قضايا إسلامية / القرضاوي يرفع لواء الوسطية

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏5 نوفمبر 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      05-11-2008 19:46
    [​IMG] قضايا إسلامية / القرضاوي يرفع لواء الوسطية


    بقلم: الأستاذ الداعية: محمد أحمد الراشد


    الوسطية، والنسبية، والتكافؤ مع حركة الحياة، والتجانس مع قانون التاريخ، ومن مجموعها تتكون منهجية الاقتراب من النتيجة الموضوعية للفتوى، وهي منهجية جديدة لم ينص عليها علماء الأصول والقواعد في القديم، وإنما فلتت منهم إشارات متناثرة لبعض مفادها، وقد أسس أُستاذنا فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي القاعدة الأولى منها، والتي سماها "الوسطية" وأضفتُ بحمد الله القواعد الأخرى، وأهمها: "النسبية"، وقد دندنتُ حولها كثيرا في كتاب المسار وغيره، وسآتي بشرح وتمثيل لها عريض.
    القرضاوي يرفع لواء الوسطية:
    وقد ابتنى فقه الشيخ القرضاوي كله على "الوسطية"، وحرص عليها، وجعلها شعارا وعنوانا للفقه الذي يحقق الغايات الشرعية من غير إعنات للمسلمين.
    يعلنه القرضاوي أنه (هو اتجاه مدرسة "الوسطية"، أو الاتجاه المتوازن أو المعتدل، الذي يجمع بين إتباع النصوص ورعاية مقاصد الشريعة، فلا يعارض الكلي بالجزئي، ولا القطعي بالظني، ويراعي مصالح البشر، بشرط ألا تعارض نصا صحيح الثبوت، صريح الدلالة، ولا قاعدة شرعية مجمعا عليها، فهو يجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
    وهذا هو الاتجاه السليم الذي تحتاج إليه أُمتنا، وهو الذي يمثل بحق وسطية الإسلام بين الأديان، وسطية أُمته بين الأمم، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا** ووسطية أهل السنة والفرقة الناجية بين الفرق المختلفة التي مال بها الغلو أو التفريط عن الصراط المستقيم.
    وهذا هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع، وخصوصا في هذا العصر.
    فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل.
    والورع هو العاصم من الحكم بالهوى.
    والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط.
    وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود، وهو الاتجاه الشرعي الصحيح)
    (فإن اختلاف الآراء الاجتهادية يُثري به الفقه، وينمو ويتسع، نظرا لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية أفرزتها عقول كبيرة، تجتهد وتستنبط، وتقيس وتستحسن، وتوزن وترجح، وتؤصل، وتقعد القواعد، وتفرع عليها الفروع والمسائل.
    وبهذا التعدد المختلف المشارب، المتنوع المسالك: تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وتختلف ألوانها، من مدرسة الحديث والأثر، إلى مدرسة الرأي والنظر، إلى مدرسة الوقوف عند الظواهر، إلى مدرسة الاعتدال أو الوسط، التي تأخذ من كل مدرسة أحسن ما لديها متجنبة نقاط الضعف في كل مدرسة حسبما يهدي إليه اجتهادها، غير متحيزة لهذه أو تلك، ولا لهذا الإمام أو ذاك، ولا لهذا القول أو ضده)
    فوسطيتنا ليست مجرد موقف عاطفي يلوذ بالوسط، وإنما هي تخيّر لأجود ما هناك في هذه الثروة الفقهية التي أثرتها المناهج الفقهية المتنوعة، بمعنى، أن منهج الوسطية هذا قد جمع عقول الفقهاء في الأمة أجمع على امتدادها الزماني، جيلا بعد جيل، والمكاني تنقلا من الحجاز على الشام إلى العراق إلى مصر، ثم إلى خراسان وما وراء النهر، رجوعا إلى المغرب والأندلس، وانتقى من كل هذه العقول الذكية التي اجهدت نفسها في النظر والاستنباط أبدع الاجتهادات، وأعمل النظر، وأجمل الرأي، فجعل الجني المحصود في مجموع واحد، ثم أتيت أنا، عبر حرصي على منهج الوسطية، ومتابعتي لشيخي القرضاوي، فقدمته في إناء من ذهب.
    القرضاوي يؤكد على (إتباع المنهج الوسط، الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال، بعيدا عن طرفي الغلو والتفريط), ويجعل ذلك منهجا، وقد أصاب، وهو نعم المنهج.
    ومن تمام أعمال هذا المنهج الصائب (تجنب القطع في المسائل الاجتهادية، التي تحتمل وجهين أو رأيين أو أكثر، وكذلك: تجنب الإنكار فيها على الآخرين. ولهذا قرر علماؤنا: أنه لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية، فالمجتهد لا ينكر مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله، كذلك، بله أن ينكر على مجتهد)
    ومن ضرورات ذلك: (الاطلاع على اختلاف العلماء، ليعرف منه تعدد المذاهب، وتنوع المآخذ والمشارب، وأن لكل منهم وجهته، وأدلته التي يستند إليها، ويعول عليها، وكلهم يغترف من بحر الشريعة، وما أوسعه. ومن أجل ذلك أكد علماؤنا فيما أكدوه: وجوب العلم باختلاف الفقهاء، كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة.
    وفي هذا قالوا: من لم يعرف اختلاف العلماء: فليس بعالم، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء: لم تشم أنفه رائحة الفقه)
    لكن ذلك لا يعني أبدا اتخاذ مبدأ الوسطية هذا منفذ هروب من تكاليف الشرع، إنما هو – عند القرضاوي –المخرج من التكلف. (إنني ضد الجمود والتقليد والتعصب، ولكنني – بنفس القدر- ضد الانفراط والتحلل والتسيب. إن الذي أومن به، وأدعو إليه، وأدافع عنه، هو: "المنهج الوسط" للأمة الوسط، وهو الاجتهاد بكل أنواعه ودرجاته: كليا وجزئيا، فرديا وجماعيا، ترجيحيا وإنشائيا، بشرط أن يصدر من أهله في محله، منضبطا بضوابطه الشرعية المعتبرة، بعيدا عن غلو الغالين، وتفريط المفرطين.)
    الطاهر بن عاشور أحد الذين مهّدوا للقرضاوي، في رهطٍ طاهر:
    ومما مكن القرضاوي من شرح مذهب الوسطية: تمهيدات شارك فيها عدد من أئمة التجديد الفقهي الحديث، ومن أظهرهم: فقيه تونس: محمد الطاهر بن عاشور، وهو يختار اصطلاح (السماحة) لهذا المعنى الوسطي، فيقول: (السماحة: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط. ذلك المعنى الذي نوه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلها ودنيّها، وانتساب بعضها من بعض. فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، لأن ذينك الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذرنا الله منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله")
    (فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات، وقد قال تعالى في وصف الأمة أو وصف صدرها: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا". وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الآية إن الوسط هو العدل، أي بين طرفي الإفراط والتفريط.)
    (فالسماحة: السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه. ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد)
    و(إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل في هذه الشريعة دين الفطرة، وأُمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها، ومن الفطرة : النفور من الشدة والإعنات. قال تعالى: "يريد الله أن يخفف عنكم وخلك الإنسان ضعيفا" وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شرعية عامة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلا، و يكون في ذلك إلا إذا انتفى الإعنات.)
    وقد رأيت في إفتاء العلامة الكبير محمد حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق رحمه الله هذه السماحة والوسطية، وأُثرت عن مُقدَّم رجال الأزهر العلامة أبو زهرة رحمه الله، فقد توسط مع صلابة في الحق أبداها عند تجديد الأحوال الشخصية بخاصة، وتؤثر عن الشيخ علي الخفيف أقوال مماثلة، وكان يعجبني منهج الشيخ عبد الباسط متولي، واسمه غير مشهور لدى عامة الناس، لكنه معروف جدا لدى طلاب العلوم الشرعية، وكانت له في الأزهر مكانة عالية، وهو من فحول العلماء، وله في المعاملات المصرفية الإسلامية إفتاء كثير عبر رئاسته لجنة الفتوى في بيت التمويل الكويتي لسنوات طويلة، وذهب في ذلك مذهبا وسطا مع ميل إلى الأتقى ونزوع إلى الاحتياط.
    يؤذن لنا الآن، أن نقف وقفة طويلة مع الشيخ يوسف القرضاوي، لنستعرض نظريته الوسطية في الفقه، ومنحاه في الموازنات وبيان الأولويات؛ فإنه رائد هذه المعاني، وكان له الدور الأهم في تفقيه الدعاة خلال العقود الأخيرة.
    هو الرائد حقا، مع وفور المنطق المعتدل ودقة الاستنباط وشمول النظر، وقد حل المشكلات، وأوضح المعضلات، وميز الخلل، وعلل وأسند، فكان "معلم المرونة" حقا، وشارح المتغيرات، وتمثل كتابته مذهبا في فقه الدعوة كاملا مترابطا متناسقا موزونا بمنطق واحد في بدايته ووسطه ونهايته، وبمنهجية من التيسير الذي تشهد له الأدلة والأصول العريقة، وأنا معه في معظم ما ذهب إليه، وأرى أنه قد وُفق إلى الصواب توفيقا، ولست أُخالفه إلى في مسائل قليلة.
    وجوب التركيز على خمسة أنواع من الفقه:
    يدعو الشيخ القرضاوي إجمالا إلى التركيز على خمسة أنواع من الفقه لأننا أحوج ما نكون إليها، وهي:
    ·فقه المقاصد، الذي ينفذ إلى كليات الشريعة وأهدافها.
    ·وفقه الأولويات.
    ·وفقه السنن الكونية التي أقام الله عليها عالمنا؛ سنن التغيير والنصر وغيرها.
    ·وفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد.
    ·وفقه الاختلاف بين المسلمين.
    وهو يشدد على أن الفقه في لغة القرآن ليس هو الفقه الإصطلاحي الذي هو معرفة الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية، من مثل أحكام العبادات والمعاملات، وإنما (هو فقه في آيات الله، وفي سننه في الكون والحياة والمجتمع) و (سنن الله في الأنفس والآفاق، وسنن الله في خلقه وعقوباته لمن انحرف عن الصراط) و(سنن الله في النصر والهزيمة ومداولة الأيام بين الناس) وفقه (ضرورة الجهاد والبذل لحماية الدين والنفس والعرض وكيان الجماعة).
    واستطرد القرضاوي في كتبه؛ مبينا أهمية فقه الموازنات، وفقه الأولويات وفقه المقاصد الشرعية، وفقه الخلاف.
    فقه الموازنات
    ·وفقه الموازنات هو عندالقرضاويبإيجاز- ثلاثة أنواع
    ·الموازنة بين المصالح وحجمها وعمقها وأيّها يمكن العمل بها.
    ·الموازنة بين المفاسد وأيها يمكن احتماله.
    الموازنة بين المصالح والمفاسد.
    وفي ذلك نحتاج إلى:
    ·فقه الشرع؛ لنعرف الأدلة.
    ·فقه الواقع بدقة.
    ولا بد أن يتكاملا.
    وفقه الشرع تحدث عنه الغزالي في المستصفى، والشاطبي في الموافقات، وتحدثت عنه كتب الأشباه والفروق، وقد أتى القرضاوي بموجز أقوال الفقهاء في ذلك.
    والمهم ليس أن نفهمها فقطن بل أن نمارسها,
    متى نتحالف، ومتى نهادن، ومتى نشارك في حكم؟
    التشويش وارد.
    ·على المودودي يوم مال إلى فاطمة جناح.
    ·وعلى الحركة في السودان لما دخلت مع النميري في الاتحاد الاشتراكي.
    ·وعلى السوريين لما تحالفوا مع قوى غير أسلامية.
    ولسنا ننتصر لهذه الاجتهادات، ولكنا نريد أن نقرر مبدأ الموازنة.
    وقد استعرض الشيخ القرضاوي آيات فيها موازنة، وأورد كلام ابن تيمية وفتواه في تولي عامل تقي لدى سلطان ظالم من أجل تخفيف الظلم.
    وأورد فتوى ابن تيمية أيضا في تعارض الحسنات والسيئات.
    ولذلك استحسن الشيخ القرضاوي:
    ·المشاركة في الشركات التي لا تخلو من الربا، وإخراج بعض الربح كصدقة مقابل الفوائد.
    ·والتوظف في البنوك لاكتساب الخبرة.
    ·والكتابة في الصحف غير الإسلامية.
    فقه الأولويات
    بيّن القرضاوي وجوب وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم، أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الأمر الكبير، ولا يكبر الأمر الصغير.
    وهو في السيرة واضح: أن البدء كان بإرساء العقيدة لا تحطيم الأصنام.
    ومن الأولويات مراعاة النِسَب للتكاليف الشرعية.
    فالعقيدة مقدمة على العمل.
    والأعمال متفاوتة لها أعلى وأدنى.
    وفقه الموازنات متداخل مع فقه الأولويات.
    والاهتمام بالفروع قبل الأصول، وبالجزئيات : مرجوح.
    فمن الناس من يولع بكثرة الحج ولا ينفق لمقاومة تنصير أو مجاعة.
    والأعداء درجات فبمن نبدأ؟
    وأورد القرضاوي نصا طويلا للغزالي في الإحياء حول عدم مراعاة البعض لمراتب الأعمال.
    وأوجز عن ابن القيم أن لكل وقت عبادة هي الأفضل، فالجهاد عند غزو الكافر، وطلب العلم عند موت العلماء
    ففقه الأولويات عند القرضاوي هو الذي (يعالج قضية اختلال النِسب واضطراب الموازين – من الجهة الشرعية- ففي تقدير الأمور والأفكار والأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأيها يجب أن يُقدم، أيها يجب أن يؤخر، وأيها ترتيبه الأول، وأيها ترتيبه السبعين، في سُلَّم الأوامر الإلهية والتوجيهات النبوية، ولا سيما مع ظهور الخلل في ميزان الأولويات عند المسلمين في عصرنا) ولذلك يجب إلقاء الضوء (على مجموعة الأولويات التي جاء بها الشرع، وقامت عليها الأدلة، عسى أن تقوم بدورها في تقويم الفكر، وتسدد المنهج، وتأصيل هذا النوع من الفقه. وحتى يهتدي بها العاملون في الساحة الإسلامية والمنظرون لهم، فيحرصوا على تمييز ما قدّمه الشرع وما أخره، وما شدد فيه وما يسره، وما عظمه الدين وما هون من أمره؛ لعل في هذا ما يحدّ من غلو الغالين، وما يقابله من تفريط المفرطين، وما يُقرب وجهات النظر بين العاملين المخلصين)
    (وأساس هذا: أن القِيم والأحكام والأعمال والتكاليف: متفاوتة في نظر الشرع تفاوتا بليغا، وليست كلها في رتبة واحدة، فمنها الكبير ومنها الصغير، ومنها الأصلي ومنها الفرعي، ومنها الأركان ومنها المكملات، ومنها ما موضعه في الصلب، ومنها ما موضعه في الهامش، وفيها الأعلى والأدنى، والفاضل والمفضول.)
    ومن فقه الأولويات: (أولوية الكيف على الكم)، كما سماها القرضاوي فقال:
    (من الأولويات المهمة شرعا: تقديم الكيف والنوع على الكم والحجم، فليست العبرة بالكثرة في العدد، ولا بضخامة في الحجم: إنما المدار على النوعية والكيفية. لقد ذم القرآن الأكثرية إذا كان أصحابها ممن لا يعقلون أو لا يعلمون أو لا يؤمنون أو لا يشكرون) ( في حين مدح القرآن القلة المؤمنة العاملة الشاكرة.)
    وفي القرآن قصة طالوت وانتصار القلة المؤمنة، وفي بدر كذلك، خلافا لحُنين حين غرتهم الكثرة. والمسلمون اليوم غثاء. (والمقصود بالكم: هنا: كل ما يعبّر عن مقدار الجانب المادي وحده، من كثرة العدد، أو سعة المساحة، أو كبر الحجم، أو ثقل الوزن، أو طول المدة.).
    ومن فقه الأولويات: (أولوية العلم والعمل) قال القرضاوي:
    (ومن أهم الأولويات المعتبرة شرعا: أولوية تقديم العلم على العمل. فالعلم يسبق العمل، وهو دليله ومرشده.)
    قال: (ولهذا وضع الإمام البخاري بابا في كتاب العلم من جامعه الصحيح جعل عنوانه: باب: العلم قبل القول والعمل) واحتج البخاري ببعض الآيات والأحاديث، كآية: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم).
    قال: (ومن هنا كان العلم شرطا في كل عمل قيادي، سواء كان عملا سياسيا إداريا، مثل عمل يوسف عليه السلام الذي قال له ملك مصر: {إنك اليوم لدينا مكين أمين، قال اجعلين على خزائن الأرض إني حفيظ عليم**. أم عسكريا، كما قال تعالى في تعليل اختيار طالوت ملكا على أولئك الملأ من بني إسرائيل: {قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم** أم كان هذا العمل قضائيا، حتى إنهم اشترطوا في القاضي – كما اشترطوا في الخليفة- أن يكون مجتهدا.) (وإنما قبلوا قضاء المقلد، مثلما قبلوا ولاية من لا فقه له، للضرورة)
    وكذا المفتي؛ وإلا حرم الحلال، وأحل الحرام، وكفّر أهل الإيمان، أو بّرر كفر أهل الكفر.
    وكذا الداعية المربي : {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة**.
    لكن من مكملات أولوية العلم على العمل: أولوية الفهم على مجرد الحفظ.
    قال القرضاوي : (وهو أولوية علم الدراية على علم الرواية، وبعبارة أخرى: أولوية الفهم والفقه على مجرد الاستيعاب والحفظ. والعلم الحقيقي هو الذي يتمثل في الفهم والهضم.)
    وكذا (أولوية المقاصد على الظواهر):
    قال: (وآفة كثير ممن اشتغلوا بعلم الدين: أنهم طفوا على السطح، ولم ينزلوا إلى الأعماق، لأنهم لم يؤهلوا للسباحة فيها، والغوص في قراراها، والتقاط لآلئها؛ فشغلتهم الظواهر عن الأسرار والمقاصد، وألهتهم الفروع عن الأصول، وعرضوا دين الله وأحكام شريعته على عبادة تفاريق متناثرة لا يجمعها جامع ولا ترتبط بعلة).
    قال: (وكثيرا ما أدت هذه الحرفية الظاهرة إلى تحجير ما وسع الله، وتعسير ما يسر الشرع، وتجميد ما من شأنه أن يتطور.)
    ومن المكملات أيضا: أولوية الاجتهاد على التقليد. فالعلم عند السلف (هو العلم الاستقلالي، الذي يتبع فيه الحجة، ولا يبالي أوافق زيدا أو عمرا من الناس، فهو يسير مع الدليل حيث سار.)
    ومن أهم المكملات: أولوية القطعي والظني. وقد تكلم في ذلك علماء الأصول. (فينبغي التركيز على القطعيات المجمع عليها، لا على الظنيات المختلف فيها، والذي أضاع الأمة إنما هو إضاعتها للقطعيات، والمعركة بين دعاة الإسلام في أنحاء العالم الإسلامي وبين دعاة العلمانية اللادينية؛ إنما تدور حول القطعيات: قطعيات العقيدة، وقطعيات الشريعة، وقطعيات الفكر وقطعيات السلوك.
    إن هذه القطعيات هي التي يجب أن تكون أساس التفقيه والتثقيف، وأساس الدعوة والإعلام، وأساس التربية والتعليم، وأساس الوجود الإسلامي كله.
    وإن من أخطر الأشياء على الدعوة الإسلامية وعلى العمل الإسلامي: جر الناس باستمرار إلى الأمور الخلافية التي لا ينتهي الخلاف فيها، وإدارة الملاحم الساخنة حولها، وتصنيف الناس على أساس موقفهم منها)
    ليس معنى هذا الكلام (ألا نتكلم في أمر خلافي قط، ولا نرجح رأيا على رأي في قضية عقدية أو فقهية أو سلوكية، فهذا مستحيل، وما عمل العلماء إذا، إذا لم يصححوا أو يضعفوا أو يرجحوا ويختاروا؟).
    إنما الذي ننكره (أن يكون هذا هو شغلنا الشاغل، وأن نعنى بالمختلف فيه أكثر من عنايتنا بالمتفق عليه، وأن نهتم بالظني في حين أعرض الناس عن القطعي.)
    وفي مجال الفتوى والدعوة: ألوية التخفيف والتيسير على التشديد و التعسير.
    لقول الله تعالى : {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر** ولقول عائشة رضي الله عنها: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن آثما.) وهو حديث متفق عليه.
    ولحديث: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" متفق عليه.
    وإذا كان في المسألة قولان، وكان أحدهما أحوط والآخر أيسر فإن القرضاوي يفتي لعموم الناس بالأيسر، وقد يفتي لبعض أهل العزائم بالأحوط، وللمتورعين، وأما العموم فالأولى بهم الأيسر، ودليله الحديث الآنف، ويشهد لذلك تخفيف الصلاة.
    ومن هذا التيسير أحكام الضرورات، ما ذكر القرآن منها من أكل الحرام، أو في السنة.
    ومن ذلك أيضا: تغير الفتوى بتغير الزمان، وهو يذهب إلى أن تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ينبغي أن يتغير، لتعقد الحالة الدولية الراهنة، وكذا اعتبار أن الأصل الحرب، والجهاد عندما كان أصلا فلإزالة الأباطرة والملوك الذين كانوا يقفون في وجه الدعوة، وأما العالم اليوم فهو مفتوح.

     
    1 person likes this.
  2. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      05-11-2008 19:48
    ومن ذلك أيضا: مراعاة سُنة التدرج، كالذي كان في تحريم الخمر. قال: (ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ، واتخاذ كلمة التدرج تكأة لتمويت فكرة المطالبة الشعبية المحلة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعة؛ بل نغني بها تعيين الهدف، ووضع الخطة، وتحديد المراحل بوعي وصدق.)
    ·وفي مجال المأمورات والمنهيات : لاحظ الشيخ القرضاوي إطراد ظاهرة الاولويات في مجال المأمورات الشرعية .
    ·أظهرها أولية الأصول : أي ما يتصل بالايمان بالله تعالى وتوحيده والأيمان بملائكته وكتبه ورسلةه واليوم الأخر ، على التشريع الذي هو فرع من ذلك .
    ·وأولوية الفرائض على السنن ، ووجود تساهل في السنن والمستحبات ، وخطأ الإشتغال بالسنن على الفرائض .
    ·ولاحظ اولوية فرض العين على فرض الكفاية .
    ·وأولوية حقوق العباد على حق الله المجرد ، فالمديون الذي لم يحج : أولى ان يدفع دينه .
    ·وأولوية حقوق الجماعة على حقوق الأفراد ، فإذا تترس الكفار ببعض المسلمين : لم يمنع ذلك من قتل الجميع في الجهاد . وإذا إحتاج إمام المسلمين إلى أموال اغنياء المسلمين لدفع هجوم الكفار : أخذ منها ما يكفي .
    ·وكذا اولوية الولاء للجماعة والامة على القبيلة والفرد .
    ·ومثل ذلك : ظاهرة الاولويات في المنهيات . فالكفر أبغض الحرام، وهو درجات : ابغضه : كفر الإلحاد ، والجحود . ومن ثم الشرك ، ومن ثم كفر اهل الكتاب ، لذلك جاز أكل طعامهم ومصاهرتهم .
    ( وهذا يضع أما أعيننا قاعدة مهمة للموازنة والترجيح في التعامل مع غير المسلمين ، وإعتبار اهل الكتاب - في الجملة : أقرب من الملاحدة والوثنيين ، ما لم تكن هناك عوامل خاصة تجعل اهل الكتاب اشد عداوة وحقداً للمسلمين ، كما نرى حديثاً عند الصرب وعند اليهود . ومن المؤكد أن الكفار منهم مسالمون ، فلهم منا المسالمة ، ومنهم معادون محاربون ، فنحن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به ، فهناك الذين كفروا فقط ، وهناك الذين كفروا وظلموا ، أو كفروا وصدوا عن سبيل الله ، وكل له حكمه .)
    وشر أنواع الكفر : الردة ، إذ هي ( خيانة للإسلام ولأمته ، لما فيها من تبديل الولاء والانتحاء والاتجاه من امة إلى امة ) ( فليست الردة إذاً موقف عقلي يتغير ، إنما هو تغيير للولاء وللعضوية من جماعة إلى إخرى مضادة أو معادية لها ) لكن علينا ( أن نميز بين المرتد الصامت والمرتد الداعي على ردته ) فالثاني يقتل .
    ثم كفر النفاق هو من أغلظ أنواع الكفر ، لأنهم يعيشون بين المسلمين ويشاركونهم في العبادات ، لكنهم يمكرون .
    ثم في كل هذا نفرق بين الأكبر والأصغر من الكفر والشرك والنفاق لان نصوص الشرع قد وردت بإطلاق الكفر والشرك والنفاق على المعاصي ولا سيما الكبائر ، فينبغي أن يعلم ذلك حتى لا نتهم العصاة بالكفر الأكبر ، مثل تارك الصلاة كسلاً لا جحوداً .
    والشرك الاصغر : مثل الرياء ، الحلف لغير الله ، وسجود المريد الصوفي للشيخ ، والنذر لغير الله .
    وأما النفاق الأصغر فهو نفاق العمل والسلوك والتخلق بأخلاقهم مع سلامة العقيدة ، فإذا حدث كذب ، وإذا وعد اخلف ، وإذا اؤتمن خان .
    وبعد الكفر تأتي كبائر المعاصي الموبقات ، من القتل وأكل الربا ومال اليتيم ، والزنى ، وغير ذلك .
    ومنها موبقات القلوب ، مثل الكبر ، والحسد ، وإتباع الهوى ، والإعجاب بالنفس والرياء .

    ثم تأتي الصغائر التي سماها الشرع لمماً ومحقرات ، كالنظر إلى النساء ، والقبلة ، لكن الصغير إذا أضيف إلى الصغير كبر ، ويكبر الذنب الصغير باستصغار الذنب ، وبالمجاهرة . قال إبن القيم ( إن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر ، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء والخوف وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر ، بل يجعلها في أعلى رتبها )
    ويلحق بالمعاصي : البدع الاعتقادية والعملية ، وهي ما أحدثه الناس واخترعوه في الدين ، لكن البدع منها الغليظ ومنها الخفيف .
    ثم بعد الصغائر تأتي الشبهات التي يشتبه في تحليلها وتحريمها ، ومن اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن فروع ذلك : الأكل من مال من أختلط ماله ، فإن كان أكثر ماله حلال : جازت معاملته .
    وفي أدنى مراتب المنهيات : المكروهات التنزيهية ، التي هي إلى الحلال أقرب وهو المراد بكلمه المكروه عند الإطلاق ، مثل كراهة الأكل متكئاً ، وكراهة رفع الصوت في المسجد ، وكراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام ، والمكروه كما يعرفه العلماء : هو ما كان في تركه أجر ، ولم يكن في فعله وزر ، فلا يجوز أن يشغل الناس بمحاربة المكروهات وهم واقعون في صرائح المحرمات .
    وفي كل هذه الأنواع والدرجات تفصيل وأدلة ساقها الشيخ القرضاوي ، وهي مشهورة عند الفقهاء ، أنما أردنا أن نأتي بجماع القول ، أن نقرنه بالقواعد الأخرى والظواهر الفقهية العامة في محل واحد وفي خارطة شامله فيها مسح لأصول وقواعد وآداب الاجتهاد في نظريات فقع الدعوة من اجل تمكين الداعية من فهم موقفه فهماً سليماً وفق الصواب وما يحبه الله ورسوله .
    ·وفي مجال الإصلاح : : لاحظ الشيخ القرضاوي استطراد ظاهرة الأولويات في مجال الإصلاح والتربية أيضاً .
    فتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة : وبناء الإنسان الفرد الصالح هو مهمة الأنبياء الأولى ، ومهمة خلفاء الأنبياء وورثتهم من بعدهم .
    · وإنما يبني الإنسان أول ما يبنى بالإيمان ، أي بغرس العقيدة الصحيحة ' والفترة المكية في السيرة شاهد على ذلك ، فالبداية : بناء الإنسان في ضوء تصور كلي للوجود ة ومشروع متكامل للحضارة ، وتتعاون على ذلك كل المؤسسات : الجامع والجامعة ، والكتاب والصحيفة ، والتلفاز والإذاعة )
    ·والواجب تقديم التربية على الجهاد ، والتكوين على التمكين ، وفي مدرسة الليل التي ذكرتها سورة المزمل شاهد ، ( على ان الجهاد المؤجل هو الجهاد المسلح فحسب . الجهاد بالسيف والسنان . أما الجهاد بالدعوة والبيان ، او الجهاد بالقرآن ، فهو قائم من أول يوم ) وسبب وجوب التربية قبل الجهاد : ان جهادنا أنما هو في سبيل الله ، وهذا التجرد لا بد من تربية طويلة .
    كذلك فإن ثمرة الجهاد : التمكين والنصر ، وهذا التمكين لا يؤتي أكله إلا على ايدي مؤمنين صادقين يستحقون التمكين ، و ( إن الذين يمكنون وينتصرون قبل أن تنضج تربيتهم : قد يفسدون أكثر مما يصلحون ) وهذه سنة الله ألا يتحقق التمكين إلا بعد الابتلاء والصقل بالمحن والشدائد ، وهذا لون من التربية العملية .
    ·ومن أولويات الإصلاح : تقديم كل ما يتعلق بتقويم الفكر وتصحيح التصور وتصويب منهج النظر والعمل ( فمن ساء تصوره لأمر ما : فالمتوقع أن يسوء سلوكه في شأنه ، فإن السلوك أثر التصور ، حسناً أم قبحاً )
    والمعركة الفكرية تكون خارج الساحة الإسلامية ، مع الملاحدة الذين يهاجمون الإسلام ، وداخل الساحة الإسلامية نفسها ، لتصحيح الاتجاة في فصائل العمل الإسلامي ، كالتيار الخرافي الابتداعي الذي يميل إلى الجمود والتقليد ، والتيار الحرفي الذي يغلب عليه الجفاف في الروح والضيق بالخلاف ، وتيار الرفض والعنف الذي يغشاه سوء الظن بالآخرين وضيق الأفق في فهم الين والواقع واتخاذ القوة سبيلاً في تحقيق الأهداف ، وإنما الأمل في التيار الوسطي بما عنده من شمول وفقه الأولويات ، وفقه الموازنات ، وفقه الاختلاف ، والجمع بين السلفية والتجديد ، والموازنة بين ثوابت الشرع وتغيرات العصر وتقديم الإسلام مشروعاً حضارياً متكاملاً واتخاذ الجهاد سبيلاً للدفاع عن ديار الإسلام )

    ولا مراء في أن هذا التيار هو موطن الأمل ومعقد الرجاء ، لذلك فإن الأعداء ظهرت عندهم نغمة جديدة أن : احذروا الإسلام المعتدل ، فهو أشد خطراً على غيره ، وللأعداء تلامذة ممن يحملون أسماء المسلمين ، ولكنهم يعادون بكل قوة المشروع الحضاري للإسلام .
    ( أن معركتنا الحقيقية في داخل أرضنا يجب ان تكون مع هؤلاء الغلاة حقاً ، من العلمانيين وبقايا الماركسيين ، الذين لبسوا اليوم لبوس الليبرالية الغربية ، والذين جندوا أقلامهم وأسلحتهم كلها لشن الحرب على صحوة الإسلام وانبعاثه من جديد ، وتشويه دعوته ، والتشويش على دعاته ، واختراع مصطلحات جديدة لتنفير الناس منه ، مثل الإسلام السياسي ، أو الأصولية ، والإيقاع بينهم وبين الأنظمة الحاكمة ، لاستنزاف قوى البلاد في صراعات دامية لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ من جديد ، في صورة أخرى ، وبإسم آخر ؟
    إن أي تحويل للمعركة عن هذا المسار ، ومحاولة اختراع أعداد من الإسلاميين أنفسهم ، ممن يخالفون بعض الناس في فروع الفقه ، أو حتى في فروع العقيدة ، أو في أولويات العمل ، أو في المواقف من القضايا الجزئية المختلفة : يعتبر غفلة شديدة عن حقيقة العدو الذي يتربص بالجميع الدوائر ، ويريد أن يضرب بعضهم ببعض ، وهو يتفرج عليهم ، ثم يضربهم جميعاً في النهاية الضربة القاصمة . فمن فعل ذلك من الدعاة الى السلام عن جهل فهي مصيبة ، لأن الجهل بمثل هذه القضية خطر كبير ، ومن فعل ذلك عن علم وقصد فهي مصيبة أعظم ، وخطرها أكبر، لأنها تكون بمثابة الخيانة للإسلام وأمته وصحوته )
    ومن واجب تيار الوسطية ( العمل بصدق وإخلاص لتجميع الصف الإسلامي ، صف العاملين للإسلام ، على الأصول التي لا ينبغي الخلاف عليها ) ( ولا بأس أن نختلف في الفروع ونختلف في المواقف ، ونختلف في الاجتهادات ) و ( لا مانع من أن تتعدد الجماعات العاملة للاسلام ما دام تعددها تعدد تنوع وتخصص،لا تعدد تضارب وتناقض )
    · وفي مجال التفوق والأهداف الكبرى للأمة : ساء الشيخ القرضاوي أن أكثر المسلمين يحرصون على حج التطوع ، والنوافل ، آداب الملبس والمطعم ، لكنهم ( أهملوا _ إلى حد كبير _ فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة : كالتفوق العلمي والصناعي والحربي ، الذي يجعل الامة مالكة لأمر نفسها وسيادتها حقا وفعلاً ، لا دعوى وقولاً مثل الجهاد في الفقه واستنباط الأحكام ، ومثل إقامة الحكم الشوري القائم على البيعة والاختيار الحر ، ومثل مقاومة السلطان الجائر ، والمنحرف عن الإسلام ، ناهيك بالمعادي له ، وأهملوا بعض الفرائض العينية ، أو أعطوها دون قيمتها ، مثل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ( ومن ذلك : انصراف الكثيرين إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الكبائر الموبقات ، سواء كانت موبقات دينية ، كالعرافة ، والسحر ، والكهانة ، وإتخاذ القبور مساجد ، والنذر والذبح للموتى ، والاستعانة بالمقبورين ، وسؤالهم قضاء الحوائج ، وكشف الكربات ، ونحو ذلك مما كدر صفاء عقيدة التوحيد . أم موبقات إجتماعية وسياسية ، مثل : ضياع الشورى ، والعدالة الاجتماعية ، وغياب الحرية ، وحقوق الشعب ، وكرامة الإنسان ، وتوسيد الأمر إلى غير أهله ، وتزوير الانتخابات ، ونهب ثروة الأمة ، وإقرار الامتيازات الأسرية والطبقية ، وشيوع السرف والترف المدمر .
    هذا الخلل الكبير الذي أصاب امتنا اليوم في معايير أولوياتها ، حتى أصبحت تصغر الكبير ، وتكبر الصغير ، وتعظم الهين ، وتهون الخطير ، وتؤخر الأول ، وتقدم الأخير ، وتهمل الفرض ، وتحرص على النفل ، وتكترث للصغائر ، وتستهين بالكبائر ، وتعترك من أجل المختلف فيه ، وتصمت عن تضييع المتفق عليه ، كل هذا يجعل الأمة اليوم في أمس الحاجة – بل في أشد الضرورة –إلى فقه الأولويات )
    ومن هذه النقول ، ومما تناثر في مواضع أخرى من قول الشيخ القرضاوي: يتضح التوافق التام بيننا بحمد الله ، مع فضل السبق والريادة له ، نفع الله به


     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...