محن العلماء

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة almouchtak, بتاريخ ‏7 نوفمبر 2008.

  1. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      07-11-2008 11:52
    :besmellah1:


    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


    نفتتح هذه السلسلة معا ان شاء الله


    محنة الإمام البخاري


    لكلام عن محنة البخاري يثير في القلب شجونًا وأحزانًا وآلامًا كثيرة؛ ذلك لأن هذه المحنة بالذات ما زالت أصداؤها تتردد لوقتنا الحاضر ولكن بصورة مختلفة وبأوجه جديدة، وما زالت ضروب هذه المحنة وأقرانها تقع كل يوم وفي كل عصر وجيل، ولب هذه المحنة وأسها وأساسها الغيرة والحسد بين الأقران، فهي كما قال البخاري رحمه الله نفسه في وصيته: لا يسلم عالم متقدم على أقرانه من ثلاثة أمور: طعن الجهلاء وملامة الأصدقاء وحسد العلماء، وهو عين ما جرى للبخاري في محنته، وهذه هي فصولها:
    الإمام البخاري ومنزلته بين الناس:

    منزلة البخاري معروفة بين الناس لا تحتاج لبيانها، فهو المجمع على فضله، المقدم في علمه، الرائد في فنه، ولكننا نرمي من وراء بيان ذلك مداخل من خاض في حقه، ومأرب من اشترك في محنته، ليعلم أن الحسد والغيرة ولا شيء سواهما كانا وراء ما حاق بهذا الإمام العلم، وهاكم طائفة من كلام الناس في مكانة ومنزلة البخاري رحمه الله:

    قال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت، فإن موتي موت رجل واحد وموته ذهاب العلم.

    سئل قتيبة مرة عن طلاق السكران فقال: هذا أحمد بن حنبل وابن المديني وابن راهويه قد ساقهم الله إليك وأشار إلى محمد بن إسماعيل البخاري.

    قال نعيم بن حماد: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.

    وقال أبو سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم، وقال: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا من الدنيا النظر في "تاريخ" محمد بن إسماعيل.

    قال سليم بن مجاهد: لو أن وكيعًا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل.

    قال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل.

    قال الإمام مسلم للبخاري مرة: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.

    قال أبو عيسى الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.

    قال الحافظ أبو عمرو الخفاف: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا فمني عليه ألف لعنة، فإن محمد هو التقي النقي العالم الذي لم أر مثله.

    قال عبد الله بن حماد: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل.

    محنة البخاري في نيسابور:

    بدأ البخاري في طلب الحديث وهو دون العاشرة، فسمع من مشايخ بلده، ثم خرج في رحلة علمية طويلة لسماع الحديث وطلب العلم فطاف البلاد ودخل العواصم والتقى مع آلاف الشيوخ ولم يترك بقعة من بقاع العالم الإسلامي المعروفة بالعلم والحديث إلا زارها ودخلها، فطاف خراسان كلها ودخل العراق فزار بغداد والبصرة والكوفة مرات كثيرة، ودخل الشام والحجاز واليمن ومصر، وكان كلما دخل بلدًا انهال عليه الآلاف من أهلها من طلبة العلم وغيرهم للاستفادة من علمه الغزير وأدبه الوفير وسمته وهديه، وكان الناس يستقبلونه استقبال الملوك والخلفاء والعظماء ويبالغون في تعظيمه وتبجيله واحترامه.

    وبدأت فصول محنة البخاري عندما توجه إلى مدينة نيسابور وهي من المدن الكبيرة في خراسان، فلما وصل إليها خرج إليه أهلها عن بكرة أبيهم، فلقد استقبله أربعة آلاف رجل ركبانًا على الخيل سوى من ركب بغلاً أو حمارًا، وسوى الرجال، وخرج الولاة والعلماء كافة لاستقباله قبل أن يدخل المدينة بمرحلتين أو ثلاثة [قرابة المائة كيلو متر مربع] وبالغوا في إكرامه بصورة لم تكن لأحد قبله ولا حتى بعده.

    ومن روعة الاستقبال وعظيم التقدير والاحترام الذي وجده البخاري بنيسابور قرر المقام فيها لفترة طويلة واتخذ فيها دارًا، وأخذ علماء نيسابور في حض طلبة العلم على السماع من البخاري، وكان رأس علماء نيسابور وقتها الإمام محمد بن يحيى الذهلي، وكان رأسًا متبوعًا مطاعًا ليس في نيسابور وحدها بل في خراسان كلها، الناس يطيعونه أكثر من طاعتهم للخليفة والوالي، وكان الذهلي ممن حض الناس على الجلوس للبخاري وحضور مجالسه ودروسه، والذهلي نفسه كان ممن استفاد كثيرًا من البخاري، حتى أنه كان يمشي خلف البخاري في الجنائز يسأله عن الأسامي والكنى والعلل والبخاري يمر فيه مثل السهم.

    ومع استقرار البخاري في نيسابور أخذت مجالس التحديث تخلو شيئًا فشيئًا من طلاب الحديث لصالح مجلس البخاري، حتى ظهر الخلل في مجلس كبير علماء نيسابور محمد بن يحيى الذهلي نفسه، عندها تحركت النوازع البشرية المركوزة في قلوب الأقران، فدب الحسد في قلب الذهلي وتسللت الغيرة المذمومة إلى نفسه شيئًا فشيئًا، حتى وصل الأمر به لأن يخوض في حق البخاري ويتكلم فيه ويرميه بتهمة البخاري بريء منها، فما هذه التهمة يا ترى والتي كانت سبب محنة البخاري؟

    هذه التهمة هي تهمة اللفظية، وهي تعني قول القائل: أن لفظي بالقرآن مخلوق، فقد قال لأصحاب الحديث إن البخاري يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فأعاد الرجل السؤال ثلاث مرات، فالتفت إليه البخاري وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة، أي أن البخاري قد أدرك مغزى السؤال وعلم أنه من *** السؤالات التي لا يراد بها وجه الله عز وجل، وإنما يراد بها امتحان العلماء وإثارة الفتن والفرقة بين الناس، فشغب الرجل السائل على مجلس البخاري فقام البخاري من مجلسه وجلس في منزله.

    ولعل البعض لا يدري ما المراد بمسألة اللفظية هذه، لذلك يحسن أن نبين معناها في عجالة، ذلك أنه خلال فتنة القول بخلق القرآن وامتحان الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق للناس فيها، التبس الأمر على بعض الناس، فتوقف البعض في المسألة، وقال البعض الآخر إن لفظنا بالقرآن مخلوق، وكان أول من قال إن اللفظ بالقرآن مخلوق هو الفقيه الكرابيسي، فأنكر عليه الإمام أحمد بشدة واعتبره من قبيل البدع وسبيلاً للتجهم والاعتزال، وقال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن كلام الله ولا يقول: غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، فرد الفقيه الكرابيسي وأوضح المسألة فقال: تلفظك بالقرآن يعني غير الملفوظ من باب أن أفعالنا مخلوقة. ومع ذلك أنكر الإمام أحمد عليه هذه المقولة وذهب لأن يعرض الإنسان عن هذه الكلمة بالكلية حتى لا تفتح بابًا للتجهم والابتداع في الدين.

    والخلاصة أن مسألة اللفظ يراد بها أمران: أحدهما الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له فيه، والثاني التلفظ به والأداء له وهو فعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ أيضًا، فمنعا الإطلاقين، أما إذا فصَّل القائل في المسألة وفرق بين اللفظ والملفوظ، فقال إن الملفوظ هو كلام الله عز وجل والمتلو هو القرآن المسموع بالآذان وبالأداء من فم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حروف وكلمات وسور وآيات تلاه جبريل وبلَّغه جبريل عن الله تعالى، وهو صفة من صفات الله وبالتالي الملفوظ غير مخلوق، أما لفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأداؤهم كل ذلك مخلوق لله بائن عنه ـ فهذا حق وصواب تمامًا لا مرية فيه، وهذا ما كان يقول به البخاري.

    بعد هذه الحادثة أخذ الذهلي في التشنيع على البخاري واتهمه بالتجهم وقال: قد أظهر البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية، ومن ذهب بعد إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه، ثم تمادى الذهلي في التشنيع والهجوم على البخاري ونادى عليه في الناس ومنع طلبة الحديث من الجلوس إليه، ثم ألزم كل من يحضر مجلسه ألا يجلس للبخاري، فقال يومًا: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، وكان في المجلس وقتها الإمام الكبير مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة، فقام الاثنان من مجلس الذهلي، وهذا الأمر جعل الذهلي يزداد في هجومه على البخاري، ويصل لأعلى درجات الغلو والغيرة المذمومة، إذ قال بعد حادثة خروج الإمام مسلم من مجلسه: لا يساكنني هذا الرجل [يعني البخاري] في البلد، وأخذ الجهال والسفهاء يتعرضون للبخاري في الطريق يؤذونه بالقول والفعل، مما أجبر معه البخاري في النهاية لأن يخرج من البلد.

    وبالنظر لما قام به الذهلي بحق البخاري نجد أن الذهلي قد تدرج في التشنيع والهجوم على الإمام البخاري للوصول لغاية محددة منذ البداية، ألا وهي إخراج البخاري من نيسابور حسدًا منه على مكانة البخاري العلمية، وحتى لا ينسحب بساط الرياسة العلمية منه لصالح البخاري، وهذا ما فهمه البخاري منذ البداية وقاله لتلامذته ومن سأله عن هذه النازلة، فهذا تلميذه محمد بن شاذل يقول: دخلت على البخاري لما وقع فيه محمد بن يحيى فقلت: يا أبا عبد الله، ما الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال البخاري: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء، وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخراسان خصوصًا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى؟ فقبض البخاري على لحيته ثم قرأ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44]، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة وقد قصدني هذا الرجل [يقصد الذهلي] حسدًا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي، فقال أحمد بن سلمة: فأخبرت جماعة من أصحابنا بخروج الإمام، فوالله ما شيعه غيري وكنت معه حين خرج من البلد.

    وبالفعل خرج البخاري من نيسابور واتجه إلى مرو من أعمال خراسان ليواصل رحلته العلمية، فإذا بالذهلي يواصل هجومه الشرس على البخاري حتى بعد خروجه من نيسابور، حيث أخذ في الكتابة لسائر بلاد ومدن خراسان يحذرهم من البخاري وأنه يتبنى قول اللفظية، وقد أتت هذه الحملة أكلها، فكلما توجه البخاري إلى بلد في خراسان وجد الناس ثائرين عليه، وكتب الذهلي في حقه تنهال على علماء المدن وأمرائها فتوغر الصدور وتحرك الشكوك وتسيء الظنون، حتى وصلت حدة الحملات التشويهية ضد البخاري لأن يقدم رجلان من أكبر علماء الرجال في الحديث وهما أبو حاتم وأبو زرعة لأن يقولا: إن البخاري متروك، ولا يكتبان حديثه بسبب مسألة اللفظ، وسبحان الله لا أدري كيف أقدم أبو حاتم وأبو زرعة على مثل هذه المقولة؟ وكيف تجاسرا عليه؟ والبخاري حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة، والبخاري أعلى منهما كعبًا في كل باب في الحديث والفقه والحفظ، قال الذهبي في السير: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين.

    وكان البخاري يؤكد في كل مكان أنه لم يقل إن لفظه بالقرآن مخلوق، فعندما سأله الحافظ أبو عمرو الخفاق عن هذه المسألة فقال له: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقوس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله، إلا إني قلت: أفعال العباد مخلوقة. ومعنى هذا التصريح أن الذهلي الذي خاض في حق البخاري وشوه سيرته ومكانته قد بنى حملته على البخاري على لازم قول البخاري أن الأفعال مخلوقة، فقال الذهبي: إن البخاري يقول: إن ألفاظنا من أفعالنا وأفعالنا مخلوقة، إذًا هو يقول إن لفظي بالقرآن مخلوق ولازم القول ليس بلازم كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء، إلا إذا التزمه صاحب القول، أما إذا نفاه وتبرأ منه فلا يلزمه ولا يشنع عليه بسببه، قال الذهبي: ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين وأن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم وينزه ويعظم الرب، لذلك كان البخاري ينفي في كل موطن هذه التهمة عن نفسه ويبرأ منها.

    وهكذا نرى كيف كانت فصول محنة البخاري وهي كما قال الذهبي رحمه الله: لا يسلم منها عصر من الأعصار، فهي كانت وما زالت قائمة وموجودة، بل هي الآن على أشدها، فكم من عالم وداعية خاض الحاسدون وعشاق التصنيف وأنصار الحزبية في حقه ورموه بكل قبيح ونسبوا إليه من هو منه براء لا لشيء إلا حسدًا من عند أنفسهم على حب الناس له والتفافهم حوله، وكم عالم وداعية راح ضحية هذه التشنيعات حتى ضاع ذكره وخبره تحت أمواج الوشايات والأباطيل التي ملأت الأسماع وأوغرت الصدور وشحنت النفوس، حتى أصبح مجرد ذكر اسم هذا العالم أو الداعية مدعاة للطعن والشك والريب والطرح.

    والخلاصة أنها قصة جديدة قديمة وفصولها كلها محزنة أليمة والسالم من سلَّمه الله والمعصوم من عصمه الله وقليل من هم.
     
    4 شخص معجب بهذا.
  2. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      08-11-2008 12:04
    :besmellah1:



    محنة القاضي عياض


    لثبات حتى الممات، هو شعار علماء الأمة الربانيين، الذين لا يتنازلون عن الحق ولا يحيدون عنه قيد أنملة، مهما تقلبت بهم الأحوال، وعظمت عليهم الخطوب، فهم حماة الدين وحراس الشريعة وجند الحق، يعلمون أن أعظم المهام المنوطة بهم هي الحفاظ على معالم الدين، والتصدي للمبتدعين، ومواجهة كل دخيل ومدعي يريد أن يحرّف مفاهيم القرآن والسنة، فكم من عالم رباني قضى نحبه تحت سياط الباطل وفي سجون الطغاة، من أجل ثباته على الدين ومحافظته على الحق، وكم من عالم طورد وشرد هو وأهله من أجل أنه لا يداهن ولا يجاري، وكم من عالم طمس تاريخه وشوهت سيرته بين الناس؛ لأنه آثر مرضاة الله عز وجل على مرضاة المضللين والمحرفين، وهؤلاء العلماء كلهم شعارهم في الحياة قوله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً[الأحزاب: 23]، وصاحبنا هذه المرة واحد من علماء الأمة الربانيين الذين كانت حياتهم وخاتمتهم مثلاً حيًا وواضحًا وترجمة حقيقية لمعنى هذه الآية الكريمة.
    التعريف به:

    هو الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الأندلس والمغرب، وفريد عصره، شيخ الإسلام، القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي، وُلد سنة 476هـ بمدينة سبتة المغربية [وهي ما زالت واقعة حتى الآن تحت الاحتلال الإسباني] وكان جده عمرو قد هاجر من الأندلس إلى المغرب أيام ملوك الطوائف وسكن مدينة سبتة وبها وُلد القاضي عياض.

    لم يطلب القاضي عياض العلم في الحداثة كعادة كبار العلماء، بل طلبه بعد أن جاوز العشرين، وكان أول سماعه وطلبه للعلم إجازة مجردة من الحافظ أبي عليّ الغسَّاني، ثم رحل إلى الأندلس سنة 503هـ وسمع من شيوخها وعلمائها، وانقطع لطلب العلم، فاستبحر من شتى العلوم؛ الحديث والفقه، وعلوم اللغة، وتمهر فيها حتى فاق معاصريه وشيوخه، وبذ الأقران، وجمع وألف، وناظر وأفتى، وسارت بتصانيفه الركبان واشتهر اسمه في الآفاق، وتولى منصب القضاء في بلده سبتة مدة طويلة حُمدت فيها سيرته، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، ومن شدة أهليته للمنصب ارتبط واقترن اسمه بلقب القاضي على الرغم من صغر سنه، فلقد تولى القضاء وله خمس وثلاثون سنة فقط.

    ثناء الناس عليه:

    كان القاضي عياض من محاسن الدهر، وبركة العصر، وكلمة إجماع عند أهل العلم، رزقه الله عز وجل القبول عند الناس، فأنزلوه مكانه اللائق به بين مصاف كبار علماء الأمة وأثنوا عليه بما هو أهله، وهذه طائفة من أقوالهم:

    قال ابن بشكوال تلميذه: [هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، استقضى بسبتة مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل إلى غرناطة، فلم يطل بها، ثم قدم علينا قرطبة فأخذنا عنه واستفدنا منه كثيرًا].

    قال الفقيه محمد بن حمادة السبتي: [جلس القاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، كان هينًا من غير ضعف، صلبًا في الحق، وقد حاز من الرئاسة في بلده والرفعة ما لم يصل إليه أحد قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعًا وخشية لله تعالى].

    قال ابن خلكان في وفياته: [هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم].

    قال المؤرخ الشهير محمد بن عبد الله: [وكان القاضي عياض من أكابر الحفاظ، ومن أعظم أئمة عصره في الحديث، وفي فهم غريبه ومشكله ومختلفه، بارعًا في علم الأصول والكلام، حافظًا للمختصر والمدونة، متمكنًا من الشروط والأحكام، أبرع أهل زمانه في الفتيا، متقنًا للنحو واللغة، أديبًا كبيرًا، وشاعرًا مجيدًا، حسن التصرف في النظم، كاتبًا بليغًا، وخطيبًا مفوهًا، عالمًا بالسير والأخبار، ولاسيما أخبار العرب وأيامها وحروبها، وكان حسن المجلس، ممتع المحاضرة، فصيح اللسان، حلو المداعبة، بسامًا مشرقًا، جم التواضع، يمقت الإطراء والتملق، معتزًا بنفسه ومكانته، محبًا لأهل العلم، معاونًا لهم على طلبه، جوادًا، سمحًا، من أكرم أهل زمانه، كثير الصدقة والمواساة].

    مصنفاته:

    يعتبر القاضي عياض من أكثر علماء المغرب تصنيفًا وترتيبًا، وله ثبت حافل بالمؤلفات النفيسة والفائقة، كلها بفضل الله عز وجل موجود ومطبوع، وهو من الأعلام القلائل الذين لم يفقد من مؤلفاتهم شيء، على الرغم من المحنة الهائلة التي سيتعرض لها عندما تضطهده السلطة، وهذا الحفظ الذي حفظه الله عز وجل لمؤلفات القاضي عياض، دليل على عظم هذا الإمام ومكانته، وتأييد الله عز وجل له، وإعلاء ذكره وعلمه بين العالمين، أما عن أهم كتبه ومصنفاته فمنها:

    §كتاب «الشفا في شرف المصطفى» وهو أجلّ كتبه وأنفعها وأشهرها، وقد أتى في الكتاب بالعجائب والفرائد والتأويلات البديعة والمعاني الخفية اللطيفة، فجاء هذا الكتاب فريدًا بين كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شغف العلماء بهذا الكتاب، فوضعوا له الشروح والحواشي وخرجوا أحاديثه وحرروا ألفاظه، لذلك فللكتاب عدة طبعات بعدة شروح مختلفة وبتحقيق أسماء مختلفة من أهل العلم، والكتاب لا يستغني عنه أدنى طالب علم، فضلاً عن المتخصصين في السير والتاريخ.

    §كتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك».

    §كتاب «العقيدة» في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد شرح فيه عقيدته السلفية الصحيحة.

    §كتاب شرح حديث أم زرع واسمه «بغية الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد» وقد ذكر فيه طرق الحديث وما يتعلق بها، ثم ذكر على طريق الإجمال فيه من العربية والفقه والغريب وما اشتمل عليه من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة والبديع، ويعد هذا الشرح من أعظم كتب البلاغة التطبيقية في الكتب العربية وقد أثنى عليه الحافظ ابن حجر كثيرًا في الفتح.

    §كتاب «مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار» وهو في تفسير غريب الحديث وضبط ألفاظه، رتب فيه الكلمات على ترتيب حروف المعجم المعروف ببلاد المغرب بحسب حروفها الأول ثم الثاني وهكذا، وهو من الكتب العظيمة النافعة.

    §كتاب «جامع التاريخ» الذي أربى على جميع المؤلفات، جمع فيه أخبار ملوك الأندلس والمغرب واستوعب فيه أخبار سبتة وعلمائها.

    §كتاب «الإكمال في شرح صحيح مسلم» أكمل به كتاب «المعلم» للإمام المازري.

    §كتاب «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع».

    §كتاب «التنبيهات»، كتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام».
    محنته:



    وُلد القاضي عياض كما ذكرنا سنة 476 بسبتة التي كانت وقتها تحت حكم دولة المرابطين العظيمة، وهذه الدولة كانت من أعظم الدول الإسلامية التي ظهرت في بلاد المغرب عبر عصورها جميعًا، فلقد كانت دولة مجاهدة من الطراز الأول، حققت في هذا المضمار الكثير من الفتوحات والإنجازات الخالدة، وكان لها الفضل في نشر الإسلام في غرب ووسط القارة الإفريقية، حتى أن راياتها الميمونة قد وصلت إلى منتهى نهر النيجر وبلاد الكاميرون وقلب نيجيريا، كما أنها كانت دولة بدوية ساذجة غير متلوثة بأسباب الترف المهلك، والأهم من هذا كله أنها كانت دولة سلفية المنهج والعقيدة، لا تعرف الطرق الكلامية والمذاهب البدعية إلى أهلها سبيلاً، وكان قادة وسلاطين وأمراء تلك الدولة يعظمون العلماء والفقهاء ويجلونهم، وما سقطت تلك الدولة العظيمة إلا عندما تسلل الترف والفساد إلى جنباتها.

    في ظل تلك الدولة المجاهدة السلفية، وُلد ونشأ وترعرع القاضي عياض، وفي ظلها أيضًا تعلم وتمهر وتقدم في شتى العلوم، وفي ظلها أيضًا صار القاضي عياض من أعلام العلماء وكبار القضاة، ولأن تلك الدولة لم تعمّر طويلاً فإن القاضي عياض قد شاهد تلك الدولة وهي في عنفوان شبابها، وأوج قوتها، وأقصى اتساعها، ثم رآها وهي تندحر شيئًا فشيئًا، وتظهر فيها علامات السقوط مثل الفساد والترف، ورآها أيضًا وهي تهزم المرة بعد الأخرى أمام جيوش أتباع مدعي المهدية ابن تومرت والملقبين بالموحدين، مما كان يؤذن بأفول شمس تلك الدولة وخروجها من ساحة الأحداث إلى ثبت الذكريات.

    تولى القاضي عياض منصب القضاء سنة 510هـ في مدينة سبتة، وكان في الخامسة والثلاثين، وكانت أولى علامات الفساد بدأت في الظهور في جنبات الدولة المرابطية، وكانت تلك العلامة هي الوساطة والشفاعة لبعض الناس والمحسوبية لهم على حساب الآخرين فتصدى القاضي عياض لتلك الآفة، وسار في ولايته بمنتهى النزاهة والأمانة، وأبدى حزمًا في تطبيق الحدود والأحكام، واشتهر بين الناس بغزير علمه وحفظه، وصدق طريقته، ودقة فتياه، وحياديته الكاملة، حتى طارت شهرته في كل مكان.

    تلك الشهرة بكل خير جعلت أمير المسلمين ـ وهو لقب سلطان المرابطين «علي بن يوسف بن تاشفين» ـ يوليه قضاء غرناطة بالأندلس، ليصلح من شأنها، نظرًا لانتشار المفاسد بين أهلها، وكثرة القلاقل والاضطرابات بها، فتولى القاضي عياض قضاء غرناطة في سنة 531هـ، فقام به خير قيام، وأعرض عن الشفاعات والمؤثرات، وردع أرباب الولايات وأتباع السلطان عن الباطل، وعزل كل من ثبتت عدم أهليته وكفايته من منصبه، فشرد كثيرًا من حاشية أمير الأندلس «تاشفين بن عليّ» عن أعمالهم ومناصبهم، فاستاء منه الأمير «تاشفين بن عليّ» وضاق به ذرعًا، خاصة والقاضي عياض يرفض رفضًا تامًا أي تدخل في عمله وأي محسوبية أو وساطة، حتى لو كانت من الأمير نفسه، فالقاضي عياض عالم رباني يؤثر الحق ومرضاة الخالق على ما سواهما، كائنًا ما كان، فسعى الأمير «تاشفين بن علي» عند أبيه أمير المسلمين «علي بن يوسف» حتى يصرف القاضي عياض عن منصبه، وبالفعل تم له مراده وعُزل القاضي عياض عن منصبه في رمضان سنة 532هـ.

    لم يفت هذا العزل في عضد القاضي عياض ولم ينل من مكانته ولا قدره، فعاد إلى مدينته سبتة وعكف فيها على التدريس والفتيا ونشر العلم، ثم طلب أمير المرابطين «تاشفين بن علي» سنة 539هـ أن يلي منصب القضاء في سبتة، وكانت أحوال دولة المرابطين قد تدهورت بشدة، واكتسحت جيوش الموحدين معظم ولاياتها في المغرب فأراد «تاشفين بن علي» رجالاً صالحين وأشداء في تلك المناصب الحساسة لوقف تدهور الدولة المرابطية أكثر من ذلك، وسبحان الله، كم لله عز وجل في خلقه شئون؛ فتاشفين بن علي هو الذي اجتهد أول مرة لعزل القاضي عياض عن منصبه، وهو نفسه الذي اجتهد لإعادته لنفس المنصب، وذلك عندما احتاج لعلمه وزهده ونزاهته.

    بلغ الكتاب أجله، وسقطت الدولة المرابطية العظيمة المجاهدة، لما تخلت عن أسباب قوتها وبقائها، وأخلدت إلى الأرض والترف والشهوات، وحلت محلها دولة الموحدين، وتلك الدولة كانت على النقيض من دولة المرابطين، فمؤسسها دجال ادعى المهدية اسمه «محمد بن تومرت»، وقد ابتدع لهم عقيدة خاصة بأتباعه أسماها «المرشدة» هي عبارة عن خليط من آراء المعتزلة والأشاعرة والجهمية، وقرر لهم الكثير من البدع والخرافات، وقد سلك ذلك الرجل الدجال وأتباعه مسلك القسوة المفرطة والوحشية القصوى في التعامل مع المرابطين، وسفكوا دماء مئات الآلاف من المرابطين واستحيوا نساءهم، وأبادوا مدنًا بأكملها من على وجه الأرض، حتى أن الموحدين قد قتلوا قرابة المليون مسلم من أجل إقامة دولتهم.

    عندما رأى القاضي عياض تلك القسوة والوحشية الدموية المفرطة في تعامل الموحدين مع خصومهم، خاف على أهل سبتة من أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل مدينة «سلا» المغربية الذين ذبحهم الموحدون عن بكرة أبيهم عندما حاولوا مقاومتهم، ورأى أن من المصلحة أن يدخل هو وأهل سبتة في طاعة الموحدين، حتى تستقر الأمور ويرى بهدوء وروية ما يمكن عمله بعد ذلك، وبالفعل دخل القاضي عياض وأهل سبتة في طاعة الموحدين في سنة 540هـ، وأقره الموحدون على منصب القضاء.

    أخذ القاضي عياض في تسيير شئون «سبتة» حسب مقتضيات الشرع والعدل، وهو في نفس الأمر يفكر في كيفية التصرف مع هؤلاء الخوارج المبتدعين الضالين أتباع الدجال «ابن تومرت»، ثم وقعت مذبحة «مراكش» المهولة التي لم تعرف بلاد المغرب والإسلام قبلها من نظير، وذلك عندما قام الموحدون باقتحام مدينة «مراكش» عاصمة المرابطين وآخر حصونهم وذبحوا أهلها جميعًا وكانوا بمئات الألوف، واسترقوا النساء والأطفال، ثم قاموا بعد ذلك بهدم المدينة بالكلية بدعوى أنها مدينة نجسة وأهلها مشركون [كان الموحدون يصفون المرابطين بالمجسمة والمشبهة كما هي عادة أهل الزيغ والضلال في العقيدة مع أهل السنة والجماعة أتباع عقيدة السلف الصالح].

    فهدموا كل شيء حتى الجوامع والزوايا والمدارس، وجعلوا المدينة قاعًا صفصفًا، فأثرت هذه المذبحة البشعة في نفسية القاضي عياض بشدة، وأيقن أنه لا سبيل للتعامل مع هؤلاء الضلال المبتدعة، وأن مصير «سبتة» سيكون كمصير «مراكش» و«سلا» و«وهران» وغيرها من البلاد والمدن التي رفضت عقيدة ابن تومرت الضالة.

    قرر القاضي عياض الاتصال بزعيم المرابطين «يحيى بن غانية» وكان الوحيد الذي بقي من كبار قادة المرابطين، وقد استطاع أن يسيطر على جزر الأندلس الشرقية «ميورقة وأخواتها»، فاتصل به القاضي عياض ونسق معه من أجل القدوم إلى مدينة «سبتة» وتسليمها إليه، على أن يعمل يحيى بن غانية على مجاهدة الموحدين وتحرير مدن المغرب من نيرهم وضلالهم، وبالفعل وافق «يحيى بن غانية» على ذلك فأعلن أهل سبتة خلع طاعة الموحدين وذلك سنة 543هـ.

    سارت الأمور على غير مراد القاضي عياض، إذ تخاذل يحيى بن غانية عن القدوم إلى سبتة في حين أسرع الموحدون إلى حصار المدينة بجيوش كثيفة، فخاف القاضي عياض على أهل المدينة من القتل والسبي، فخرج إلى الموحدين بنفسه، وقرر لهم أنه المسئول عما جرى، فحملوه إلى أمير الموحدين عبد المؤمن بن علي وكان وقتها في مراكش، فعفا عنه عبد المؤمن وصفح عما جرى، ولكنه طلب منه أن يقر بعصمة ابن تومرت ومهديته، ويكتب بذلك كتابًا للآفاق كلها، فعلم القاضي عياض أن الموحدين قد طلبوا منه ذلك الكتاب ليكون حجة لهم ودليلاً على باطلهم، وصك شرعية من أكبر علماء المغرب والأندلس وقتها، وعلم القاضي عياض أن حياته على المحك، وأنه إذا رفض سيقتل ولابد، وعلم أيضًا أنه لو أذعن وأعطاهم ما يطلبون لضلَّ كثير من الناس، واتبعوا الموحدين في ضلالهم وعقيدتهم المبتدعة، بل وأهدر بكتابه ذلك دماء مئات الألوف من الأبرياء الذين قتلوا ظلمًا وعدوانًا بسيوف الموحدين.

    تراءت كل هذه المعطيات والنتائج في عقل القاضي عياض، فقرر التضحية بنفسه وإيثار مرضاة الله عز وجل وحده، وإيثار الحق والعلم الذي قضى عمره كله يدعو إليه ويقضي به وينشره بين الناس، وأعلنها مدوية أمام الموحدين المبتدعين؛ أنه لا عصمة لابن تومرت، ولا مهدية له، وأنه دجال ضال في باب العقائد والأقوال والأفعال، وأن دماء الأبرياء في رقبته ومسئول عنها يوم القيامة، وذلك يوم 9 جمادى الآخرة سنة 544هـ، فقام الموحدون بقتله بالرماح حتى قطعوه إربًا ثم قاموا بجمع أشلائه ودفنوها في مكان مجهول بمراكش بلا صلاة ولا غسل كأنه واحد من غير المسلمين، بل وقاموا بعد ذلك بما هو أنكى من ذلك، فأقطعوا تلك المنطقة للنصارى فبنوا بجوار قبره كنيسة وبعض الدور.

    ولأن الله عز وجل ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة والآخرة، فقد عثر على قبر القاضي عياض سنة 712هـ في عهد الدولة المرينية السنية والتي أسقطت دولة الموحدين الخبيثة، وفرح الناس والعلماء بذلك الأمر بشدة، وأمر القاضي أبو إسحاق بن الصباغ بتسوية ما حول القبر وإشهاره وإظهاره، واجتمع الناس عنده وصلوا عليه مرات كثيرة، وختموا القرآن عنده مرات كثيرة [وهذا الأمر بخلاف السنة].

    والخلاصة أن القاضي عياض أعظم حفاظ المغرب والأندلس وعلمائها في عصره، وسر عظمته ليس فقط علمه الغزير وفضائله الجمة، ولكن ثباته على الحق ورغبته في إصلاح الأمة، والتصدي أمام الباطل والطغيان، حتى ولو كان ثمن ذلك الثبات هو روحه. فرحمه الله عز وجل رحمة واسعة وأجزل له المثوبة يوم الدين.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  3. afsus

    afsus نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ماي 2008
    المشاركات:
    16.497
    الإعجابات المتلقاة:
    38.132
      08-11-2008 13:56

    :besmellah1:
    كتاب (الشفا ) عندي و هو مشكول و هو متوكن من جزاين و انشاء الله حين الانتهاء من تصويره سارسل بالنسخة الى الاستاذ جمال و هو مشكور جدا على جهوده في رفع الكتب القيمة نور الله طريقه بنور مصباح الحق.

    اما كتاب مشارق الانوار و ظبط اسماء الرجال و هو كتاب لو كتب بالذهب او وزن بالجوهر لكان قليل في حقه وفيه انشد بعضهم

    مشارق انوار تبدت بسبته **** ومن عجب كون المشارق بالغرب
    :ahlan:
     
  4. woodi

    woodi كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏27 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    7.442
    الإعجابات المتلقاة:
    29.074
      08-11-2008 21:46
    إن الموضوع محمود و غايته مشكورة مُرادة فلا تقحم فيه ما ليس منه و لا تجعله مطية تسب بها بعض العقائد و تبدع بها المسلمين ..و إحذر مما تكتب فليس أن يكون مبطنا يعني أنه لا يضر ...قد حذفت المشاركةالأخيرة فلا تعد لمثلها و إن أردت فعلا الحديث الصادق عن محن العلماء فتحدث عن محن الأعلام أيمة المذاهب مالك و أبو حنيفة و الشافعي و بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين فما نجا أحد منهم من عذاب و تنكيل و كف عن أسلوب اللمز و اللف و الدوران !
     
    1 person likes this.
  5. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      09-11-2008 16:06
    :besmellah1:


    السلام عليكم و رحمة الله

    وصلت المعلومة خويا وليد و باش ناخو بخاطرك.....
    و ان شاء الله ما نعودش لمثلها لا لشيئ الا على خاطر عندك حق الحكليات هوكا موش مجالهم و موش مكانهم.... موش خاطر اي شيئ اخر..... و ادلل ان شاء الله تكون اخر مرة نحكو في ها الموضوع.....


    محنة الإمام مالك رحمه الله



    عندما تكلمنا عن محنة الإمام البخاري رحمه الله، قلنا: إنها محنة قديمة جديدة، حيث ما زالت أمثالها وأضرابها تقع كل يوم ولا يخلو منها عصر ولا جيل، وقل من يسلم من التلوث بأدرانها.

    ومحنة الإمام مالك وإن كانت تختلف في فصولها عن محنة الإمام البخاري إلا إنها أيضًا محنة قديمة جديدة وما زالت تقع كل عصر وجيل، ولكن بأسماء ومواقف مختلفة، فمحنة الإمام مالك تتعلق بالدور المنوط لعلماء الأمة في بيان الحق وتعليم العلم وإرشاد الناس خاصة وقت النوازل، والصبر على المكاره واحتمال المشاق والمصاعب من أجل إظهار العلم وعدم كتمانه، في ظل تهديدات السلطة الحاكمة وطلبها الدائم بكتمان هذا العلم، الذي قد يمثل إحراجًا وضغطًا على هذه السلطة، كما إن للحسد والحقد دورًا بارزًا في أحداث المحنة التي تعرض لها الإمام مالك رحمه الله، وهذه هي أحداث وفصول هذه المحنة الأليمة.







    نشأة الإمام مالك ومكانته:





    كان مولد الإمام مالك بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي مهبط الوحي ودار الهجرة ومعدن الرسالة، وفيها ظهر الحق وقامت الدولة، ورفع منار الدين وانتشر، ومنها فتحت البلاد وتواصلت الأجداد، وبها مثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيها البقيع حيث يرقد معظم أصحابه والأخيار من المهاجرين الأولين والأنصار المباركين، وفي المدينة كان الحق ناصعًا والدين خالصًا، وعلى أنقابها ملائكة تحرسها حتى لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وفيها الفقهاء السبعة المشهورون، ولم يزل الدين بها قائمًا والسنة معلومة والعلماء متوافرين. وفي هذه البيئة الإيمانية والعلمية الخالصة ولد الإمام مالك ونشأ وشب وترعرع بين جنباتها، شق طريقه نحو حلق العلم والحديث، وجلس لأساطين العلم وقتها وكان مالك غلامًا عاقلاً حافظًا ثبتًا ضابطًا متقنًا برًا تقيًا، وقد جلس لابن هرمز عالم المدينة سبع سنين كاملة، تأثر خلالها مالك بأستاذه ابن هرمز كل التأثر، ثم جلس لربيعة الرأي ونافع مولى ابن عمر وحمل عنه ثمانين حديثًا وعرفت روايته عنه ـ مالك عن نافع عن ابن عمر ـ بالسلسلة الذهبية، ودار مالك على علماء زمانه وسمع منهم، وما زال مالك يرتقي في سلم العلم حتى درج إلى عليائه، وصار إمام دار الهجرة وعلمها المقدم، تضرب إليه أكباد الإبل من أقصى الأرض لسماع علمه ونقل فتاويه ومسائله وآرائه، وحمل كثير من العلماء الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة) على الإمام مالك؛ حيث إنه لم يغادر المدينة أبدًا إلا للحج، وهو الذي كان يأتيه طلاب العلم من كل مكان، وهو في المدينة لا يخرج منها، بل حاول عدة خلفاء من بني العباس كالمهدي والرشيد إقناعه بالإقامة في بغداد وهو يأبى عليهم ولا يرى غير المدينة مقرًا.

    وقد أثنى عليه كبار الأئمة مثل الشافعي الذي كان يصف الإمام مالك بالنجم الثاقب وقال عنه: لم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته، وقد جعلت مالكًا حجة بيني وبين الله عز وجل، وقال عنه أحمد بن حنبل: القلب يسكن إلى حديثه وإلى فتواه، حقيق أن يسكن إليه، مالك عندنا حجة لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده، وقال عنه الليث بن سعد وهو قرينه ونظيره في العلم ولكنه لم يجد من يحمل عنه علمه قال عنه: والله ما على وجه الأرض أحب إلي من مالك، وعلم مالك علم نقي، ومالك أمان لمن أخذ به من الأنام.

    وكان للإمام مالك منزلة رهيبة عند الناس تعدل بل تفوق منزلة الخلفاء والأمراء والولاة وكان مجلس درسه تحدوه السكينة والوقار والمهابة، لا يجرؤ فيه أحد على لغو ولا لغط، وإذا سأل سائل فأجابه لم يسأل عن الدليل ولا يطالب ببرهان، ولا يملك أحد أن يراجعه في جواب، حتى دخل على مجلسه يومًا أحد طلاب العلم الوافدين لسماع حديثه فوجد مجلسًا عامرًا بالهيبة والسكينة يعلوه الوقار فأنشد قائلاً:





    يدع الجواب فلا يراجع هيبـة والسائلـون نواكس الأذقـان
    أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان





    ولد مالك سنة 93 ومات سنة 179هـ أي إنه أدرك بهذا العمر الطويل المبارك الدولتين الإسلاميتين: الأموية والعباسية، والتي كانت كل واحدة منهما تحكم باسم الخلافة، بينما الواقع أن كلاهما كان ملكًا عضوضًا، يتوارثه الأبناء عن الآباء ويعضون عليه بالنواجذ، وهذه الطريقة في الحكم كان لها كثير من المعارضين والمخالفين، بعضهم بلسانه وقلمه والآخر بسيفه وترسه، وهذه المعارضة الأخيرة يعني المسلحة أخذت تتنامى شيئًا فشيئًا، حتى قامت المعارضة العباسية بقلب الدولة الأموية وإقامة دولتها مكانها، وذلك بعد ويلات وأهوال وشدائد ودماء مئات الآلاف التي تخضبت بها أرض خراسان والعراق والشام، وإن بقت الحجاز بمنأى عن هذه الأحداث الملتهبة فهي مستكينة وتبع لمن غلب منذ أحداث الحرة الأليمة سنة 61هـ، هذه الأحداث المتلاحقة جعلت العباسيين يشتدون مع معارضيهم حتى أنسوا الناس معنى العفو والصفح، فأدنى محاولة للخروج أو التلويح به أو حتى مجرد التلميح بالقول أو الفعل كان بنو العباس يقمعونها بمنتهى الشدة، ويأخذون البريء بالمذنب والقاعد بالساعي والبعيد بالقريب.

    ومن أجل هذه المضار والمفاسد العظيمة المترتبة على الخروج على الحكام لم ير مالك الخروج عليهم وإن كانوا ظالمين وجائرين، وهو مع ذلك لم يكن مداهنًا لخليفة ولا أمير، أو يكتم العلم من أجلهم، بل يلتزم معهم الحياد، فهو وإن كان يلزم الجماعة والطاعة، لا يرى أن سياسة السلطان في عصره هي الحق الصراح الذي يتفق مع أحكام الإسلام وهدي القرآن، بل يرضى بالطاعة لأن فيها إصلاحًا نسبيًا، فكانت طريقته في الإصلاح حسب ما ارتآه ألا يناصر أحدًا عند الفتن، ورغم ذلك ورغم كره الإمام مالك للثورات والتحريض عليها إلا إنه لم يسلم من أذاها.

    فبعد أن ارتفعت مكانة ومنزلة الإمام مالك عند الخاصة والعامة حتى جلس الخلفاء بين يديه وقرأ الأمراء له وأخذ الخلفاء بمشورته، وصدع الناس لما أمرهم به حسده على ذلك بعض أهل العلم ممن يؤثرون الدنيا ويسعون إليها، ووشوا به عند أمير المدينة جعفر بن سليمان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور وذلك سنة 147هـ، وكانت التهمة: أن مالكًا لا يرى أيمان البيعة للخلافة هذه بشيء، ولكن هل قال مالك ذلك حقًا؟

    إن الذي أفتى به الإمام مالك رحمه الله أن يمين المكره لا تلزمه، وذلك عملاً بالحديث الموقوف عن ابن عباس: (ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق) وهو صحيح على ابن عباس ولا يصح رفعه وقد علقه البخاري في كتاب الطلاق، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (ليس على مستكره طلاق) ولم يكن سبب المحنة هو التحديث بهذا الحديث وحده، ولكن التحديث به وقت الفتن واستخدام الثائرين لذلك الحديث ولمكانة الإمام مالك العلمية لتحريض الناس على الخروج على الخليفة، فلما بلغ الأمر السلطة الحاكمة أمر أبو جعفر المنصور الإمام مالكًا ألا يحدث الناس بهذا الحديث وبهذه الفتوى ونهاه عن ذلك بشدة، فلم يستجب مالك رحمه الله لهذه الضغوط ولم يسكت، فقد كان يرى في السكوت عنه كتمانًا للعلم الذي استودعه إياه الله عز وجل، وقد نهى الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن كتمان العلم وتوعدا فاعله بالنار.

    ولعلم أبي جعفر المنصور أن الإمام مالكًا لن يسكت عن نشر العلم فقد أمر واليه على المدينة جعفر بن سليمان أن يدس على مالك من يسأله عن هذا الحديث على رءوس الناس، وبالفعل أجاب مالك على المسألة وروى حديث ابن عباس، وعندها أرسل جعفر بن سليمان من قبض على الإمام مالك واحتج عليه بما رفع إليه عنه، فلم ينكر الإمام ولم يخش في الله عز وجل لومة لائم، فأمر جعفر بتجريده من ملابسه وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه وعذبه عذابًا شديدًا، وأهانه وتعمد إسقاط هيبته ومنزلته بكل هذه الإساءات، ولكن الله عز وجل قد رفع قدر مالك بعد هذه المحنة وازداد رفعة بين العالمين وهذه ثمرة المحنة المحمودة فإنها ترفع صاحبها عند المؤمنين.

    عندما علم أهل المدينة بما جرى للإمام مالك اشتد سخطهم على الوالي وتطاولوا عليه بل وعلى الخليفة نفسه، خاصة وأن مالكًا قد أصيب في هذه المحنة بعجز كبير في ذراعه بحيث لم يقدر بعدها على رفعها إلا بمساعدة ذراعه الأخرى وقد جلس في بيته، وشعر الخليفة أبو جعفر المنصور بمرارة ما فعل فأرسل إلى الإمام مالك يعتذر إليه ويتنصل مما فعله واليه، ولما جاء أبو جعفر إلى الحجاز حاجًا أرسل إلى مالك واجتمع معه وبالغ له في الاعتذار، وذلك كله لتطييب خاطر العامة أولاً ثم الإمام ثانيًا، وإلا فجميع ما وقع بعلمه وبأمره والله أعلم.

    في هذه المحنة اختلفت النظرة إلى الحديث بين الإمام مالك العالم التقي الرباني قدوة الناس ومفتيهم ومرشدهم عند النوازل والحاجات والذي يمثل طبقة العلماء، وبين الحكام الذين يمثلون طبقة أولي الأمر التي لها حق السمع والطاعة، فرأى مالك في إذاعة الحديث نشرًا للعلم وتبصيرًا للناس، فلم يكتمه إرضاء للحكام ولا لأي سبب مهما كان.

    ورأى الحكام في إذاعته تحريضًا على الفتنة والثورة لأن فيه بيانًا ببطلان بيعة الخليفة، وصادف ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن العلوي الملقب بالنفس الزكية على المنصور ومطالبته بالخلافة لنفسه وكان في المدينة وذلك سنة 146هـ.

    ومهما يكن من مبررات الخليفة والتي ساقها من أجل منع الإمام من التحديث، يبقى ثبات الإمام مالك وجهره بالحق وصبره على الضرب والتجريد والإهانة علامة فارقة في حياة الإمام، إذ ضرب لعلماء الأمة كلهم مثالاً يحتذى به في الصبر والثبات نسج على منواله الأئمة من بعده مثل الشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري ممن ابتلوا في ذات الله، وصبروا على الحق وجهروا بالعلم ورفعهم الله عز وجل بذلك لأعلى الدرجات بين العالمين
     
    6 شخص معجب بهذا.
  6. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      09-11-2008 16:11
    :besmellah1:


    محنة الخطيب البغدادي



    تعرض كثير من علماء الأمة الكبار لمحن عديدة وبأشكال شتى ومن أعداء مختلفين، فتارة من السلطان وأعوانه الذين لا يرضون من العلماء إلا أن يكونوا في ركابهم وتحت أوامرهم وتبع أهوائهم، يحلون ويحرمون تبعًا لما يريده السلطان وبطانته، وتارة من المبتدعين والمضللين الذين يريدون من العلماء موافقتهم على بدعهم وخرافاتهم، أو عدم التصدي لهم، وتارة من الجهال والعصاة الذين يضيقون ذرعًا من مهمة العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون من حراس الشريعة السكوت على المنكرات والمفاسد، وتارة من أعداء الأمة الداخليين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والإلحاد والزندقة، وهؤلاء كانوا قديمًا وحديثًا يتتبعون رءوس العلماء في الأمة، ويغتالونهم في المساجد والجوامع، أثناء الصلاة وإلقاء الدرس، وذلك كله من أجل إضعاف الأمة الإسلامية، وتصفية القادة الحقيقيين لها، وبالتالي تسهل مهمتهم بعد ذلك في نشر الفوضى الدينية والأخلاقية في البلاد، وعلى رأس الأعداء الذين كانوا يفعلون ذلك بعلماء الأمة: الشيعة بأجنحتها الكثيرة وفرقها العديدة، من إمامية وإسماعيلية وباطنية وحشاشة وغيرهم، وثبت العلماء والقادة والأبطال الذين اغتالهم هؤلاء الأعداء أو حاولوا اغتيالهم طويلاً، وهذه محنة واحد من هؤلاء الأعلام الذي طارده الروافض من مكان لآخر من أجل تصفيته، ولكن الله عز وجل نجاه من كيدهم، ولكن بعد أهوال كثيرة ومتاعب جمة.

    التعريف به:

    العلامة المفتي، الحافظ الناقد، خاتمة الحفاظ، وأستاذ المصنفين، وعلم المحدثين، صاحب التصانيف الفائقة غير المسبوقة، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، الملقب بالخطيب البغدادي، وُلد سنة 392هـ بقرية درزيجان من أعمال بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وكان أبوه خطيب القرية ومن قراء القرآن، فدفعه إلى طريق العلم مبكرًا، وأجلسه لسماع الحديث والفقه سنة 403هـ، أي وهو في الحادية عشرة، ولما اشتد عوده وبلغ العشرين خرج في رحلة علمية واسعة الدائرة، فطاف أقاليم الإسلام وكتب الكثير، وأبان عن حافظة خارقة، حتى فاق جميع معاصريه، وعلا كعبه في الحديث وتقدم في هذا الشأن، وبذَّ الأقران، وجمع وصنَّف وصحَّح، وعلل وجرَّح، وعدَّل وأرَّخ وأوضح، وكتب المصنفات الكثيرة، وصار علم الحفاظ في عصره بلا مدافعة، والجميع مقر بفضله، ومذعن لعلمه، وراض بقوله.

    ثناء الناس عليه:

    ولأن الخطيب البغدادي من كبار علماء الأمة، ومن أعظم رجالات الحديث، فلقد كان كلمة إجماع بين الناس، فكل معاصريه قد أثنوا عليه وعلى علمه وحفظه وعلى جميل خصاله وأخلاقه، فلقد كان الخطيب البغدادي من العلماء العاملين، الذين لهم سابقة حسنة، وقدم ثابت في نشر العلم والعمل به، وهذه طائفة من ثناء الناس عليه وعلى علمه:

    قال ابن ماكولا: كان أبو بكر آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظًا، وإتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره ومطروحه، ولم يكن للبغداديين ـ بعد الدارقطني ـ مثله.

    قال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب.

    قال أبو الفتيان الحافظ: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله.

    قال الحافظ السمعاني: كان الخطيب مهيبًا وقورًا، ثقة متحريًا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحًا، ختم به الحفاظ، زاهدًا متقللاً من الدنيا، دخل عليه يومًا أحد العلويين ومعه دنانير، فقال: هذا الذهب تصرفه في مهماتك، فقطب في وجه العلوي وقال: لا حاجة لي فيه، فقال: كأنك تستقله، ونثره على سجادة الخطيب وقال: هذه ثلاثمائة دينار، فقام الخطيب خجلاً محمرًا وجهه، وأخذ سجادته، ورمى الدنانير وراح، فما أنى عزه وذل العلوي وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير.

    قال الإسفراييني: كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم كل يوم ختمة قراءة ترتيل، ثم يجتمع الناس عليه وهو راكب، فيحدثهم بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما ما يرويه الحافظ ابن الجوزي في تاريخه عن أخبار فيها قدح وذم للخطيب البغدادي فهو من كلام الأقران الذي يطوى ولا ينشر، وإنما تناكد به ابن الجوزي على الخطيب لما رواه في تاريخه عن قدح بعض الحنابلة وذم، فتعصب ابن الجوزي لأصحابه وغض مرتبة الخطيب، ورحم الله الجميع وغفر زلاتهم.

    مصنفاته:

    يعتبر الخطيب البغدادي من أوسع علماء الحديث تصنيفًا وتأليفًا، ولم يترك بابًا من أبواب علوم الحديث ومصطلحه إلا كتب فيه وألف، حتى صار المعول عليه والمرجع إليه في شتى علوم الحديث ولا يستقيم طلب هذا العلم إلا بدراسة مصنفات الخطيب، وكلها بفضل الله عز وجل مطبوعة ومتداولة، يتلقفها الناس جيلاً وراء جيل، وقد بلغت مصنفاته المائة، ومن أشهرها:

    1ـ تاريخ بغداد، وهو كتاب ضخم وحافل بالوقائع والأخبار والتراجم، أشبه بأن يكون تاريخًا للعالم وليس لبغداد وحدها، وقد تصدى له العلماء من بعد الخطيب بالتذييل والتكميل والاختصار وذلك عدة مرات، والكتاب حريّ بأن يتصدى له مجموعة من العلماء من أجل تحقيقه وتخريج أحاديثه وآثاره.

    2ـ شرف أصحاب الحديث.

    3ـ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

    4ـ الكفاية في معرفة أصول علم الرواية، وفيه يعرض الخطيب تفصيلاً وافيًا للشروط الواجب توافرها في عالم الحديث.

    5ـ السابق واللاحق، وهو كتاب نفيس لم يسبق للخطيب إلى مثله في هذا الباب أحد، ولم يحاكه أحد فيما لحقه، واسم الكتاب بالكامل «السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة راويين عن شيخ واحد».

    6ـ المكمل في المهمل. 7ـ من حدث ونسي.

    8ـ الأسماء المبهمة. 9ـ غنية المقتبس.

    10ـ الفقيه والمتفقه. 11ـ تمييز متصل الأسانيد.

    12ـ الرحلة إلى طلب الحديث. 13ـ مقلوب الأسماء والأنساب.

    14ـ أسماء المدلسين. 15ـ اقتضاء العلم العمل.

    16ـ رواية الصحابي عن تابعي. 17ـ إجازة المعدوم والمجهول.

    18ـ المؤتلف والمختلف. 19ـ المسلسلات. 20ـ الإجازة للمجهول.

    وقد سرد ابن النجار في تاريخه أسماء مؤلفات الخطيب ودلل على أهميتها ومكانتها في علم الحديث.

    أما ما يروى عن أن معظم مصنفات الخطيب البغدادي قد اقتبسها أو اختلسها من مصنفات وكتب الحافظ أبي عبد الله الصوري، وأن الخطيب قد حاز هذه الكتب من عند أخت الحافظ الصوري بعد وفاته، ثم نقلها إلى كتبه، فهذه الأخبار لا تصح مطلقًا، والخطيب ليس بمفتقر إلى الصوري، وهو أحفظ وأوسع رحلة وحديثًا ومعرفة، وكلا الرجلين من الأعلام والحفاظ الكبار، والأسانيد التي تروى بهذا الخبر المعتم لا ترقى للطعن في علم شامخ مثل الخطيب البغدادي.

    محنته:

    وُلد الخطيب ببغداد وبها نشأ وترعرع، ثم خرج إلى رحلته العلمية الطويلة، ولما عاد إلى بغداد وجد أن شهرته قد سبقته إلى حاضرة الخلافة العباسية، فانهال عليه طلبة العلم وتهافت المحدثون على حضور مجالسه، وكان بجانب علمه الغزير بالحديث، فقيهًا متبحرًا على مذهب الشافعي رحمه الله، وقرأ بالقراءات العشر، وهذه العلوم الشتى رشحته لأن يكون وثيق الصلة برجال الدولة الكبار، وعلى رأسهم الوزير ابن المسلمة رحمه الله، وكان ابن المسلمة خيرًا دينًا يحب أهل العلم وخاصة أهل الحديث، فأحب الخطيب البغدادي كثيرًا وأعلى من شأنه، ثم تضاعفت مكانة الخطيب البغدادي عند الوزير ابن المسلمة، بعد أن كشف التزوير الذي قام به أهل خيبر، من أجل إسقاط الجزية عنهم، فعرف ابن المسلمة قدر الخطيب العلمي، ومدى سعة رواياته، فأصدر أوامره إلى سائر خطباء ووعاظ وكتَّاب بغداد، ألا يرووا حديثًا حتى يعرضوه على الخطيب البغدادي، فما صحَّحه أوردوه وما رده لم يذكروه.

    هذه العلاقة الوثيقة بين الخطيب البغدادي والوزير ابن المسلمة، كانت السبب وراء المحنة التي سيتعرض لها الخطيب، ذلك أن بغداد عاصمة الخلافة العباسية في تلك الفترة كانت تموج بالصراعات الطائفية والعرقية، وذلك في ظل ضعف منصب الخليفة العباسي الذي فقد كل صلاحياته تقريبًا قبل تلك الفترة بعشرات السنين، وتحديدًا منذ سيطرة الدولة البويهية الشيعية على مقاليد الخلافة سنة 334هـ، ومن يومها صار الخليفة مجرد رمز ديني لا أمر له ولا نهي، وبغداد وقتها كانت تموج بالصراعات الطائفية، والتي كانت على أشدها بين الشيعة الروافض وزعيمهم أبي الحارث أرسلان البساسيري وهو أحد كبار قادة الجيش العباسي، وكان شيعيًا رافضيًا جلدًا، هواه مع الدولة الفاطمية الخبيثة في مصر، لاتحاد المذهب والعقيدة، وبين أهل السنة وهم غالب البلد ويمثلهم وزعيمهم وقتها رئيس الرؤساء الوزير ابن المسلمة، وكان رجلاً صالحًا خيرًا، ويبغض الروافض بشدة وكان بين ابن المسلمة والبساسيري عداوة شديدة ومنافرة وتربص بعضهما ببعض.

    قام البساسيري بالتآمر مع الخليفة الفاطمي المستنصر بالله سنة 450هـ، واستطاع البساسيري بمساعدة روافض بغداد في باب الأرزج والكرخ أن يقتحم بغداد ويعزل الخليفة العباسي القائم بالله، ويطيح بالخلافة العباسية كلها، ولم يكن للبساسيري هم ولا عزم عندما احتل بغداد سوى القبض على خصمه اللدود ابن المسلمة، وبالفعل ظفر البساسيري بابن المسلمة، وقام بتشهيره وتعذيبه والتنكيل به ثم قتله شر قتلة.

    بعد قتل ابن المسلمة استدار البساسيري الخبيث يتتبع علماء أهل السنة وزعماءهم وكبراءهم ومن ظفر به قتله ومثل بجثته، وهكذا دائمًا يفعل الروافض بأهل السنة إذا علوا عليهم وملكوا السيطرة عليهم، وما جرى في أفغانستان والعراق ولبنان في أيامنا هذه خير دليل على النفسية المريضة للروافض ضد أهل السنة في كل مكان وزمان، وقد اجتهد البساسيري في القبض على الخطيب البغدادي، لعلمه بعلاقته القوية بابن المسلمة، فاضطر الخطيب لأن يتوارى عن الأنظار فترة من الوقت، ريثما يهدأ الطلب عليه من الطاغية البساسيري.

    ظل الخطيب البغدادي مختبئًا فترة طويلة، ومع ذلك لم يهدأ الطلب عليه، والبساسيري يفتش عنه في كل مكان، حتى كاد أن يصل إليه، فاضطر الخطيب أن يخرج من بغداد، فخرج منها في أوائل سنة 451هـ خائفًا يترقب، فتوجه تلقاء الشام، وقد اختار المقام في دمشق، وكان قد رحل إليها من قبل عدة مرات لسماع الحديث أثناء رحلته العلمية، وكان له بها معرفة، فلما وصلها وعلم الناس بقدومه ونيته بالمقام بها، فانهال عليه طلبة العلم والشيوخ ورواة الحديث، وأصبح للخطيب البغدادي مجلس تحديث ثابت بالجامع الأموي في دمشق.

    كانت دمشق في تلك الفترة وسائر بلاد الشام تحت حكم الدولة الفاطمية الخبيثة، وهم زنادقة ملحدون وبالتشيع لآل البيت مستترون، وكان للفاطميين أسلوب معين في إدارة البلاد الشاسعة التي يحكمونها، وهي ترك الناس أحرارًا في معتقداتهم، فلم يجبروا أحدًا على التشيع، كما يفعل الروافض الإمامية، وسمح الفاطميون لعلماء السنة بمزاولة أنشطتهم العلمية، وذلك بعد مدة الحاكم الفاطمي سنة 411هـ، وذلك من أجل تهدئة البلاد التي هاجت بشدة من زندقة الحاكم وهوسه المعروف.

    جلس الخطيب البغدادي في جامع دمشق يروي الأحاديث، وقد وجد أريحية في نشر علمه الغزير، وحدثت نهضة علمية بدمشق، وتلك النهضة الكبيرة أغضبت بشدة رجال الفاطميين ودعاتهم، خاصة والخطيب يبث علم السنة بين الناس، فأخذ الوشاة يسعون في الإيقاع بالخطيب البغدادي، وكان أشدهم فيه، رجل اسمه حسين بن علي الدَّمنشي، إذ قال لأمير دمشق: الخطيب ناصبي يروي فضائل الصحابة وفضائل العباس في الجامع، ونظرًا للمكانة العلمية الكبيرة، تردد أمير دمشق الرافضي في الفتك بالخطيب خوفًا من ثورة أهل دمشق وغالبيتهم العظمى من أهل السنة.

    أخذ أمير دمشق ومعه ابن الدمنشي في التدبير والكيد للخطيب البغدادي، ونسج مؤامرة دنيئة من أجل تأليب الناس عليه في دمشق، وضمان قتله بحيث لا يثور الناس عليهم، وقد تفتق ذهنهم الخبيث عن رمي الخطيب البغدادي بفاحشة اللواط والعياذ بالله، حيث اتهموه بشاب مليح الهيئة كان يتردد عليه لسماع الحديث، وهي تهمة بشعة يستقبحها كل مسلم، وما بالك لو وقعت من إمام وعالم كبير مثل البغدادي، ولنا أن نتخيل حجم الألم ووقع تلك المحنة على البغدادي، خاصة وجند أمير دمشق قد أحاطوا بداره من أجل القبض عليه بمثل تلك التهمة.

    وكما قلنا في مرات كثيرة، لأن الله عز وجل يدافع عن عباده المؤمنين والصالحين، فلقد قيض الله عز وجل للخطيب البغدادي من ينقذه من القتل في تلك المحنة؛ ذلك أن قائد شرطة دمشق كان سنيًا يعرف قدر الخطيب البغدادي العلمي، ويعرف أيضًا أن تلك التهمة باطلة ومحض كذب وافتراء، فلما ألقى القبض عليه قال له: قد أمرت بقتلك، ولا أجد لك حيلة إلا أني أعبر بك عند دار الشريف ابن أبي الجن ـ وكان من أعيان البلد وله وجاهة عند أمير دمشق ـ فإذا حاذيت الدار اقفز وادخل داره، فإني لا أطلبك، بل أرجع إلى الأمير وأخبره بالقصة، وبالفعل تم الأمر، فأرسل الأمير إلى الشريف يطلب منه تسليم الخطيب البغدادي، فقال الشريف: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله ـ يقصد تكفيره لأهل السنة ـ وليس في قتله مصلحة، هذا مشهور بالعراق، إن قتلته قتل به جماعة من الشيعة [لاحظ الترابط بين الفاطميين والروافض]، وخربت المشاهد. فقال الأمير: فما ترى؟ قال: أرى أن ينزح من بلدك، فأمر بإخراجه، فخرج منها إلى صور، وبقي بها مدة من الزمان.

    والخطيب وإن نجا من القتل في هذه المحنة، إلا إنه لم ينج من التشهير به، فخروجه من دمشق نجَّاه من القتل ولم ينف عنه تهمة الفاحشة الشنيعة، وأظهر أمير البلد الخبيث أنه أخرج البغدادي من بلده لفحشه ولجريمته النكراء، فراح البغدادي من البلد وهو يعاني مرارة التشهير به والتشنيع على أخلاقه وعلمه، فلما انتهى إلى مدينة صور، انقطع للتأليف والتصنيف، فأخرج للأمة روائع المصنفات في علم الحديث.

    هذه كانت محنة واحد من كبار علماء الحديث، عانى ما عاناه من تشريد وتشهير ومطاردة من قبل الروافض أعداء الإسلام، بسبب مساهمته في نشر العلم والحديث، ونشر السنة النبوية المطهرة والتي هي أقوى أسلحة المسلمين ضد هؤلاء المبتدعين الضالين، وهذا التربص الرافضي والتآمر الشيعي بعلماء الأمة قديمًا وحديثًا، كان وما زال، ديدنهم الثابت وأسلوبهم المتبع ضد الأمة الإسلامية، وقائمة العلماء الذين اغتالتهم أيدي الروافض الخبيثة طويلة وحزينة، والله عز وجل ينتقم لهم بإذن الله وعدله يوم الدين.
     
    1 person likes this.
  7. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      10-11-2008 17:00
    :besmellah1:


    محنة الإمام الطبري



    التعصب من الأمراض المزمنة التي ضربت جسد الأمة الإسلامية، وهو داء موروث من أيام الجاهلية الأولى، قد ذر قرنه الحاد في جنبات الأمة، وأخذ أشكالاً عديدة أشدها التعصب المذهبي، والذي تسبب في إشعال نار صراعات كثيرة بين أتباع المذاهب الفقهية، وفي أتون هذه الصراعات المقيتة راح العديد من فطاحل علماء الأمة، والإمام الطبري واحد من هؤلاء الأعلام.

    التعريف بالإمام:

    هو الإمام العلم العلامة، المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، وإمام المفسرين ورائد مدرسة التفسير بالأثر، وكبير مؤرخي الأمة الإسلامية، وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا، صاحب التصانيف البديعة؛ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، ولد سنة 224هـ بمدينة آمل عاصمة إقليم طبرستان، وقد نذره أبوه لطلب العلم، فلما ترعرع وأتم حفظ القرآن وكان حسن الصوت به جدًا، سمح له أبوه بالسفر لطلب العلم، فطاف البلاد ودخل الشام ومصر وأكثر الترحال من مكان لآخر، ولقي نبلاء الرجال وكبار العلماء، حتى صار من أفراد الدهر علمًا وذكاءً وتصنيفًا، بل صار مثل البحر الزاخر بالعلوم المختلفة.

    مكانته العلمية:

    يعتبر ابن جرير الطبري من كبار أئمة الإسلام وعلم من أعلام الدين، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، فقد كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال السلف من الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم.

    قال عنه الذهبي: كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة.

    وقال عنه الإسفراييني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا.

    وقال عنه قرينه ورفيقه ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.

    وقال لأحد طلبة العلم الذين لم يكتبوا عن ابن جرير بسبب المحنة التي تعرض لها قال له: ليتك لم تكتب عن كل من كتب عنهم وكتبت عن محمد بن جرير.

    مصنفاته:

    يحتل الإمام ابن جرير الطبري المكانة الأولى في سلم التصنيف لعلماء الأمة، فهو أكثر علماء الإسلام تصنيفًا، ويعتبر رائد علمي التفسير والتاريخ في الإسلام، وعلى منواله نسج من جاء بعده، ولابن جرير مصنفات كثيرة زاخرة بالفوائد الجمة، أشهرها على الإطلاق كتاب «التفسير» الذي لم يصنف مثله، والذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل. والذي قال عنه أهل العلم: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّله لم يكن كثيرًا. وله كتاب «الملوك والرسل» من أنفس كتب التاريخ، والذي افتتح به مدرسة المؤرخين المسلمين وظل كل مؤرخي الإسلام يسيرون على نهجه في التأريخ، وله كتب أخرى مثل «لطيف القول»، و«تاريخ الرجال»، و«اختلاف علماء الأمصار»، و«القراءات والتنزيل والعدد»، وله كتاب «تهذيب الآثار» وهو من عجائب كتبه، ولكنه مات قبل تمامه، وله كتاب «المحاضر والسجلات»، و«ترتيب العلماء»، و«الفضائل»، و«الخفيف في الأحكام».

    ولابن جرير كتب هامة ونفيسة في باب العقائد مثل كتاب «التبصير» وهو رسالة منه إلى أهل طبرستان يشرح فيها ما تقلده من أصول الدين على عقيدة السلف الصالح خاصة في باب الصفات، وتفسيره المشهور مشحون في آيات الصفات بأقوال السلف على الإثبات لها، لا على النفي والتأويل.

    أهم صفاته:

    لابن جرير الإمام صفات وخصال عظيمة وكثيرة، فلقد كان على طراز علماء الأمة الكبار وعلى نهج حياتهم، ولكنه كان يتميز بعدة أمور لم يشاركه فيها إلا قلائل من أفذاذ العلماء منها:

    1ـ زهده: لقد كان ابن جرير شديد الزهد والورع، يرفض بشكل تام وفي كل موطن أن يتكسب بعلمه ويسترزق بما فتح الله عليه من العلوم والفضائل، وظل طول حياته يتقوت بما يرسله له أبوه من قريته بطبرستان، حتى إنه لما تأخرت عليه النفقة ذات مرة، باع بعض ملابسه، وعرض عليه الوزير الخاقاني أموالاً كثيرة ولكنه رفض أخذها بشدة، ورضي أن يعمل بالأجرة في تأديب الصبيان، وذات مرة أراد المكتفي الخليفة أن يحبس وقفًا تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتابًا لذلك، فأخرجت له جائزة كبيرة فامتنع من قبولها، فقيل له: تصدق بها، فلم يفعل وقال لهم: أنتم أولى بأموالكم وأعرف بمن تتصدقون عليه.

    ولقد عرض عليه منصب القضاء وولاية المظالم عدة مرات ولكنه رفض بشدة على الرغم من كثرة الضغوط حتى من جانب تلاميذه ورفقائه.

    2ـ همته: كما قلنا من قبل يعتبر ابن جرير أكثر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا، والسر وراء ذلك همته العالية التي تفوق قمم الجبال الشامخات، حتى إنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة، وكان يستخير الله عز وجل قبل أن يشرع في تأليف أي مصنف، ولم يكن في زمانه ولا بعده ـ على ما أظن ـ من له مثل همته العالية في التحصيل والتأليف، حتى إنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ قال: نحو ثلاثين ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أن أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوًا من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.

    شدته في الحق: حيث كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد، شديد التمسك بالسنة وأصولها حتى إنه أفتى بقتل من سب الشيخين وقال عنهما إنهما ليسا بإمامي هدى.

    محنته:

    كان ابن جرير الطبري من أكبر علماء الوقت، محبوبًا من الجميع، مجمعًا على إمامته بين الناس، من رجالات الكمال، وكلها صفات حميدة وعظيمة تحتاج إليها الأمة، ولكنها عادة ما تجلب لصاحبها الكثير من المتاعب مع الأقران والمتنافسين، والذين تسلل الغيرة إلى قلوبهم تجاه أمثال هؤلاء الأعلام المحبوبين، وهذا هو عين ما وقع للإمام ابن جرير الطبري.

    كان المذهب الحنبلي هو المذهب السائد بأرض العراق خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، وذلك بفضل صمود الإمام أحمد رحمه الله في محنة خلق القرآن وهذا الصمود أعلى من شأن الحنابلة ورفع قدرهم في أعين الناس والعامة، وأقبلوا على تعلم العلم وفقًا للمذهب الحنبلي، حتى أصبح الحنابلة أغلبية بأرض العراق، وكان رأس الحنابلة بالعراق الإمام أبا بكر محمد بن الحافظ أبي داود صاحب السنن، وكانت بينه وبين الإمام ابن جرير الطبري مشاحنات وخلافات، وكلاهما لا ينصف الآخر، ووقع بينهما ما يقع بين الأقران في كل عصر ومكان، ولو وقف الخلاف بين الرجلين عند هذا الحد لكان الأمر هينًا يسيرًا، لتوافر أمثال هذه الخلافات في كل عصر، ولكن هذا الخلاف قد أخذ منحنى جديدًا حتى تحول إلى محنة كبيرة للإمام ابن جرير الطبري.

    ذلك أن الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود قد دفعهم التعصب المذهبي المقيت لأن يشنعوا على ابن جرير ويشيعوا عليه الأكاذيب والأباطيل الذي هو منها براء، بل هو من أبعد الناس عما اتهموه به؛ ذلك أن الحنابلة قد أشاعوا على الإمام الطبري أنه من الروافض، ورموه بالتشيع والإمامية، وشعبوا عليه بشدة، وصدقهم كثير ممن لا عقول لهم إلا في آذانهم، وكان سبب هذا الرواج وانتشار هذه الشناعات عدة أمور منها:

    1ـ جمع ابن طرير الطبري لطرق حديث «غدير خم» وذلك في أربعة أجزاء باهرة تدل على سعة علمه ومروياته، وهو الحديث الشهير (من كنت مولاه، فعلي مولاه...) وهو الحديث العمدة عند جميع طوائف الشيعة والذين يستدلون به على أحقية علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وبنيه في الخلافة، وهو حديث صحيح لا شك فيه، ولكن لا دلالة فيه على أحقية علي ـ رضي الله عنه ـ في الخلافة، وتأويله يختلف بالكلية عما ذهب إليه الروافض الجهلة، وكان السبب وراء جمع ابن جرير لطرق هذا الحديث؛ هو قيام أبي بكر بن أبي داود وغيره من علماء الحنابلة بتضعيف هذا الحديث، ومن باب الأمانة العلمية وليس من باب الميل للتشيع أو التأثر به قام الإمام الطبري بجمع طرق الحديث، وقد أقر أبو بكر بن أبي داود بعد ذلك بصحة حديث الغدير.

    2ـ الأمر الثاني والذي كان سببًا لتصديق كثير من البسطاء والعامة لفرية تشيع الطبري، يرجع إلى وجود عالم من علماء الشيعة الإمامية يحمل نفس الاسم ونفس الكنية وهو أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري، وكان من كبار الروافض، وقد صنف كتبًا كثيرة في ضلالات التشيع مثل كتاب «المسترشد في الإمامة» و«الرواة عن أهل البيت»، وقد أدى هذا التشابه العجيب لخلط الناس بين الرجلين، وشتان ما بينهما، ولقد أحسن الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ صنعًا عندما أورد ترجمة الطبري الرافضي مباشرة خلف ترجمة جبل السنة ابن جرير الطبري، حتى لا يختلط الأمر على الناس، وللتمييز بين الرجلين.

    3ـ الأمر الثالث هو قيام الإمام ابن جرير الطبري بتأليف كتاب ضخم في اختلاف العلماء، ولم يذكر فيه الإمام أحمد بن حنبل على أساس أنه من كبار المحدثين، فظن الحنابلة أن الطبري قد تعمد ذلك للتقليل من شأن فقه الحنابلة، فشعبوا عليه، وأطلقوا بحقه العظائم والفظائع، ولعل ذلك هو السبب الرئيس في محنة الطبري واضطهاد الحنابلة له.

    هذه الأمور وغيرها جعلت فصول المحنة تستحكم، وتضيق حلقاتها على الإمام الطبري؛ فبعد هجمة شرسة من الشناعات والأباطيل والأكاذيب بحق هذا العالم الجليل قام الحنابلة بالتشويش على الطبري في مجالسه، وتنفير الطلبة من مجالسه، ومع ذلك ظل الإمام صابرًا محتسبًا مواظبًا على الدرس لا ينقطع عنه، حتى قام الحنابلة ذات يوم بسبه وشتمه أثناء الدرس، وأقاموه بالقوة من حلقة الدرس ومنعوه من الجلوس للتدريس، وألزموه القعود في بيته.

    نقل الطبري دروسه إلى بيته فكان يجتمع مع طلبة العلم في بيته، فأغاظ ذلك الأمر الحنابلة بشدة، فدفعهم التعصب المذهبي المذموم لأبعد دركات الغلو والظلم، حيث قاموا بمحاصرة بيت الطبري ومنعوه من الخروج من بيته، ومنعوا طلاب العلم من الدخول عليه، حتى إن كل طلاب العلم والحديث الذين دخلوا بغداد سنة 309هـ لم يجتمعوا به ولم يرووا عنه شيئًا بسبب طغيان جهلة الحنابلة، ومنهم الإمام حسنيك بن علي دخل بغداد ولم يكتب شيئًا عن الطبري، وعندما علم أستاذه ابن خزيمة ذلك قال لتلميذه «حسنيك»: (ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت من أبي جعفر، وبئس ما فعلت الحنابلة بحقه).

    ظل الطبري حبيسًا في بيته يعاني من الاضطهاد الشديد، ولا يدخل عليه أحد إلا القليل من خاصته، وكان قد جاوز الخامسة والثمانين وأنهكته السنون، ورحلات طلب العلم في شتى بقاع الأرض، وزادت المحنة من آلامه وأوجاعه، والجهلة والمتعصبون لا يردهم شيء، لا مكانة علمية ولا كبر سن، ولا مؤلفات ومصنفات عظيمة في التفسير والتاريخ وغيرهما، وظل الجهلة محاصرين لبيت الطبري حتى حان وقت الرحيل في شوال سنة 309هـ، وقد ظل الطبري يردد الشهادة قبل موته عدة مرات، ثم مسح يده على وجهه وغمض بصره بيده، وبسطها وقد فارقت روحه الحياة.

    وبلغت المحنة أوجها ووصل التعصب إلى ذروته، وظل الحنابلة على حصارهم لبيت الطبري حتى بعد أن بلغهم خبر وفاته، مما دفع أصحاب الطبري لأن يدفنوه في صحن داره برحبة يعقوب ببغداد، ولم يخرج الطبري من حصاره حتى بعد موته، ولكن هذا الحصار والتعصب المقيت لم يمنع الناس أن يأتوا إلى بيته للصلاة عليه حتى إن الناس ظلوا عدة شهور يصلون على قبره ليلاً ونهارًا.

    رحل الطبري عن دنيانا الفانية محاصرًا مظلومًا مضطهدًا من الجهلة والمتعصبين، وراح ضحية محنة مقيتة، وإن كان خصومه قد نالوا من دنياه، فإنه ولا شك قد نال من آخرتهم، وقد رفع الله عز وجل ذكره بين الناس وقام له سوق الثناء والفضل والدعاء ولم ينفض، في حين باء الجهلة والمتعصبون بالخسران والنكران في الدنيا والآخرة
     
    3 شخص معجب بهذا.
  8. s.sabry

    s.sabry كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أفريل 2008
    المشاركات:
    4.630
    الإعجابات المتلقاة:
    19.247
      10-11-2008 17:11
    بسم الله الرحمان الرحيم
    بارك الله فيك يا مشتاق وبالتوفيق يا اخي
    انا شدتني هذه الجملة" حتى إنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة، وكان يستخير الله عز وجل قبل أن يشرع في تأليف أي مصنف"
    والله فهمت شيئا واحدا ان الخشية تورث العلم وان العلم سبب الخشية.
    عفوا عن هذا هذا النشاز الذي قد يقطع تسلسل الموضوع.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  9. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      11-11-2008 13:05
    :besmellah1:



    محنة الإمام النسائي


    لا يزال الجهل والجهلاء هم أعدى أعداء العلم والعلماء؛ فهما نقيضان متضادان، كلاهما حرب على الآخر، كلاهما في حالة صراع قائمة ومستمرة عبر التاريخ، فالعلم نور وحق وبيان والعلماء أهله وحراسه ومناصروه، والجهل ظلام وباطل وبهتان والجهلاء أهله وحراسه ومناصروه، الجهل داء والعلم دواء، الجهل سقام القلوب والنفوس والعقول والعلم شفاؤها، لذلك فإن الله عز وجل قد أعلى من شأن العلم والعلماء وجعلهم ورثة الأنبياء، وجعل فضل العالم على العابد كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى المسلمين، وعلى مر التاريخ عانى علماء الأمة الربانيون من سفاهة الجهلاء وحماقة الأغبياء الكثير من الويلات والمحن، بل إن بعضهم قد راح ضحية الجهل والغباوة، ففقدت الأمة العديد من كبار الأئمة والعلماء بسبب ذلك، وعلى رأس هؤلاء العلماء الذين راحوا ضحية الجهل والجهلاء الإمام النسائي صاحب السنن رحمه الله.

    التعريف به:

    هو الإمام الحافظ الحجة الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، وبحر العلوم، وواحد من كبار علماء الأمة، وصاحب السنن المشهورة، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، ولد سنة 215هـ بمدينة نسا من أعمال خراسان [بين إيران وأفغانستان الآن] وطلب العلم صغيرًا وقد ملك حب الحديث وطلبه والرحلة إليه مجامع فؤاده، فارتحل لطلب الحديث سنة 230هـ أي وهو في الخامسة عشر، فرحل أولاً إلى المحدث الشهير «قتيبة بن سعيد» ومكث عنده عامًا كاملاً، سمع خلاله مروياته كلها، ثم انطلق بعدها يجول في طلب العلم والحديث في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور، ثم استوطن مصر، وصارت الرحلة إليه، وإليه ضربت أكباد الإبل، وارتحل إليه الحفاظ، ولم يبق له نظير في هذا الشأن.

    كان النسائي شيخًا مهيبًا، مليح الوجه، حسن الشيبة، وضيئًا كأن في وجهه قنديل مضاء، مقتصدًا في لباسه، حسن العيش بحيث كان له أربع زوجات ويأكل جيدًا مع ذلك آية من آيات الرحمن في الحفظ والفهم والإتقان والاجتهاد في العبادة ونشر العلم والسنة، مع صحة عقيدة وسلفية منهج وإتباع للآثار وإحياء للسنن.

    مصنفاته:

    كان النسائي رحمه الله من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، وواحد من أصحاب السنن الأربعة الكبار، وكان متحريًا ضابطًا محققًا، وقد ترك العديد من المصنفات الهامة والنافعة، والتي ما زالت معينًا ينتفع منه الناس وطلبة العلم والعلماء، وعلى رأس مصنفاته كتابه الشهير «السنن» ورتبة هذا الكتاب من حيث الصحة والجودة والدقة، تلي الصحيحين، وذلك لاشتداده في الرجال، حتى قيل إن شرطه في الرجال الذين يروي عنهم أشد من شرط البخاري ومسلم، ولقد ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم، وكلام النسائي على فقه الحديث في سننه يدل على مدى فقهه وسعة علمه ورتبته بين العلماء، ولقد اصطفى الحافظ ابن السني كتاب «المجتبى» من سنن النسائي وكل ما فيه صحيح؛ لذلك طارت الشهرة للمجتبى ونسي الناس «السنن».

    وللنسائي مصنفات أخرى مثل كتاب الخصائص لعلي رضي الله عنه، وكتاب فضائل الصحابة، وله كتاب المناسك على مذهب الشافعي، ومسند عليّ، وكتاب الكنى، وكتاب عمل يوم وليلة، كتاب التفسير، كتاب الضعفاء.

    ثناء الناس عليه:

    يحتل النسائي مكانة سامقة في ثبت علماء الأمة، فهو يقف في مصاف كبار علماء الأمة، وإمامًا من أكبر أئمة الحديث، حتى أن السيوطي رحمه الله قد قال عنه: (النسائي مجدد المائة الثالثة). وثناء الناس عليه وإقرارهم بإمامته وريادته مذكور في كل كتب التراجم التي ترجمت كحياة هذا الإمام الكبير وهذه طائفة منتقاة من أقوالهم:

    قال الحافظ أبو علي النيسابوري: أبو عبد الرحمن النسائي الإمام في الحديث بلا مدافعة.

    قال الإمام الدارقطني: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

    قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه.

    قال أبو بكر بن الحداد الفقيه: رضيت بالنسائي حجة بيني وبين الله تعالى.

    قال أبو سعيد بن يونس: كان أبو عبد الرحمن النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا.

    قال الإمام الذهبي: لم يكن أحد في رأس الثلاث مائة أحفظ من النسائي، وهو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم وأبي داود والترمذي، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زرعة.

    قال الإمام الطحاوي: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين.

    قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم، وأبو الآذان، وأبو بكر الأنماطي، فتشاوروا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.

    قال ابن الأثير في مقدمة كتابه «جامع الأصول»: النسائي من أئمة الحديث والفقه الشافعي، له مناسك على مذهبه، وكان ورعًا متحريًا، شديد التحري والضبط لرواياته حتى أنه قد أتى أحد رواة الحديث المشهورين وهو «الحارث بن مسكين» وكان الحارث خائفًا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف من النسائي أن يكون عينًا عليه، فمنعه من دخول بيته، فكان النسائي يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع، وكان بعدها إذا روى الحديث عن الحارث لا يقول: حدثنا حارث، إنما يقال: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، من شدة تحريه وصدقه وضبطه لألفاظ الرواية.

    محنته:

    كان النسائي كما أسلفنا إمامًا من أكبر أئمة الحديث والفقه في عصره، وقد طاف معظم بلاد الإسلام طلبًا للحديث سماعًا ورواية، ثم استقر المقام به في مصر، وخلال طوافه وسياحه في أقاليم الدولة الإسلامية، لاحظ أن أهل الشام منحرفون عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالطبع ليس كل أهل الشام بل بعضهم، وإن كان هذا البعض كثيرًا في نظر الإمام النسائي، مما دفعه لئن يصنف كتاب «الخصائص» في فضائل علي وأهل البيت، حتى يردهم إلى الصواب ويكشف عنهم عماية الجهل والتعصب، وقد نوى إن عاود الرحلة إلى الشام، ومتى دخلها أن يروي لهم كتاب الخصائص، وهذا الفعل من الإمام النسائي منقبة عظيمة وعلامة صادقة على ربانية هذا الإمام والعالم الكبير وإحساسه بأحوال المسلمين ومواضع الجهل والحاجة عندهم وتصديه لمواجهة هذا الداء العضال الذي يعصف بعقول المسلمين ألا وهو الجهل والتعصب.

    بدأت محنة النسائي عندما بلغ أعلى المكانات العلمية في عصره وصارت الرحلة إليه وعيَّنه أمير مصر قاضيًا على عموم البلاد، وخرج معه للجهاد والفداء، وعندها حسده الأقران، وظهر ذلك منهم في قسمات وجوههم وفلتات ألسنتهم، وهذا الحسد أزعج النسائي وضاقت به نفسه حتى عزم على الخروج من البلد كلها، قال الإمام الدارقطني: كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ، حسدوه، فخرج إلى الرملة بفلسطين وذلك في أواخر سنة 302هـ.

    خرج النسائي إلى الشام وفي نيته نشر العلم النافع، ورد ما غالى من أهلها على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فلما وصل إلى الرملة بفلسطين، عقد مجلسًا للتحديث بجامعها الكبير، وأخذ في رواية الأحاديث في فضل علي رضي الله عنه وآل البيت وفي باقي الصحابة، وكانت بلاد الشام معقل الأسرة الأموية وقاعدة ملك بني أمية ودمشق ظلت عاصمة الخلافة الأموية وعاصمة الدولة الإسلامية، طوال حكم الأمويين، فلما أخذ النسائي في رواية أحاديث فضل الصحابة، طلبوا منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية رضي الله عنه، فامتنع النسائي من ذلك؛ لأنه وبمنتهى البساطة لم يخرّج حديثًا في فضل معاوية، ومروياته كلها ليس فيها حديث واحد في ذلك، فألحوا عليه، فرفض بشدة وكان كما قلنا ضابطًا متقنًا شديد التحري لألفاظه ورواياته للأحاديث، فألحوا عليه أكثر وشتموه، فرد عليهم بكلام شديد أحفظهم، إذ قال لهم: أي شيء أخرج؟ حديث اللهم: لا تشبع بطنه، وهو حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، ولكن ليس للنسائي سند في مروياته ليخرجه به ويحدثه للناس.

    ولما كانت بلاد الشام معقلاً تاريخيًا وتقليديًا لبني أمية، وأنصارهم به كثر، وكذلك المتعصبون لهم، فإن النسائي لما قال ما قال لمن شتمه ووبخه لأنه لم يرو لهم حديثًا في فضل معاوية رضي الله عنه، فظنوا أن الإمام النسائي من الشيعة الروافض، ولم يعرفوا قدر هذا الإمام ومكانته العلمية، فقاموا عليه بكل جهل وتعصب، وكأنه واحد من اللصوص أو المجرمين، وأخذوا يضربونه بكل عنف، وفي أماكن حساسة من جسده، وكان النسائي وقتها، قد جاوز الخامسة والثمانين من العمر، فلم يحتمل الشيخ الكبير هذا الضرب المبرح، فخر مغشيًا عليه، ثم أخرجوه من المسجد بلا رحمة ولا شفقة، فلما أفاق قال لمن معه: احملوني إلى مكة كي أموت بها، ولكن القدر كان أسرع من مراده وبغيته، فمات في 13 صفر سنة 303هـ، فرزقه الله عز وجل حياة هنية وميتة سوية، وختم حياته بصيانة علمه وأحاديثه، وعده كثير من أهل العلم من الشهداء، ونعم الشهيد هو الذي يموت على يد الجهال والدهماء والأغبياء الذين لا يعرفون الحق من الباطل والعالم من الظالم.
     
    1 person likes this.
  10. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      12-11-2008 01:23
    :besmellah1:

    في بداية الحديث عن تاريخ المحن التي تعرض لها علماء الأمة، لا يسعنا الحديث إلا أن نبدأه بأشد هذه المحن وأعظمها وأخطرها، ألا وهي محنة القول بخلق القرآن، والتي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهي المحنة التي تأتي على رأس قائمة المحن التي تعرض لها علماء الأمة الربانيون، وعلى الرغم من وجود العديد من المحن الشديدة والتي تعرض لها كبار علماء الأمة، إلا أننا آثرنا أن نبدأ الحديث بهذه المحنة العاتية وذلك لعدة أسباب:

    1ـ أن هذه المحنة كانت في باب العقيدة أي في صميم قلب الأمة، وفي أصل قوتها ومصدر عزتها، وكان أهل الاعتزال هم من وراء هذه المحنة والفتنة.

    2ـ أن الدولة بكافة أجهزتها ورجالها وقوتها كانت تدعم هذه المحنة، حيث استطاع بعض أهل الاعتزال مثل بشر المريسي وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهما من خداع ثلاثة خلفاء عباسيين متتاليين وهم: المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وإقناعهم بتبني عقيدة الاعتزال الضالة والمليئة بالبدع الغليظة، وليس فقط مجرد التبني والاعتناق، ولكن وإجبار الناس على ذلك الضلال ولو بالقوة وحد السلطة التي لا تطيق عادة أن تخالف أو يتحدى سلطانها أي أحد مهما كانت مكانته وعلمه.

    3ـ أن هذه المحنة العاتية لم تكن خاصة بالإمام أحمد وحده، وإن كان قد تحمل عبأها الأكبر وحده، بل كانت محنة عامة وفتنة شاملة، طالت الكبير والصغير، العالم والعامي، الأحرار والعبيد، حتى الأسارى عند الأعداء كانوا يمتحنون على القول بخلق القرآن، فإن أجابوا وإلا تركوا رهن الأسر عند العدو ولم تفتكهم الدولة.

    4ـ أن هذه المحنة عندما وقعت لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد بن حنبل، أما باقي العلماء فأغلبهم قد أجاب فيها كرهًا وبعضهم قد مات تحت وطأة التعذيب في سجن المبتدعة مثل البويطي ومحمد بن نوح ونعيم بن حماد، وكان صمود الإمام أحمد أعظم فصول هذه المحنة، وسبب تقدمه وشهرته ورفع ذكره، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال: قال الإمام أحمد وهذا مذهب الإمام أحمد، ولو قدر الله عز وجل ولم يصمد الإمام أحمد في هذه المحنة لضل خلق كثير ولربما الأمة كلها والله أعلم، لذلك قال المزني رحمه الله: (عصم الله الأمة بأبي بكر يوم الردة وبأحمد بن حنبل يوم المحنة).

    التعريف به:

    هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، وإمام أهل السنة، الفقيه المحدث، والقلم الجبل، وركن الدين، وإمام المسلمين، وصاحب رابع المذاهب الفقهية المتبوعة، الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أحد كبار أئمة الإسلام. وُلد في ربيع الأول سنة 164هـ بمرو، وقد مات أبوه وهو جنين في بطن أمه فتحولت به إلى بغداد، وطلب العلم وهو في سن الخامسة عشرة، أي سنة 179هـ أي في نفس العام الذي مات فيه الإمام مالك، وعني بطلب الحديث وبرع فيه للغاية، وطاف الأقاليم وجمع الحديث من الثقات الأعلام، وتفرغ لطلب العلم وجمع الأحاديث حتى إنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين، حتى بلغ عدد مروياته من الأحاديث والآثار ألف ألف حديث كما قال ذلك الحافظ أبو زرعة، حتى عدوه من أحفظ علماء الإسلام قاطبة.

    خصاله:

    كان الإمام أحمد موصوفًا بالكمال من الرجال، فلقد كان أهلاً بخصاله وأخلاقه وشمائله الجمة أن يصمد في وجه هذه المحنة الهائلة، فلقد كان على طراز علماء الأمة الربانيين الذين كمل حالهم في العلم والعمل، فلقد كان عابدًا ناسكًا ورعًا تقيًا نقيًا خالصًا مخلصًا، في غاية الزهادة والخشوع، أتاه من أموال الدنيا مما يحل أخذه بالآلاف وهو يرد ذلك كله، وعرضت عليه المناصب والولايات، وهو يفر منها فراره من الأسد، يحيي ليله بالصلاة والذكر والدعاء والبكاء، ويقضي نهاره في طلب العلم والدرس والفتيا، وحاله الدنيوي على أضيق ما يكون، لربما تأتي عليه عدة أيام لا يأكل من رقة الحال وانعدام المال، ولا يغير ملابسه لعدة سنوات، حتى إنه قد احتاج لأن يرهن نعله عند خباز، وأكرى نفسه من جمَّالين ليجد نفقة رحلته العلمية إلى اليمن، ومع ذلك فقلبه عامر بالإيمان، يتبرك الناس برؤيته والسلام عليه، ولقد حج خمس مرات منها ثلاث مرات ماشيًا على رجليه، وكان يصلي كل ليلة ثلاثمائة ركعة، فلما امتحن وأوذي بالسياط كان يصلي مائة وخمسين ركعة في الليلة.
    ومع شدة اجتهاده في العلم والعمل كان الخوف من الله عز وجل، إذا ذكر الموت خنقته العبرة وامتنع عن الطعام والشراب، وكان يكره الشهرة بشدة وينكر أيما نكير على المغالين فيه، شديد الحب للفقراء والزهاد، يقربهم ويجلهم فوق السلاطين والأعيان، كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، عازفًا عن الدنيا وأهلها.

    فصول المحنة

    الفصل الأول: أصل المحنة:

    كان المسلمون أمة واحدة وعقيدتهم صحيحة وصافية من معين النبوة حتى وقعت الفتنة الكبرى وقتل عثمان رضي الله عنه مظلومًا شهيدًا، فتفرقت الكلمة وظهرت الشرور وتمت وقعة الجمل ثم صفين وبدأت البدع في الظهور، وحدث أول انحراف في تاريخ العقيدة الإسلامية بظهور فرقة الخوارج التي كفرت الصحابة خير الناس، ثم أخذت زاوية الانحراف في الانفراج فظهرت فرقة الروافض، وكلما ظهرت فرقة مبتدعة ظهرت في المقابل لها وعلى النقيض منها فرقة أخرى، الأولى تغالي والأخرى تعادي، فكما ظهرت الخوارج ظهرت فرقة المرجئة التي أخرت العمل وقالت إن الإيمان هو مجرد التصديق فقط، فجعلت إيمان أفجر الخلق كإيمان أتقاهم، وكما ظهرت الروافض ظهرت النواصب، وكما ظهرت فرقة القدرية نفاة القدر ظهرت فرقة الجبرية التي تنفي أي اختيار وإرادة للإنسان، وكما ظهرت فرقة المعتزلة والجهمية نفاة الصفات ظهرت فرقة المجسمة الذين يشبهون صفات الخالق بالمخلوق، ولكن كل هذه الفرق الضالة كانت مقهورة بسيف الشرع وقوة السنة وسلطان الدولة الأموية ثم العباسية، وكثير من رءوس البدعة قد قتل بسيف الحق مثل الجعد بن درهم رائد التعطيل والجهم بن صفوان رائد القدرية والمغيرة بن سعيد وغيرهم، وقد ظل المبتدعون في جحر ضب مختفين بضلالهم، لا يرفع أحد منهم رأسًا ببدعة أو بضلالة حتى ولي المأمون العباسي وكان محبًا للعلوم العقلية وكلام الفلاسفة الأوائل، فبنى دارًا لترجمة كتب فلاسفة اليونان وأسماها بيت الحكمة، فأخذت أفاعي البدع تخرج من جحورها وأخذت في التسلل بنعومة إلى بلاط المأمون ثم التفت حول عقله ولعبت به ونفثت سموم الاعتزال في رأسه، ونفق عليه رجال من عينة بشر المريسي الذي كان هاربًا أيام أبيه الرشيد الذي كان يتطلبه بشدة ليقتله ببدعته، وأحمد بن أبي دؤاد رأس الفتنة ومسعرها، وأبي الهذيل العلاف وثمامة بن أشرس وغيرهم، حتى مال المأمون لقولهم واعتنق مذهب الاعتزال والذي يقوم على عدة أصول وهي:

    1ـ نفي الصفات وتعطيلها، وأبرز معالم نفي الصفات القول بأن القرآن مخلوق.
    2ـ نفي القدر وأن العباد هم خالقو أفعالهم.
    3ـ القول بالمنزلة بين المنزلتين بالنسبة لمرتكب الكبيرة.
    4ـ الوعد والوعيد، ومعناه تخليد مرتكب الكبيرة في النار وإيجاب دخول المؤمن الجنة على الله.
    5ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعناه الخروج على ولاة الأمور بالسلاح.

    ظل المأمون معتنقًا لهذه العقيدة الضالة ولا يجبر أحدًا على اعتناقها ويتردد ويراقب الشيوخ والعلماء والمحدثين وهو يخشى مكانتهم وتأثيرهم على جماهير المسلمين، وفي نفس الوقت يحاول استمالة من يقدر على استمالته منهم، فلما رأى إعراض العلماء عن القول ببدعته زين له أحمد بن أبي دؤاد وبشر المريسي أن يجبر العلماء وذلك بقوة الدولة وحد التهديد والوعيد، وبالفعل سنة 218هـ أمر المأمون العباسي قائد شرطة بغداد العاصمة «إسحاق بن إبراهيم» بأن يجمع كبار الفقهاء والعلماء والمحدثين ويمتحنهم في القول بخلق القرآن، وقرأ عليهم كتاب المأمون الذي يفيض بالتهديد والوعيد وقطع الأرزاق والعزل من المناصب لمن يرفض القول بخلق القرآن، ومن يومها بدأت فصول المحنة العظمى التي تحمل الإمام أحمد بن حنبل وحده عبأها والوقوف في وجه أربابها ودعاتها.

    الفصل الثاني: الإمام أحمد والمأمون العباسي:

    حمل الإمام أحمد ومن معه من العلماء إلى دار السلطان وأخذ إسحاق بن إبراهيم قائد الشرطة في امتحانهم، ومع جدية التهديد أخذ العلماء الواحد تلو الآخر يجيب بالقول بخلق القرآن، فلما رأى أحمد بن حنبل الناس يجيبون وكان من قبل رجلاً لينًا، انتفخت أوداجه واحمرَّت عيناه وذهب ذلك اللين وغضب لله عز وجل وجهر بالحق، وبعد أول يوم لامتحان العلماء عاد الإمام أحمد بن حنبل إلى مسجده وقعد للدرس والتحديث، فالتف حوله الناس وسألوه عما جرى وألحوا في معرفة من أجاب من العلماء في هذه المحنة، فرفض بشدة وكره الإجابة على هذا السؤال، ولكن الأمر قد انتشر بسرعة بين الناس وعُرف من أجاب ممن رفض.
    وصلت أخبار الامتحان للخليفة المأمون وكان وقتها مقيمًا بطرسوس على الحدود مع الدولة البيزنطية، فتغيظ بشدة ممن رفض القول بخلق القرآن وطلب من قائد شرطته «إسحاق بن إبراهيم» أن يجمع العلماء مرة أخرى ويمتحنهم ويشتد في التهديد والوعيد، وبالفعل اشتد إسحاق في التهديد حتى أجاب كل العلماء ما عدا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجَّادة، فقام إسحاق بحبسهم وتهديدهم بالضرب والحبس، فأجاب سجَّادة والقواريري فخرجا من السجن وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فأرسل بخبرهما إسحاق إلى الخليفة المأمون الذي استشاط غضبًا وأمر بحملهما مقيدين زميلين إلى طرسوس، وقد أقسم ليقتلهما بيده إذا لم يجيبا في هذه الفتنة، بل أشهر سيفًا ووضعه بجانبه استعدادًا لقتلهما إذا أصرا على الرفض.
    حُمل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح من بغداد إلى طرسوس، وفي الطريق وقعت عدة حوادث كان لها أثر كبير في تثبيت الإمام أحمد ورفيقه، ودللت أيضًا على أن الناس كانت كلها وراء الإمام وتؤيده وإن كانت لا تملك له شيئًا، فقد قابله بالرحبة (موضع على شاطئ الفرات على بعد مائة فرسخ من بغداد) رجل من عامة المسلمين يعمل في غزل الصوف والشعر، قد جاء لمقابلته خصيصًا من بادية العراق ليقول له: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا وإن عشت عشت حميدًا، وما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، فقوي قلب الإمام أحمد بهذه الكلمات. ثم بعد فترة استراح الركب في خان بالطريق للمسافرين، وفي الخان قابل الإمام أحمد أحد أصدقائه القدامى واسمه أبو جعفر الأنباري، والذي عبر الفرات للقاء الإمام أحمد قبل سفره إلى طرسوس، فلما رآه الإمام أحمد قال له: يا أبا جعفر تعنيت (أي كلفت نفسك مشقة السفر وعبور الفرات) فقال له أبو جعفر: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل الإمام أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر أعد عليَّ، فأعاد عليه، وأحمد يبكي ويقول: ما شاء الله.
    وفي طريق السفر كان الإمام أحمد يتهجد ويصلي في جوف الليل ويدعو الله عز وجل أن لا يرى المأمون وألا يجتمع معه أبدًا، ويلح في الدعاء، وفي رجب سنة 218هـ وقبل أن يصل الإمام أحمد ورفيقه محمد بن نوح إلى طرسوس هلك المأمون فجأة بلا مرض ولا تعب، فراح ضحية سهم من سهام الليل من قوس مظلوم بوتر مكلوم هو دعاء الإمام أحمد عليه.

    الفصل الثالث: الإمام أحمد والمعتصم العباسي:

    هذا الفصل هو الأشد والأروع في فصول هذه المحنة العظمى، وتجلى فيه صمود الإمام أحمد حيث أصبح وحده في الميدان بعد أن مات محمد بن نوح تطت وطأة الحبس والتنكيل، ورغم أن الخليفة المعتصم لم يكن من أهل الفكرة ولا يعتقدها في الأساس، ولكنه خاض في الفتنة وانغمر فيها لأن أخاه المأمون قد أوصاه بذلك، فحمله حبه لأخيه المأمون لأن يعمل بوصيته، بل يزيد عليها، فكان أول قرار أخذه المعتصم هو رد الإمام أحمد إلى بغداد وسجنه هناك في سجن ضيق مظلم والقيود في يديه ورجليه حتى إنه أصيب بمرض شديد في شهر رمضان، فنقلوه إلى سجن أوسع مع عموم الناس، ومكث في هذا السجن ثلاثين شهرًا.
    وفي السجن أخذ رجال الاعتزال ورءوس الفتنة يأتونه واحدًا تلو الآخر ليناظروه في خلق القرآن وهو يناظرهم وتعلو حجته حججهم، وكلما غلبهم في المناظرة اشتدوا عليه وضيقوا عليه وزادوا في قيوده، وبعد عدة أيام وكانوا في شهر رمضان بدأت فصول المناظرة العلنية بحضور الخليفة المعتصم نفسه.
    ولنا أن نتخيل هذا المشهد المهول الذي حضره الإمام أحمد وحده وكان في مجلس الخليفة المعتصم وفيه كل رجال البدعة والوزراء والقادة والحجَّاب والسيافون والجلادون، وكان الذي بدأ معه الكلام هو المعتصم نفسه وقد حاول استمالته وترغيبه في أول الأمر، ثم أمر علماء البدعة بمناظرته، فهزمهم الإمام كلهم، وهو يحتج عليهم بالآيات والأحاديث والآثار وهم يحتجون بكلام الفلاسفة مثل العرض والجوهر والشيء والوجود والقدم، لذلك فقد علت حجته حجتهم والإمام يقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وكان قائد الشرطة عبد الرحمن بن إسحاق ـ وهو بالمناسبة ابن إسحاق بن إبراهيم القائد السابق ـ ممن يدافع عن الإمام أحمد ويقول للخليفة المعتصم: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة، وإنه ليرى طاعتك والحد والجهاد معك، وإنه لعالم وإنه لفقيه، ولكن في المقابل كان أحمد بن داود أشد الناس عليه ويحرض المعتصم عليه بشدة ليقتله ويقسم له أنه ضال وكافر ومبتدع.
    استمرت هذه المناظرة العلنية ثلاثة أيام وكانوا في شهر رمضان، والإمام ثابت لا يتزعزع وخصومه من حوله تتساقط شبههم وبدعهم، حتى كان اليوم الرابع وكان المعتصم قد ضجر من طول المناظرة وأغراه قاضي المحنة أحمد بن داود، حتى وصل التهديد للضرب والجلد، وأحضرت الخشبة والسياط وشد أحمد على العقابين (وهما خشبتان يشد الرجل بينهما للجلد) فخلعت يداه وهو صامد، وعندها أخذت المعتصم شفقة على الإمام وأعجب بثباته وصلابته، ولكن أحمد بن أبي دؤاد أغراه وقال له: يا أمير المؤمنين تتركه فيقال غلب خليفتين؟ فعمى المعصتم لكلمته الشريرة وأمر بالإمام فأخذ الجلادون في ضربه بالسياط، يتناوبون على ضربه؛ هذا يضربه سوطين والآخر ثلاثة وهكذا، حتى إذا بلغ سبعة عشر سوطًا قام إليه المعتصم وقال له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق، وجعل عجيف أحد قادة الأتراك العسكريين في جيش المعتصم ينخسه بقائمة سيفه ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك إمامك الخليفة على رأسك قائم، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم، والمعتصم يقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فيجيب الإمام بكل صمود وثبات: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به، فيأمر المعتصم بمواصلة الضرب، ثم قال له المعتصم مرة أخرى: أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، ومع ذلك الإمام صامد، فأخذوا في ضربه حتى أغمي عليه من شدة الضرب وقد تمزق ظهره من لهيب السياط.
    بعد هذا الثبات العجيب التي تعجز عن مثله الجبال الراسيات، أمر المعتصم بإطلاق سراحه، ولكن بعد أن فعل شيئًا في منتهى العجب والغرابة، وهو قيامه بإحضار أقارب الإمام أحمد وأهله وجيرانه وأشهدهم على أنه سليم البدن، وذلك خوفًا من ثورة الناس عليه إن حصل للإمام مكروه، هذا على الرغم من قوة المعتصم وشجاعته وسلطته، ولكن قوة الحق وسلطة الصمود وشجاعة الثبات الذي عليه الإمام أحمد كانت أكبر من ذلك كله، وخرج الإمام أحمد وعاد إلى بيته بعد 28 شهرًا من الحبس والضرب من سنة 218هـ حتى سنة 221هـ.
    والمعتصم وإن كان هو الذي أقدم على ضرب الإمام أحمد إلا أنه لم يكن مثل المأمون مقتنعًا أو معتنقًا لهذه البدعة، وكان يود لو أطلق سراح أحمد بلا ضرب، ولكن رءوس الضلالة أوغروا صدره وأشعلوا غضبه حتى أقدم على جناية ضرب الإمام، لذلك فلقد جعله الإمام أحمد في حلٍ من هذه الجناية وذلك يوم أن جاءه خبر فتح عمورية سنة 223هـ.

    الفصل الرابع: الإمام أحمد والواثق العباسي:

    ظل أحمد بعد خروجه من سجن المعتصم يعالج في بيته فترة طويلة من آثار الضرب والتعذيب حتى تماثل للشفاء، وأخذ يحضر الجمعة والجماعة ويحدث الناس ويفتي حتى مات المعتصم، وولي مكانه ابنه الواثق، وكان قد تربى في حجر قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد فشربه البدعة منذ صغره ، فكان الواثق من أشد وأخبث الناس في القول بالبدعة، حيث أظهرها بقوة وأجبر الناس عليها وأطلق يد أحمد بن أبي دؤاد فيها، فكان يفرق بين الرجل الذي لا يقول ببدعته وبين امرأته ويأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب هذه البدعة الخبيثة، وبلغ الأمر ذروته عندما كان أحمد بن أبي دؤاد يمتحن أسرى المسلمين عند الروم، فمن قال ببدعة خلق القرآن افتداه، ومن امتنع يتركه أسيرًا بيد الروم حتى ضج الناس وضاقت نفوسهم.
    بلغ الأمر بالناس ذروته من فجاجة نشر البدعة وتسلط المعتزلة على الناس حتى أقدمت مجموعة من أهل بغداد بقيادة أحمد بن نصر الخزاعي على التحضير للخروج على حكم الخليفة الواثق العباسي وخلعه من الخلافة، وذهب نفر منهم للإمام أحمد لاستفتائه في الخروج وعددوا له مساوئ الواثق وجرائمه وبدعه، فلم يوافق الإمام أحمد على ذلك ومنعهم وناظرهم في القضية وأمرهم بالصبر وذلك من فقه وورع ودين الإمام أحمد، على الرغم من الأذى والاضطهاد والعذاب الشديد الذي ناله الإمام على يد هذه الحكومة الجائرة المبتدعة والتي لو خرج عليها الإمام أحمد ما لامه أحد، إلا إنه قد أدرك أن المفاسد المترتبة على الخروج أعظم وأكبر من المصالح المتوقعة من وراء إسقاطها، والذي توقعه الإمام قد وقع بالفعل، فلقد فشلت حركة الخزاعي وراح فيها الكثيرون.
    وعلى الرغم من الدور الذي لعبه الإمام أحمد في إقناع الكثيرين بعدم الخروج على الواثق، إلا إن الواثق قد قابل ذلك بفعل شرير بالغ السوء حيث أمر بنفيه من بغداد وأرسل إليه يقول: «لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها»، فخرج الإمام من بيته واختبأ بدار أحد تلاميذه عدة أيام، ثم انتقل إلى موضع آخر فمكث فيه عدة شهور حتى هدأ الطلب عليه، ثم تحول إلى مكان آخر وظل هكذا لا يستطيع أن يخرج إلى صلاة ولا إلى مجلس علم وتحديث حتى هلك الواثق العباسي سنة 231هـ، فخرج الإمام للناس وجلس للتحدث، وذلك أن المتوكل الذي ولي بعد الواثق كان على مذهب أهل السنة وقد أمر برفع البدعة وإظهار السنة، وأيضًا لم يسلم الإمام من الفتنة أيام المتوكل ولكنها كانت فتنة بالسراء ليس بالضراء، ذلك أن المتوكل قد أفاض عليه بالأموال والعطايا الجزيلة وحاول استمالته ليسكن مدينة سامراء ويترك بغداد، وأن يتولى تعليم وتأديب ولده «المعتز» ولكن الإمام رفض ذلك بشدة وعانى بسبب هذا الرفض معاناة شديدة.

    ثناء الناس على الإمام:

    كان الناس يثنون على الإمام أحمد بن حنبل قبل أحداث الفتنة والمحنة، فلما رأوا ثباته وصموده وحده أمام حكومة البدعة ودولة الاعتزال زاد ثناؤهم وتقديرهم للإمام، حتى لربما خرج لطور المغالاة والمدح الزائد عن الشرع، ومن يقرأ في ترجمة الإمام في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني يجد نماذج كثيرة لهذا الغلو ربما خرج لحد السخف كما يقول الحافظ الذهبي، لذلك نقتصر في هذا المقام على ما ذكره ثقات العلماء وصحاح الآثار:

    قال قتيبة بن سعيد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل، وإذا رأيت رجلاً يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث لكان هو المقدم عليهم، وقال أيضًا: لولا الثوري لمات الورع ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا.
    قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
    قال علي بن المديني: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة، وقال أيضًا: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيدًا كان له نظراء.
    قال ابن خزيمة: رحم الله أحمد بن حنبل، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
    قال بشر الحافي: قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء فكان فيهما معتصمًا بالله.

    والخلاصة:

    أن هذه المحنة التي وقعت عامة بأرض الإسلام لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة والقادة العسكريين، فبعضهم تسلط عليه بالحبس وبعضهم بالتهديد والوعيد بالقتل، وبعضهم جلده وعذبه وألقاه في غياهب السجون، وبعضهم بالنفي والتشريد والمطاردة، ثم كانت فتنة السراء أيام المتوكل، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره ما قمع به البدعة، ورفض كل المحاولات التي بذلها معه قرناؤه العلماء في إقناعه بقبول التقية، ورأى أن التقية لا تجوز إلا للمستضعفين الذين يخشون ألا يثبتوا على الحق والذين هم ليسوا بموضع القدوة للناس، أما أولو العزم من الأئمة الهداة فإنهم يأخذون بالعزيمة ويحتملون الأذى ويثبتون، والإمام أحمد كان يرى نفسه ولم يبق أحد سواه أمام البدعة مسئولاً عن إخمادها والصمود أمامها مهما تكن العواقب، ولو أخذ بالتقية والرخصة لاستساغ الناس الرخصة ولضلوا من وراءها، ولذلك كان الإمام أحمد هو إمام أهل السنة وهو جبل الحق والسنة يوم أن حكمت البدعة، وثباته بإذن الله عز وجل كان ثباتًا للدين والسنة وإنما تنال الإمامة بالصبر واليقين كما قال ربنا رب العالمين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:24].
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...