>< موسوعة .. تروي قصص الأنبياء ><

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة neo89, بتاريخ ‏3 ديسمبر 2008.

  1. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:27
    [​IMG]



    [​IMG]

    أحببتُ أعزتي أن أقدم لكم و إليكم .. موسوعتي ..

    إعتقادي إليكم .. بإن مفهوم الموسوعة واضح من العنوان ..

    .. و هي ..


    ^
    ^


    .. موسوعة ..
    .. تروي قصص الأنبياء و أحاديثهم ..


    ^
    ^


    سيتم بين الحين و الحين كتابة قصة لإحدى الأنبياء ..



    [​IMG]



    لكم ودي و إحترامي,
    neo89
     
  2. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:30
    >< قصة النبي آدم عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.

    [​IMG]

    سيرته:
    خلق آدم عليه السلام:
    أخبر الله سبحانه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة في الأرض - وخليفة هنا تعني على رأس ذرية يخلف بعضها بعضا. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

    ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض, أو إلهام وبصيرة, يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق, ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض, وأنه سيسفك الدماء .. ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له, هو وحده الغاية للوجود .. وهو متحقق بوجودهم هم, يسبحون بحمد الله ويقدسون له, ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

    هذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم .. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب. لقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى, في بناء هذه الأرض وعمارتها, وفي تنمية الحياة, وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها, على يد خليفة الله في أرضه. هذا الذي قد يفسد أحيان, وقد يسفك الدماء أحيانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء, والخبير بمصائر الأمور:
    (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).


    وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة. وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله. ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه. إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن.

    أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة .. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

    جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟


    سجود الملائكة لآدم:
    من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سبحانه، ونفخ فيه من روحه سبحانه .. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة .. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ؟ الظاهر أنه لا .. لأنه لو كان من الملائكة ما عصى .. فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .. وسيجيء أنه خلق من نار. والمأثور أن الملائكة خلق من نور .. ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود.

    أما كيف كان السجود ؟ وأين ؟ ومتى ؟ كل ذلك في علم الغيب عند الله. ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

    فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس:
    (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ). وبدلا من التوبة والأوبة إلى الله تبارك وتعالى، ردّ إبليس بمنطق يملأه الكبر والحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ؟ أم هل هي رحمة الله .. هذا وذلك جائز لكن الأرجح رحمة الله تعالى، فلم يكن إبليس في الجنة، وحتى آدم عليه السلام لم يكن في الجنة على الأرجح .. ولا محل للجدل الكثير .. فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم.

    قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)


    هنا تحول الحسد إلى حقد. وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب, وأن يمنحه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين.

    وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي يحول بينهم وبينه .. إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . وحبل الحياة ! .. وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة .. فأعلن - سبحانه - إرادته . وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

    فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم, يخوضونها على علم. والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين. وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان. وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين. فأرسل إليهم المنذرين.

    تعليم آدم الأسماء:
    ثم يروي القرآن الكريم قصة السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا). سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى, لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل, حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه ... الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل. فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس ... إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .


    أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية, لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم. ومن ثم لم توهب لهم. فلما علم الله آدم هذا السر, وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء. لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص .. وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم, وهو ما علمهم .. ثم قام آدم بإخبارهم بأسماء الأشياء . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).

    أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه عَـلِـمَ ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.

    إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر.


    سكن آدم وحواء في الجنة:
    اختلف المفسرون في كيفية خلق حواء. ولا نعلم إن كان الله قد خلق حواء في نفس وقت خلق آدم أم بعده لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى أسكنهما معا في الجنة. لا نعرف مكان هذه الجنة. فقد سكت القرآن عن مكانها واختلف المفسرون فيها على خمسة وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى بعضهم ذلك لأنها لو كانت جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع عصيان. وقال آخرون: إنها جنة المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال أكثرهم: إنها جنة من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن نختار هذا الرأي. إن العبرة التي نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى العبرة التي تستخلص مما حدث فيها.

    كان الله قد سمح لآدم وحواء بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة واحدة. فأطاع آدم وحواء أمر ربهما بالابتعاد عن الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه ويوسوس إليه: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). وأقسم إبليس لآدم أنه صادق في نصحه لهم، ولم يكن آدم عليه السلام بفطرته السليمة يظن أن هنالك من يقسم بالله كذا، فضعف عزمه ونسي وأكل من الشجرة هو وحواء.

    ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول.

    لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى اكتشف أنه أصبح عار، وأن زوجته عارية. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. ولم تكن لآدم تجارب سابقة في العصيان، فلم يعرف كيف يتوب، فألهمه الله سبحانه وتعالى عبارات التوبة (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (23) (الأعرف) وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.


    هبوط آدم وحواء إلى الأرض:
    وهبط آدم وحواء إلى الأرض .. واستغفرا ربهما وتاب إليه. فأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها ... وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث.

    يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا التصور غير منطقي لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. أما تجربة السكن في الجنة فكانت ركنا من أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان.


    هابيل وقابيل:
    لا يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن حياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.

    كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. قال تعالى في سورة (المائدة):


    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)

    لاحظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء:

    إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (المائدة)

    انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد أيام.. كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة.. فقام إليه أخوه قابيل فقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض. كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. ثم رأى القاتل غرابا حيا بجانب جثة غراب ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار في الجو وهو يصرخ.

    اندلع حزن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأحرقه الندم. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه.

    قال آدم حين عرف القصة: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينّ) وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني. صلى آدم على ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.


    موت آدم عليه السلام:
    وكبر آدم .. ومرت سنوات وسنوات .. وعن فراش موته، يروي أبي بن كعب، فقال: إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ أو ما تريدون وأين تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضي أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك، فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل. فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه، وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم.

    وفي موته يروي الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطىء آدم فخطئت ذريته".


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
    1 person likes this.
  3. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:31
    >< النبي شيث عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً.


    [​IMG]

    سيرته:
    لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً. ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قُتِلَ هابيل. فلما حانت وفاته أوصى إلى أبنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن ثم من بعده ابنه مهلاييل - وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة، وأنه أول من قطع الأشجار، وبنى المدائن والحصون الكبار، وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقاً من مردة الجن والغيلان، وكان له تاج عظيم، وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة.

    فلما مات قام بالأمر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ، وهو إدريس عليه السلام على المشهور.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  4. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:42
    >< النبي إدريس عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    كان صديقا نبيا ومن الصابرين، أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نوح، أنزلت عليه ثلاثون صحيفة، ودعا إلى وحدانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها.


    [​IMG]

    سيرته:
    إدريس عليه السلام هو أحد الرسل الكرام الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابة العزيز، وذكره في بضعة مواطن من سور القرآن، وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً أي يجب اعتقاد نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم لأن القرآن قد ذكره باسمه وحدث عن شخصه فوصفه بالنبوة والصديقية.


    [​IMG]

    نسبه:
    هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينتهي نسبه إلى شيث بن آدم عليه السلام واسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نوح عليه السلام. وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و (شيث) عليهما السلام، وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة.


    [​IMG]

    حياته:
    وقد أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد بمصر والصحيح الأول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله النبوة فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) و (شيث) فأطاعه نفر قليل، وخالفه جمع خفير، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم فقالوا له، وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا رزقنا الله غيره، فخرج وخرجوا حتى وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسبح الله، وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق. وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى عبادة الخالق جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا وحض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى منطقهم جميعاً ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم. وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه قواعد تمدين المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وأنشئت في زمانه 188 مدينة وقد اشتهر بالحكمة فمن حكمة قوله (خير الدنيا حسرة، وشرها ندم) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله (الصبر مع الإيمان يورث الظفر).


    [​IMG]

    وفاته:
    وقد أُخْتُلِفَ في موته .. فعن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً**؟ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال "له": إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: يا للعجب! بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟! فقبض روحه هناك. فذلك قول الله عز وجل {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً**. ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه: كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر. وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة.


    [​IMG]

    وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً** قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر، وإن أراد أنه رفع حياً إلى السماء ثم قبض هناك. فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار. والله أعلم.

    وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً** : رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح، وهو قول مجاهد وغير واحد. وقال الحسن البصري: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً** قال: إلى الجنة، وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.

    قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء: أنه لما مرّ به عليه السلام قال له مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ولم يقل كما قال آدم و إبراهيم: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له.

    وهذا لا يدل ولابد، قد لا يكون الراوي حفظه جيداً، أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن، وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  5. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:45
    >< النبي نوح عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    كان نوح تقيا صادقا أرسله الله ليهدي قومه وينذرهم عذاب الآخرة ولكنهم عصوه وكذبوه، ومع ذلك استمر يدعوهم إلى الدين الحنيف فاتبعه قليل من الناس، واستمر الكفرة في طغيانهم فمنع الله عنهم المطر ودعاهم نوح أن يؤمنوا حتى يرفع الله عنهم العذاب فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب ولكنهم رجعوا إلى كفرهم، وأخذ يدعوهم 950 سنة ثم أمره الله ببناء السفينة وأن يأخذ معه زوجا من كل نوع ثم جاء الطوفان فأغرقهم أجمعين.


    [​IMG]

    سيرته:
    حال الناس قبل بعثة نوح:
    قبل أن يولد قوم نوح عاش خمسة رجال صالحين من أجداد قوم نوح، عاشوا زمنا ثم ماتوا، كانت أسماء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعد موتهم صنع الناس لهم تماثيل في مجال الذكرى والتكريم، ومضى الوقت.. ومات الذين نحتوا التماثيل.. وجاء أبنائهم.. ومات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثم نسجت قصصا وحكايات حول التماثيل تعزو لها قوة خاصة.. واستغل إبليس الفرصة، وأوهم الناس أن هذه تماثيل آلهة تملك النفع وتقدر على الضرر.. وبدأ الناس يعبدون هذه التماثيل.

    إرسال نوح عليه السلام:
    كان نوح كان على الفطرة مؤمنا بالله تعالى قبل بعثته إلى الناس. وكل الأنبياء مؤمنون بالله تعالى قبل بعثتهم. وكان كثير الشكر لله عزّ وجلّ. فاختاره الله لحمل الرسالة. فخرج نوح على قومه وبدأ دعوته:

    يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

    بهذه الجملة الموجزة وضع نوح قومه أمام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. هناك إله خالق وهو وحده الذي يستحق العبادة.. وهناك موت ثم بعث ثم يوم للقيامة. يوم عظيم، فيه عذاب يوم عظيم.شرح "نوح" لقومه أنه يستحيل أن يكون هناك غير إله واحد هو الخالق. أفهمهم أن الشيطان قد خدعهم زمنا طويلا، وأن الوقت قد جاء ليتوقف هذا الخداع، حدثهم نوح عن تكريم الله للإنسان. كيف خلقه، ومنحه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة الأصنام غير ظلم خانق للعقل.

    تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة .. أما الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين الشك … ولما كانوا يستفيدون من بقاء الأوضاع على ما هي عليه.. فقد بدءوا حربهم ضد نوح.

    في البداية اتهموا نوحا بأنه بشر مثلهم:

    فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا

    قال تفسير القرطبي: الملأ الذين كفروا من قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون الملأ لأنهم مليئون بما يقولون.

    قال هؤلاء الملأ لنوح: أنت بشر يا نوح.


    رغم أن نوحا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، لأن الأرض يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة.. استمرت الحرب بين الكافرين ونوح.


    في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نوح لا تلبث أن تنطفئ وحدها، فلما وجدوا الدعوة تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نوح من هذه الناحية. هاجموه في أتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.

    هكذا اندلع الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنوح: اسمع يا نوح. إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أن تضمنا دعوة واحدة مع هؤلاء.

    واستمع نوح إلى كفار قومه وأدرك أنهم يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه أنه لا يستطيع أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف الله.. وليست الرحمة بيته الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه من يشاء، إنما الرحمة بيت الله الذي يستقبل فيه من يشاء.

    كان نوح يناقش كل حجج الكافرين بمنطق الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي يجرد نفسه من الكبرياء الشخصي وهوى المصالح الخاصة.


    قال لهم إن الله قد آتاه الرسالة والنبوة والرحمة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا يجبرهم على الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض على أحد من البشر. أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره على الله، هو الذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله، وأن له حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمنين لسببين: أنهم سيلقون الله مؤمنين به فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من الله لو طردهم؟ وهكذا انتهى نوح إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهم.

    و عاد نوح يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر مما له من حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله عز وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من عباده، وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. بمعنى أن منزلته ليست كمنزلة الملائكة.. قال لهم نوح: إن الذين تزدري أعينكم وتحتقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لاحتقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا.

    وسئم الملأ يومها من هذا الجدل الذي يجادله نوح.. حكى الله موقفهم منه في سورة (هود):


    قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) (هود)

    أضاف نوح إغواءهم إلى الله تعالى.. تسليما بأن الله هو الفاعل في كل حال.. غير أنهم استحقوا الضلال بموقفهم الاختياري وملئ حريتهم وكامل إرادتهم.. فالإنسان صانع لأفعاله ولكنه محتاج في صدورها عنه إلى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاله. كل ما في الأمر أن الله ييسر كل مخلوق لما خلق له، سواء أكان التيسير إلى الخير أم إلى الشر.. وهذا من تمام الحرية وكمالها. يختار الإنسان بحريته فييسر له الله تعالى طريق ما اختاره. اختار كفار قوم نوح طريق الغواية فيسره الله لهم.

    وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين الكافرين من قوم نوح وبينه إذا انهارت كل حجج الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال، بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله:

    قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) (الأعراف)

    ورد عليهم نوح بأدب الأنبياء العظيم:

    قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62) (الأعراف)

    ويستمر نوح في دعوة قومه إلى الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت الأعوام ونوح يدعو قومه. كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشرح لهم الآيات ويبين لهم قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ليغفر الله لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع الحق. واستمر نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.

    وكان يلاحظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. وحزن نوح غير أنه لم يفقد الأمل، وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبجح. وحزن نوح على قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو أن أعمار الناس قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنوح معجزة خاصة له.


    وجاء يوم أوحى الله إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. أوحى الله إليه ألا يحزن عليهم. ساعتها دعا نوح على الكافرين بالهلاك:

    وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) (نوح)

    برر نوح دعوته بقوله:

    إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (26) (نوح)

    الطوفان:
    ثم أصدر الله تعالى حكمه على الكافرين بالطوفان. أخبر الله تعالى عبده نوحا أنه سيصنع سفينة (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي بعلم الله وتعليمه، وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ومساعدة الملائكة. أصدر الله تعالى أمره إلى نوح: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله نبيه أن يخاطبه أو يتوسط لهم.

    وبدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، وبدأ نجارته. كانت سفينة عظيمة الطول والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون في حجمها، وهيئتها، وعدد طبقاتها، ومدة عملها، والمكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على أقوال متعارضة لم يصح منها شيء. وقال الفخر الرازي في هذا كله: أعلم أن هذه المباحث لا تعجبني، لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. نحن نتفق مع الرازي في مقولته هذه. فنحن لا نعرف عن حقيقة هذه السفينة إلا ما حدثنا الله به. تجاوز الله تعالى هذه التفصيلات التي لا أهمية لها، إلى مضمون القصة ومغزاها المهم.

    بدأ نوح يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة، والجفاف سائد، وليست هناك أنهار قريبة أو بحار. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟ هل ستجري على الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع ضحكات الكافرين وتزداد سخريتهم من نوح. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا!


    إن قمة الصراع في قصة نوح تتجلى في هذه المساحة الزمنية، إن الباطل يسخر من الحق. يضحك عليه طويلا، متصورا أن الدنيا ملكه، وأن الأمن نصيبه، وأن العذاب غير واقع.. غير أن هذا كله مؤقت بموعد حلول الطوفان. عندئذ يسخر المؤمنون من الكافرين، وتكون سخريتهم هي الحق.

    انتهى صنع السفينة، وجلس نوح ينتظر أمر الله. أوحى الله إلى نوح أنه إذا فار التنور هذا علامة على بدء الطوفان. قيل في تفسير التنور أنه بركان في المنطقة، وقيل أن الفرن الكائن في بيت نوح، إذا خرج منه الماء وفار كان هذا أمرا لنوح بالحركة.

    وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح يفتح سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل عليه السلام إلى الأرض. حمل نوح إلى السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، بقرا وثورا، فيلا وفيلة، عصفورا وعصفور، نمرا ونمرة، إلى آخر المخلوقات. كان نوح قد صنع أقفاصا للوحوش وهو يصنع السفينة. وساق جبريل عليه السلام أمامه من كل زوجين اثنين، لضمان بقاء نوع الحيوان والطير على الأرض، وهذا معناه أن الطوفان أغرق الأرض كلها، فلولا ذلك ما كان هناك معنى لحمل هذه الأنواع من الحيوان والطير. وبدأ صعود السفينة. صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد من آمن بنوح، وكان عدد المؤمنين قليلا.


    لم تكن زوجة نوح مؤمنة به فلم تصعد، وكان أحد أبنائه يخفي كفره ويبدي الإيمان أمام نوح، فلم يصعد هو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمنة هي الأخرى، فلم تصعد. وصعد المؤمنون. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: آمن من قوم نوح ثمانون إنسانا.

    ارتفعت المياه من فتحات الأرض.. انهمرت من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض. فالتقت أمطار السماء بمياه الأرض، وصارت ترتفع ساعة بعد ساعة. فقدت البحار هدوئها، وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتسح الأرض.. وغرقت الكرة الأرضية للمرة الأولى في المياه..

    ارتفعت المياه أعلى من الناس.. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض كله. وفي بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. ويحكي لنا المولى عز وجل الحوار القصير الذي دار بين نوح عليه السلام وابنه قبل أن يحول بينهما الموج فجأة.


    نادى نوح ابنه قائلا: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَورد الابن عليه: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءعاد نوح يخاطبه: قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ

    وانتهى الحوار بين نوح وابنه:

    وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ


    انظر إلى تعبير القرآن الكريم (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أنهى الموج حوارهما فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج التي ترتفع وترفع معها السفينة، وتفقدها رؤية كل شيء غير المياه. وشاءت رحمة الله أن يغرق الابن بعيدا عن عين الأب، رحمة منه بالأب، واعتقد نوح أن ابنه المؤمن تصور أن الجبل سيعصمه من الماء، فغرق.

    واستمر الطوفان.. استمر يحمل سفينة نوح.. بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف على الأرض قد هلكت غرقا.. لم يعد باقيا من الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي من سفينة نوح، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة من أهل الأرض.. وأنواع الحيوانات والطيور التي اختيرت بعناية.. ومن الصعب اليوم تصور هول الطوفان أو عظمته.. كان شيئا مروعا يدل على قدرة الخالق.. كانت السفينة تجري بهم في موج كالجبال.. ويعتقد بعض العلماء الجيولوجيا اليوم إن انفصال القارات وتشكل الأرض في صورتها الحالية، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت فيه المياه ثورة غير مفهومة.. حتى غطت سطح الجزء اليابس من الأرض، وارتفعت فيه قيعان المحيطات ووقع فيه ما نستطيع تسميته بالثورة الجغرافية.

    استمر طوفان نوح زمنا لا نعرف مقداره.. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف عن الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على الجودي، وهو اسم مكان قديم يقال أنه جبل في العراق.. طهر الطوفان الأرض وغسلها.. قال تعالى في سورة (هود):

    وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) (هود)

    (وَغِيضَ الْمَاء) بمعنى نقص الماء وانصرف عائدا إلى فتحات الأرض. (وَقُضِيَ الأَمْرُ) بمعنى أنه أحكم وفرغ منه، يعني هلك الكافرون من قوم نوح تماما. ويقال أن الله أعقم أرحامهم أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فيمن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) بمعنى رست عليه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نوح، وأمر من معه بصيامه. (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم.. طهر الطوفان الأرض منهم وغسلها.. ذهب الهول بذهاب الطوفان. وانتقل الصراع من الموج إلى نفس نوح.. تذكر ابنه الذي غرق.


    لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر. كان يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل أن يتم.. فلم يعرف نوح حظ ابنه من الإيمان. تحركت في قلب الأب عواطف الأبوة. قال تعالى في سورة (هود):

    وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) (هود)

    أراد نوح أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده الله بنجاة أهله المؤمنين. قال الله سبحانه وتعالى، مطلعا نوحا على حقيقة ابنه للمرة الأولى:

    يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هود)


    قال القرطبي -نقلا عن شيوخه من العلماء- وهو الرأي الذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نوح- مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسرّ الكفر ويظهر الإيمان. فأخبر الله تعالى نوحا بما هو منفرد به من علم الغيوب. أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وكان الله حين يعظه أن يكون من الجاهلين، يريد أن يبرئه من تصور أن يكون ابنه مؤمنا، ثم يهلك مع الكافرين.

    وثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي تحكي قصة نوح وابنه. أراد الله سبحانه وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة الحقيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة. هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة فحسب. لا اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض.

    واستغفر نوح ربه وتاب إليه ورحمه الله وأمره أن يهبط من السفينة محاطا ببركة الله ورعايته. وهبط نوح من سفينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت في الأرض، نزل المؤمنون بعد ذلك. ولا يحكي لنا القرآن الكريم قصة من آمن مع نوح بعد نجاتهم من الطوفان.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  6. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:49
    >< النبي هود عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    أرسل إلى قوم عاد الذين كانوا بالأحقاف، وكانوا أقوياء الجسم والبنيان وآتاهم الله الكثير من رزقه ولكنهم لم يشكروا الله على ما آتاهم وعبدوا الأصنام فأرسل لهم الله هودا نبيا مبشرا، كان حكيما ولكنهم كذبوه وآذوه فجاء عقاب الله وأهلكهم بريح صرصر عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام.


    [​IMG]

    سيرته:
    عبادة الناس للأصنام:
    بعد أن ابتلعت الأرض مياه الطوفان الذي أغرق من كفر بنوح عليه السلام، قام من آمن معه ونجى بعمارة الأرض .. فكان كل من على الأرض في ذلك الوقت من المؤمنين .. لم يكن بينهم كافر واحد .. ومرت سنوات وسنوات .. مات الآباء والأبناء وجاء أبناء الأبناء .. نسى الناس وصية نوح، وعادت عبادة الأصنام .. انحرف الناس عن عبادة الله وحده، وتم الأمر بنفس الخدعة القديمة.

    قال أحفاد قوم نوح: لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان .. وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا بالتماثيل تتحول بمكر من الشيطان إلى آلهة مع الله .. وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية .. وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه.


    إرسال هود عليه السلام:
    كان "هود" من قبيلة اسمها "عاد" وكانت هذه القبيلة تسكن مكانا يسمى الأحقاف .. وهو صحراء تمتلئ بالرمال، وتطل على البحر .. أما مساكنهم فكانت خياما كبيرة لها أعمدة شديدة الضخامة والارتفاع، وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام، والطول والشدة .. كانوا عمالقة وأقوياء، فكانوا يتفاخرون بقوتهم .. فلم يكن في زمانهم أحد في قوتهم .. ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول مظلمة .. كانوا يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها، ويحاربون من أجلها، ويتهمون نبيهم ويسخرون منه .. وكان المفروض، ما داموا قد اعترفوا أنهم أشد الناس قوة، أن يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة.

    قال لهم هود نفس الكلمة التي يقولها كل رسول .. لا تتغير ولا تنقص ولا تتردد ولا تخاف ولا تتراجع .. كلمة واحدة هي الشجاعة كلها، وهي الحق وحده (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).

    وسأله قومه: هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟ وأي أجر تريده؟

    إن هذه الظنون السيئة تتكرر على ألسنة الكافرين عندما يدعوهم نبيهم للإيمان بالله وحده .. فعقولهم الصغيرة لا تتجاوز الحياة الدنيوية .. ولا يفكروا إلا بالمجد والسلطة والرياسة.

    أفهمهم هود أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور الحقيقة .. حدثهم عن نعمة الله عليهم، كيف جعلهم خلفاء لقوم نوح، كيف أعطاهم بسطة في الجسم، وشدة في البأس، كيف أسكنهم الأرض التي تمنح الخير والزرع .. كيف أرسل عليهم المطر الذي يحيى به الأرض .. وتلفت قوم هود حولهم فوجدوا أنهم أقوى من على الأرض، وأصابتهم الكبرياء وزادوا في العناد.


    قالوا لهود: كيف تتهم آلهتنا التي وجدنا آباءنا يعبدونها؟
    قال هود: كان آباؤكم مخطئين.
    قال قوم هود: هل تقول يا هود إننا بعد أن نموت ونصبح ترابا يتطاير في الهواء، سنعود إلى الحياة؟
    قال هود: ستعودون يوم القيامة، ويسأل الله كل واحد فيكم عما فعل.

    انفجرت الضحكات بعد هذه الجملة الأخيرة .. ما أغرب ادعاء هود ؟ .. هكذا تهامس الكافرون من قومه .. إن الإنسان يموت، فإذا مات تحلل جسده، فإذا تحلل جسده تحول إلى تراب، ثم يهب الهواء ويتطاير التراب .. كيف يعود هذا كله إلى أصله؟! ثم ما معنى وجود يوم للقيامة؟ لماذا يقوم الأموات من موتهم؟


    استقبل هود كل هذه الأسئلة بصبر كريم .. ثم بدأ يحدث قومه عن يوم القيامة .. أفهمهم أن إيمان الناس بالآخرة ضرورة تتصل بعدل الله، مثلما هي ضرورة تتصل بحياة الناس .. قال لهم ما يقوله كل نبي عن يوم القيامة .. إن حكمة الخالق المدبر لا تكتمل بمجرد بدء الخلق، ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض .. إن هذه الحياة اختبار، يتم الحساب بعدها .. فليست تصرفات الناس في الدنيا واحدة، هناك من يظلم، وهناك من يقتل، وهناك من يعتدي .. وكثيرا ما نرى الظالمين يذهبون بغير عقاب، كثيرا ما نرى المعتدين يتمتعون في الحياة بالاحترام والسلطة .. أين تذهب شكاة المظلومين؟ وأين يذهب ألم المضطهدين؟ هل يدفن معهم في التراب بعد الموت؟

    إن العدالة تقتضي وجود يوم للقيامة .. إن الخير لا ينتصر دائما في الحياة .. أحيانا ينظم الشر جيوشه ويقتل حملة الخير .. هل تذهب هذه الجريمة بغير عقاب؟


    إن ظلما عظيما يتأكد لو افترضنا أن يوم القيامة لن يجئ .. ولقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده .. ومن تمام العدل وجود يوم للقيامة والحساب والجزاء .. ذلك أن يوم القيامة هو اليوم الذي تعاد فيه جميع القضايا مرة أخرى أمام الخالق، ويعاد نظرها مرة أخرى .. ويحكم فيها رب العالمين سبحانه .. هذه هي الضرورة الأولى ليوم القيامة، وهي تتصل بعدالة الله ذاته.

    وثمة ضرورة أخرى ليوم القيامة، وهي تتصل بسلوك الإنسان نفسه .. إن الاعتقاد بيوم الدين، والإيمان ببعث الأجساد، والوقوف للحساب، ثم تلقي الثواب والعقاب، ودخول الجنة أو النار، هذا شيء من شأنه أن يعلق أنظار البشر و قلوبهم بعالم أخر بعد عالم الأرض، فلا تستبد بهم ضرورات الحياة، ولا يستعبدهم الطمع، ولا تتملكهم الأنانية، ولا يقلقهم أنهم لم يحققوا جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود، وبذلك يسمو الإنسان على الطين الذي خلق منه إلى الروح الذي نفخه ربه فيه .. ولعل مفترق الطريق بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها، والتعلق بقيم الله العليا، والانطلاق اللائق بالإنسان، يكمن في الإيمان بيوم القيامة.


    حدثهم هود بهذا كله فاستمعوا إليه وكذبوه .. قالوا له هيهات هيهات .. واستغربوا أن يبعث الله من في القبور، استغربوا أن يعيد الله خلق الإنسان بعد تحوله إلى التراب، رغم أنه خلقه من قبل من التراب .. وطبقا للمقاييس البشرية، كان ينبغي أن يحس المكذبون للبعث أن إعادة خلق الإنسان من التراب والعظام أسهل من خلقه الأول .. لقد بدأ الله الخلق فأي صعوبة في إعادته؟! إن الصعوبة -طبقا للمقياس البشري - تكمن في الخلق .. وليس المقياس البشري غير مقياسٍ بشري ينطبق على الناس، أما الله، فليست هناك أمور صعبة أو سهلة بالنسبة إليه سبحانه، تجري الأمور بالنسبة إليه سبحانه بمجرد الأمر.

    موقف الملأ من دعوة هود:
    يروي المولى عزل وجل موقف الملأ (وهم الرؤساء) من دعوة هود عليه السلام .. سنرى هؤلاء الملأ في كل قصص الأنبياء .. سنرى رؤساء القوم وأغنيائهم ومترفيهم يقفون ضد الأنبياء .. يصفهم الله تعالى بقوله: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من مواقع الثراء والغنى والترف، يولد الحرص على استمرار المصالح الخاصة .. ومن مواقع الثراء والغنى والترف والرياسة، يولد الكبرياء .. ويلتفت الرؤساء في القوم إلى أنفسهم ويتساءلون: أليس هذا النبي بشرا مثلنا، يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب؟ بل لعله بفقره يأكل أقل مما نأكل، ويشرب في أكواب صدئة، ونحن نشرب في أكواب الذهب والفضة .. كيف يدعي أنه على الحق ونحن على الباطل؟ هذا بشر .. كيف نطيع بشرا مثلنا؟ ثم .. لماذا اختار الله بشرا من بيننا ليوحى إليه؟

    قال رؤساء قوم هود: أليس غريبا أن يختار الله من بيننا بشرا ويوحي إليه؟!
    تسائل هو: ما هو الغريب في ذلك؟ إن الله الرحيم بكم قد أرسلني إليكم لأحذركم .. إن سفينة نوح، وقصة نوح ليست ببعيدة عنكم، لا تنسوا ما حدث، لقد هلك الذين كفروا بالله، وسيهلك الذين يكفرون بالله دائما، مهما يكونوا أقوياء.
    قال رؤساء قوم هود: من الذي سيهلكنا يا هود؟
    قال هود: الله.
    قال الكافرون من قوم هود: ستنجينا آلهتنا.

    وأفهمهم هود أن هذه الآلهة التي يعبدونها لتقربهم من الله، هي نفسها التي تبعدهم عن الله. أفهمهم أن الله هو وحده الذي ينجي الناس، وأن أي قوة أخرى في الأرض لا تستطيع أن تضر أو تنفع.


    واستمر الصراع بين هود وقومه .. وكلما استمر الصراع ومرت الأيام، زاد قوم هود استكبارا وعنادا وطغيانا وتكذيبا لنبيهم .. وبدءوا يتهمون "هودا" عليه السلام بأنه سفيه مجنون.

    قالوا له يوما: لقد فهمنا الآن سر جنونك .. إنك تسب آلهتنا وقد غضبت آلهتنا عليك، وبسبب غضبها صرت مجنونا.


    انظروا للسذاجة التي وصل إليها تفكيرهم .. إنهم يظنون أن هذه الحجارة لها قوى على من صنعها .. لها تأثير على الإنسان مع أنا لا تسمع ولا ترى ولا تنطق .. لم يتوقف هود عند هذيانهم، ولم يغضبه أن يظنوا به الجنون والهذيان، ولكنه توقف عند قولهم: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).

    بعد هذا التحدي لم يبق لهود إلا التحدي .. لم يبق له إلا التوجه إلى الله وحده .. لم يبق أمامه إلا إنذار أخير ينطوي على وعيد للمكذبين وتهديدا لهم .. وتحدث هود:

    إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) (هود)


    إن الإنسان ليشعر بالدهشة لهذه الجرأة في الحق .. رجل واحد يواجه قوما غلاظا شدادا وحمقى .. يتصورون أن أصنام الحجارة تستطيع الإيذاء .. إنسان بمفرده يقف ضد جبارين فيسفه عقيدتهم، ويتبرأ منهم ومن آلهتهم، ويتحداهم أن يكيدوا له بغير إبطاء أو إهمال، فهو على استعداد لتلقي كيدهم، وهو على استعداد لحربهم فقد توكل على الله .. والله هو القوي بحق، وهو الآخذ بناصية كل دابة في الأرض .. سواء الدواب من الناس أو دواب الوحوش أو الحيوان .. لا شيء يعجز الله.

    بهذا الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره .. يخاطب هود الذين كفروا من قومه .. وهو يفعل ذلك رغم وحدته وضعفه، لأنه يقف مع الأمن الحقيقي ويبلغ عن الله .. وهو في حديثه يفهم قومه أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة .. فإن كفروا فسوف يستخلف الله قوما غيرهم، سوف يستبدل بهم قوما آخرين .. وهذا معناه أن عليهم أن ينتظروا العذاب.


    هلاك عاد:
    وهكذا أعلن هود لهم براءته منهم ومن آلهتهم .. وتوكل على الله الذي خلقه، وأدرك أن العذاب واقع بمن كفر من قومه .. هذا قانون من قوانين الحياة .. يعذب الله الذين كفروا، مهما كانوا أقوياء أو أغنياء أو جبابرة أو عمالقة.

    انتظر هود وانتظر قومه وعد الله .. وبدأ الجفاف في الأرض .. لم تعد السماء تمطر .. وهرع قوم هود إليه .. ما هذا الجفاف يا هود؟ قال هود: إن الله غاضب عليكم، ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل المطر فيزيدكم قوة إلى قوتكم .. وسخر قوم هود منه وزادوا في العناد والسخرية والكفر .. وزاد الجفاف، واصفرت الأشجار الخضراء ومات الزرع .. وجاء يوم فإذا سحاب عظيم يملأ السماء .. وفرح قوم هود وخرجوا من بيوتهم يقولون: (هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا).


    تغير الجو فجأة .. من الجفاف الشديد والحر إلى البرد الشديد القارس .. بدأت الرياح تهب .. ارتعش كل شيء، ارتعشت الأشجار والنباتات والرجال والنساء والخيام .. واستمرت الريح .. ليلة بعد ليلة، ويوما بعد يوم .. كل ساعة كانت برودتها تزداد .. وبدأ قوم هود يفرون، أسرعوا إلى الخيام واختبئوا داخلها، اشتد هبوب الرياح واقتلعت الخيام، واختبئوا تحت الأغطية، فاشتد هبوب الرياح وتطايرت الأغطية .. كانت الرياح تمزق الملابس وتمزق الجلد وتنفذ من فتحات الجسم وتدمره .. لا تكاد الريح تمس شيئا إلا قتلته ودمرته، وجعلته كالرميم.

    استمرت الرياح مسلطة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط .. ثم توقفت الريح بإذن ربها .. لم يعد باقيا ممن كفر من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت .. مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه حتى يتطاير ذرات في الهواء.

    نجا هود ومن آمن معه .. وهلك الجبابرة .. وهذه نهاية عادلة لمن يتحدى الله ويستكبر عن عبادته.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  7. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:51
    >< النبي صالح عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    أرسله الله إلى قوم ثمود و كانوا قوما جاحدين آتاهم الله رزقا كثيرا و لكنهم عصوا ربهم وعبدوا الأصنام وتفاخروا بينهم بقوتهم فبعث الله إليهم صالحا مبشرا ومنذرا و لكنهم كذبوه وعصوه وطالبوه بأن يأتي بآية ليصدقوه فأتاهم بالناقة وأمرهم أن لا يؤذوها ولكنهم أصروا على كبرهم فعقروا الناقة وعاقبهم الله بالصاعقة فصعقوا جزاء لفعلتهم ونجى الله صالحا والمؤمنين.


    [​IMG]

    سيرته:
    إرسال صالح عليه السلام لثمود:
    جاء قوم ثمود بعد قوم عاد، وتكررت قصة العذاب بشكل مختلف مع ثمود .. كانت ثمود قبيلة تعبد الأصنام هي الأخرى، فأرسل الله سيدنا "صالحا" إليهم .. وقال صالح لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) نفس الكلمة التي يقولها كل نبي .. لا تتبدل ولا تتغير، كما أن الحق لا يتبدل ولا يتغير.

    فوجئ الكبار من قوم صالح بما يقوله .. إنه يتهم آلهتهم بأنها بلا قيمة، وهو ينهاهم عن عبادتها ويأمرهم بعبادة الله وحده .. وأحدثت دعوته هزة كبيرة في المجتمع .. وكان صالح معروفا بالحكمة والنقاء والخير .. كان قومه يحترمونه قبل أن يوحي الله إليه ويرسله بالدعوة إليهم .. وقال قوم صالح له:

    قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) (هود)


    تأمل وجهة نظر الكافرين من قوم صالح .. إنهم يدلفون إليه من باب شخصي بحت .. لقد كان لنا رجاء فيك .. كنت مرجوا فينا لعلمك و عقلك و صدقك و حسن تدبيرك، ثم خاب رجاؤنا فيك .. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟! يا للكارثة .. كل شيء يا صالح إلا هذا .. ما كنا نتوقع منك أن تعيب آلهتنا التي وجدنا آبائنا عاكفين عليها .. وهكذا يعجب القوم مما يدعوهم إليه .. ويستنكرون ما هو واجب وحق، ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة الله وحده .. لماذا؟ ما كان ذلك كله إلا لأن آبائهم كانوا يعبدون هذه الآلهة.

    معجزة صالح عليه السلام:
    ورغم نصاعة دعوة صالح عليه الصلاة والسلام، فقد بدا واضحا أن قومه لن يصدقونه .. كانوا يشكون في دعوته، واعتقدوا أنه مسحور، وطالبوه بمعجزة تثبت أنه رسول من الله إليهم .. وشاءت إرادة الله أن تستجيب لطلبهم .. وكان قوم ثمود ينحتون من الجبال بيوتا عظيمة .. كانوا يستخدمون الصخر في البناء، وكانوا أقوياء قد فتح الله عليهم رزقهم من كل شيء .. جاءوا بعد قوم عاد فسكنوا الأرض التي استعمروها.

    قال صالح لقومه حين طالبوه بمعجزة ليصدقوه:


    وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) (هود)


    والآية هي المعجزة، ويقال إن الناقة كانت معجزة لأن صخرة بالجبل انشقت يوما و خرجت منها الناقة .. ولدت من غير الطريق المعروف للولادة .. ويقال إنها كانت معجزة لأنها كانت تشرب المياه الموجودة في الآبار في يوم فلا تقترب بقية الحيوانات من المياه في هذا اليوم، وقيل إنها كانت معجزة لأنها كانت تدر لبنا يكفي لشرب الناس جميعا في هذا اليوم الذي تشرب فيه الماء فلا يبقى شيء للناس .. كانت هذه الناقة معجزة، وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: (نَاقَةُ اللّهِ) أضافها لنفسه سبحانه بمعنى أنها ليست ناقة عادية و إنما هي معجزة من الله .. وأصدر الله أمره إلى صالح أن يأمر قومه بعدم المساس بالناقة أو إيذائها أو قتلها، أمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وألا يمسوها بسوء، وحذرهم أنهم إذا مدوا أيديهم بالأذى للناقة فسوف يأخذهم عذاب قريب.

    في البداية تعاظمت دهشة ثمود حين ولدت الناقة من صخور الجبل .. كانت ناقة مباركة .. كان لبنها يكفي آلاف الرجال والنساء والأطفال .. كان واضحا إنها ليست مجرد ناقة عادية، وإنما هي آية من الله .. وعاشت الناقة بين قوم صالح، آمن منهم من آمن وبقي أغلبهم على العناد والكفر .. وذلك لأن الكفار عندما يطلبون من نبيهم آية، ليس لأنهم يريدون التأكد من صدقه والإيمان به، وإنما لتحديه وإظهار عجزه أمام البشر .. لكن الله كان يخذلهم بتأييد أنبياءه بمعجزات من عنده.


    كان صالح عليه الصلاة و السلام يحدث قومه برفق و حب، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده، و ينبههم إلى أن الله قد أخرج لهم معجزة هي الناقة، دليلا على صدقه و بينة على دعوته .. و هو يرجو منهم أن يتركوا الناقة تأكل في أرض الله، وكل الأرض أرض الله .. وهو يحذرهم أن يمسوها بسوء خشية وقوع عذاب الله عليهم .. كما ذكرهم بإنعام الله عليهم: بأنه جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد .. وأنعم عليهم بالقصور والجبال المنحوتة والنعيم والرزق والقوة .. لكن قومه تجاوزوا كلماته وتركوه، واتجهوا إلى الذين آمنوا بصالح.

    يسألونهم سؤال استخفاف وزراية: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ؟!
    قالت الفئة الضعيفة التي آمنت بصالح: إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
    فأخذت الذين كفروا العزة بالإثم.. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . هكذا باحتقار واستعلاء وغضب.


    تآمر الملأ على الناقة:
    و تحولت الكراهية عن سيدنا صالح إلى الناقة المباركة .. تركزت عليها الكراهية، و بدأت المؤامرة تنسج خيوطها ضد الناقة .. كره الكافرون هذه الآية العظيمة، و دبروا في أنفسهم أمرا.

    و في إحدى الليالي، انعقدت جلسة لكبار القوم، و قد أصبح من المألوف أن نرى أن في قصص الأنبياء هذه التدابير للقضاء على النبي أو معجزاته أو دعوته تأتي من رؤساء القوم، فهم من يخافون على مصالحهم إن تحول الناس للتوحيد، و من خشيتهم إلى خشية الله وحده .. أخذ رؤساء القوم يتشاورون فيما يجب القيام به لإنهاء دعوة صالح .. فأشار عليهم واحد منهم بقتل الناقة و من ثم قتل صالح نفسه.

    و هذا هو سلاح الظلمة والكفرة في كل زمان و مكان، يعمدون إلى القوة و السلاح بدل الحوار و النقاش بالحجج و البراهين .. لأنهم يعلمون أن الحق يعلوا و لا يعلى عليه، و مهما امتد بهم الزمان سيظهر الحق و يبطل كل حججهم .. و هم لا يريدون أن يصلوا لهذه المرحلة، و قرروا القضاء على الحق قبل أن تقوى شوكته.


    لكن أحدهم قال: حذرنا صالح من المساس بالناقة، و هددنا بالعذاب القريب .. فقال أحدهم سريعا قبل أن يؤثر كلام من سبقه على عقول القوم: أعرف من يجرأ على قتل الناقة .. و وقع الاختيار على تسعة من جبابرة القوم .. و كانوا رجالا يعيثون الفساد في الأرض، الويل لمن يعترضهم.

    هؤلاء هم أداة الجريمة .. اتفق على موعد الجريمة و مكان التنفيذ .. و في الليلة المحددة .. و بينما كانت الناقة المباركة تنام في سلام .. انتهى المجرمون التسعة من إعداد أسلحتهم و سيوفهم و سهامهم، لارتكاب الجريمة .. هجم الرجال على الناقة فنهضت الناقة مفزوعة .. امتدت الأيدي الآثمة القاتلة إليها .. و سالت دمائها.


    هلاك ثمود:
    علم النبي صالح بما حدث فخرج غاضبا على قومه .. قال لهم: ألم أحذركم من أن تمسوا الناقة؟
    قالوا: قتلناها فأتنا بالعذاب واستعجله .. ألم تقل أنك من المرسلين؟

    قال صالح لقومه: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ

    بعدها غادر صالح قومه .. تركهم و مضى .. انتهى الأمر و وعده الله بهلاكهم بعد ثلاثة أيام.

    و مرت ثلاثة أيام على الكافرين من قوم صالح و هم يهزءون من العذاب و ينتظرون، و في فجر اليوم الرابع: انشقت السماء عن صيحة جبارة واحدة .. انقضت الصيحة على الجبال فهلك فيها كل شيء حي .. هي صرخة واحدة .. لم يكد أولها يبدأ و آخرها يجيء حتى كان كفار قوم صالح قد صعقوا جميعا صعقة واحدة.

    هلكوا جميعا قبل أن يدركوا ما حدث .. أما الذين آمنوا بسيدنا صالح، فكانوا قد غادروا المكان مع نبيهم ونجوا.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  8. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:52
    >< النبي إبراهيم عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    هو خليل الله، اصطفاه الله برسالته و فضله على كثير من خلقه، كان إبراهيم يعيش في قوم يعبدون الكواكب، فلم يكن يرضيه ذلك، و أحس بفطرته أن هناك إلها أعظم حتى هداه الله و اصطفاه برسالته، و أخذ إبراهيم يدعو قومه لوحدانية الله و عبادته و لكنهم كذبوه و حاولوا إحراقه فأنجاه الله من بين أيديهم، جعل الله الأنبياء من نسل إبراهيم فولد له إسماعيل و إسحاق، قام إبراهيم ببناء الكعبة مع إسماعيل.


    [​IMG]

    سيرته:
    منزلة إبراهيم عليه السلام:
    هو أحد أولي العزم الخمسة الكبار الذين اخذ الله منهم ميثاقا غليظا، و هم: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد .. بترتيب بعثهم. و هو النبي الذي ابتلاه الله ببلاء مبين .. بلاء فوق قدرة البشر و طاقة الأعصاب .. و رغم حدة الشدة، و عنت البلاء .. كان إبراهيم هو العبد الذي وفى .. و زاد على الوفاء بالإحسان.

    و قد كرم الله تبارك وتعالى إبراهيم تكريما خاصا، فجعل ملته هي التوحيد الخالص النقي من الشوائب .. و جعل العقل في جانب الذين يتبعون دينه.

    و كان من فضل الله على إبراهيم أن جعله الله إماما للناس. و جعل في ذريته النبوة و الكتاب .. فكل الأنبياء من بعد إبراهيم هم من نسله فهم أولاده و أحفاده. حتى إذا جاء آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه و سلم، جاء تحقيقا و استجابة لدعوة إبراهيم التي دعا الله فيها أن يبعث في الأميين رسولا منهم.


    و لو مضينا نبحث في فضل إبراهيم و تكريم الله له فسوف نمتلئ بالدهشة. نحن أمام بشر جاء ربه بقلب سليم .. إنسان لم يكد الله يقول له أسلم حتى قال أسلمت لرب العالمين .. نبي هو أول من سمانا المسلمين .. نبي كان جدا و أبا لكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده .. نبي هادئ متسامح حليم أواه منيب.

    يذكر لنا ربنا ذو الجلال و الإكرام أمرا آخر أفضل من كل ما سبق .. فيقول الله عز وجل في محكم آياته: (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) لم يرد في كتاب الله ذكر لنبي، اتخذه الله خليلا غير إبراهيم .. قال العلماء: الخُلَّة هي شدة المحبة .. و بذلك تعني الآية: و اتخذ الله إبراهيم حبيبا .. فوق هذه القمة الشامخة يجلس إبراهيم عليه الصلاة والسلام .. إن منتهى أمل السالكين، و غاية هدف المحققين و العارفين بالله .. أن يحبوا الله عز وجل .. أما أن يحلم أحدهم أن يحبه الله، أن يفرده بالحب، أن يختصه بالخُلَّة و هي شدة المحبة .. فذلك شيء وراء آفاق التصور .. كان إبراهيم هو هذا العبد الرباني الذي استحق أن يتخذه الله خليلا.


    حال المشركين قبل بعثة إبراهيم:
    لا يتحدث القرآن عن ميلاده أو طفولته، و لا يتوقف عند عصره صراحة، و لكنه يرسم صورة لجو الحياة في أيامه، فتدب الحياة في عصره، و ترى الناس قد انقسموا ثلاث فئات:

    فئة تعبد الأصنام و التماثيل الخشبية و الحجرية.

    و فئة تعبد الكواكب و النجوم و الشمس و القمر.

    و فئة تعبد الملوك و الحكام.


    نشأة إبراهيم عليه السلام:
    و في هذا الجو و لد إبراهيم .. ولد في أسرة من أسر ذلك الزمان البعيد .. لم يكن رب الأسرة كافرا عاديا من عبدة الأصنام، كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل الآلهة .. و قيل أن أباه مات قبل ولادته فرباه عمه، و كان له بمثابة الأب، و كان إبراهيم يدعوه بلفظ الأبوة، و قيل أن أباه لم يمت وكان آزر هو والده حقا، و قيل أن آزر اسم صنم اشتهر أبوه بصناعته .. و مهما يكن من أمر فقد ولد إبراهيم في هذه الأسرة.

    رب الأسرة أعظم نحات يصنع تماثيل الآلهة .. و مهنة الأب تضفي عليه قداسة خاصة في قومه، و تجعل لأسرته كلها مكانا ممتازا في المجتمع .. هي أسرة مرموقة، أسرة من الصفوة الحاكمة.

    من هذه الأسرة المقدسة، ولد طفل قدر له أن يقف ضد أسرته و ضد نظام مجتمعه و ضد أوهام قومه وضد ظنون الكهنة و ضد العروش القائمة و ضد عبدة النجوم و الكواكب و ضد كل أنواع الشرك باختصار.

    مرت الأيام .. و كبر إبراهيم .. كان قلبه يمتلأ من طفولته بكراهية صادقة لهذه التماثيل التي يصنعها والده .. لم يكن يفهم كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصنع بيديه تمثالا، ثم يسجد بعد ذلك لما صنع بيديه .. لاحظ إبراهيم إن هذه التماثيل لا تشرب و لا تأكل و لا تتكلم و لا تستطيع أن تعتدل لو قلبها أحد على جنبها .. كيف يتصور الناس أن هذه التماثيل تضر وتنفع؟!


    مواجهة عبدة الكواكب والنجوم:
    قرر إبراهيم عليه السلام مواجهة عبدة النجوم من قومه، فأعلن عندما رأى أحد الكواكب في الليل، أن هذا الكوكب ربه .. و يبدو أن قومه اطمأنوا له، و حسبوا أنه يرفض عبادة التماثيل و يهوى عبادة الكواكب .. و كانت الملاحة حرة بين الوثنيات الثلاث: عبادة التماثيل و النجوم و الملوك .. غير أن إبراهيم كان يدخر لقومه مفاجأة مذهلة في الصباح .. لقد أفل الكوكب الذي التحق بديانته بالأمس .. و إبراهيم لا يحب الآفلين .. فعاد إبراهيم في الليلة الثانية يعلن لقومه أن القمر ربه .. لم يكن قومه على درجة كافية من الذكاء ليدركوا أنه يسخر منهم برفق و لطف و حب .. كيف يعبدون ربا يختفي ثم يظهر .. يأفل ثم يشرق .. لم يفهم قومه هذا في المرة الأولى فكرره مع القمر .. لكن القمر كالزهرة كأي كوكب آخر .. يظهر و يختفي .. فقال إبراهيم عدما أفل القمر (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) نلاحظ هنا أنه عندما يحدث قومه عن رفضه لألوهية القمر .. فإنه يمزق العقيدة القمرية بهدوء و لطف .. كيف يعبد الناس ربا يختفي و يأفل .. (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) يفهمهم أن له ربا غير كل ما يعبدون .. غير أن اللفتة لا تصل إليهم .. و يعاود إبراهيم محاولته في إقامة الحجة على الفئة الأولى من قومه .. عبدة الكواكب و النجوم .. فيعلن أن الشمس ربه، لأنها أكبر من القمر .. و ما أن غابت الشمس، حتى أعلن براءته من عبادة النجوم والكواكب .. فكلها مخلوقات تأفل .. و أنهى جولته الأولى بتوجيهه وجهه للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا .. ليس مشركا مثلهم.

    استطاعت حجة إبراهيم أن تظهر الحق .. و بدأ صراع قومه معه .. لم يسكت عنه عبدة النجوم و الكواكب .. بدءوا جدالهم و تخويفهم له و تهديده .. و رد إبراهيم عليهم قال:

    أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) (الأنعام)

    لا نعرف رهبة الهجوم عليه .. و لا حدة الصراع ضده، و لا أسلوب قومه الذي اتبعه معه لتخويفه .. تجاوز القرآن هذا كله إلى رده هو .. كان جدالهم باطلا فأسقطه القرآن من القصة، و ذكر رد إبراهيم المنطقي العاقل .. كيف يخوفونه و لا يخافون هم؟ أي الفريقين أحق بالأمن؟

    بعد أن بين إبراهيم عليه السلام حجته لفئة عبدة النجوم و الكواكب، استعد لتبيين حجته لعبدة الأصنام .. آتاه الله الحجة في المرة الأولى كما سيؤتيه الحجة في كل مرة.

    سبحانه .. كان يؤيد إبراهيم و يريه ملكوت السماوات و الأرض .. لم يكن معه غير إسلامه حين بدأ صراعه مع عبدة الأصنام .. هذه المرة يأخذ الصراع شكلا أعظم حدة .. أبوه في الموضوع .. هذه مهنة الأب و سر مكانته و موضع تصديق القوم .. و هي العبادة التي تتبعها الأغلبية.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  9. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:54
    >< النبي لوط عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    أرسله الله ليهدي قومه و يدعوهم إلى عبادة الله، و كانوا قوما ظالمين يأتون الفواحش و يعتدون على الغرباء و كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو و قومه فلم يؤمن به غير بعض من آل بيته، أما امرأته فلم تؤمن و لما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم و يهلك المفسدين فجاءت له الملائكة و أخرجوا لوط و من آمن به و أهلكوا الآخرين بحجارة مسومة.


    [​IMG]

    سيرته:
    حال قوم لوط:
    دعى لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، و نهاهم عن كسب السيئات و الفواحش .. و اصطدمت دعوته بقلوب قاسية و أهواء مريضة و رفض متكبر .. و حكموا على لوط و أهله بالطرد من القرية .. فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة .. كانوا يقطعون الطريق، و يخونون الرفيق، و يتواصون بالإثم، و لا يتناهون عن منكر، و قد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم بها أحد من العالمين .. كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء.

    لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط .. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء، و صار النقاء و الطهر جريمة تستوجب الطرد .. كانوا مرضى يرفضون الشفاء و يقاومونه .. و لقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط .. كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم .. و كانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أحد .. و كانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء و دع لنا الرجال .. و استطارت شهرتهم الوبيلة، و جاهدهم لوط جهادا عظيما، و أقام عليهم حجته، و مرت الأيام و الشهور و السنوات، و هو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد .. لم يؤمن به غير أهل بيته .. حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعاً .. كانت زوجته كافرة.


    و زاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط عليه السلام، فكانوا يقولون: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). فيئس لوط منهم، و دعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين.

    ذهاب الملائكة لقوم لوط:
    خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط .. بلغوا أسوار سدوم .. و ابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر .. رفعت وجهها فشاهدتهم .. فسألها أحد الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟

    قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي و آتيكم .. أسرعت نحو أبيها فأخبرته. فهرع لوط يجري نحو الغرباء .. فلم يكد يراهم حتى (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) سألهم: من أين جاءوا ؟ .. و ما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته .. و سألوه أن يضيفهم .. استحى منهم و سار أمامهم قليلا ثم توقف والتفت إليهم يقول: لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.


    قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية، غير أنهم غضوا النظر عن قوله و لم يعلقوا عليه، و عاد يسير معهم و يلوي عنق الحديث و يقسره قسرا و يمضي به إلى أهل القرية - حدثهم أنهم خبثاء .. أنهم يخزون ضيوفهم .. حدثهم أنهم يفسدون في الأرض .. و كان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق بين أمرين .. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم، و بغير إخلال بكرم الضيافة .. عبثا حاول إفهامهم و التلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم، دون نزول بهذه القرية.

    سقط الليل على المدينة .. صحب لوط ضيوفه إلى بيته .. لم يرهم من أهل المدينة أحد .. لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره .. أسرعت إلى قومها و أخبرتهم الخبر .. و انتشر الخبر مثل النار في الهشيم .. و جاء قوم لوط له مسرعين .. تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البيت .. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير، وبدأ بوعظهم:

    (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) .. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية .. كما أن الخالق - جلّ في علاه - قد هيّئهن لهذا الأمر.


    (فَاتَّقُواْ اللّهَ) .. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة .. اتقوا الله و تذكروا أن الله يسمع و يرى .. و يغضب و يعاقب و أجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.

    (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) .. هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم و تقاليدهم .. و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه.

    (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) .. أليس فيكم رجل عاقل؟.. إن ما تريدونه - لو تحقق - هو عين الجنون.

    إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة، و لا القلب الجامد الميت، و لا العقل المريض الأحمق .. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.

    أحس لوط بضعفه و هو غريب بين القوم .. نازح إليهم من بعيد بغير عشيرة تحميه، و لا أولاد ذكور يدافعون عنه .. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته .. كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين .. فدهش لوط من هدوئهم .. و ازدادت ضربات القوم على الباب .. و صرخ لوط في لحظة يأس خانق:
    (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه .. و تمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه و يأوي إليه .. غاب عن لوط في شدته و كربته أنه يأوي إلى ركن شديد .. ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه و أوليائه .. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهو يقرأ هذه الآية: "رحمة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد".


    هلاك قوم لوط:
    عندما بلغ الضيق ذروته .. و قال النبي كلمته .. تحرك ضيوفه و نهضوا فجأة .. أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد .. فقالوا له لا تجزع يا لوط و لا تخف .. نحن ملائكة .. و لن يصل إليك هؤلاء القوم .. ثم نهض جبريل، عليه السلام، و أشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم.

    التفتت الملائكة إلى لوط و أصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل و يخرج .. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه .. أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين .. امرأته كافرة مثلهم و ستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم.

    سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن .. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح ..
    (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟)


    خرج لوط مع بناته و زوجته .. ساروا في الليل و غذوا السير .. و اقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله .. ثم جاء أمر الله تعالى .. قال العلماء: اقتلع جبريل، عليه السلام، بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد .. رفعها جميعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم و نباح كلابهم، قلب المدن السبع و هوى بها في الأرض .. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم .. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا، و معلمة بأسمائهم، و مقدرة عليهم .. استمر الجحيم يمطرهم .. و انتهى قوم لوط تماما .. لم يعد هناك أحد .. نكست المدن على رؤوسها، و غارت في الأرض، حتى انفجر الماء من الأرض .. هلك قوم لوط و محيت مدنهم.

    كان لوط يسمع أصوات مروعة .. و كان يحاذر أن يلتفت خلفه .. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت .. تهرأ جسدها و تفتت مثل عمود ساقط من الملح.

    قال العلماء: إن مكان المدن السبع .. بحيرة غريبة .. ماؤها أجاج .. و كثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر الملحة .. و في هذه البحيرة صخور معدنية ذائبة .. توحي بأن هذه الحجارة التي ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة. يقال إن البحيرة الحالية التي نعرفها باسم "البحر الميت" في فلسطين .. هي مدن قوم لوط السابقة.

    انطوت صفحة قوم لوط .. انمحت مدنهم و أسمائهم من الأرض .. سقطوا من ذاكرة الحياة و الأحياء .. و طويت صفحة من صفحات الفساد .. و توجه لوط إلى إبراهيم .. زار إبراهيم و قص عليه نبأ قومه .. و أدهشه أن إبراهيم كان يعلم .. و مضى لوط في دعوته إلى الله .. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله .. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     
  10. neo89

    neo89 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    642
    الإعجابات المتلقاة:
    537
      03-12-2008 17:58
    >< النبي إسماعيل عليه الصلاة و السلام ><

    ^
    ^
    ^


    نبذة:
    هو ابن إبراهيم البكر و ولد السيدة هاجر، سار إبراهيم بهاجر - بأمر من الله - حتى وضعها و ابنها في موضع مكة و تركهما و معهما قليل من الماء و التمر و لما نفد الزاد جعلت السيدة هاجر تطوف هنا و هناك حتى هداها الله إلى ماء زمزم و وفد عليها كثير من الناس حتى جاء أمر الله لسيدنا إبراهيم ببناء الكعبة و رفع قواعد البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجر و إبراهيم يبني حتى أتما البناء ثم جاء أمر الله بذبح إسماعيل حيث رأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ابنه فعرض عليه ذلك فقال "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" ففداه الله بذبح عظيم، كان إسماعيل فارسا فهو أول من استأنس الخيل و كان صبورا حليما، يقال إنه أول من تحدث بالعربية البينة و كان صادق الوعد، و كان يأمر أهله بالصلاة و الزكاة، و كان ينادي بعبادة الله و وحدانيته.


    [​IMG]

    سيرته:
    الاختبار الأول:
    ذكر الله في كتابه الكريم، ثلاث مشاهد من حياة إسماعيل عليه السلام .. كل مشهد عبارة عن محنة و اختبار لكل من إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام .. أول هذه المشاهد هو أمر الله سبحانه و تعالى لإبراهيم بترك إسماعيل و أمه في واد مقفر، لا ماء فيه و لا طعام .. فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا الاستجابة لهذا الأمر الرباني .. و هذا بخلاف ما ورد في الإسرائيليات من أن إبراهيم حمل ابنه و زوجته لوادي مكة لأن سارة - زوجة إبراهيم الأولى- اضطرته لذلك من شدة غيرتها من هاجر .. فالمتأمل لسيرة إبراهيم عليه السلام، سيجد أنه لم يكن ليتلقّى أوامره من أحد غير الله.

    أنزل زوجته و ابنه و تركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، و قليلا من الماء .. ثم استدار و تركهما و سار.
    أسرعت خلفه زوجته و هي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟
    لم يرد عليها سيدنا إبراهيم و ظل يسير .. عادت تقول له ما قالته و هو صامت .. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه .. أدركت أن الله أمره بذلك فسألته: هل الله أمرك بهذا؟
    فقال إبراهيم عليه السلام: نعم.
    قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا و هو الذي أمرك بهذا.

    وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف و رفع يديه الكريمتين إلى السماء و راح يدعو الله:

    رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) (إبراهيم)


    لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة قد بنيت، و كانت هناك حكمة عليا في أمر الله سبحانه لإبراهيم، فقد كان إسماعيل - الطفل الذي تُرِكَ مع أمه في هذا المكان - و والده من سيكونان المسؤولان بناء الكعبة فيما بعد .. و كانت حكمة الله تقضي أن يسكن أحد في هذا الوادي، لميتد إليه العمران.

    بعد أن ترك إبراهيم زوجته و ابنه الرضيع في الصحراء بأيام نفد الماء و انتهى الطعام، و جف لبن الأم .. و أحست هاجر و إسماعيل بالعطش.

    بدأ إسماعيل يبكي من العطش .. فتركته أمه و انطلقت تبحث عن ماء .. راحت تمشي مسرعة حتى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا".. فصعدت إليه وراحت تبحث به عن بئر أو إنسان أو قافلة .. لم يكن هناك شيء .. و نزلت مسرعة من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي راحت تسعى سعي الإنسان المجهد حتى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت إليه ونظرت لترى أحدا لكنها لم تر أحدا .. و عادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي و قد اشتد عطشه .. و أسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، و هرولت إلى المروة فنظرت من فوقه .. و راحت تذهب و تجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين .. سبع مرات و هي تذهب و تعود - و لهذا يذهب الحجاج سبع مرات و يعودون بين الصفا و المروة إحياء لذكريات أمهم الأولى و نبيهم العظيم إسماعيل .. عادت هاجر بعد المرة السابعة و هي مجهدة متعبة تلهث .. و جلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد بح من البكاء و العطش.

    و في هذه اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله، و ضرب إسماعيل بقدمه الأرض و هو يبكي فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم .. و فار الماء من البئر .. أنقذت حياتا الطفل و الأم .. راحت الأم تغرف بيدها و هي تشكر الله .. و شربت و سقت طفلها و بدأت الحياة تدب في المنطقة .. صدق ظنها حين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

    و بدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة .. و جذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس .. وب دأ العمران يبسط أجنحته على المكان.

    كانت هذه هي المحنة الاولى .. أما المحنة الثانية فهي الذبح.


    الاختبار الثاني:
    كبر إسماعيل .. و تعلق به قلب إبراهيم .. جاءه العقب على كبر فأحبه .. و ابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب .. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل .. و إبراهيم يعلم أن رؤيا الأنبياء وحي.

    انظر كيف يختبر الله عباده .. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار .. نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض .. اتسع قلبه لحب الله و حب من خلق .. جاءه ابن على كبر .. و قد طعن هو في السن و لا أمل هناك في أن ينجب .. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه و بكره و وحيده الذي ليس له غيره.

    أي نوع من الصراع نشب في نفسه .. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط .. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع .. نشب الصراع في نفس إبراهيم .. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية .. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه .. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.


    فكر إبراهيم في ولده .. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه .. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه و أهون عليه من أن يأخذه قهرا و يذبحه قهرا .. هذا أفضل .. انتهى الأمر و ذهب إلى ولده (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) .. انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، و ترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة .. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه .. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .. تأمل رد الابن .. إنسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .. هو الصبر على أي حال و على كل حال .. و ربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله .. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله .. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.

    ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، و جهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه و هو يذبح .. و إذا إبراهيم يرفع يده بالسكين .. و إذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير .. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام الحقيقي .. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.

    عندئذ فقط .. و في اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره .. نادى الله إبراهيم .. انتهى اختباره، و فدى الله إسماعيل بذبح عظيم - و صار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم المسلمون. صارت هذه اللحظات عيدا للمسلمين .. عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه إبراهيم و إسماعيل.


    خبر زوجة إسماعيل:
    عاش إسماعيل في شبه الجزيرة العربية ما شاء الله له أن يعيش .. روض الخيل و استأنسها و استخدمها، و ساعدت مياه زمزم على سكنى المنطقة و تعميرها .. استقرت بها بعض القوافل .. و سكنتها القبائل .. و كبر إسماعيل و تزوج، و زاره إبراهيم فلم يجده في بيته و وجد امرأته .. سألها عن عيشهم و حالهم، فشكت إليه من الضيق و الشدة.

    قال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك مريه أن يغير عتبة بابه .. فلما جاء إسماعيل، و وصفت له زوجته الرجل .. قال: هذا أبي و هو يأمرني بفراقك .. الحقي بأهلك.

    و تزوج إسماعيل امرأة ثانية .. زارها إبراهيم، يسألها عن حالها، فحدثته أنهم في نعمة و خير .. و طاب صدر إبراهيم بهذه الزوجة لابنه.


    الاختبار الثالث:
    و ها نحن الآن أمام الاختبار الثالث .. اختبار لا يمس إبراهيم و إسماعيل فقط .. بل يمس ملايين البشر من بعدهم إلى يوم القيامة .. إنها مهمة أوكلها الله تعالى لهذين النبيين الكريمين .. مهمة بناء بيت الله تعالى في الأرض.

    كبر إسماعيل .. و بلغ أشده .. و جاءه إبراهيم و قال له: يا إسماعيل .. إن الله أمرني بأمر .. قال إسماعيل: فاصنع ما أمرك به ربك .. قال إبراهيم: و تعينني؟ قال: و أعينك .. فقال إبراهيم: فإن الله أمرني أن ابني هنا بيتا .. أشار بيده لصحن منخفض هناك.

    صدر الأمر ببناء بيت الله الحرام .. هو أول بيت وضع للناس في الأرض .. و هو أول بيت عبد فيه الإنسان ربه .. و لما كان آدم هو أول إنسان هبط إلى الأرض .. فإليه يرجع فضل بنائه أول مرة .. قال العلماء: إن آدم بناه و راح يطوف حوله مثلما يطوف الملائكة حول عرش الله تعالى.

    بنى آدم خيمة يعبد فيها الله .. شيء طبيعي أن يبني آدم - بوصفه نبيا - بيتا لعبادة ربه .. و حفت الرحمة بهذا المكان .. ثم مات آدم و مرت القرون، و طال عليه العهد فضاع أثر البيت و خفي مكانه .. و ها هو ذا إبراهيم يتلقى الأمر ببنائه مرة ثانية .. ليظل في المرة الثانية قائما إلى يوم القيامة إن شاء الله .. و بدأ بناء الكعبة ..

    هدمت الكعبة في التاريخ أكثر من مرة، و كان بناؤها يعاد في كل مرة .. فهي باقية منذ عهد إبراهيم إلى اليوم .. و حين بعث رسول الله، صلى الله عليه و سلم، تحقيقا لدعوة إبراهيم .. و جد الرسول الكعبة حيث بنيت آخر مرة، و قد قصر الجهد بمن بناها فلم يحفر أساسها كما حفره إبراهيم.

    نفهم من هذا إن إبراهيم و إسماعيل بذلا فيها وحدهما جهدا استحالت - بعد ذلك - محاكاته على عدد كبير من الرجال .. و لقد صرح الرسول بأنه يحب هدمها و إعادتها إلى أساس إبراهيم، لولا قرب عهد القوم بالجاهلية، و خشيته أن يفتن الناس هدمها و بناؤها من جديد .. بناؤها بحيث تصل إلى قواعد إبراهيم و إسماعيل.

    أي جهد شاق بذله النبيان الكريمان وحدهما؟ كان عليهما حفر الأساس لعمق غائر في الأرض، و كان عليهما قطع الحجارة من الجبال البعيدة و القريبة، و نقلها بعد ذلك، و تسويتها، و بناؤها و تعليتها .. و كان الأمر يستوجب جهد جيل من الرجال، و لكنهما بنياها معا.

    لا نعرف كم هو الوقت الذي استغرقه بناء الكعبة، كما نجهل الوقت الذي استغرقه بناء سفينة نوح، المهم أن سفينة نوح و الكعبة كانتا معا ملاذا للناس و مثوبة و أمنا .. و الكعبة هي سفينة نوح الثابتة على الأرض أبدا .. و هي تنتظر الراغبين في النجاة من هول الطوفان دائما.

    لم يحدثنا الله عن زمن بناء الكعبة .. حدثنا عن أمر أخطر و أجدى .. حدثنا عن تجرد نفسية من كان يبنيها .. و دعائه و هو يبنيها:


    وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129) (البقرة)

    إن أعظم مسلمين على وجه الأرض يومها يدعوان الله أن يتقبل عملهما، و أن يجعلهما مسلمين له .. يعرفان أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن .. و تبلغ الرحمة بهما أن يسألا الله أن يخرج من ذريتهما أمة مسلمة له سبحانه .. يريدان أن يزيد عدد العابدين الموجودين و الطائفين و الركع السجود .. إن دعوة إبراهيم و إسماعيل تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن .. إنه يبني لله بيته، و مع هذا يشغله أمر العقيدة .. ذلك إيحاء بأن البيت رمز العقيدة .. ثم يدعوان الله أن يريهم أسلوب العبادة الذي يرضاه، و أن يتوب عليهم فهو التواب الرحيم .. بعدها يتجاوز اهتمامها هذا الزمن الذي يعيشان فيه .. يجاوزانه و يدعوان الله أن يبث رسولا لهؤلاء البشر. و تحققت هذه الدعوة الأخيرة .. حين بعث محمد بن عبد الله، صلى الله عليه و سلم .. تحققت بعد أزمنة و أزمنة.

    انتهى بناء البيت، و أراد إبراهيم حجرا مميزا، يكون علامة خاصة يبدأ منها الطواف حول الكعبة .. أمر إبراهيم إسماعيل أن يأتيه بحجر مميز يختلف عن لون حجارة الكعبة.

    سار إسماعيل ملبيا أمر والده .. حين عاد، كان إبراهيم قد وضع الحجر الأسود في مكانه .. فسأله إسماعيل: من الذي أحضره إليك يا أبت؟ فأجاب إبراهيم: أحضره جبريل عليه السلام.

    انتهى بناء الكعبة .. و بدأ طواف الموحدين و المسلمين حولها .. و وقف إبراهيم يدعو ربه نفس دعائه من قبل .. أن يجعل أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلى المكان .. انظر إلى التعبير .. إن الهوى يصور انحدارا لا يقاوم نحو شيء .. و قمة ذلك هوى الكعبة. من هذه الدعوة ولد الهوى العميق في نفوس المسلمين، رغبة في زيارة البيت الحرام.

    و صار كل من يزور المسجد الحرام و يعود إلى بلده .. يحس أنه يزداد عطشا كلما ازداد ريا منه، و يعمق حنينه إليه كلما بعد منه، و تجيء أوقات الحج في كل عام .. فينشب الهوى الغامض أظافره في القلب نزوعا إلى رؤية البيت، و عطشا إلى بئر زمزم.

    قال تعالى حين جادل المجادلون في إبراهيم و إسماعيل.


    مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) (آل عمران)

    عليه الصلاة و السلام .. استجاب الله دعاءه .. و كان إبراهيم أول من سمانا المسلمين.


    [​IMG]


    .. يتبع ..
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...