الغلاء من الابتلاء

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة dreamphone, بتاريخ ‏1 ديسمبر 2008.

  1. dreamphone

    dreamphone عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏1 أفريل 2008
    المشاركات:
    107
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      01-12-2008 14:27
    بسم الله الرحمن الرحيم


    الغلاء من الابتلاء
    الشيخ الدكتور محمد بن موسى آل نصر


    إن الحمدَ للهِ ، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ، ونعوذُ بالِله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ، ومن يضلل فلا هاديَ لهُ ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريك له ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسوله .

    يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ حقَ تقاتهِ ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون ، يا أيها الناسُ اتقوا ربكمُ الذي خلقكم من نفسٍٍ واحدة ، وخلقَ منها زوجها ، وبثَّ منهما رجالا كثيراً ونساءاً ، واتقوا الله الذي تساءلونَ به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا ،ً يصلح لكم أعمالكم ، ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً .

    أما بعد :فإن لله سنناً في الكون لا تتغير ولا تتبدل ، ومن هذه السنن أن الله عز وجل يجازي بالطاعاتِ إحساناً ، ويجازي بالسيئاتِ عقوبةً وذلاً وهواناً ، وأنه قد قضت سنته جل جلاله أن يذل من عصاه ، وأن يذيقه سوط عذاب . فإذا تجرأ الناس على معصية الله عز وجل ألبسهم لباس الجوع والخوف ، إذا لم يشكروا نعم الله عليهم ، وتنكبوا سبيل الله وخالفوا أمر الله وأمر رسوله ، فإن الله عز وجل يسلط عليهم عقوبات شتّى ، كي يرتدعوا ويعودوا إلى ربهم إذا كانوا يؤمنون بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا .

    والآيات في كتاب الله كثيرة في هذا المعنى فمن ذلك قول الحق جل جلاله: ] فكلاً أخذنا بذنبه[ (العنكبوت 40)

    ومن ذلك قوله جل جلاله: ] وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير[(الشورى 30)

    فالأمة إذا بدَّلت نعمةَ الله كفرا وبدلت طاعته بمعصيته فإن الله عز وجل يبدل أمنها خوفا وشبعها جوعا وعافيتها أسقاما وأمراضا قال الله تعالى:] وضرب الله مثلاً قريةً آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون [(النحل 112)

    وقال: ] ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون[(الروم41)

    فإذا كان الصحابةُ رضي الله عنهم و بينهم ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما خالفوا أمر نبيّهم ، وقع عليهم القدر الذي يكرهونه ، فهزموا في المعركة . وفي حنين كان معهم النبي صلى الله عليه وسلم حينما أعجبتهم كثرتهم ، فهزموا في أول الأمر ، ولولا أن الله عز وجل ثبت نبيه صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه لكانت هزيمة ساحقة . ] ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت[(التوبة 25)

    إن مفاتيح الرزق ، وخزائن السماوات والأرض بيد الله وحده ، وإن مفاتيح الرزق في طاعة الله وحده وفي ذكره

    وشكره واستغفاره والاستقامة على منهج نبيِّه صلى الله عليه وسلم.

    ] وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعقبة للتقوى[(طه 132)

    ] ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب[(الطلاق 3.2 )

    ] لئن شكرتم لأزيدنكم[ (إبراهيم 7 )

    ] ولو أن أهل القرى امنو واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض[(الأعراف 96)

    ] فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأمول وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا [(نوح 10-12)

    وأكثر الناس من المسلمين في غفلة عن هذه الحقيقة وعن هذه السنن ، فتراهم يرونَ الكوارثَ والمصائبَ - والتي هي في الحقيقة عقوبات ربانيّة لردع الناس - تراهم ينسبونها للطبيعة ولأشياء تظهر لهم ، لكنهم لا ينظرون إلى من وراء هذه الأحداث ، وأن الله عز وجل الجبار المنتقم هو الذي يجري هذه الأحداث ردعاً للعباد وتربيةً لهم .

    هذا الغلاء العالمي المسعور عقوبات ربانية ، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله :
    "الرَّبُّ تَعَالَى لَا يُوَالِي أَحَدًا لِذِلَّتِهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ الْعَزِيزُ بِنَفْسِهِ و { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ** وَإِنَّمَا يُوَالِي عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ . وَحِينَئِذٍ : فَالْغَلَاءُ بِارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ ؛ وَالرُّخْصِ بِانْخِفَاضِهَا هُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا خَالِقَ لَهَا إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ؛ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ؛ لَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ بَعْضَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ سَبَبًا فِي بَعْضِ الْحَوَادِثِ كَمَا جَعَلَ قَتْلَ الْقَاتِلِ سَبَبًا فِي مَوْتِ الْمَقْتُولِ ؛ وَجَعَلَ ارْتِفَاعَ الْأَسْعَارِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ ظُلْمِ الْعِبَادِ وَانْخِفَاضِهَا قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ إحْسَانِ بَعْضِ النَّاسِ ". الى ان قال :

    "فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْآثَارِ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَهُمْ بِهَا عَمَلٌ ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُمْ كَانَتْ سَبَبًا فِيهَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ **" الفتاوى (2\257)

    وهاهي أثار الذنوب ظاهرة، فبعض البلدان يرسل الله عليها الزلازل ، وأخرى البراكين ، وأخرى الفيضانات ، وأخرى المجاعات والحروب الطاحنة والأمراض الفتاكة ، الأمراض التي لا يجدون لها علاجاً . مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ما أنزل الله داءاً إلا وأنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله ] (أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم ) فكيف يضل الله الناس عن الشفاء من أمراضٍ مزمنة ، إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم. فكل ما أصابنا ويصيبنا وسيصيبنا سببه البعد عن الله وعن منهج الله ، سببه مبارزتنا لله بالمعاصي ، بناتنا متبرجات ، أقبلنا على أكل الربا بالآلاف المؤلفة ، وصرنا نتنافس في جمع الأموال من غير أسبابها الشرعية ومكاسبها الحلال . عقيدتنا مهددة ؛ نصدق الخرافات ونروج الخزعبلات ، تفككت أسرنا ، انتشرت الفاحشة في الشوارع والطرقات ، وصرنا نحارب الله ليل نهار . وكيف لا يعذبنا الله وكيف لا يسلط علينا الغلاء وغيره من البلاء ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم : أن الأمة إذا نقصت المكيال والميزان [إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان] (أخرجه ابن ماجة في سننه بسند صحيح )

    فلنتقِ الله ؛ كل مصائبنا يا عباد الله من بعدنا عن ديننا ، وإقامة شرعنا وإحيائه في الأمة .

    قال الله عز وجل ووعده الحق :] فمن أتبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى[(طه 123، 124) , ومن اتباع هدى الله إخراج زكاة أموال الناس ، وإحياء هذه الفريضة وإقامتها في الأمة ؛و إلا فينتشر الزنا والفاحشة أكثر مما هو عليه و يصبح قتل الرجل لدنانير معدودة والعياذ بالله فليتق الله كل مسؤول وراع في هذه الامة.

    ولايسعنا إلا أن نحمد الله عز وجل على كل حال ، [من أصبح منكم معافىً في جسده ، آمناً في سربه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا ] (حسن ، الصحيحة 2318) . [عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له] (صحيح مسلم) ..

    والله المسؤول ان يصلح حال امتنا ومآلها والحمد لله رب العالمين .
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...