1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

نظرية المدينة الفاضلة من أفلاطون إلى الفارابي

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة cortex, بتاريخ ‏9 نوفمبر 2008.

  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      09-11-2008 12:29
    [​IMG]

    منذ تبلور الحياة المدنية للبشرية والصراعات السياسية لم تنقطع قط. وإذا شهدت تواريخ بعض الأمم والشعوب عصوراً ذهبية، إلا أنها سرعان ما تزول وتنتهي.

    ولهذا وضع بعض الفلاسفة تصوراتهم الفكرية فى قيام نظام سياسى يستقر فيه المجتمع بشكل مثالي. ويعتبر أفلاطون "427-347 ق.م" أول من وضع هذه الصياغة فى كتابه “الجمهورية” ثم فى كتابه “النواميس” لاحقاً.

    وحسب تصوره أن المشكلة الفلسفية الحقيقة إنما هى سياسية تقع فى صميم المجتمع وحياته المدنية التى تحتاج إلى إعادة بناء جذرى بغية قيام نظام سياسى مثالى تسوده العدالة على نحو تام.

    الواقع إن فكرة أفلاطون، أو ما توصل إليه من قناعة ذاتية وشخصية، لها صلة قوية بخبرته الحياتية سياسياً واجتماعياً وفنياً وأدبياً وعسكرياً أيضاً. فهو سليل أسرة عريقة بالمجد والشرف السياسى والاجتماعى من ناحية.

    ولقد مارس من ناحية أخرى نظم الشعر وتأليف المسرحيات ونبغ فى الرياضيات والبلاغة والموسيقى ودرس الفلسفة، وشارك فى حروب البلوبونيز عام 404 ق.م ونال جائزة لشجاعته.

    يضاف إلى ذلك سفراته ورحلاته لطلب العلم والمعرفة ومنها ذهابه إلى مصر وإلى جنوب إيطاليا، والمرارة النفسية التى ذاقها عند إعدام أستاذه سقراط "469-399 ق. م" بدوافع سياسية وليست فكرية، وإلى أسره ثم بيعه فى سوق صقلية كالعبيد لسبب سياسى لا أكثر.

    أقول كل تلك الأمور والقضايا خلقت عند أفلاطون رؤية فلسفية مميزة قدم من خلالها، كما يعتقد، حلاً مثالياً لمشكلة السياسة داخل المدينة "أو الدولة" الفاضلة. وبما أن الفيلسوف يحيا فقط بهذا النوع من المدن وليس فى مضاداتها، وطالما كانت الحياة السياسية عبر كل العصور فيها شرور وبطش وفساد، لذا فقد شيد أفلاطون جمهوريته النظرية القائمة على أُسس العلم والمعرفة والمحكومة بقيادة العقل والفلسفة وحسب.

    ولكى نفهم تركيبة التفكير السياسى عند أفلاطون، علينا أن نفهم أيضاً بنية تفكيره الأخلاقي، لأنها متضمنة ومتداخلة فيها. فالسياسة ليست أكثر من امتداد طبيعى للأخلاق. وهذا النهج الذى أتبعه أفلاطون قد سار عليه كذلك تلميذه أرسطوطاليس "384-322ق.م" ومعظم فلاسفة اليونان.

    ومن هنا كان أفلاطون يدحض مزاعم السفسطائيين القائلين بإنكار قوانين الأخلاق وقوانين الدولة. بدعوى أنها من اختراع الضعفاء من أجل حماية أنفسهم من جبروت الأقوياء. فالسلطة حسب رأيهم إن هى إلا حق شرعى للأقوى دائماً. بينما ينص أفلاطون بأن إحراز السلطة، إنما يكون بقوة العقل لا بقوة الغاب الوحشية. وهذا الرد رفع أكثر من شأن السياسة كونها علماً متصلاً بالأخلاق وقوانينها.

    أما أبو نصر محمد الفارابى "257-339 ه/870-950 م" الذى يعد المعلم الثانى للفكر الفلسفى بعد أرسطو. فأنه أول فيلسوف فى الإسلام أتبع هذا النهج الأفلاطونى فى كتابيه “آراء أهل المدينة الفاضلة” و”السياسة المدنية”.

    بيد أن تأثره هذا لا يعنى بأنه بنى فكره السياسى على نحو انقيادى تقليدي. فالكندى "801-872" الذى وضع حجر الأساس للفلسفة العربية، لم يكن له شأن فى هذا المضمار، ولم يحفل بالسياسة رغم وجود القلاقل فى عصره. ولكن هناك حالة مشتركة نوع ما بين أفلاطون والفارابى من الناحيتين الذاتية والموضوعية.

    فقد شهد الفارابى الاضطرابات السياسية والفتن والحروب. ولقد ترك بغداد وتنقل من دمشق إلى مصر ثم حلب. علاوة على سفراته فى طلب العلم والمعرفة، وبراعته فى أكثر من حقل فكرى أو أفنى أو صوفي. فضلاً عن تأثره بفلسفة أفلاطون وأرسطو، حتى أنه ألف “كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين”. كل هذه الأشياء قد أثرت فى نفسية الفارابى ليضع نظريته السياسية فى المدينة الفاضلة على غرار أفلاطون.

    وهنا أركز على عبارة “نفسية الفارابي”. لأنه لم يتقلد أى منصب سياسى ولم يشترك فى معترك الحياة السياسية قط. بل اكتفى بتحريك فكره الفلسفى سياسياً لا أكثر.

    الدولة والشعب
    دولة الحق التى شيدها أفلاطون يعمقها العدل أساسا، أنها صورة مكبرة للفرد، لأن غاية الأخلاق هى الدولة لا الفرد. بمعنى آخر، أن الفرد عبارة عن صورة مصغرة للدولة، والدولة هى الهيكل الضخم لهذا الفرد. وبما أن “القوة الناطقة” فى الفرد تعتبر أعظم القوى جميعاً، إذن يجب أن تكون الفلسفة هى القوة الحقيقية فى توجيه الدولة. كما ويجب أن يكون رئيسها فيلسوفاً، لأن العدالة فى الفرد وفى الدولة لا يمكن أن تتم ما لم يبسط العقل نفوذه ويحكم.

    ولقد قسم أفلاطون الدول التى تضاد دولة العدل إلى أربعة أقسام هي:
    1- الدولة الدينية، وهى حكومة الطبقة الوسطى التى تسمح بالملكية الخاصة وما يصيب النظام من اختلال بسبب ذلك. فتجعل العسكر فى هذه الطبقة هم الأفضل، مما يؤدى إلى العنف والحرب.

    2- الدولة الإقطاعية، وهى ناتجة عن الدولة الدينية، حيث يعتاد الأفراد على جمع المال بأية وسيلة كانت. وبسبب ذلك تضمحل وتنتهى الفضيلة ولا يبقى غير الأثرياء لقيادة الدولة كونهم الأفضل.

    3- دولة الشعب، وهو الحكم الديموقراطى الفوضوي، حيث يثور الفقراء على الأغنياء، بسبب الحرمان والتعسف. ويصبح الحكم شائعاً للجميع، لا نظام ولا قائد مسيطر، بل الشعب يحكم نفسه بنفسه.

    4- دولة الاستبداد، وهو حكم الطغيان والمصالح الشخصية. إذ بعد أن تعم الفوضى لحكم الشعب، تفرز هذه الحالة فرداً من المجتمع يوهم الجميع على أنه سوف يبنى دولة الرفاه بلا ضرائب ولا ظلم.

    هذا وقسم أفلاطون أيضاً شرائح المجتمع إلى طبقات مثلما قسم النفس الإنسانية. فالأولى هى “طبقة الحكام الفلاسفة الذين يختصون بمزايا العدل بالدرجة الأساس”. "الجمهورية، الترجمة الإنكليزية، ص 199". وتقابلها النفس الناطقة. والثانية طبقة الكتلة العسكرية وتقابلها النفس الغاضبة. وأخيراً طبقة العمال وهى تقابل النفس الشهوانية.

    وهنا يختلف الفارابى جذرياً عن أفلاطون. فهو يرى أن الشعب كأنه جسم واحد تام صحيح لا توجد فيه طبقات البتة كى تنفصل بعضها عن البعض الآخر. كما وأنهم على شكل سلسلة ذات درجات تبدأ من الرئيس الأول ثم الثانى والثالث وهكذا دواليك إلى الدرجة التى تخدم ولا ترأس.

    بيد أنه يفرق بين النظام الجسدى والنظام البشري، حيث يقول: “أن أعضاء البدن طبيعية، والهيئات التى لها، قوى طبيعية. وأعضاء المدينة، وإن كانوا الهيئات والملكات التى يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية بل إرادية”. "المدينة الفاضلة ص 98".

    أن الشعب فى بنيانه يمثله الفارابى بأنه أشبه بالموجودات الطبيعية من حيث الائتلاف والارتباط والتدرج والترتيب. بحيث كل موجود يعمل بحسب قوته وموقعه ابتداءً من الأعلى ثم الأدنى فالأدنى حتى ينتهى إلى المادة التى تخدم ولا رئاسة لها.

    أما مضادات المدينة الفاضلة فقد قسمها الفارابى إلى أربعة:
    1- المدينة الجاهلة: وهى التى لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم. حتى وإن “أرشدوا إليها لم يقيموها” لأنهم ظنوا أن ملذات الحياة هى الخيرات. ورغم أن أقسام هذه المدينة متعددة إلى ستة مدن، إلا أن رؤسائها يمتازون بالأهواء الشخصية والأنانية.

    2- المدينة الفاسقة: تكون آراؤها هى آراء أهل المدينة الفاضلة، لكن أفعال أهلها كأفعال أهل المدينة الجاهلة.

    3- المدينة المبًدلة: وهى “كانت آراؤها وأفعالها فى القديم آراء المدينة الفاضلة وأفعالها. غير أنها تبدلت فدخلت فيها آراء فاسدة فاستحالت أفعالها إلى أفعال فاسدة ولذلك يهلكون مثل أهل المدينة الجاهلة”. "المدينة الفاضلة، ص 111".

    4- المدينة الضالة: وهى كانت تقر بالسعادة الأخروية وتعتقد بالله والخلق الفيضى والعقل الفعال. لكن اعتقادها خاطئ وفاسد، بسبب رئيسهم “الذى أضلهم”.
    الحاكم والرئيس

    ينص أفلاطون على أن الحاكم لا يصلح ولا يكون إلا فيلسوفاً، ويسميه المثل الأعلى. والسبب الرئيسى فى ذلك هو أن الفيلسوف، أو الفلاسفة الحكام هم وحدهم الذين يدركون المُثل لا الاستبداد. خصوصاً وأنهم لا يبغون السلطة من أجل المال أو الجاه أو التسلط.

    بل غايتهم تنصب نحو المصلحة العامة فقط. ويذهب أفلاطون فى تصوره إلى حد أن يجعل من طبقة الفلاسفة أن لا يقترن أحدهم بامرأة معينة، لكيلا تأخذ منهم الأسرة مهام ومسؤولية الدولة. ولهذا فقد أكد على “مشاعية النساء والأولاد”.

    "الجمهورية، ص 162". حيث تكون النساء مشاعاً للطبقة الحاكمة، دونما أن يعرف الأب أبنه ولا المولود والده، حتى لا تتكون عواطف وميول تؤثر على عقلية الحكام والنظام الصارم.

    ولكن هذا التشدد الذى يبديه أفلاطون تجاه نظام الفلاسفة القادة، يقابله فتور تجاه العامة من الناس. فلا يحفل بهم ولا يضع لهم نظام ولو بسيطاً، سوى أنه يطالبهم بأن يتبعوا الأخلاق الشعبية المتبعة، والالتزام بالعادات والتقاليد الموروثة.

    أما الفارابى فيخبرنا عن شخصية الرئيس، وكيف تكون؟ فحسب رأيه أن درجة الرئاسة لا يمكن أن ينالها أى إنسان عادي. لأن مفهوم الرئاسى عنده نابع من صنفين، أما أن يكون الرئيس معداً لذلك بالفطرة والطبع.

    أو أن يكون مهيأ للرئاسة بالملكة الإرادية والشكل. ويسميه “الرئيس الأول”، وهو الذى “قد حصلت له من العلوم والمعارف بالفعل ولا تكون به حاجة فى شيء إلى إنسان يرشده، وتكون له قدرة على جودة إدراك شيء مما ينبغى أن يعمل من الجزئيات، وقوة على جودة الإرشاد للآخرين وتوجيههم وتسديد خطاهم نحو السعادة”.

    "السياسة المدنية، ص 78". وبما أن هذا الإنسان هو من “أهل الطبائع العظيمة الفائقة” حيث تتصل نفوسهم بالعقل الفعال. وكل مَن يتصل بالعقل الفعال فأن الله يفيض أو يوحى إليه.

    لذا فأن رئيس المدينة الفاضلة ليس فقط يحتل وظيفة سياسية عليا وفق مفهوم الفارابي، بل أنه معلم أخلاقى وفيلسوف مثالى ونبى ديني، ومثال يتشبه به كل أفراد المجتمع والدولة على حد سواء. أنه نبى وفيلسوف فى آن واحد، حيث تجتمع فيه أثنتا عشرة خصلة من الصفات الفاضلة التى فُطر عليها.

    ونظراً لصعوبة اجتماع هذه الخصال فى شخص واحد، فأن الفارابى يشترط فى الرئيس الثانى أن تجتمع فيه ست شرائط: أن يكون حكيماً. أن يكون عالِماً حافظاً للشرائع. له جودة استنباط. له جودة روية. له جودة إرشاد. له قوة بدنية فى أعمال الحرب. وإذا لم تتوفر هذه الشروط فى شخص واحد، فيقترح الفارابى تشكيل مجلس رئاسي.

    النظام والتربية
    يرى أفلاطون بأن الإنسان المثالى هو الذى يسيطر بقواه العقلية على قوتى الغضب والشهوة. لذا فأن نظام الدولة يكون مثالياً شريطة أن تسيطر طبقة الحكام على طبقتى الجيش والعمال.

    وكذلك نظام الدولة هو المسؤول عن تربية الأفراد وتنشئة الجيل المتميز بالعدالة. فمنذ أن يولد الأطفال-الذكور والإناث- تتعهد الدولة لهم بعد عزلهم عن ذويهم ثم يفرزون طبقياً بعد ما تنهى الدولة دراستهم على كافة الفنون والعلوم والرياضة وكل من يرسب فى امتحان تفرزه الدولة فيأخذ منزلته العملية فى المجتمع.

    وهذا النظام التربوى ينتهى بالأفراد فى سن الخمسين. إذ عند ذاك تصل القلة القليلة لبلوغ طبقة الفلاسفة الحكام حيث هذبهم السن والخبرة وامتلأت نفوسهم بالعلم والمعرفة. حتى أن صاروا جديرين بنيل المُثل العليا فى رئاسة الدولة والحفاظ على نظامها التربوى والتعليمي.

    أما الفارابى فبحكم عقيدته الإسلامية فأن النظام والتعليم يكون عنده على صورة مغايرة تماماً عن نظام أفلاطون. إلا أنه يشير إلى الأشياء المشتركة التى توجب أن يعرفها جميع أهل المدينة الفاضلة، ألا وهى نظرياته الفلسفية التى وضعها في: معرفة السبب الأول "الله" وجميع ما يوصف به، والأشياء المفارقة للمادة "العقول"، والجواهر السماوية والأجسام الطبيعية، ومعرفة النفس وقواها، وكيف يكون الوحي، ومعرفة الرئيس الأول، والمدينة الفاضلة والمدن المضادة الخ. وإذا كان حكماء المدينة الفاضلة يعرفون هذه الأمور وفق بصائر نفوسهم، فأن أكثر الناس لا قدرة لهم.

    وحسب رأى الفارابى ينبغى أن تخًيل إليهم بأشياء تحاكيها لأنه لا هيئة فى أذهانهم لتفهمها على ما هى عليه. فمعانى هذه الموجودات وذواتها واحدة لا تتبدل. وأما ما تحاكى بها فأشياء كثيرة مختلفة بعضها أقرب إلى المحاكاة وبعضها أبعد. ولكن لا حرج عليهم فى ذلك، فهم كلهم يؤمون سعادة واحدة ومقاصد واحدة بأعينها.

    تقييم
    إن ما أوردناه من المفاهيم الرئيسية فى الفكر السياسى بين أفلاطون والفارابي، فأنها تتقارب حيناً وتتباعد حيناً آخراً. ونود أن نعرض ذلك وفق النقاط التالية:
    أولاً: أن الدولة والشعب حسب نظام أفلاطون يكون على شكل بناء هرمي. وبما أنه لا يؤمن بتغير لصنف العمل، لذا تبقى طبقة العمال هى الأخس والأدنى أبداً.

    ورغم التعديل الذى أتى به أرسطو فيما بعد. إلا أنه بقيت هذه الطبقة على حالها. وإذا أخذنا ثورة العبيد فى روما الذى بنى عليها كال ماركس جزء من حججه الفكرية. نرى أن ماركس على جهة كلية قد رفع طبقة على حساب طبقة أخرى. وبهذا فقد جعل البناء الهرمى الأفلاطونى مقلوب الشكل ليس إلا.

    وعليه فأنه لم يحل تماما المشكلة السياسية فى الآلية الاجتماعية. ولهذا نجد أن الفكر الماركسى قد انهار بعد سبعة عقود من تطبيقه فى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وبعد أربعة عقود من شرقى أوروبا.

    ثانياً: رغم أن الفارابى امتاز برفضه اختلاف الطبقات الاجتماعية، لكنه استعار تشبيه "الجسم" عن أرسطو. ورغم سعة الدولة الإسلامية، فأنه فضل استخدام كلمة “مدينة” تأثراً فى “جمهورية أفلاطون”. وحبذا لو أخذ بعض الشيء من معاصره المتنبى فى قوة المقارعة.

    ثالثاُ: إذا كان رأى أفلاطون بأن زعيم الدولة يجب أن يكون فيلسوفاً. فأن الفارابى قد غالى ورفعه إلى منزلة النبي. وذلك بحكم اتصاله “بالعقل الفعال” الذى يصل به إلى منزلة “العقل المستفاد” من خلال استكمال “عقله المنفعل” للمعقولات جميعاً.

    وبذلك يكون الفارابى قد خرج عن تعاليم الشريعة الإسلامية. فضلاً عن أن هذه النزعة الإدراكية هى حصيلة الأفلاطونية المحدثة فى الإسكندرية.

    رابعاً: جعل أفلاطون دولته العادلة على شكل وحدة جامعة تكون فيها علاقة الفرد بالدولة على أساس عدالة فى الفرد على شكل وحجة وعدالة فى الدولة. ورغم أن أرسطو أدخل تأثير الزمان والمكان على الفرد وأخذ منعطفاً آخراً.

    إلا أننا نلمس أن هذا المبدأ قد أنقسم بين الفلسفتين الوجودية والماركسية. فالأولى بشقيها المؤمنة والملحدة يرتكز محور فلكها على الأنا الفردية فى فهم الحياة والوجود. بينما الثانية ترى أن العدالة فى الدولة أو المجتمع هى غاية العدالة فى الفرد.

    خامساً: لقد تجاهل الفارابى أو تجنب بمعنى أدق آراء أفلاطون التى تتنافر وسلوكيته الدينية والاجتماعية. ومنها إباحية الحكام ومشاعية النساء، والأولاد، والمرأة فى عمل الرجل، واحتكار المال، وأجزاء الحب الأفلاطوني.

    والحق كان الأجدر بالفارابى أن يعرضها ويرد عليها بما هو أصح وأصلح. لاسيما وأنه قد شرح الكثير من آراء وأفكار أفلاطون وأرسطو.

    سادساً: أن الرؤية السياسية التى طرحها الفيلسوفين لم تلاقى ذلك الإقبال ولا التطبيق. صحيح أن أفلاطون فى “النواميس” أدخل القانون وإجبارية التجنيد، وألغى مشاعية النساء، والاعتراف بالأولاد، ونادى بالتطبيق الاشتراكى فى توزيع الثروة على الجميع وركز أكثر على التربية وغيرها من الأمور الإيجابية.

    بل وسعى عند الحاكم يونيسوس الثانى لإقامة نظام الحكم المثالي، لكنه فشل. لأن مفاهيمه السياسية بقت أقرب إلى السماء منها إلى الأرض. ولذلك تجد فى مستهل كتابه يبدأ بهذين السؤالين: “أخبرونى أيها السادة، مَن الذى وهبكم قوانين شريعتكم؟ هل هو الإله أو الإنسان؟” يأتى الجواب مباشرة على لسان كلينياس: “الإله، سيدي، أنه الإله وهذه هى الحقيقة الصادقة”. "النواميس، الترجمة الإنكليزية، ص 45".

    وكذلك بالنسبة إلى الفارابي، فرغم أن السياسة أخذت موقعاً مهماً فى فلسفته، لكنها بقت محصورة ضمن نطاقها النظري. وعليه فقد أتى فكره السياسى ضعيف عملياً، لا يفى للواقعية المطلوبة فى الدولة الإسلامية. وبما أنه فيلسوف وصوفى يحب العزلة، لذا فأن آراءه السياسية جاءت مثل شخصه معزولة عن المجتمع.
     
    2 شخص معجب بهذا.

جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
إلى كل متغرب عن أرض الوطن ‏8 مارس 2016
إلى صديقي أبي العلاء...... ‏22 ديسمبر 2015
جمرات من لسان ‏16 أفريل 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...