةَ أَرْبَع مرَّاتٍ.



    12- معدَّل مَا أَنْشُرُهُ هو ثلثا ما أكتبُ، والثلث الآَخَرُ للإبادةِ. ولا يوجدُ نصٌّ شعريٌّ شِبْه مُنَزَّلٍ، فَلاَبُدَّ أَنْ تَعْمَلَ 'كولاج ومونتاج'.



    13- أؤمنُ بالصَّنْعَةِ بَعْدَمَا تقومُ السَّليقةُ بدورها.



    14- السُّلوك يُنْسَى (سُلُوكُ الشَّاعِرِ)، ولكنَّ النَّصَّ يَبْقَى.



    15- إِذَا فَقَدَ الشَّاعِرُ أسلوبَهُ فَقَدَ شخصيتَهُ.



    16- أُوقِفُ كتابًا لمصلحةِ كتابٍ آَخَر.

    (في مسألةِ تأجيلِ نَشْرِ بَعْضِ كُتُبِهِ الجاهِزَةِ والمُنْجَزَةِ).



    17- لديَّ نظامٌ للفوضى. كلُّ شئٍ في حياتي مُنظَّمٌ إلاَّ مكتبي، فَإِذَا رُتِّبَ أَضِيعُ. أُكَدِّسُ الجرائدَ والمجلاتِ ثم بعد عامين أرميها. إنَّ ًأصعبَ شئٍ عليَّ ترتيب الأوراقِ والمكتبِ الخاصِّ بي.



    18- لا أكتبُ حَرْفًا واحدًا بالَّليل. إنَّ ذروةَ العملِ عندي من العاشرةِ صباحًا وحتَّى الثانيةِ ظهرًا. فأنا لستُ صديقًا لليل، مع أنَّه صديقٌ للشُّعراء.



    19- ما لا أَرْضَى عَنْهُ من شِعْرٍ أَتَخلَّصُ مِنْهُ نهائيًّا، إلاَّ ما أرى فيهِ قد يَصْلُحُ في عَمَلٍ آَخَر. وما لا نَرْصَى عنه هو 'عورات الشُّعراء' فلا ينبغي أن تظهرَ على النَّاس.



    20- نتأخَّرُ أَحْيَاءً، وَلاَ نَصِلُ مَوْتَى. (في مَسْأَلَةِ قَلَقِ المُسَافِرِ. كان محمود يطلبُ من السَّائِقِ أن يقودَ السيَّارةَ بسرعةٍ تتراوحُ بين تسعين إلى مئة كيلو متر في السَّاعة. ولم أر شاعرًا قَلِقًا مِثْل محمود درويش في حياتي).



    21- في الرابع والعشرين من مايو 2003. ذهبنا إلى أحد أشهر مطاعم الأسماك في الإسكندرية وهو 'سي جل' بمنطقة الماكس، وجلسنا على المنضدةِ رقم 131. وكان شعار المطعم 'من البحرِ إلى المائدة'، فقال محمود مُعَلِّقًا – وهو السَّاخر العظيم لمن لا يعرفُ – 'من البَحْرِ إلى المَعِدَة'.



    22- قال محمود درويش عنِّي:

    'إنَّ الشّهاويَّ مَحْبُوبٌ وَمَرْغُوبُ'.



    ما تزالُ مفكرتي القرمزية بلونِ دم شَفِقِ الأيامِ مَـْلأَى بذكرياتٍ، وحِكَمٍ، وآراءٍ، وقفشاتٍ، ونكاتٍ، وعوالم محمود درويش لكنَّ بَعْضَ مَادَوَّنْتُ هَلْ أَنْشَرُهُ، أَمْ أَنْتَظِرُ، أم أَحْفَظُهُ في روحي إلى أَنْ أرى محمود بَعْدَ أَنْ تموتَ أشيائي التي لن تُدْفَنَ معي يَوْمَ أَمُوتُ، لأنَّها لا تموتُ مِثْلي.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...