تطور كتابة المصحف

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة rezguimohamed, بتاريخ ‏15 ديسمبر 2008.

  1. rezguimohamed

    rezguimohamed عضو مميز بمنتدى الطلبات الخاص بالأفلام الأجنبية

    إنضم إلينا في:
    ‏26 نوفمبر 2008
    المشاركات:
    3.820
    الإعجابات المتلقاة:
    3.380
      15-12-2008 17:37
    :besmellah1:


    تطور كتابة المصحف


    كان القرآن الكريم يتنـزل منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظه ويبلغه للناس، ويأمر بكتابته، فيقول: ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة، وضعوا هذه الآية بإزاء تلك الآية، فيُحفظ ما كُتب في منـزله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ينسخ منه كتّاب الوحي نسخًا لأنفسهم.

    وكُتب القرآن الكريم في العسب واللخاف، والرّقاع، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.

    ومن الصحابة من اكتفى بسماعه مِنْ فيه صلى الله عليه وسلم فحفظه كله، أو حفظ معظمه، أو بعضًا منه، ومنهم من كتب الآيات، ومنهم من كتب السورة، ومنهم من كتب السور، ومنهم من كتبه كله. فحُفظ القرآن في عهده صلى الله عليه وسلم في الصدور وفي السطور.

    ومن أشهر كتَّاب الوحي في عهد النبوة: الخلفاء الراشدون، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وقد شهد العرضة الأخيرة.

    وكُتب القرآن الكريم كاملا في عهد النبوة إلا أنه لم يُجمع في مصحف واحد لأسباب منها: ما كان يترقبه صلى الله عليه وسلم من زيادة فيه، أو نسخ منه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتنون بحفظه واستظهاره أكثر من عنايتهم بكتابته.

    وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة وقعت معركة اليمامة المشهورة بين المرتدين بقيادة مسيلمة الكذاب، والمسلمين بقيادة خالد بن الوليد، واستحرَّ القتل في المسلمين، واستشهد منهم سبعون من القرَّاء؛ فارتاع عمر بن الخطاب، وخاف ذهاب القرآن بذهاب هؤلاء القرَّاء، ففزع إلى أبي بكر الصديق، وأشار عليه بجمع القرآن، فخاف أبوبكر أن يضع نفسه في منـزلة من يزيد احتياطه للدين على احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال مترددًا حتى شرح الله صدره، واطمأن إلى أن عمله مستمد من تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن.

    وكان زيد بن ثابت مداومًا على كتابة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن، وكان ذا عقل راجح وعدالة ورويَّة، مشهودًا له بأنه أكثر الصحابة إتقانًا لحفظ القرآن، ووعاء لحروفه، وأداء لقراءته، وضبطًا لإعرابه ولغاته؛ فوقع عليه الاختيار رغم وجود من هو أكبر منه سنًا، وأقدم إسلامًا، وأكثر فضلا.

    يقول زيد: (فوالله لو كلَّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن ) . فشرح الله صدر زيد كما شرح صدر أبي بكر، ورغم حفظه وإتقانه، إلا أنه أخذ يتتبع القرآن، ويجمعه من العسب واللخاف والرقاع وغيرها مما كان مكتوبًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صدور الرجال، وكان لا يكتب شيئًا حتى يشهد شاهدان على كتابته وسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرتّـبه على حسب العرضة الأخيرة التي شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبقيت هذه الصحف في رعاية أبي بكر، ثم في رعاية عمر، ثم عند أم المؤمنين حفصة، حتى أُحرقت بعد وفاتها رضي الله عنها .

    اتسعت الفتوح، وانتشر الصحابة في الأمصار، وأصبح أهل كل مصر يقرؤون بقراءة الصحابي الذي نـزل في مصرهم؛ ففي الشام بقراءة أُبي بن كعب، وفي الكوفة بقراءة عبدالله بن مسعود، وفي البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري.

    وكان مِن الصحابة الذين استقروا في البلاد المفتوحة مَن لم يشهد العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقف على ما نُسخ من أحرفٍ وقراءات في هذه العرضة، بينما وقف صحابة آخرون على ذلك، وكان كل صحابي يقرأ بما وقف عليه من القرآن، فتلقى الناس عنهم ذلك، فاختلفت قراءاتهم، وخطَّأ بعضُهم بعضا.

    وفي فتح أذربيجان وأرمينية، في السنة الخامسة والعشرين من الهجرة اجتمع أهلُ الشام والعراق، فتذاكروا القرآن، واختلفوا فيه، حتى كادت الفتنة تقع بينهم، فكان حذيفة بن اليمان مشاركًا في هذا الفتح؛ فذعر ذعرًا شديدًا، وركب إلى عثمان في المدينة، ولم يدخل داره حتى أتى عثمان، فقال له: (يا أمير المؤمنين أدرك الناس. قال: وما ذاك؟! قال: غزوت مَرْج أرمينية، فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبدالله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضًا ) .

    وكان عثمان قد وقع له مثل ذلك، حتى إنه خطب في الناس، وقال لهم: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا، وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا

    وكتب عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها .

    يقول زيد بن ثابت: فأمرني عثمان بن عفان أن أكتب مصحفًا، وقال: إني مُدْخل معك رجلا لبيبًا فصيحًا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ .

    وفي رواية عن مصعب بن سعد: فقال عثمان: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعـرب -وفي رواية أفصح-؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال: فَلْيُمْلِ سعيد، وليكتب زيد .

    يقول زيد بن ثابت: فلما بلغنا: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ قال زيد: فقلت (التابوه ) ، وقال سعيد : (التابوت ) . فرفعناه إلى عثمان، فكتب (التابوت ) ؛ لأنها من لغة قريش التي نـزل القرآن بلسانها.

    فرغ زيد من كتابة المصحف، فعرضه عَرْضة فلم يجد فيه قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا فلم يجدها عند المهاجرين، ولم يجدها عند الأنصار، فوجدها عند خزيمة بن ثابت. ثم عرضه عرضة أخرى، فلم يجد قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . فاستعرض المهاجرين فلم يجدها عندهم، واستعرض الأنصار فلم يجدها عندهم، حتى وجدها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضًا، فأثبتها، ثم عرضه عرضة ثالثة فلم يجد فيه شيئًا، فعرض عثمان المصحف على صحف حفصة، فلم يختلفا في شيء، فقرّت نفسه رضي الله عنه

    وفي رواية لمحمد بن سيرين: أن عثمان جمع لكتابة المصحف اثني عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، منهم زيد بن ثابت، وفي روايات متفرقة منهم: مالك بن أبي عامر (جدّ مالك بن أنس) وكثير بن أفلح، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام.

    يقول ابن حجر: (وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل للآفاق، فأضافوا إلى زيد من ذُكر، ثم استظهروا بأبي بن كعب في الإملاء ).

    اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي كتبها عثمان، فالمشهور أنها خمسة، وورد أنها أربعة، وورد أنها سبعة، بعث بها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصـرة، والكوفـة، وأبقى واحدًا بالمدينة سُمي (المصحف الإمام ) .

    أمر عثمان بما سوى المصحف الذي كتبه والمصاحف التي استكتبها منه أن تحرق، أو تخرق (أي تدفن) .

    وهكذا كان الجمع الثاني للقرآن الكريم في عهد عثمان رضي الله عنه، أشرف عليه بنفسه، بمشاركة كبار الصحابة رضوان الله عليهم وموافقتهم وإجماعهم ، فجمع بهذا العمل الجليل كلمة المسلمين، وحسم ما ظهر بينهم من خلاف


    2-نَقْط المصحف الشريف
    *******************


    كُتبت مصاحف عثمان خالية من النقط والشكل؛ حتى تحتمل قراءتُها الأحرف السبعة التي نـزل بها القرآن الكريم، وعندما أرسلها إلى الأمصار رضي بها الجميع، ونسخوا على غرارها مصاحف كثيرة خالية من النقط والشكل . واستمروا على ذلك أكثر من أربعين سنة.

    وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت أممٌ كثيرة لا تتكلم العربية في الإسلام؛ فتفشت العجمة بين الناس، وكثر اللحن، حتى بين العرب أنفسهم؛ بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف الشريف غير منقوط خشي ولاة أمر المسلمين عليه أن يتطرق له اللحن والتحريف.

    وكان أول من التفت إلى نقط المصحف الشريف هو زياد بن أبيه؛ ولذلك قصة، وهي: أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زياد عندما كان واليًا على البصرة (45-53هـ‍) أن يبعث إليه ابنه عبيدالله، ولما دخل عليه وجده يلحن في كلامه، فكتب إلى زياد يلومه على وقوع ابنه في اللحن، فبعث زياد إلى أبي الأسود الدؤلي يقول له: ((إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت مِن ألسنة العرب، فلو وضعت شيئًا يُصلح به الناسُ كلامَهم، ويعربون به كتاب الله )). فاعتذر أبو الأسود فلجأ زياد إلى حيلة؛ بأن وضع في طريقه رجلا وقال له: إذا مرّ بك أبو الأسود فاقرأ شيئًا من القرآن، وتعمد اللحن فيه. فلما مرّ به قرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ، بجرّ لام رسوله، فشق ذلك على أبي الأسود، وقال: ((عزّ وجه الله أن يتبرأ من رسوله)). وقال لزياد: ((قد أجبتك إلى ما طلبت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ))، واختار رجلا من عبدالقيس، وقال له: ((خذ المصحف، وصِبغًا يخالف لون المداد، فإذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرتها فانقط واحدة أسفله، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف (أي أمامه)، فإذا أتبعت شيئًا من هذه الحركات غنة (أي تنوينًا)، فانقط نقطتين )).

    فأخذ أبو الأسود يقرأ المصحف بالتأني، والكاتب يضع النقط، واستمر على ذلك حتى أعرب المصحف كله، وكان كلما أتم الكاتب صحيفة، أعاد أبو الأسود نظره فيها .

    وجاء تلاميذ أبي الأسود بعده، وتفننوا في شكل النقطة؛ فمنهم مَن جعلها مربعة، ومنهم من جعلها مدورة مطموسة الوسط، ومنهم من جعلها مدورة خالية الوسط . وكانوا لا يضعون شيئًا أمام الحرف الساكن، أما إذا كان منونًا فيضعون نقطتين فوقه، أو تحته، أو عن شماله؛ واحدة للدلالة على أن النون مدغمة أو مخفاة، وفي تطور لاحق وضعوا للسكون جرة أفقية فوق الحرف منفصلة عنه، وجعلوا علامة الحرف المشدد كالقوس، ولألف الوصل جرة متصلة بها في أعلاها، إذا كان قبلها فتحة، وفي أسفلها إذا كان قبلها كسرة، وفي وسطها إذا كان قبلها ضمة هكــذا ، وذلك باللون الأحمر .

    وكان هذا النقط يُسمى شكلا أو ضبطًا؛ لأنه يدل على شكل الحرف وصورته، وما يعرض له من حركة، أو سكون، أو شد، أو مد، ونحو ذلك.

    وكانت الآراء مختلفة في أول من وضع هذا النقط، إلا أن أكثر هذه الآراء يذهب إلى أن المخترع الأول لهذا النوع من النقط هو أبو الأسود الدؤلي.

    كما كانت الآراء مختلفة بين جوازه والأخذ به، وكراهته والرغبة عنه؛ جوازه لما فيه من البيان والضبط والتقييد، وكراهته؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم عندما جمعوا القرآن، وكتبوا المصاحف جردوها من النقط والشكل، فلو كان مطلوبًا لما جردوها، يقول القلقشندي: ((وأما أهل التوقيع في زماننا فإنهم يرغبون عنه (أي النقط)؛ خشية الإظلام بالنقط والشكل، إلا ما فيه إلباس على ما مر، وأهل الدَّيْونة لا يرون بشيء من ذلك أصلا ويعدون ذلك من عيوب الكتابة، وإن دعت الحاجة إليه )) .

    أما نقط الإعجام، فهو ما يدل على ذات الحرف، ويميز المتشابه منه؛ لمنع العجمة، أو اللبس. كحروف الباء والتاء والثاء والياء، والجيم والحاء والخاء، والراء والزاي، والسين والشين، والعين والغين، والفاء والقاف، ونحوها مما يتفق في الرسم ويختلف في النطق، فقد دعت الحاجة إليه عندما كثر الداخلون في الإسلام من الأعاجم، وكثر التصحيف في لغة العرب، وخيف على القرآن أن تمتد له يد العبث.

    واختلفت الآراء في أول من أخذ بهذا النقط، وأرجحها في ذلك ما ذهب إلى أن أول من قام به هما: نصر بن عاصم ويحيى بن يَعْمَر ؛ وذلك عندما أمر الخليفة الأموي عبدُالملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق (75-95هـ) أن يضع علاجًا لمشكلة تفشي العجمة، وكثرة التصحيف، فاختار كلا من نصر بن عاصم، ويحيى بن يَعْمَر لهذه المهمة؛ لأنهما أعرف أهل عصرهما بعلوم العربية وأسرارها، وفنون القراءات وتوجيهها

    وبعد البحث والتروي، قررا إحياء نقط الإعجام ، وقررا الأخذ بالإهمال والإعجام، مثلا الدال والذال، تهمل الأولى وتعجم الثانية بنقطة واحدة فوقية، وكذلك الراء والزاي، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين. أما السين والشين، فأهملت الأولى وأعجمت الثانية بثلاث نقط فوقية؛ لأنها ثلاث أسنان، فلو أعجمت الثانية واحدة لتوهم متوهم أن الحرف الذي تحت النقطة نون والباقي حرفان مثل الباء والتاء تسوهل في إعجامهما.

    أما الباء والتاء والثاء والنون والياء، فأعجمت كلها، والجيم والحاء والخاء، أعجمت الجيم والخاء، وأهملت الحاء، أما الفاء والقاف، فإن القياس أن تهمل الأولى وتعجم الثانية، إلا أن المشارقة نقطوا الفاء بواحدة فوقية، والقاف باثنتين فوقيتين أيضًا، أما المغاربة فذهبوا إلى نقط الفاء بواحدة تحتية، والقاف بواحدة فوقية.. وهكذا كان نقط الإعجام في بقية الأحرف .

    وقد أخذ نقط الإعجام في بدايته شكل التدوير، ثم تطور بعد ذلك وأخذ شكل المربع، وشكل المدور المطموس الوسط، كما استخدمت الجرة الصغيرة فوق الحرف وتحته .

    وكتب هذا النوع من النقط بلون مداد المصحف؛ حتى لا يشتبه بنقط الإعراب، واستمر الوضع على ذلك حتى نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة 132هـ، حيث تفنن الناس خلال هذه الفترة في اتخاذ الألوان في نقط مصاحفهم، ففي المدينة استخدموا السواد للحروف ونقط الإعجام، والحمرة للحركات والسكون والتشديد والتخفيف، والصفرة للهمزات، وفي الأندلس استخدموا أربعة ألوان: السواد للحروف، والحمرة لنقط الإعراب، والصفرة للهمزات، والخضرة لألِفات الوصل، أما في العراق فاستخدموا السواد لكتابة حروف المصحف ونُقط الإعجام، والحمرة لنقط الإعراب (الحركات والهمزات)، واستخدم في بعض المصاحف الخاصة الحمرة للرفع والخفض والنصب، والخضرة للهمزة المجردة، والصفرة للهمزة المشدَّدة.

    فاستخدام السواد كان عند الجميع لحروف المصحف ونقط الإعجام، والألوان الأخرى لغيرهما .

    امتلأت المصاحف بالألوان المتعددة ((التي أصبحت عبئًا على عقل القارئ، وصعوبة على قلم الكاتب )) ، وكان النقط جميعه مدورًا سواء نقط الإعراب أو الإعجام، فوقع الناس في الخلط بين الحروف.

    واتفقت الآراء على أن يجعل نقط الإعراب (الشكل) بمداد الكتابة نفسه تيسيرًا على الناس، فأخذ إمام اللغة: الخليل بن أحمد الفراهيدي على عاتقه القيام بهذا العمل؛ فجعل الفتحة ألفًا صغيرة مضطجعة فوق الحرف، والكسرة ياء صغيرة تحته، والضمة واوًا صغيرة فوقه. وإن كان الحرف منوّنًا كـرر الحرف ، وجعل ما فيه إدغام من السكون الشديد رأس شين بغير نقط (سـ‍)، وما ليس فيه إدغام من السكون الخفيف رأس خاء بلا نقط (حـ‍) والهمزة رأس عين (عـ‍)، وفوق ألف الوصل رأس صاد (صـ)، وللمد الواجب ميمًا صغيرة مع جزء من الدال (مد).

    يقول الدالي : ((وبهذا وضع الخليل ثماني علامات: الفتحة، والضمة، والكسرة، والسكون، والشدة، والمدة، والصلة، والهمزة، وبهذه الطريقة أمكن أن يجمع بين الكتابة والإعجــام والشكل بلون واحد )).


    3-تجويد الخط
    **********


    جاء في الفهرست: أنَّ أول مَن كتب المصاحف في الصدر الأول، ووصف بحسن الخط ((خالد بن أبي الهياج ))، وكان كاتباً للوليد بن عبدالملك (86-89 هـ/705-708م)، كتب له المصاحف والأشعارَ والأخبار، وهو الذي كتب في قِبلة المسجد النبوي بالذهب من (والشمس وضحاها) إلى آخر القرآن، وكان عمر بن عبدالعزيز مِمن اطّلع على خطّه وأعجب به، وطلب منه أن يكتب له مصحفًا تفنّـن في خطه، فقلَّبه عمر واستحسنه إلا أنه استكثر ثمنه فرده عليه .

    ثم جاء بعده ((مالك بن دينار ))، وهو مولى لأسامة بن لؤي بن غالب ، ويكنّى بأبي يحيى، واشتهر بتجويد الخط، وكتب المصاحف مقابل أجر كان يتقاضاه.

    وممن اشتهر بتجويد الخط في العصر الأموي أيضًا ((قطبة المحرِّر )) وهو من كتَّاب الدولة، يقول عنه ابن النديم: ((استخرج الأقلام الأربعة ، واشتق بعضها من بعض، وكان قطبة من أكتب الناس على الأرض بالعربية )). وإليه ينسب تحويل الخط العربي من الكوفي إلى الخط الذي هو عليه الآن .

    أما في العصر العباسي، وفي خلافة أبي العباس السفاح (132-136 هـ‍/ 749-754م) فقد انتهت جودة الخط إلى ((الضحاك بن عجلان )) يقول ابن النديم : ((فزاد على قطبة، فكان بعده أكتب الخلق )). وممن جوَّد الخطَ في عهدي المنصور (136-158 هـ / 754-775م) والمهدي (158- 169 هـ/775-785م) ((إسحاق بن حمَّاد )) الذي زاد في تجويده على ((الضحاك بن عجلان )).

    وظل الخط العربي يرقى ويتنوع حتى وصل إلى عشرين نوعًا على رأس المائة الثالثة من الهجرة عندما انتهت رئاسة الخط إلى الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة ، وأخيه أبي عبدالله الحسن بن علي . يقول ابن النديم : ((وهذان رجلان لم يُرَ مثلهما في الماضي إلى وقتنا هذا ، وعلى خط أبيهما مقلة كتبا.. وقد كتب في زمانهما جماعة، وبعدهما من أهلهما وأولادهما، فلم يقاربوهما، وإنما يندر للواحد منهما الحرف بعد الحرف، والكلمة بعد الكلمة، وإنما الكمال كان لأبي علي وأبي عبدالله.. ورأيت مصحفًا بخط جدهما مقلة )).

    قام الوزير ابن مقلة بحصر الأنواع التي وصل إليها الخطُّ العربي في عصره إلى ستة أنواع هي: الثلث، والنسخ، والتوقيع، والريحان، والمحقق، والرقاع . وهو الذي أكمل ما بدأه قطبة المحرِّر من تحويل الخط الكوفي إلى الشكل الذي هو عليه الآن . وأول من قدَّر مقاييس وأبعاد النقط، وأحكم ضبطها وهندسها .

    ومع نهاية القرن الرابع الهجري، وبداية القرن الخامس الهجري انتقلت رئاسة الخط العربي إلى أبي الحسن علي بن هلال الكاتب البغدادي المعروف بابن البواب، أو بابن الستري ، وكان حافظًا للقرآن، و كان يقال له: الناقل الأول ؛ لأنه هذب وعظَّم وصحَّح خطوط ابن مقلة في النسخ والثلث اللذين قلبهما من الخط الكوفي ، واخترع ابن البواب عدَّة أقلام، وبلغ في جودة الخط مبلغًا عظيمًا، لم يبلغه أحد مثله .

    وفي القرن السابع الهجري انتهت رئاسة الخط إلى عدد من الخطاطين منهم: ياقوت بن عبدالله الموصلي أمين الدين الملكي، المتوفى سنة 618 هـ‍، كاتب السلطان ملكشاه (465-485 هـ‍/ 1072-1092م)، وقد أخذ الخط عن الشيخة المحدِّثة الكاتبة ((شهدة بنت أحمد الإبَري الدينوري ))، المتوفاة ببغداد سنة 574 هـ‍، وهي ممن أخذ الخط عن ابن البواب، وكان ياقوت الموصلي مولعًا بنسخ معجم " الصحاح "، للجوهري، وكتب منه نسخًا كثيرة، باع النسخة بمائة دينار .

    ومنهم ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي، شهاب الدين، المتوفى سنة 626هـ‍ ، صاحب كتاب ((معجم البلدان))، وكتاب ((معجم الأدباء )) .

    ومنهم ياقوت بن عبدالله الرومي المُستَعْصِمي ، المتوفى ببغداد سنة 698 هـ، وهو من أشهر من جوَّد الخط في ذلك الزمن، قلَّد ابن مقلة، وابن البواب، وكان أديبًا شاعرًا خازنًا بدار الكتب المستنصرية. يقول عنه طاش كبري زاده : ((وهو الذي طبق الأرض شرقًا وغربًا اسمه، وسار ذكره مسير الأمطار في الأمصار، وأذعن لصنعته الكل، واعترفوا بالعجز عن مداناة رتبته فضلا عن الوصول إليها؛ لأنه سحر في الكتابة سحرًا لو رآه السامري لقال: إن هذا سحر حلال)).

    وكان ياقوت المستعصمي يمثل نهاية الاحتكار العراقي للخط المجوَّد المنسوب، حيث أخذت المراكز الثقافية الأخرى في العالم الإسلامي تنافس بغداد في الاهتمام بالخط وتجويده .

    ففي مصر عُرف تجويد الخط منذ عصر الدولة الطولونية (254-292 هـ‍/868-905م)، وفي العصر الفاطمي (358-567 هـ‍/968-1171م) وصلت إلى مستوى المنافسة مع بغداد عاصمة العباسيين، واستمرت كذلك في عصر الأيوبيين (569-650 هـ‍/ 1174-1252م) إلى أن جاء العصر المملوكي (648-932 هـ‍/1220-1517م)، حيث بلغت مركز الصدارة، وظهرت فيها كتبٌ تناولت نظريات فن الخط وتعليمه، مثل: مقدمة ابن خلدون، وصبح الأعشى للقلقشندي .

    وفي شمال الشام تطور فنُّ الخط منذ أواخر القرن الخامس الهجري، وأجاد السوريون الشماليون خط النسخ، وخطَّ الطومار ومشتقاته .

    وفي تركيا، حيث قامت الدولة العثمانية (699-1341 هـ‍/1299-1922م) بلغت العناية بتجويد الخط حدًّا بعيدًا، وأنشئت في الآستانة سنة 1326 هـ‍ أول مدرسة خاصة لتعليم الخط والنقش والتذهيب ، وطوَّروا ما أخذوه من مدارس سبقتهم في تجويد الخط؛ مثل: قلم الثلث والثلثين اللذين أخذوهما من المدرسة المصرية، وخط النسخ من السلاجقة، بل وزادوا على ذلك أقلامًا جديدة لأول مرة؛ مثل الرقعة، والديواني، وجلي الديواني، وتفردوا أيضًا بخط الطغراء، وهو في أصله توقيع سلطاني، وخط الإجازة وهو يجمع بين النسخ والثلث، والهمايوني، وهو خط مُوَلّد عن الديواني.

    لم يتفوق الأتراك العثمانيون في الخط فقط، بل وفي تذهيب المصاحف وزخرفتها.

    ولم يزل الأتراك ممسكين بزمام التفوق في تطور الخط العربي حتى سنة 1342 هـ‍ عندما استبدلوا بالحرف العربي الحرفَ اللاتيني، حيث انتقل قياد التفوق الخطي إلى مصر مرة أخرى .

    فقد استقدم الملك فؤاد (1335-1355 هـ‍ / 1917-1936م) في سنة 1921م أشهر الخطاطين في الآستانة، وهو الشيخ محمد عبدالعزيز الرفاعي ، فكتب له مصحفًا في ستة شهور، وذهّبه وزخرفه في ثمانية شهور.

    وفي منتصف شهر أكتوبر سنة 1922م فُتحت مدرسةٌ لتعليم الخطوط العربية، وكان في مقدمة أساتذتها الشيخ محمد عبدالعزيز الرفاعي، وقد تخرجت أول دفعة في هذه المدرسة في يونيه سنة 1925م، وبعد فترة ألحق بها قسم في فن الزخرفة والتذهيب .

    استقطبت مصر عددًا من الخطاطين الأتراك منهم: عبدالله بك الزهدي (خطاط المسجد النبوي، المتوفى بمصر سنة 1296 هـ)، ومحمد عبدالعزيز الرفاعي، وأحمد كامل، تخرج على أيديهم عدد من الخطاطين المصريين، وغيرهم من مختلف البلاد الإسلامية .

    وفي إيران لم تكن العناية بالخط العربي، وكتابة المصاحف أقل منها في تركيا، ونبغ الإيرانيون في مجال التذهيب، حتى تفوقوا على الأتراك في هذا الفن، كما عرفوا خطوطًا خاصة بهم منها: خط الشكسته، وهو أقدم خط عرفه الفرس، وخط التعليق، وهو خط فارسي ظهر في أواخر القرن السابع الهجري، وخط النسخ تعليق الذي يجمع بين خطي النسخ والتعليق، الذي ظهر في القرن التاسع الهجري. وفي الوقت الذي أخذ فيه الأتراك عن الفرس خط التعليق وبرعوا فيه، فإن الفرس لم ينجحوا في إجادة الخط الديواني الذي أخذوه من الأتراك .أما شمال إفريقية فقد انتقل الخط إليها عن طريق المدينة، ثم الشام ، فعُرف الخط المغربي ، وانتشر في شمال إفريقية ووسطها وغربها وفي الأندلس. ومن الخطوط التي ظهرت في هذا الجزء من العالم الإسلامي خط القيروان الذي اتخذ الخط الكوفي أساسًا له، وخط المهدية، وخط الأندلس الذي احتل المكانة الأولى في كل شمال إفريقية في أواخر عهد الموحدين (524-668 هـ‍/1130-1269م)، ثم ظهر الخط الفاسي، ثم ظهر الخط السوداني الذي عرف اعتبارًا من القرن السابع الهجري .وفي الجناح الشرقي من البلاد الإسلامية كان الغزنويون، والسلاجقة العظام لا يقلون اهتمامًا بالخط عن نظرائهم في البلاد الإسلامية الأخرى، ومثلهم في ذلك الإيلخانيون، والتيموريون، والجلائرون في القرنين السابع والثامن الهجريين


    4-أدوات الكتابة
    ***********


    كانت أدوات الكتابة قبل ظهور المطابع ووسائل التقنية الحديثة، تتكون من:

    1- المِقْلَمة: وهي المكان الذي توضع فيه الأقلام.
    2- الأقلام، أو المِزْبَر : وكانت تؤخذ من لب الجريد الأخضر، ثم أخذت من القصب الفارسي، وشاع استخدام القصب والحبر الأسود حتى سنة 1330هـ، عندما عرف الناس استخدام الريشة المصنوعة من المعادن، فكتبوا بها بالحبر الأزرق، ثم شاع استخدام أقلام الجيب (الحبر والجاف) . وتميزت أقلام القصب عن غيرها بسهولة استعمالها، وقدرتها على إظهار قواعد الخط، يقطعها الكاتب كما يشاء بحسب نوع الكتابة وحجم الخط، أما أقلام المعدن فلا تؤدي قواعد الخط كما ينبغي، وإن كانت في كتابة الحروف الإفرنجية أفضل من أقلام القصب؛ لأن أحد جانبي الحرف الإفرنجي أغلظ من الآخر، فبإمكان الكاتب أن يضغط على أقلام المعدن فينفرج سن المعدن، فيغلظ المكان الذي يريده من الحرف، وهذا لا يتأتى مع أقلام القصب إلا بصعوبة، وربما تلف القلم .
    3- المُدْيَة: وهي السكين التي يُبرى بها القلم ويُقَطّ.
    4- المِقَطُّ: عود صلب، وسطح تقط رؤوس الأقلام عليه.
    5- المِحْبَرة: وهي التي يوضع فيها الحبر.
    6- المِلْوَاق: وهو عود -يفضل أن يكون من الأبنوس- يحرك به الحبر في الدواة، ويفضل أن يكون مستديرًا مخروطًا، عريض الرأس ثخينه.
    7- المَرْمَلة: اسمها القديم المِتْرَبَـة، وهي علبة يوضع فيها الرمل الأصفر، أو الأحمر، أو ما هو بين الحمرة والصفرة، لرش الكتابة بعد كتابتها، فيزيدها جمالا.
    8- المِنْشأة: علبة يوضع فيها النشا بعد طبخه، حيث يكوِّن مادة لاصقة مثل الغِراء.
    9- المِنْفَذُ: وهي آلة تشبه المخرز؛ لحزم الورق.
    10- المِلْزَمة : خشبتان يشدّ وسطهما بحديدة؛ لتمنع الورق من الانـزلاق حال الكتابة، وتحبسه بالمحبس وهو ما يعرف اليوم بماسك الورق.
    11- المِفْرَشة: وهي خرقة من الكتان، أو الصوف ونحوه، تفرش تحت الأقلام.
    12- المِمْسحة: وتُسمى الدفتر، وهي خِرقة متراكبة من صوف، أو حرير، يُمسح القلم بباطنها عند الفراغ من الكتابة؛ لئلا يجف عليه الحبرُ فيفسد، وغالباً ما تكون مدورة مخرومة الوسط، أو مستطيلة.
    13- المسقاة: وهي إناء لطيف يصب الماء، أو ماء الورد في المِحْبَرةِ، وتسمى الماوَرْديّة.
    14- المِسْطَرة: وهي آلة من خشب مستقيمة الجنبين، يسطر عليها ما يُحتاج إلى تسطيره من الكتابة ومتعلّقاتها، وهي المسطرة المعروفة حاليًا، وأكثر ما يحتاج إليها المذَهِّب.
    15- المِصْقَلة: وهي التي يُصْقَلُ بها الذهب بعد كتابته.
    16- المِهْرَق: وهو القرطاس الذي يكتب فيه.
    17- المِسَنُّ: وهو آلة تتخذ لإحداد السكين.
    18- المِداد والحبر: سمى المداد؛ لأنه يمدُّ القلم، أيْ يعينه، وسُمي الزيت مداداً؛ لأن السراج يُمدّ به، أما الحبر فأصله اللون، وأجوده ما اتّخذ من سُخَام النِّفط، ومنه ما يُناسب الكاغِد (الورق)، وهو حبر الدّخان، ومنه ما يناسب الرّق ويسمى الحبر الرأس، ولا دخان فيه .
    19- الجلد: ومنه الرَّق، وهو ما يرقق من الجلود ليُكتب فيه، وتؤخذ من صغار العجول والحِمْلان والجدَاء والغزلان . يقول القلقشندي: ((وقد أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على كتابة القرآن في الرق؛ لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذٍ )). وقد سمي رقاً؛ لجمْعه بين الرقة والمتانة وطول البقاء . وكان أهل الأندلس ممن اشتهروا بكتابة مصاحفهم في رقوق .
    والأديم: وهو جلد أحمر مدبوغ، عُرف في الجاهلية، وكُتب عليه الوحي في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والقضيم: وهو جلد أبيض كُتب عليه الوحي في عصر الرسالة.

    20- كما كان من أدوات الكتابة في عصر الرسالة: الحجارة، واللخاف وهي الحجارة الرقاق البيض، والعظام (عظم الكتف، والأضلاع)، والخشب، والعسيب، وهو السعفة أو جريدة النخل إذا يبست وكشط خوصها


    5-الزخرفة والتذهيب
    ***************

    الزخرفة والتذهيب لم تكن المصاحف التي كتبت في عهد عثمان بن عفان خالية من النقط والشكل فقط، بل كانت أيضًا خالية من التحلية والتذهيب، والتعشير، وعلامات الفصل بين السور، ولم تعرف الزخرفة وتحلية المصاحف إلا في العصر العباسي، وكانت الصفحات الأولى والأخيرة وعناوين السور تحظى بعناية أكثر في تذهيبها وزخرفتها، وربما اشترك أكثر من واحد في زخرفة آيات المصحف الشريف وتذهيبها وكتابتها، وربما استغرقوا في ذلك أكثر من عام .

    وكانت المصاحف في الصدر الأول من الإسلام على هيئة سجل، أو لفافة قد تشتمل الواحدة منها على سورة أو أكثر، ثم أخذت الشكل الأفقي، أو العمودي في فترة العصر الأموي وما بعده .

    وكانت تجلد تجليدًا فنيًا حسب إمكانات ذلك العصر


    6-تاريخ الطباعة
    ************


    في أوروبا:

    يوحنا جوتنبرج (1397-1468م) اسم لمع في مدينة ((ماينـز )) بألمانيا، وارتبط باختراع فن المطابع، وذلك عام 840‍ هـ/1436م، وكان هذا الاكتشاف إيذانًا بعصر جديد في انتشار العلم والتقاء الحضارات، وتبادل الثقافات .

    وظهر أول كتاب مطبوع في أوروبا -على الأرجح- ما بين (844-854هـ / 1440-1450م) وذلك بالحروف اللاتينية المتحركة .

    ورغم السرية التي أحاط بها جوتنبرج اختراعه إلا أن الطباعة انتشرت انتشارًا سريعًا في البلاد الأوروبية الأخرى؛ حيث ظهرت الطباعة في روما سنة 870هـ‍/1465م، وفي البندقية سنة 874هـ‍/1469م، وفي باريس سنة 875هـ‍/1470م، وفي برشلونة سنة 876هـ‍/1471م، وفي إنجلترا سنة 879هـ‍/1474م .

    وفي عام 1486م عُرفت الطباعة بالحروف العربية، وطبع في عام 1505م في مدينة غرناطة كتابان بالعربية هما: وسائل تعلُّم قراءة اللغة العربية ومعرفتها، ومعجم عربي بحروف قشتالية، بتوجيه من الملك فردينان وزوجته إيزابيلا .

    في تركيا:

    تاريخ دخول المطابع الحديثة إلى تركيا مضطرب، لم تتفق المصادر على تحديد بدايته؛ حيث ورد أن بداية معرفة الأتراك للمطابع الحديثة كان مع دخول المهاجرين اليهود إلى الأراضي العثمانية، عندما حملوا معهم مطبعة تطبع الكتب بعدة لغات هي: العبرية، واليونانية، واللاتينية، والإسبانية، فطُبعت التوراة مع تفسيرها في عام 1494م، وطبع كتابٌ في قواعد اللغة العبرية عام 1495م، وطبعت كتب أخرى بعدة لغات في عهد السلطان بايزيد الثــاني (886-918هـ‍ /1481-1512م) بلغت تسعة عشر كتابًا .

    ويؤكد بعضُ الباحثين أن الآستانة عاصمة الأتراك العثمانيين هي أول بلد شرقي يعرف المطابع الحديثة، ويرجع ذلك إلى عام 1551م، في عهد السلطان سليمان الأول القانوني (926-974هـ/ 1520-1566م)، وكانت ترجمة التوراة إلى اللغة العربية، والتي قام بها سعيد الفيومي هي أول كتاب يطبع في تركيا في ذلك العام، وقد طبعت بحروف عبرية .

    ويذكر موريس ميخائيل أن أول مطبعة تطبع بحروف عربية في اسطنبول هي التي أسسها إبراهيم الهنغاري عام 1727م (1139هـ)، وسمح له بطباعة الكتب عدا القرآن الكريم، ويبدو أن أول كتاب يظهر في هذه المطبعة هو كتاب ((قاموس وان لي )) في مجلدين، بين عامي 1729-1730م، وهو ترجمة تركية لقاموس (( الصحاح )) للجوهري، ويقترب معه إلى حد كبير الدكتور سهيل صابان في تحديد تاريخ أول مطبعة بالحروف العربية تظهر في تركيا لصاحبيها سعيد حلبي، وإبراهيم متفرقة، وذلك عام 1139هـ‍ (1726م) .

    وفي رأي آخر أن كتب الحكمة والتاريخ والطب والفلك طبعت مع بداية عام 1716م، عندما صدرت فتوى من شيخ الإسلام عبدالله أفندي بجواز طبعها .

    ولعل هذا الاضطراب في تحديد بداية تاريخ دخول المطابع إلى تركيا لا يحجب بعض الأمور الواضحة حول معرفة الأتراك العثمانيين للمطابع الحديثة، وهي:

    1- أن تركيا العثمانية أول البلاد الشرقية معرفة للمطابع.
    2- تأخر الطباعة بالحروف العربية عنها بالحروف الأخرى.
    3- تردد الأتراك في طباعة كتبهم، حتى صدور فتوى بجواز ذلك.
    4- أن العلماء الأتراك حرَّموا طباعة المصحف الشريف؛ خوفًا عليه من التحريف.
    5- أن الإذن بطباعة الكتب بالحروف العربية جاء متدرجًا، ففي البداية سمح بطباعة الكتب في مجال الطب والفلك والحكمة والتاريخ، ثم أُذن بطباعة الكتب الأخرى.

    في بلاد الشام:

    عرف لبنان الطباعة في وقت مبكر ، وهذا يعود إلى سنة 1610م (1018هـ)، عندما أنشئت المطبعة المارونية على يد رهبان دير قزحيا (قزوحية)، وكان أول كتاب يطبع فيها هو كتاب ((سفر المزامير )) الذي طبع بعمودين، أحدهما بالسريانية، والآخر بالعربية، إلا أن هذه المطبعة واجهت صعوبات لم تمكنها من الاستمرار في عملها .

    ثم ظهرت مطبعة دير ماريوحنا الصايغ عام 1734م، أنشأها عبدالله بن زخريا (الزاخر) المتوفى عام 1748م، وكان أول كتاب يطبع فيها ((ميزان الزمان )).

    وفي عام 1753م ظهرت في بيروت مطبعة القديس جاورجيوس، وفي عام 1834م نقلت المطبعة الأمريكية للمبعوثين الأمريكان -التي أنشئت في مالطا عام 1822م- إلى بيروت، وطبعت فيها كتب كثيرة في الأدب والتاريخ.

    وتعد المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين التي ظهرت عام 1854م أول مطبعة تخرج عن الصبغة المسيحية، وتقوم بنشر العديد من كتب اللغة والأدب.

    وفي عام 1867م أنشأ بطرس البستاني مطبعة المعارف .

    أما سوريا، فهي أيضًا من أوائل البلاد العربية معرفة بالطباعة، وتعد مطبعة حلب من أقدم المطابع العربية، حيث ظهرت عام 1706م وبعد أكثر من مائة عام على ظهور هذه المطبعة ظهرت مطبعة أخرى حجرية في حلب أيضًا، هي مطبعة بلفنطي وذلك عام 1841م، ثم مطبعة الطائفة المارونية بحلب أيضًا عام 1857م، وفي حلب أيضًا ظهرت مطبعة جريدة فرات عام 1867م، أما دمشق فقد ظهرت فيها مطبعة الروماني عام 1855م، ومطبعة ولاية دمشق عام 1864م .

    أما فلسطين والأردن، فيرجع ظهور المطابع فيها إلى عام 1830م عندما أنشئت مطبعة في فلسطين تطبع بالعبرية، ثم ظهرت مطبعة أخرى في القدس عام 1846م، تطبع بالعربية، ولم تعرف الأردن المطابع إلا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أنشئت مطبعة خليل نصر في عمَّان عام 1922م، ثم ظهرت مطبعة الحكومة عام 1925 .

    وأمّا في العراق، فرغم أنها عرفت أول مطبعة حجرية عام 1830م إلا أن أهم مطبعة ظهرت فيها كانت عام 1856م، في مدينة الموصل، على يد الرهبان الدومنيكان .

    وفي مصر:

    ارتبط ظهور الطباعة بحملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798م، الذي حمل معه ثلاث مطابع مجهزة بحروف عربية ويونانية وفرنسية، وكان الهدف الأساس لهذه المطابع هو طباعة المنشورات والأوامر، وكانت تقوم بعملها في عرض البحر، حتى دخلت الحملة القاهرة، فنقلت إليها، وعرفت بالمطبعة الأهلية، وتوقفت هذه المطبعة بانتهاء الحملة الفرنسية عام 1801م، ولم يُعرف مصيرها .

    وبعد حوالي عشرين عامًا، وفي عام 1819م، أو 1821م أنشأ والي مصر محمد علي باشـا (1184-1265هـ / 1770-1849م) مطبعة على أنقاض المطبعة الأهلية، عُرفت بالمطبعة الأهلية أيضًا، ثم نُقلت إلى بولاق، فعرفت بمطبعة بولاق، أو المطبعة الأميرية، وكانت هذه المطبعة ثورة في عالم المعرفة، طبع فيها في مدة وجيزة من عام 1289هـ إلى عام 1295هـ أكثر من نصف مليون نسخة، ولم تتوقف خلال تسعين سنة من عملها المتواصل غير فترة يسيرة بين عامي 1861 و 1862م بين عهدي محمد علي والخديوي إسماعيل (1245-1312‍ هـ/ 1830-1895م).

    إثر انهيار إمبراطورية محمد علي باشا، ظهرت قيادات ضعيفة لم تستطع مواصلة مسيرة البناء المعرفي الذي شيد أساسه محمــد علي باشـا .

    وبعد أربعين سنة من إنشاء مطبعة بولاق (الأميرية) التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في إثراء المعرفة الإنسانية بطبع روائع التراث الإسلامي ونشرها، توالى ظهور بعض المطابع الأهلية مثل: مطبعة الوطن عام 1860م، ومطبعة وادي النيل عام 1866م، ومطبعة جمعية المعارف عام 1868م، والمطبعة الخيرية بالجمالية، والمطبعة العثمانية، والمطبعة الأزهرية، والمطبعة الشرفية أو الكاستلية، والمطبعة الرحمانية، وغيرها من المطابع .

    وفي شبه الجزيرة العربية :

    رجَّح الدكتور يحيى محمود جنيد أن عام 1297هـ (1879م) هو العام الذي ظهرت فيه الطباعة في اليمن، وذلك بعد مناقشته لمختلف الروايات التي أشارت إلى تواريخ متعددة عن بداية الطباعة في اليمن هي: 1289هـ‍ (1872م) ، و 1292هـ‍ (1875م) ، و 1294هـ‍ (1877م) ، و1297هـ‍ (1879م) .

    وكانت الدولة العثمانية هي التي قامت بإنشاء هذه المطبعة، وخصصتها لما يخدم مصالحها، ولم يُطبع فيها أي كتاب بالعربية ، وعرفت هذه المطبعة بمطبعة صنعاء، أو مطبعة الولاية، أو مطبعة ولاية اليمن، ويصفها الدكتور يحيى بأنها مطبعة يدوية هزيلة، لا تطبع أكثر من صفحتين . وعلى يد والي الحجاز من قبل الأتراك، الوزير عثمان نوري باشا أنشئت أول مطبعة في الحجاز في مكة المكرمة عام 1300 هـ(1882م)، وصفت بأنها يدوية، وأن وسائلها كانت محدودة، ولم تكن في مستوى المطابع الكبرى التي ظهرت في مصر، والتي اتجه إليها علماء الحجاز لطبع مؤلفاتهم . وسميت هذه المطبعة بالمطبعة الميرية، أو مطبعة الولاية، أو مطبعة ولاية الحجاز . وكانت موضع عناية الدولة العثمانية حتى آلت إلى الحكومة الهاشمية، فامتدت لها يد الإهمال إلى أن دخلت الحجاز في حكم الملك عبدالعزيز -رحمه الله تعالى-، فدبَّتْ فيها الحياة مرة أخرى، وسميت بمطبعة أم القرى.

    كما ظهر في الحجاز العديد من المطابع الأخرى، مثل مطبعة شمس الحقيقة بمكة، التي ظهرت عام 1327هـ (1909م)، ومطبعة الترقي الماجدية بمكة عام 1327هـ، ومطبعة الإصلاح في جدة عام 1327هـ أيضًا، فانتشرت المطابع في المملكة العربية السعودية، وزاد عدد المطبوعات، وأرسلت أول بعثة إلى مطبعة بولاق بمصر للتخصص في فن الطباعة وفروعه عام 1375هـ ‍ .


    7-الطبعات المبكرة للمصحف الشريف
    ****************************


    في أوروبا:

    تحدث الدكتور يحيى محمود جنيد عن طبعات ثلاث للمصحف الشريف في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، هي: طبعة البندقية عام 1537م أو 1538م، وطبعة هامبورج عام 1694م، وطبعة بتافيا عام 1698م.

    وكانت الطبعة الأولى يلفها الغموض في تحديد تاريخها، ومكانها والجهة المشرفة عليها ومصيرها، فقيل في تاريخ طبعها: إنه كان في عام 1499م، وقيل: عام 1508م، وقيل: عام 1518م، وقيل:عام 1530م، وقيل: عام 1538م، أي أن هذه النسخة طبعت في الفترة ما بين 1499م و 1538م، دون الاتفاق على تاريخ محدَّد.

    أما مكان الطبع فاختلف فيه أيضًا: فقيل: في البندقية. وقيل: في روما. وكذلك المشرف على طبعه قيل: باغنين، وقيل: بافاني، وقيل: باجانيني، ورغم ما يتردد من شك حول اكتشاف نسخة من هذه الطبعة في مكتبة الدير الفرنسسكاني القديس ميخائيل بالبندقية على يد أنجيلا نيوفو Angela Novo ، إلا أن هناك اتفاقًا على أن هذه الطبعة أتلفت بأمر من البابا، وإذا كان هناك من الباحثين من يرجع سبب إتلافها إلى رداءة طباعتها، وعدم تقيدها بالرسم الصحيح للمصحف، حسب ما اتفق عليه علماء المسلمين، مما جعل المسلمين يحجمون عن اقتنائها، إلا أن تدخل البابا وأمره بإتلافها يوحي بأن هناك دافعًا دينيًا أيضًا وراء إتلاف هذه الطبعة .

    أما طبعة هامبورج Hamburgh في عام 1125 هـ (1694م)، فقد قام بها مستشرق ألمـــاني ينتمي إلى الطائفـــة البروتستـنتية، هو إبــراهام هنكلمان Ebrahami Hincklmani ، وقد حدَّد أن هدفه من هذه الطبعة ليس نشر الإسلام بين البروتستانت، وإنما التعرف على العربية والإسلام .

    استغرق نص القرآن في هذه الطبعة خمسمائة وستين صفحة، كل صفحة تتكون من سبعة عشر إلى تسعة عشر سطرًا، وطبعت بحروف مقطعة، وبحبر أسود ثخين، على ورق كاغد أوربي، يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وامتلأت بأخطاء كثيرة، بعضها ناتج عن تبديل حرف مكان حرف، وبعضها بسبب سقوط حرف من كلمة غيَّر المعنى المراد منها، وأخطاء أخرى تتعلق بأسماء السور، ويبدو أن عدم إتقان القائم على الطبعة للعربية، إضافة إلى محاولة تشويه النص القرآني الكريم وراء هذه الأخطاء .

    ويذكر الدكتور يحيى: أن بعض المكتبات في العالم تضم نسخًا من هذه الطبعة، منها نسخة في دار الكتب المصرية برقم 176 مصاحف، ونسخة في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض .

    طبعة بتافيا: صدرت هذه الطبعة من مطبعة السمناريين عام 1698م، وهي على قسمين: القسم الأول يضم نص القرآن الكريم، وترجمته، وتعليقات، وقد قام بإعداد هذا القسم الراهب الإيطالي لود فيكو مراشي Ludvico marracei Lucersi، وتمتاز هذه الطبعة بتطور حروفها قياسًا بالطبعتين السابقتين .

    وفي روسيا طبع المصحف الشريف في ((سانت بترسبورغ )) عام 1787م، وأشرف على هذه الطبعة مولاي عثمان، وفي عام 1848م ظهرت طبعة أخرى في ((قازان )) أشرف عليها محمد شاكر مرتضى أوغلي، وتقع في 466 صفحة، بمقاس 351×189مم، التزم فيها بالرسم العثماني، ولم يلتزم بذكر أرقام الآيات، وكتبت علامات الوقف فوق السطور، وقد ألحق بهذه الطبعة قائمة بما فيها من الأخطاء وبيان الصواب فيها .

    وفي عام 1834م ظهرت طبعة خاصة للمصحف الشريف في مدينة ((ليبزيغ )) أشرف عليها ((فلوجل )) Flügel، ورغم اهتمام الأوربيين بها، وإقبالهم عليها، إلا أنها لم تحظ بعناية المسلمين ؛ لمخالفتها قواعد الرسم العثماني الصحيح .

    وفي إيران طبع المصحف طبعتين حجريتين في كل من طهران عام 1244هـ (1828م)، وتبريز عام 1248هـ (1833م) .

    كما ظهرت طبعات أخرى في الهند وفي الآستانه اعتبارًا من عام 1887م .

    إلا أن الملاحظ على جميع تلك الطبعات عدم التزامها بقواعد الرسم العثماني، الذي حظي بإجماع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجرت على قواعد الرسم الإملائي الحديث إلا في نـزرٍ يسير من الكلمات كتبت بالرسم العثماني .

    واستمر الوضع على ذلك حتى عام 1308هـ (1890م) عندما قامت المطبعة البهية بالقاهرة، لصاحبها ((محمد أبو زيد )) بطبع المصحف الذي كتبه الشيخ المحقق ."رضوان بن محمد" الشهير بالمخللاتي ، والتزم فيه بخصائص الرسم العثماني، واعتنى بأماكن الوقوف مميزًا كل وقف بعلامة دالة عليه، التاء للوقف التام، والكاف للكافي، والحاء للحسن، والصاد للصالح، والجيم للجائز، والميم للمفهوم، كما قدّم له بمقدمة ذكر فيها أنه حرر رسمه وضبطه على ما في كتاب "المقنع " للإمام الداني ، وكتاب "التنـزيل " لأبي داود ، ولخص فيها تاريخ كتابة القرآن في العهد النبوي، وجمْعه في عهدَي أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما-، كما لخص فيها مباحث الرسم والضبـط.. .

    عُرف هذا المصحف بمصحف المخللاتي، وكان المقدم على غيره من المصاحف، إلا أن رداءة ورقه، وسوء طباعته الحجرية، دفع مشيخة الأزهر إلى تكوين لجنة تضم: الشيخ محمد علي خلف الحسيني، الشهير بالحداد، والأساتذة: حفني ناصف، ومصطفى عناني، وأحمد الإسكندري؛ للنظر فيه، وفي ما ظهر من هنات في رسمه وضبطه، فكُتب مصحف بخط الشيخ محمد علي خلف الحسيني، على قواعد الرسم العثماني، وضُبط على ما يوافق رواية حفص عن عاصم، على حسب ما ورد في كتاب ((الطراز على ضبط الخراز )) للتَّـنَسي ، مع إبدال علامات الأندلسيين والمغاربة، بعلامات الخليل بن أحمد وتلاميذه من المشارقة، وظهرت الطبعة الأولى منه عام 1342هـ (1923م)، فتلقاها العالم الإسلامي بالرضا والقبول .

    وبعد نفاذ هذه الطبعة كوِّنت لجنة بإشراف شيخ الأزهر، وعضوية عدد من علمائه: الشيخ عبدالفتاح القاضي، والشيخ محمد علي النجار، والشيخ علي محمد الضبّاع، والشيخ عبدالحليم بسيوني، راجعت المصحف على أمهات كتب القراءات والرسم والضبط والتفسير وعلوم القرآن، وصححت ما في الطبعة الأولى من هنات في الرسم والضبط، وطبع طبعة ثانية مدققة ومحققة .

    ثم توالت طبعات المصحف الشريف في مدن مختلفة من العالم الإسلامي مع تطور آلات الطباعة وانتشارها، بما فيها المغرب العربي، الذي لم يتأخر كثيرًا في طباعة المصحف الشريف عن المشرق، وإن لم يُعرف على وجه الدقة تاريخ بدء الطباعة فيها، إلا أنها التزمت في علامات الضبط بما جاء عند الخراز


    8-طباعة المصحف الشريف في المملكة العربية السعودية
    *******************************************


    تعود بداية طباعة المصحف الشريف في المملكة العربية السعودية إلى عام 1369هـ‍ عندما ظهر المصحف المعروف بمصحف مكة المكرمة، الذي طبعته شركة مصحف مكة المكرمة.

    ففي مقال للأستاذ عبدالقدوس الأنصاري في مجلة المنهل ، ذكر أن فكرة طباعة هذا المصحف كانت للأستاذ محمد سعيد عبدالمقصود عندما كان مديرًا لمطبعة أم القرى الحكومية، إلا أنه توفي قبل تحقيقها، ثم تبنى المشروع الأساتذة: محمد علي مغربي، وإبراهيم النوري، وعبدالله باحمدين ، وفي بيان إجمالي عن هذا المصحف في جريدة أم القرى ، ذكر أنه عندما نضجت فكرة طباعة مصحف مكة المكرمة، تكوَّنت شركة مساهمة محدودة سجلت رسميًا باسم ((شركة مصحف مكة المكرمة )) مؤلفة من: محمد سرور الصبان، وعبدالله باحمدين (المدير الرسمي للشركة)، وإبراهيم نوري (المراقب العام لأعمالها)، ومحمد علي مغربي (أمين الصندوق)، ومحمد لبنى، وكان رأس مالها مائتي ألف ريال سعودي .

    اشترت الشركة مقرًا لها في مكة المكرمة، واشترت آلة طباعة حديثة من أمريكا، يمكن أن يطبع فيها المصحف الشريف بأحجام مختلفة، واتفقت مع مهندسين فنيين لتركيبها.

    وتم الاتفاق مع الخطاط المعروف الأستاذ محمد طاهر الكردي في سنوات الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) على كتابة المصحف على قواعد الرسم العثماني، وقام بذلك خير قيام، وعندما انتهى من كتابته صححته لجنة من علماء مكة: السيد أحمد حامد التيجي أستاذ علم القراءات بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة، والشيخ عبدالظاهر أبو السمح إمام وخطيب المسجد الحرام، والسيد محمد أحمد شطا المعاون الثاني لمدير المعارف بمكة، والسيد إبراهيم سليمان النوري المفتش بمديرية المعارف بمكة، ثم أرسل إلى مشيخة الأزهر فوافقت على التصحيح، وكان شيخ القرّاء والمقارئ المصرية الشيخ محمد علي الضَّباع ممن صححه ووضع خاتمه الرسمي عليه .

    وبعد خمس سنوات استغرقها العمل بين الكتابة والتصحيح تم الانتهاء من هذا المصحف في عام 1367هـ، وبدأ طبعه بالحجم الكبير ابتداءً من ليلة الجمعة الموافق 17 من شهر ذي القعدة عام 1368هـ‍، وانتهى في 7 من شهر ربيع الأول عام 1369هـ، ثم بدئ في طبع الحجم الصغير، وبقية الأحجام . ووصفت جريدة أم القرى هذا المصحف بما يلي:

    1. أن ابتداء كل صفحة أول آية، كما أن نهاية كل صفحة آخر آية.
    2. أن ابتداء كل جزء في أول صفحة، كما أن انتهاء كل جزء في آخر صفحة.
    3. أن كل جزء عشرون صفحة ما عدا جزء عمّ.
    4. أن علامات الأحزاب وأنصافها وأرباعها قوسية هلالية.
    5. أن علامات السجدات رسم الكعبة.
    6. أن النقوش التي حول الفاتحة في الصفحة الأولى، وحول أوائل البقرة في الصفحة الثانية مركبة من كلمة مكة بالأحرف الكوفية.
    7. وضع بعد نهاية المصحف في آخره دعاء جامع يتلى عند ختم القرآن، وهو مختار من الأدعية المأثورة.

    وكان صدى ظهور هذا المصحف واسعًا في داخل المملكة وخارجها، وكانت فرحة الملك عبدالعزيز رحمه الله بظهوره كبيرة، وقدم للقائمين عليه دعمًا ماديًا ومعنويًا سخيًا، وكذلك أصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء وكبار موظفي الدولة ، كما لاقى استحسان المسلمين في خارج المملكة وثناءهم ، وأشادت به الصحف الصادرة في بعض تلك البلاد .

    وبعد ثلاثين عامًا من ظهور مصحف مكة، ظهر مصحف آخر في مدينة جدة، وذلك في عام 1399هـ، بمطابع الروضة، بعد مراجعته والموافقة عليه من الجهة المخولة بذلك في المملكة العربية السعودية، وأشرف على هذه الطبعة عدد من القائمين على المطبعة وعلى رأسهم: الأستاذ عبدالله باعكضه مدير عام مطابع الروضة، وزميلاه: محمد طرموم، ومحمد بلجون .

    وفي شهر المحرم من عام 1405هـ (1984م) أُعلن عن افتتاح أعظم وأكبر مطبعة في العالم تقوم على خدمة القرآن الكريم في المدينة المنورة، وهو أول عمل حكومي رسمي لطباعة القرآن الكريم، وفتح عظيم نفع الله به ملايين المسلمين في مختلف بقاع الأرض
    .

     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...