1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

أشعار لسركون بولص

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏16 نوفمبر 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      16-11-2008 05:41
    [​IMG]
    أنا الذي
    سركون بولص


    لا نأمةٌ.
    هل مات من كانوا هنا؟
    لا كلمةٌ
    تَرِدُ اللسان -
    الانتظارُ أم الهجوم؟
    أم التملّصُ من ...
    كهذا الصمت
    حين أُهيل جمرَ تحفُّزي حتى
    يبلّدني التحامُ غرائزي: أرعى كثورٍ في الحقول
    أنا نبوخذُ نُصَّر -
    تُلقي الفصولُ إليَّ
    أعشاباً ملوَّثةً، وأُلقي النردَ
    في بئر الفصول -
    لأجتلي سرّاً
    يعذّبني؟
    يعذبني طوال الليل. حتى صيحة
    الديك الذبيح.
    لأجتلي سرّاً.
    وأسمعَ ضجّةَ الأكوانِِ؟
    (إنهُ مأتمُ
    قالوا لنا: عُرْسٌ)
    جيوشُ الهمّ تسحبني
    بسلسلةٍ
    ويستلمُ الزمانُ أعنّةَ الحوذيّ -
    تسبقنا الظلالُ.
    وراءنا:
    كلُّ الذينَ، وكلُّ مّنْ

    "طال الزمن"، قال الرجل.
    شمسٌ على هذا
    المشمّع فوق مائدتي:
    نهارٌ لا يضاهيه نهار. كوجه الله
    تبقى تحت عينيّ انعكاستها، وتخرقني
    الى قاعي كرمْحٍ -
    إنها شمسي.
    وملأى غرفتي، بيتي، كقارب رَعْ
    تسافرُ في المتاهة
    بالهدايا.
    شمسٌ على صحني
    وصحني، في الحقيقة، فارغٌ:
    حبّات زيتونٍ، بقايا قنّبيطٍ، عظمةٌ...
    ما زاد عن مطلوبنا.
    تلك البقايا..
    نُتفةٌ في كل يومٍ، قشرةٌ
    نلقي بها في لُجة التيار - يبقى الصحنُ.
    والسّكين.تبقى شوكةُ
    أبقى. وجوعي، تُخمتي.
    *
    الشمسُ أو ليمونةٌ
    تطفو على وجه الغدير المكتسي
    بطحالبٍ ألقي الى أكداسها حجراً
    فتخفقُ، مرةً، وتُبقْبِقُ الأغوارُ
    فقّاعاتُ أوهامٍ مبّددةٍ
    رغابٌ لم تجسدها الوقائعُ
    جَمجَماتٌ لا محلّ لها من الإعراب
    أطماعٌ. دهاليزٌ. وعود بالعدالة؟
    (بالسعادة!)
    رغوةُ الكلمات في بالوعة المعنى
    تواريخٌ
    وثمّةُ من يُفبركها، ويشطبنا بممحاةٍ -
    لنبقى.

    قال الرجل: "فاتَ الأمل.
    زادَ الألم"

    شدّوا الضحيّة بين أربعةٍ
    من الأفراسِ
    جامحةٍ.
    جنودٌ يسكرون. جنازةٌ عبرت وراء
    التل. هل جاء البرابرةُ القدامى
    من وراء البحر؟
    هل جاؤوا؟
    وحتى لو بنينا سورنا الصيني،ّ سوف يقال: جاؤوا.
    انهم منّا، وفينا. جاء آخَرُنا
    ليُضحكنا، ويُبكينا..
    ويبني حولنا سوراً من الأرزاء. لكن، سوف نبقى.

    هناك، في بلاد باتاغونيا، ريحٌ
    يسمّونها "مكنسة الله"

    ريحٌ
    أريدُ لها الهبوبَ، على مدار
    الشرق، في أسماله الزهراء
    والغرب المدجّج بالرفاه: أريد أن أختارها
    لتكون لي
    أن أستضيف جنونها
    إذ تكنس الأيام والأسماء
    تكنس وجه عالمنا كمزبلةٍ
    لتنكشف التجاعيدُ العميقة تحت
    أكداسٍ من الأصباغ
    والدم، والجرائمِ
    والليالي.
    أقْبلي، يا ريحُ.
    مكنسةَ الإلهِ، تَقدّمي.

    قال الرجل. قال الرجل
    لا ترمِ في مستنقعٍ حجراً
    ولا تطرق على بابٍ فلا أحدٌ
    وراءه غيرُ هذا
    الميّت الحيّ الموزع بينَ بينٍ في أناهُ، بلا أنا
    يأتي الصدى:
    هل مات.
    من كانوا.
    هنا.

    *
    جاء الواحدُ الذي يقولُ، والآخر الذي يصمتُ.
    الذي يمضي، والآتي من هناك.
    بينهما
    كلمةٌ، أو نأمةٌ.
    بينهما أنهارٌ من الدم جرتْ، فيالقٌ تسبقها الطبولُ.
    ولم يستيقظ أحد.
    بينهما صيحةٌُ الجنين على سنّ الرمح
    في يد أول جنديٍّ أعماهُ السُّكْر
    يخسفُ بابَ البيت.
    بينهما مستفعلنٌ، أو ربّما متفاعلنٌ؟
    لا
    ليس بينهما سوايَ :
    أنا الذي




    سركون بولص


    لا أخفي عليكم أنني أنا أيضا
    أفكر أحيانا بماهية الشعر بخطورة القضية
    بنوع من التوبة كما هي حال الجميع وفقر العصافير الأسطوري وفي أغلب الأحيان وأنا نائم أحلم أنني أتعثر برجل نائم تحت جبل وأركله لأوقظه برفق أولا ثم بتهور وصراخ حتى يستيقظ، و يوقظني وأحيانا يكون الفرق الوحيد بين الحياة والنوم هو هذه العلاقة الزجاجية بين المصادفة والقصد بين أن تستيقظ بنفسك، أو أن توقظ، بواسطة حذاء حتى إذا لم يكن هناك جبل حتى إذا لم يكن هناك!

    ذات فجر يقع المحذور برمته ودون مصالحة

    كما يقول صديقي الذي كتب أطروحة عن صمت أبي الهول لنيل شاهدة الدكتوراه باليانصيب ذات فجر يقع المحذور ينتقل فيه نبع القرية من وراء السياج إلى فم رجل نائم يرصّعه الظمأ يحلم أن فرقة مدربة من الأعداء تهيل الصحراء بالرفش وطوال الليل في قصبته الهوائية، دون كلل، ذات فجر عندما يقع المحذور ويحظر التجول ويفشى السر تحت شبكة الأحكام العرفية غيمة واطئة تركب أبخرة النهر تتلصص على النائمين في ضفتيه بثقوبها المطرية الاثني عشرة، أو ربما كنت أؤمن ببساطة، أن هذه التورية هي المسؤولة ترفع بالسطل مخلوقاً أخضر كان ينام بانتظاري في بئر السبعينات ومنذ الطفولة أو ربما كنت أؤمن ببساط الريح إيماناً أعمى لا يشفيني منه علماء الجاذبية حيث القصائد لا تحتاج إلى مجذاف لتعبر بنا جميعاً إلى الضفة الثانية وكل كلمة فيها، كوّة سرية يتجسس منها الماضي

    على الأحياء. في حالات كهذه عادة أحوم حول أسوار العالم حيث أسجل في دفتري مواقع الثغرات بدقة وأضيفها إلى الخارطة بالمسامير أفكر بجبران بن خليل يسير في نيويورك بشجاعة الحالمين، بأبي فراس أسيراً في بلاد الروم يخاطب (على بحر الطويل) الحمامة وعندما أكاد أنسى العربية اغمض عينيّ وأحلم لأستحضر المعجم من الذاكرة في رأسي مركب نوح في بحبر متلاطم من المخلوقات تدوزن كل سمكة فيه حراشفها وهي تسبح في / على عتبة / خارج نافذة مشرعة على مصراعيها وسط لساني موسيقى ربع اللحن بيات أصفهان سيكا همايون الشرق يدندن على العود في آبار الجهة الغربية وعلى حين غرة

    وعنوة وبالكاد ولكن تماماً كأنما في موسم للرجم بالحجارة يصب فيه الجميع سخطهم على النوافذ في قصور الذئاب المالكة يظهر راوية ذئب مهلهل الثياب حاد يهلهل هامساً يهمهم بالهلاك يروي عليّ كالسيل ويل الشعر: رأس مشعث يثب من مناماتي من قراب ذاكرتي من حجارة المعرّات حيث الشعراء يطالبون بأن يسمَلوا ليفتحوا حواراً مع رهين المحبسين أو أقرب العميان يهمهم بالهمس يهلهل بالهلاك كأنني فتحت حنفية المحيط بمطرقة

    يروي عليّ كالسيل ويل الشعر رعش الليل وقيل إن شاعرا جاب ممالك مؤرقة تحكمها بمشاعل من ذهب خالص رعشة وحيدة

    تحاول الفرار من ثغرة في رسغه كان يجلس في الإيوان المهيأ لذوي المظالم البعيدة كان يجلس في الديوان المهيأ لرمل لا يعرف مستقراً
    ينتظر قافلة منسية في بئر الآلاف بيدين ضارعتين ديباجاً ترفوه يداه اللتان تتجاهل إحداهما الأخرى وحبراً وفيراً يسيل على حين بغتة إلى وريد البائية الأبهر من قبر الحائية الكبرى من يديّ الأعمى الذي نظر إلى أدبي بعينه الثالثة وبكى

    كان رحمه الله يصبّ العزلة في إناء من الفضة كل مساء أو نحوه و ما إن يشرف الغروب على الهروب وإذ يرفعه إلى شفتيه (أي الإناء لا المساء) كانت والله أعلم (هنا قد يهر الراوية كتفيه أو يقهقه بجنون أو ربما يجهش بالبكاء) أفعى رقشاء مكحولة العينين بتوابع الزوابع الرمادية تصعد بدلال

    وغنج من باطن الإناء وتقصد الراحة في حاجبيه الكثين= رأس يثب فجأة من خندق فمي حين أفتح شفيّ من الظمأ يتسلق أسناني أكياساً من الرمل هاجماً إلى الأمام شعره مشعث ولكن في فمه كالإعجاز تتذأبن الحمامة يهدل الذئب يذكرني بالحروب بالحصارات وأحياناً بحزن ينصب منجنيقات الضوء الصدئة حول قلعة أوهامي التي نهضت وتركت مكانها على التلة ذات ليلة

    ذئبي الذي يهدل بين الخمائل بعذوبة، حمامتي التي تصيد الحملان لتذكرني بالطرق الطويلة التي قطعتها لتصل وتنقذني بوصولها من التبول في فوانيس القطارات ومضاجعة التلال المجنزرة بأفخاذ العذارى. ثم نامت الصحراء، واستراح التراب.
    وجدت نفسي نائما في حانة السلحفاة والأرنب في حانة الكلب والثعلب ورجل الأعمال في حانة الخلد والفراشة والعظاءة والقرد بجانبي مقامر نائم تتدلى ذراعه من الكرسي وفي يده ملكة دينارية وجوكر. أطباء ملتحون، حلاقون وعارضات أزياء أساتذة وتجار ماشية وتجار أسلحة ومهندسون يدللهم الحاكم والنائب والله

    وتحرسهم الدولة بالمدافع بحياة آلاف الشعراء والعاطلين إذا اقتضى الأمر يتقاضون أجورا عالية لن أطالها حتى في أكثر أحلامي تفاؤلاً في عطلة رخية على المحيط الهادي تحت القمر الغربي الذي يحمل كتابات بالإنكليزية وبالروسية في جانبه المظلم، لافتات في "بحر الهدوء" تعلن مالكيه

    وجدث نفسي نائماً في الجانب المظلم من العالم أثقب كل صباح في مكتبة الآلام العامة عن جذر يربطني بك، أنت، دائما وحتى أنني أتردد في أن أسميك لأنك، لست امرأة أو الأرض أو الثورة ، شجرة فقيرا حذاء في الطوفان لا أسمي أحدا بالضبط لكنني أريدك أن تشعر بخطورة القضية! لكننا نبدأ عادة بالبداية أي الخروج بكل ما نملكه من الصدق نحو الفريسة التي ستقودنا إلى قلب المعنى لأن المعنى دائما هناك يدخن صابرا في نهاية القصيدة

    منتظرا وصولك وهو يبتسم باحتقار وأنت تلهث أو تبكي أو تصل بقدم واحدة أو مشلولا من النصف أو ميتا من التعب يطاردك الدائنون بهراوات القانون أو في نقالة المرضى أردت أن تكون هذه قصيدة تجرب فيها أن تهاجم نفسك بالقلم والجوع و المشاعل والحجارة؟ ليصب بعض الدم في حضن القارئ؟ لكنني ويجب أن تصدقني (أعلم انك ستصدقني) أؤمن بأنها ضرورية إيمانا غريبا يفاجئني لأنني لست واثقا من نفسي حين أقول هذا!

    لذلك أخرج لأشتري علبة سجائر في أعماق الليل وأزور صديقي لنناقش الشعر ونقذف المسبات في وجه الغرب حيث نعيش كلانا مؤقتا بالدين وبنوع من الشعور العميق بالعمى والتبول بإسهاب على تابوت الرأسمالية الباهظ التكاليف كأننا شربنا برميلا كاملا من البيرة الرخيصة.

    أطرق على الباب ثم أطرق على الباب ثم أصيح ولك قواد! لك أخي افتح يا هذا وأسمع حركة متراجعة كالريش نحو الأعماق ثم صوتا بإنكليزية زنجية تشوبها لكنة فلسطينية لا تخطأ ولوا يا أولاد القحبة ماذا تريدون لن أعترف لكم لن أعترف ك، س، م، ح، (غمغمة غير مفهومة بأية لغة (ضحكات يائسة بالعربية)

    الصباح أذهب إلى فلمور وهو حيّ الزنوج في سان فرنسيسكو على طريقة هارلم في نيويورك لأزور صديقي الفلسطيني في دكانه المسيج بالقضبان (جميع الدكاكين في أحياء الفقراء بأمريكا مسيجة بالقضبان) صباح الخير كيف الصحة أبو الشباب؟ وكأنه يقذف باتجاهي قرحة مزمنة: بلاد العرصات بدك تشنق حالك، مش هيك؟

    بيخلوك تروح تستأجر شجرة! وإلا عمود تلغراف؟ كيف حال الشعر هذي الأيام؟

    لعلك أدركت قصدي، من الواضح كما ترى أنني أهدف إلى شيء غامض قليلا لأنه لم يكتمل بعد وأقول هذا بمنتهى البساطة أيها الصديق لا أريدك أن تسيء فهمي هذه كلمات بسيطة مكتوبة بالعربية بالمناسبة أذكر هذا لكي لا تتهمني بأنني تأثرت في كتابتها، بشاعر "عالمي!"
    أي شاعر يخاطر بالكتابة على هذا النحو لن يكون حتى محليا! وسيقضى سنواته الباقية
    بعيني نسر محموم أو رجل ينتظر زيارة صاحب البيت الشهرية وهذا يعرف جيدا أن الرجل الفقير لا يستطيع أن يدفع الإيجار لكنه مع ذلك وللتسلية، أو إشباعا لنزعة غريبة في الإرهاب، أو ربما لأن الكلب يعرف أن شرطة العالم والتاريخ كلها تقف من ورائه يقرع الباب بحذائه، وخصوصا بالكعب المليء بالمسامير...

    سيقضي سنواته الباقية إذن بانتظار الجلاد الذي سيأتي متنكرا ببدلة ممرض رسمي طيب القلب يخفي وراء ظهره سلسلة حديدية وسترة للمجانين.
    ابتسامته الكاذبة ستملأ الأرض بموضوع هذه القصيدة.

    (سان فرانسيسكو1975)
    يوم في الصين
    سركون بولص

    تذكّرت أنّ اليوم، الإثنين، هو اليوم الذي أذهب فيه عادة الى السوق، لأني مع مرور الوقت، ومن طريق التجربة، أدركت أن هذه السوق التي أذهب اليها بالذات تتموّن بمنتوجاتها الطازجة بعد أن يكون الزبائن قد أتوا على كل شيء تقريباً في عطلة نهاية الأسبوع كالجراد: تبقى رؤوس اللهانة المتهدّلة، اللحم الشاحب الذي بدأ يغزوه السواد، الدجاج الأصفر بشكل يجعلك تفكر، ليس للمرة الأولى، بإمكان أن تترك هذه الحيوانات المسكينة وشأنها الى الأبد، وتصير نباتيّاً...
    السوق قريبة منّي، على بعد ربع ساعة مشياً، يملكها الصينيّون ويديرونها على شاكلة الأسواق في الصين؛ حتى الموسيقى صينية بحتة، وأعترف أني أخذت أستمتع بهذه الموسيقى التي وجدتها ساذجة بل فكاهية في البداية، الى حدّ أني اكتشفت في نفسي، سرّاً، نوعاً من الشوق الى سماعها كلما أعددت نفسي للذهاب، وأفضّلها على الموسيقى الغربية التي تحس، بالمقارنة بها، كم هي مسعورة وهستيرية. ذلك أن الموسيقى الصينية هذه، كما يبدو، أصيلة تماماً وليست متأمركة، إنتاج هونغ كونغ. آلتان وتريّتان، يصاحبهما ناي رخيم، وأحياناً ربّما مغنّية لها صوت من فرط أنوثته، بالمعنى الكلاسيكي للأنوثة، أنها تذكّرني بما تخيّلته أثناء قراءاتي في الأدب الصيني القديم، عند لي بو، وبو تشو- ئي، ووانغ واي. هذا، وانتهت القصة. ما من صنّاجات، ولا طبول! ويمكنك أن ترى بوضوح كم تستمتع بها البائعات حتى يكدن يملنَ من خصورهن النحْليّة، وهنّ يشتغلن بسرعة ومهارة في أكشاكهنّ الصغيرة على آلات النقود التي لا تكفّ أجراسها عن الرنين.
    فهذه السوق مزدحمة دائماً، حاشدة الى حدّ... الى حدّ أني تعلّمت كيف أمرق بين جموع النساء اللواتي يملأن الممرّات بعرباتهن، بأن أستغني عن عربة التسوّق وأحمل السلّة البلاستيكية التي يمكنني أن أؤرجحها فوق قاماتهن القصيرة، وأتفادى التورّط في أزمة مرور خانقة عليّ أن أزحف فيها خلف عشرين عجوزاً صينيّة لا يبدو أنّ أيّ واحدة منهن في عجلة من أمرها!
    وما السرّ يا تُرى، قد تسأل، لِمَ هذا الإقبال الخرافي؟ ماذا عن الأسواق الأميركية الأخرى؟ وهل الصينيّون وحدهم من يتسوّق هنا؟ إذا قارنتَ السوبرماركت الأميركية بهذا المكان، مثلاً، لاكتشفت أنّ تلك الأغذية المغلّفة بالسيلوفان، المجمّدة سلفاً وقبل أن تصل الى السوق من يدري بكم من الزمن، تبدو "معقّمة"، لا دليل فيها على الطزاجة، وحتى الخضر تُسقى بشكل دائم برشائش سريّة صغيرة من الماء لتبدو يانعة! ناهيك بالأسعار، فكما في السوق العالمية، لا يمكن البضاعة الأميركية أن تنافس الصين في أي حال من الأحوال، في كل المجالات، حتى أشجار عيد الميلاد، التي فوجئت حقاً عندما ذهبت لأشتري واحدة، فاكتشفت أنها مستوردة من الصين!

    لذلك بدأ هذا الإقبال الجنوني قبل أقلّ من سنة، فبدأت تظهر وجوه أخرى، أكثرها شرقي لكن بعض البيض والسود بدأوا يأتون أيضاً، بعضهم من مناطق أخرى، وحتى نائية، والكثير من الهنود، وحديثاً عربيّات محجّبات يصاحب كلّ واحدة منهن زوجها المكرّش الذي يعطيها الأوامر بصوت خافت بينما عيناه تبصبصان بشك مزمن في وجوه الذكور، ويرصد كل نظرة قد يصوّبها اليها أحدهم بالصدفة، كما حدث لي ذات مرة، بتحديقة صارمة كصقر قريش.
    معرض عجائبي للشرق، وأعني الشرق الحقيقي. الشرق الذي لا يوقفه شيء عن كونه شرقاً، لا زلازل التاريخ ولا مكائد الأعداء. ويبدو لي أن الصينيين فهموا شيئاً جوهرياً وحاسماً عن المنفى، هو التعامل مع الآخرين كأنهم مجرد بيادق على لوحة شطرنج، يمكن تحاشيها إذا كنت لاعباً جيّداً، فكيف إذا كنت سيّد اللعبة؟ إنها الكونفوشيوسية، التي ستتغلب على الجميع في النهاية، لسبب بسيط هو أنها فلسفة للحياة بالإضافة الى كونها ديناً لا يد فيه لأي إله يَنهى ويأمر مثلما يشاء، كما في الديانات التوحيدية الأخرى.
    وما من حلال، ما من حرام. كلّ ما يدبّ أو يزحف أو يسبح أو يطير، فهو مباح. وعندما تريد أن تأكل، فعليك أن تعرف، ومن دون وجَل، قسوة الإنسان وهمجيته في تعمير تلك الموائد، إشباع تلك البطون التي لا تني تطالب بالمزيد. لا رتوش، كما في الأسواق الغربية، تخفّف من وطأة الصدمة - ما من "تجميل"، كما قد يحدث وأنت مارّ بمطعم غربي، عندما ترى خنزيراً مسلوخاً في الفترينة، لاجتذابك الى الداخل كما أحسب، يبتسم ابتسامة ظريفة وفي فمه تفّاحة! مسألة الأكل، معضلة تحضير العلف والبشاعة المصاحبة لها والتي نتفاداها بشكل مستميت، لكي نقنع أنفسنا بأننا "متحضرّون" ولسنا حيوانات، أسطورة مليئة بالنفاق في نظر الصينيّ. هنا، تجد صفّاً من الجزّارين بسواطير هائلة ومريلات ملطّخة بالدماء، يقطّعون الخنزير أشلاء أمام عينيك، بينما يتحاورون بأصوات بشوشة وعالية، ويضحكون ربّما على نكات (بذيئة؟) يروونها بالصينية... تجد صفوفاً من الأحواض الزجاجية تسبح فيها أسماك حيّة من كل الأصناف، كثير منها لم أره حتى في الأحلام والكوابيس. سلطعونات بالعشرات متشابك بعضها بالبعض الآخر في بانوراما من المخالب والدروع، تتدافع من دون جدوى للخلاص، وتحتها، في سلال كبيرة، ضفادع مكوّمة بعضها فوق البعض بالمئات، لم أكن أدري أنها حيّة، حتى رأيت بضعة منها تتحرّك، فجأة، ثمّ تهمد ثانية.
    عندما جئت الى مدينة سان فرنسيسكو، وجدتُ، بعد أشهر، غرفة رخيصة في فندق يواجه بوّابة "البلدة الصينية" التي تعلوها قوس كبيرة مكوّنة من تنّينين متعانقين، كنت أمرّ تحتها كلّ يوم لأتسكع بين المطاعم والدكاكين، أتفرّج على التحف (المزيفة غالباً) وما لا نهاية له من الخردوات والأنتيكات التي يتهافت على شرائها السيّاح، حتى أصل الى نهاية البلدة الأخرى حيث تقع مكتبة "أضواء المدينة" التي يملكها الشاعر لورنس فرلنغيتي، والتي كانت ملاذي المفضل منذ ذلك الحين، ولا تزال. وعندما كنت أجوع، بعد تصفّح الكتب والمجلات لساعات، أختار مطعماً صينيّاً للعشاء. لم يخب ظني ولا مرة، فالطباخ الصيني ساحر الأفاويه، يعرف كيف يحول قطعة لحم عادية، مع بضعة خضراوات وبضعة رؤوس من الفطر الأسود، الى احتفال مذاقيّ يندهش له اللسان ويُهيّأ للآكل أنه يشارك في مأدبة جديرة بالآلهة.
     
    1 person likes this.

  2. sat200

    sat200 صديق المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏30 جوان 2007
    المشاركات:
    4.452
    الإعجابات المتلقاة:
    9.940
      18-11-2008 12:10
    معلومات مفيدة يعطيك الصحة
    برافو AlHawa
    :bravo::bravo::bravo:
     
    1 person likes this.
  3. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      18-11-2008 13:35
    :besmellah1:


    السلام عليكم

    سامحني خويا مجدي ما كملتش القراءة اما
    :bang:
     
    1 person likes this.
  4. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      18-11-2008 21:41
    سؤال جميل نسأل الأدباء معناها و مغزاها مع إعتبار أنّ الشاعر آشوري عراقي
    أشكرك على التّنبيه

     
  5. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      18-11-2008 21:47
    أعتذر أخي بعد مراجعة النّص وجدت أنّها وصف للرّيح بأنّها مكنسة الإلهِ أين المشكلة العقائديّة هنا
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...