1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

ثيودور رَتْْكِي شاعر النباتات والذات المملوءة بالأصداء

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏20 نوفمبر 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      20-11-2008 21:32
    ثيودور رَتْْكِي شاعر النباتات والذات المملوءة بالأصداء (في الذكرى المئوية لولادته)

    آمال نوّار عن موقع دروب

    [​IMG]



    ثيودور رَتْكِي
    Theodore Roethke
    (1908 -1963)


    في مناسبة حلول الذكرى المئوية لولادة الشاعر الأميركي المعاصر ثيودور رتكي (1908-1963)، نضيء على التجربة الشعرية لهذا الشاعر الكبير، وعلى أهمية موقعه في خريطة الشعر الأميركي المعاصر. هو من جيل شعراء الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. أشعاره تطمح إلى الموضوع الكوني والمأزق الوجودي وسؤال الذات. لفت إليه بتقنياته الشعرية العالية، ولغته الخلاّقة، واستعاراته الباهرة وخصوصاً في ربطه بين عالم النبات وعالم الإنسان الداخلي. عُرف بأصالته وقدرته على إيقاظ الكوني في التجربة الشخصية. كثيراً ما جرت مقارنته بويتمان، إذ جمعتهما رحلة الذات نفسها من الظلمة إلى النور. واعتبره الناقد ديلمور شوارتز، شاعراً بأصالة ييتس وفاليري، ولديه وعي حقيقي “بالهاوية”؛ بأعماق اللاوعي الإنساني. مقومات أساسية في شعره، كطريقة إدخاله السيرة الذاتية في النص، ودعابة أسلوبه، والرموز التي تحيل إلى النموذج البدئي، نجد أثرها لدى بعض من لحقه من شعراء أميركا، أمثال روبرت بلاي، جيمس رايت، سيلفيا بلاث، جيمس ديكي، تيد هيوز وغيرهم.
    حظيَ رتكي باهتمام كبار شعراء زمنه وثنائهم، في حين أُهمل من النقّاد الكبار آنذاك. وقبل عام 1970 لم يُضَمّ إسمه إلى أي من أنطولوجيات الشعر الأميركي المعاصر. ولعلّ هذا ما يدعم مقولة أنه كان شاعر الشعراء ولم يصبح شاعر النقّاد إلا بعد مدة من مماته. ما قدّره الشعراء في شعره عموماً، غنائيته الإستثنائية المستمدّة من غنائية وردزورث وييتس وويتمان، وإسقاطه الذات اللاواعية على حياة النباتات والحيوانات، وإبرازه لـِ “أنا” غير مقنّعة، تتحدّث عن ثيمات العالم الداخلي التي لا تُدرَك إلا بالحدس. حاز جوائز عدة منها جائزة غاغنهايم لعامي 1945 و1948 عن مجموعتيه الأولى والثانية، جائزة بوليتزر عن ديوانه “اليقظة” 1953، والجائزة الوطنية للكتاب لعام 1958 عن “كلمات للريح”، ولعام 1965 عن “الحقل البعيد”. وللشاعر ديوانان في شعر الأطفال أيضاً. صدور أعماله الشعرية الكاملة عام 1966، جدّد الإهتمام به، وأتاح للقرّاء والنقّاد على السواء جسماً شعرياً متكاملاً يستطيعون معاينته وتحديد مواطن القوة والضعف فيه.
    اعتمد رتكي بقوة، في إطار انشغاله بلغته الشعرية، وصقلها وتهذيبها، على مقولة لـِِ ت. س. إليوت مفادها أن “الطريقة الوحيدة لمعالجة أيّ نوع من شعر اللغة الإنكليزية، هي عبر الإستيعاب والمحاكاة”. وكان رتكي نفسه كتب مرة: “المحاكاة؛ المحاكاة الواعية، هي أحد المناهج الأمثل، وربما هي المنهج، لتعلّم الكتابة…النجاح النهائي هو في ما تفعله اللغة، وليس في ما يستطيع الشاعر فعله أو إظهاره”. وكانت للشاعر قناعة بأن على الشاعر الحداثي التخلّي عن المفهوم الرومنسي للتعبير الشخصي. عليه في الواقع، السير عبر تاريخ الشعر ومراجعته وإعادة كتابة قصائد الماضي، بأمل أن يصبح شاعراً، ويكون في وسعه التقدّم خطوة إلى الأمام، وإضافة الجديد. مهمة رتكي إذاً لم تكن سهلة، إذ أنّ تجربته الشعرية لم تكن مدينة فقط إلى بعض شعراء أميركا المعاصرين، وإنما امتدت إلى أسماء كثيرة في تاريخ شعر اللغة الإنكليزية، كوليام وردزورث، وليام بلايك، كريستفور سمارت، والت ويتمان، وليام بتلر ييتس وغيرهم. والواضح، أن بداياته رافقتها مشاعر متناقضة. فهو جاء بعد جيل من الشعراء تجوز تسميته بجيل النهضة في الشعر الأميركي، ضمّ إليوت، باوند، أودن، وليامز، بوغان، ستيفينز، كراين، موور، كامينغز، فروست، رانسوم، تايت، وغيرهم. هؤلاء الذين شكّلوا مشهداً بانورامياً لمواهب فذّة اجتمعت كلها للمرة الأولى في تاريخ الشعر الأميركي في جيلٍ واحد. وعلى رغم ما قد منحه هذا الجيل لرتكي من إحساس بالفخر والغبطة، لكونه وفّر له الأساس الذي يستطيع البناء عليه والإستمرار في مسيرة التجديد (أُعيد اكتشاف ديكنسون وويتمان وماليفل، ربما لهذا الغرض تحديداً)، فلا بدّ أنه كان أيضاً مصدر ضغط نفسي وإحباط، لضخامة حجم المؤثرات التي كان على الشاعر تحرير شعره منها. وسنجد أن رتكي، حتى في أكثر أشعاره راديكالية، لم يتحرّر تماماً من التقاليد الشعرية، وربما ما من شاعر حقيقي أصلاً يفعل، لأن الأمر سيكون أشبه بتخلّيه الكلّي عن تقاليد اللغة التي يكتب فيها. ومع أنّ قصائده مملوءة بأصداء الشعراء الأسلاف، إلا أنها تمنحنا الإنطباع بأننا أمام نوع شعري جديد كلياً.
    ولد رتكي في مدينة ساغينو من ولاية ميشيغن. ترعرع بين أحضان الطبيعة حيث كان والده وعمه يملكان بيوتاً زجاجية لزراعة النباتات. في مراهقته تعرّض لسلسلة صدمات غيّرت وجه حياته، بدءاً ببيع العائلة للبيوت الزجاجية، ثم بانتحار عمه ثم بموت والده المفاجىء. علاقته بوالده “أوتو رتكي” المتحدّر من أصل ألماني شابها التناقض. فالأخير كان يُظهر وجهاً سلطوياً قاسياً في تربيته لإبنه، في حين كان بالغ الرقّة والحساسية تجاه جمال الطبيعة. موت الأب المبكر لم يمنح الإبن مجالاً كافياً لفهم طبيعة أبيه بشكل أعمق، وللتصالح معه ومع نفسه، كذلك كان سبباً في عدم اكتفائه العاطفي واستقراره النفسي، فكان أن أصيب لاحقاً بنوع من المسّ العقلي الناتج عن الإكتئاب. أمضى رتكي مراهقته محاطاً بثلة من الشباب المُشاغب والهامشي، ولكن مع ازدياد وعيه بذاته وإمكاناته، أخذ يتّجه نحو خيارات مغايرة تماماً في حياته، فدرس الحقوق لأشهر قليلة ثم عاد فاختار دراسة الأدب. خلال دراسته الجامعية بدأ بكتابة الشعر، وبعد تخرجه اختار مهنة التعليم. ديوانه الشعري الأول لم يصدر إلا بعد اختبار طويل وشاق لمقدراته الشعرية، دام لأكثر من خمسة عشر عاماً. يصرّح رتكي “أنا في عمل متواصل”، جيوبه كانت تظلّ ملأى بقصاصات، وكان كتب مرة “الحركة تعادل الإحساس”، ما يعني أن كتابة الإنفعال تستلزم ذهناً لا يتوقّف عن الدوران. وهو وإن لا يعدّ كاتباً خصباً، إلا أن مقدار ما استنفدته كتابة أشعاره من وقت وجهد بدى جلياً في مقدار ما راكمه من دفاتر ملحوظات في حياته، ضمّت أشعاراً، وأفكاراً متنوعة، وآراء نقدية، وانطباعات حول الطفولة وغيرها، آخذين بالإعتبار ما ذكره آلان سيغر، كاتب سيرة الشاعر، عن أن نسبة 3 % فقط من الأشعار الواردة في دفاتره والتي جاوزت المئتي دفتر، كانت وجدت طريقها إلى النشر. وبسبب من ضغط العمل والتفكير هذا، تعرّض رتكي لأكثر من انهيار عصبي ونوبات جنون بدءاً من العام 1935، ما استدعى جلسات علاج دائمة، ودخوله لمدة مصحّة في مدينة آن آربر. فُصل بسبب مرضه، من جامعة ميشيغن عام 1958، ولكنه عاد في العام نفسه ليعلّم في جامعة واشنطن. وهو أكان مريضاً أم مُعافى استطاع أن يكسب مودة الجميع واحترامهم، واستحق أعلى مراتب التقدير على انتاجه الإبداعي المميّز، وقدراته الهائلة في التعليم وتدريب الطلاب على الكتابة.
    التقنية الصارمة في البحث عن الهويّة
    “الذات”، كانت انهماك رتكي الأول الطاغي على أشعاره، وهذا تحديداً ما أخذه بعض النقاد عليه، مشيرين إلى اهتمامه الضئيل بمشاغل وهموم عصره وأبناء جيله. ونحن هنا نتكلم عن زمن الحرب العالمية الثانية والحرب الفيتنامية وما ترتب عليهما من انعكاسات على كافة الصعد الحياتية. هذا الإهتمام المحدود الذي اعتبره البعض مصدر ضعف رئيساً في شعره، اعتبره نقاد آخرون مصدر قوة. فهو في رأيهم شعر بالكاد يقوم على ركيزة اجتماعية أو سياسية، ومع ذلك يلامس الذات الجمعية بموضاعاته الشخصية الصرفة، كالعلاقة الإشكالية بالأب التي تختلط فيها مشاعر الحبّ بالخوف، المتعة التي تمنحها الطبيعة بنباتاتها وحيواناتها، الخشية من الليل بكل أبعاده الرمزية وغيرها من المواضيع. ونرى أن الإنشغال بالذات لدى رتكي هو المحفّز على المعرفة والرغبة في الإكتشاف، لا بل هو ضرورة تمنح القصائد شرطها الوجداني من المنبع الأصل. من ناحية ثانية، بقدر ما كان الشاعر ذاتياً في الكتابة بقدر ما كان لا ذاتياً خارجها. فهو وهب حياته لمهنة التعليم، على حساب إنتاجه الإبداعي الخاص، وجعل من حماسته للشعر، رسالة إنسانية نبيلة وضرورية، مانحاً رصيده المعرفي إلى تلامذته بتفانٍ وحب هائلين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شعراء من أمثال جيمس رايت وريتشارد هوغو ودافيد واغنر كانوا من تلامذته.
    ديوانه الأول “البيت المفتوح”1941 جاء محكماً من حيث احتوائه على عناصر الشعرية التقليدية. فالشاعر أتقن فن الكتابة عبر فن الإستيعاب والمحاكاة في وقت صنع فيه خصوصية أسلوبه، فجاء خالياً من عناصر الزخرفة، متكأً على لغة عارية توصل شعريتها بكامل قواها التأثيرية. غير أن التقنيات الصارمة جعلته في المقابل مقيّداً ومحكوماً، إذ بدى أن من غير المسموح للشعرية التحرر من ربق التقنية. وبصرف النظر عن تلك القيود، نجد أن معظم المراجعات في ذلك الوقت، اعتبرت صاحب هذا الديوان شاعراً أصيلاً، ناضجاً وليس مبتدئاً، وكان الشاعر أودن رأى أن “البيت المفتوح” حقق نجاحاً كاملاً. يقول رتكي: “إنك كي تتقدّم إلى الأمام (روحياً وإنسانياً) لا بدّ لك أولاً من العودة إلى الوراء”. وهذا ما نشهده في قصائد مجموعته الثانية “الإبن الضائع” 1948، والتي يسبر فيها عتمات طفولته، فينطلق من “الأنا المسحوقة” ورغبة التخلّي عن الذات، ليتجاوزهما تدريجياً عبر رحلة مؤلمة تنتهي به إلى الشعور بالإمتلاء والإحتواء الكلّي للذات. المفارقة أن شعرية النصوص سبقت موضوعها (البحث عن الذات والهوية) إلى الهدف، فاستطاع الشاعر تحقيق هويته الشعرية باعتراف كبار الشعراء آنذاك. فها هو ستانلي كونيتز يرى في بنية قصائد هذا الديوان سيطرة الشاعر الكلية على فنه ورؤاه، كذلك الناقد ريتشارد بلسينغ الذي لفت إلى “تحوّل رتكي في هذه المجموعة من شاعر الغنائية والبراعة التقنية والحساسية المنضبطة، إلى شاعر الإبداعية الجارفة، والجرأة المغامرة…إلى شاعر صعبٍ، لديه اندفاع بطولي، ومؤثّر، ومثير للقلق بعمق، وهو واحد من الشعراء الأكثر تميّزاً في تاريخ أميركا الأدبي”. لم تختلف مجموعته الثالثة “مجّد حتى النهاية” 1951 عن سابقتها من حيث الملامح العامة للعمل، وتسلسل الحوارات الداخلية للقصائد. ويقدّم رتكي بعض الإقتراحات حول كيفية قراءة مجموعته هذه، مشدداً على “أهمية الإصغاء إلى القصائد لأنها كُتبت لتُسمَع، حيث المواضيع تتردد بالتناوب، مثلما الحال في الموسيقى، مضيفاً أن كل قصيدة تبدو مكتملة ومستقلة بذاتها، ومع ذلك فهي تشكّل مرحلة من مراحل التقدّم في ما يشبه الصراع للخروج من الوحل، هي جزء من عملية ارتقاء روحي بطيء، وجهد مبذول في سبيل أن تضْحي لاحقاً شيئاً أكثر”. والسؤال، ما هو الشيء الأكثر؟ ليست الحلول لمشاكل الشاعر الشخصية ما يتمخض عن هذه القصائد، وإنما هناك انبثاق للوعي يضيء على لاوعي الشاعر. ثمة رؤية جديدة إلى الماضي، لامأساوية، تتلخّص في أن يكون البحث عن معنى الحياة من خلال تقبّلها لا رفضها. عمله الشعري الخامس “كلمات للريح” 1957، الذي ضمّ قصائد حبّ كانت نُشرت في مجموعته الرابعة “اليقظة” 1953، اتّخذ بعداً فلسفياً إضافة إلى شيء من الحسيّة والإيروتيكية، والأهم أن قصائده نمّت عن الإفتتان بشيء آخر يتعدى الذات. ولكن الشاعر ستانلي كونيتز رأى أن فيه عودة إلى الأشكال الشعرية الصارمة لعمله الأول. ويشير الناقد كارل مالكوف إلى حال رتكي المتقلبة في هذه المجموعة. فيجده “ينتقل من حال اليأس الخالص إلى الإستسلام، إلى الإيمان الصوفي الباطني، ثم إلى اليأس مجدداً…ليس من منظومة فلسفية تنشأ في قصائده، وإنما الأغلب هناك انبثاق لصورة معقّدة لرجل يواجه حدود وجوده مباشرة دون أن يستثني أياً من احتمالات الحياة”. “كلمات للريح” بحسب مالكوف هي سيرة ذاتية روحية لرجل، نلحظ أن حساسيته المفرطة تجاه تجربته تقوده إلى تمجيد الوضع الكوني للإنسان بدل تشويهه.
    في كثير من قصائد رتكي اللاحقة، نلمس نزعة صوفية تأملية. فهي تعكس مراحل التبصّر الروحي والوعي التدريجي الباطني بالأشياء، بدءاً من مرحلة الإدراك المؤلم للعجز الإنساني، مروراً بالرغبة في التطّهر الروحي وتأنيب الذات، ووصولاً إلى نوع من الصحوة الروحية، إلى تلك النشوة في غمرة تفتّح الوعي المتجاوز لنفسه؛ الوعي الماوراء الوعي. غير أن رحلة رتكي لا تؤدي إلى التوحّد الكلّي بالوجود المطلق، فهو لم يكن رجلاً متديّناً والأغلب أن كل ما خبره روحياً تأتّى من بعض الرؤى في جلساته التأملية. المسألة كانت بالنسبة إليه، كما عبّر في مجموعته السادسة “سلسلة متعاقبة، أحياناً ميتافيزيقية” 1963، هي محاولة “اصطياد، رحلة صوب الخالق، سعي لإختراق حاجز التجربة العقلانية”. خياره إذاً سلوك طريق لادينية إلى الدين، والإعتماد على قدراته الروحية ومخيلته بعيداً من كل أجوبة ناجزة.
    بعد سنة على وفاته بنوبة قلبية مفاجئة، صدر ديوانه «الحقل البعيد» 1964. وقد أحال البعض سمة فقدان التماسك لهذا الديوان إلى أن الشقاء واليأس متجذّران في أصل بحث الشاعر عن مصادر الأمان والثقة. وربما يكون الشاعر أقرّ أخيراً بعجزه، وقرر الاحتفاء بالطاقة على استمرار العيش في اللغز، من دون الحاجة إلى البحث عن حقائق. وعموماً، فإن النظرة المتأملة إلى كل ما يحمله شعر رتكي من مفارقات وتناقضات، تدفعنا إلى القول بأنه شاعر وجد ثيمته العقلانية في هذا التأرجح اللاعقلاني بين الضوء والعتمة، وفي حرية الذهاب إلى حيث تقوده مشاعره من دون أيّ توجه فلسفي واضح صريح يضعه خارج دائرة المجهول. ثم علينا ألا ننسى أن جنونه هو أجمل ما فيه.
    نماذج من قصائد ثيودور رتكي
    فالسُ أبي
    الوسكي في أنفاسكَ
    قد يُصيب صبياً صغيراً بالدّوار،
    ولكني صمدتُ مثلما الموت:
    رقصُ فالسٍ كهذا لم يكن بالسهل.
    اشتدّ اهتياجنا حتى انزلقتِ الأواني
    عن رفِّ المطبخ؛
    وجهُ أمي ما استطاع
    الكفّ عن العبوس.
    اليدُ التي أمسكتْ برُّسغي
    كانت تعرّضتْ للضرب
    فوق مَفْصِلِ إصبع،
    لدى كل خطوة أغْفَلْتَها
    احتكّتْ أُذني اليمنى بإبزيم.
    لقد ضبطتَ الإيقاعَ فوق رأسي
    بكفِّ صلّبها الترابُ بشدّة،
    ثم قدتني برشاقة إلى السرير
    فيما لاأزال متشبّثاً بقميصك.
    غرائس (لاحقاً)
    هذا الإلحاح، الكِفاح، الإنبعاث للعيدان اليابسة،
    سيقانٌ مقطوعة تُجاهد من أجل أن تُنْزِلَ أقدامها،
    أيّ قديسٍ اضْطُهِدَ إلى هذا الحدّ،
    ثم نهضَ على هكذا أوصال مبتورة
    ليحيا من جديد؟
    أستطيعُ سراً، سماعَ ذيْنِك الإمتصاص والنشيج.
    داخل عروقي، داخل عظامي، أحسُّها؛
    المياه الضئيلة تسربُ صُعُداً،
    الحُبَيْبَات االمنتفخة تنفلقُ في النهاية.
    عندما تخرجُ البراعمُ،
    زَلِقة كالسّمك،
    أَجبَنُ، أميلُ نحو البدايات،
    بغشاءٍ مخضّل.
    مرثية إلى جاين
    (تلميذتي، أوقعها حصان)
    أَتَذَكّرُ طيّات العنق، ليّنة ونديّة كاللوالب الرفيعة لنبتة معرّشة،
    ونظرتها الخاطفة؛ ابتسامة جانبية لصغار سمك الكراكي،
    وكيف حالما اُضْطُرَّتْ فجأةً إلى الكلام،
    وَثَبَتْ لها المقاطعُ اللفظية الخفيفة،
    ثم أمسكتْ بزمامها في بَهْجَة فكرتها.
    طائرٌ صغيرٌ جَذِلٌ، ذيله في الريح؛
    أغنيتُها إذ تُرْعشُ الطرابينَ والأغصان الصغيرة.
    الظلّ غنّى معها،
    الأوراقُ؛ همساتُها إذ تحوّلتّ إلى تَبَادُلِ قُبَل،
    والثرى غنّى في الوديان المبيّضة تحت الوردة.
    آهٍ عندما كانت حزينة،
    هوتْ بنفسها إلى عمقٍ خالصٍ، بعيد الحدود
    حتى كاهنٌ ما استطاع أن يجدها:
    حاكّةً خدّها بالقشّ،
    محرّكةً المياهَ الأصفى.
    عصفوري الدُّوريّ، أنتِ لستِ هنا،
    مُنتظِرٌ كنبتةِ سَرْخَس، مُلْقٍِ بظلٍّ شوكيّ.
    جوانبُ الحجارة المُبلّلة لا تستطيع تعزيتي،
    ولا الطُحْلُب المُلْتف بالضوء الأخير.
    فقط لو أستطيع أن أنبّهكِ من هذا النوم،
    حبيبتي المُقعدة، حمامتي الرشيقة.
    فوق هذا القبر الرطب، أُلقي كلمات حبّي:
    أنا، دون حقوق في هذا الشأن،
    لستُ أباً ولا حبيباً.
    الغُرْنُوفيّ
    عندما وضعتُها مرّةً خارجاً قرب سطلِ القُمامة،
    بدتْ مترهّلة للغاية وقذرة.
    مُفرِطاً في حماقتي وثقتي مثل كلبِ “بوودل” مريضٍ،
    أو نَجْمٍ ذابلٍ في أواخرَ أيلول،
    أعدتُها إلى الداخل مُجَدَداً
    من أجلِ نظامِ عنايةٍ جديد:
    فيتامينات، ماء، وكلّ غذاء بدى معقولاً في حينه.
    عاشتْ لمدة طويلة على “الجِنّ” *، دبابيس الشَعْر،
    سيغارات أُحرقت حتى النصف، جعة عديمة النكهة،
    بتلاتها الذابلة متساقطة على السجّادة الباهتة،
    شحمُ لحمِها البائت ملتصقٌ بأوراقها المجعّدة.
    (في حالها الجافة، صَرّتْ كنبتةِ خزامى.)
    يا للأشياء التي تحمّلتْها!
    السيّدات المغفّلات يزعقنّ منتصف الليل
    أو نحن الإثنان، وحدنا، كلانا قذر،
    أنا نافثٌ الكحول نحوها،
    وهي منحنية خارج أصيصها باتجاه النافذة.
    على مشارفِ النهاية، بدتْ تقريباً أنها تسمعني،
    وذلك كان مروِّعاً.
    فإذاً، عندما الحمقاء تلك؛ الخادمة، التي تخنّ بأنفاسها
    ألقتْ بها، بوعائها وما فيه، في صندوق القُمامة،
    لم أقلْ شيئاً.
    ولكنّي في الأسبوع التالي
    صرفتُ العجوز الشمطاء الوقحة من الخدمة.
    كنتُ، إلى هذا الحدّ، وحيداً.
    * أحد المشروبات الروحية
    ترجمة: آمال نوّار
     

جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
هل الصّغير ولاد حمد فعلا شاعر ؟ ‏6 أفريل 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...