• كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها

تعذيب العقل بقلم: أحمد الخميسي

lladmin

عضو
إنضم
23 أوت 2007
المشاركات
3.198
مستوى التفاعل
8.418
بقلم: أحمد الخميسي

منذ فترة بسيطة قرأت عن تعذيب المواطن التونسي وليد العوني تعذيبا أدى به إلي فقدان عقله أو حسب التعبير الرسمي فقدان مداركه ! وهو نوع من الحوادث يتكرر وقوعه على امتداد الخريطة العربية.هكذا ثمة شخص اسمه وليد أو عبد الله أو رشدي، طويل القامة ، أو قصير ، متزوج أو أعزب ، فقد عقله بالتعذيب إلي درجة أنه لم يعد قادرا على استيعاب أو قراءة أو فهم كل ما يكتب الآن دفاعا عنه . وليس فينا من لم يسمع عن التعذيب بشتى الطرق ، لكن معظم وسائل الجلادين تستهدف في العادة بدن الإنسان ، يديه ، صدره ، ذراعه . أما الوقائع التي تعذب العقل فإنها أقل شيوعا، لأنها تستلزم أحيانا قليلا من الخيال ، والحرفية ، التي لا وقت لها . وتعذيب العقل عمل شيطاني قديم ، تعرض لأحد فنونه الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي في سيبيريا خلال اعتقاله ، حين كانوا يجبرونه على تقطيع كميات ضخمة من الشجر طيلة النهار ليلقي بها عند الغروب في مياه النهر. التعذيب هنا لا يتعلق بالجهد البدني الشاق المبذول ، التعذيب هنا يتجه إلي العقل مباشرة ، إلي تدمير الدعامة التي يقوم عليها وهي المنطق القائل بأن لكل عمل غاية ، وأن لحياتنا هدفا ، وأن لوجودنا وكدنا معنى . العقل يقول إنك إذا قطعت أشجارا طيلة النهار فذلك لأنك ستبني منها كوخا أو بيتا ، أما أن تعرق على قطع الأشجار لتلقي بأخشابها إلي النهر فهذا يعني أن العالم لا يحتاج إلي العقل ، دمره إذن ، وارمه بعيدا ، لأن الوجود بلا منطق . وحينما يكون جهدك كله عبثا ، يغدو وجود العقل والمنطق مدعاة للسخرية ، والاستهزاء ، وتدوي في أذنيك أقوى فأقوى رسالة الجلادين : امسح عقلك ، لأنك لست بحاجة إليه ، لأنه لن ينفعك لا في تفسير العالم ولا في التحكم به . وقد اكتشف العلم الحديث أن القلب الذي نتغنى به في الشعر والروايات ليس أكثر من مضخة للدماء ، وأن العقل هو حصن التفكير والمشاعر والطموح . وحينما تعذب العقل أو تدمره ، فإنك تعذب وتحطم التكوين الإنساني المميز والبلورة الخاصة المشعة بكل أعماق وأبعاد الشخصية . واكتشف العلم الحديث أيضا أن الموت هو موت العقل ، إذ يمكن استبدال الساق أو الكلى بأخرى ، ووضع شريحة زجاجية في العين المعتمة لترى من جديد ، وتغيير صمامات القلب أو القلب بأكمله ، وزرع كبد ، ورئة ، لكن كل تلك المعجزات لا ترقي إلي المساس بالعقل الذي يجري مليارات من العمليات في أقل من ثانية والذي مازلنا لا نستخدم سوى جزء ضئيل من قدراته . في هذا السياق أتذكر كتابا للدكتور عبد المحسن صالح اسمه ما هو الموت ؟ . يقص فيه تجربة أجراها العلماء على كلب لمعرفة ما هو الموت ، ف يقول إن العلماء فصلوا كل أعضاء الكلب عن جسمه واحتفظوا خلال ذلك برأسه فقط حيا منزوعا من البدن ، ثم قاموا عبر الأنابيب بضخ المحاليل والدماء إلي الرأس المنزوع ، ففتح الكلب عينيه ، وتعرف إلي صوت صاحبه وأخذ يلعق يديه. العقل إذن هو الذي يصون الحياة والوعي والذكريات والإرادة بل وقلق الحب وهواجسه الرقيقة. وقد تم تدمير عقل وليد العوني المواطن تونسي ، في ظروف ، تشبه الظروف التي يتم فيها تدمير عقل الكثيرين على امتداد الخريطة العربية وبقدر سجونها . يختلف الاسم ، والسن ، وسمك أبواب الزنازين ، واللهجات ، وبدانة الزوجة ، أو هزال الحبيبة ، ولكن ثمة دائما إنسانا يفقد عقله وحده خلف أبواب موصدة  لكن تعذيب العقل ونفي دوره لا يجري في السجون وحدها ، بل إنه يجري على نطاق المجتمع بأكمله أكثر بملايين المرات مما يتم وراء قضبان . وحينما تصبح الفوارق بين الدخول ضخمة إلي هذا الحد الذي نراه ، يعجز العقل عن تفسير ذلك ، وحينما يصبح من يحتكرون الحديد والأسمنت وغيره سادة المجتمع من دون عرق أو سبب ، بينما لا يساوى كدح الشرفاء شيئا ، وحينما يبنى البعض قصورا خيالية في طريق الإسماعيلية والبعض مازال ينام على الأرصفة، وحينما يبرز كل شخص عديم الكفاءة ليتحكم في شئون الثقافة، وحينما يصمت الأدباء ويتكلم أشباه الكتاب ، وحينما يحل بالرشوة والعلاقات كل ما لا يحل بالطرق الشريفة ، وحينما تربح الراقصة بهزة وسط واحدة أضعاف ما يربحه عالم.

 

cobraaa

كبار الشخصيات
إنضم
29 ديسمبر 2007
المشاركات
5.804
مستوى التفاعل
25.237
أكتب أو لا أكتب هذا ما كنت أفكّر فيه، كالعاشق يقطّع وردة ويرمي بتلاتها، تحبني لا تُحبّني، تحبّني لا تحبّني، وقد ألقيت البتلة الأخيرة وفيها أكتب، رغم أنّ هذه المشاركة تبدو كحقل ألغام يجب السّير فيها على الخيط خوف الوقوع في المحظور...

قرأت يوما كتابا بعنوان شرق المتوسّط لعبد الرّحمان منيف، وقد قدّمته حينها قائلا:


.....
هل جرّبتم السّجن يوما؟؟
هل عشتم تجربة الزّنزانة ولو للحظة في خيالكم؟؟
سيجيب أغلبكم بلا...
هذه فرصة للقيام بجولة سياحيّة لبعض السجون، على ورق كتاب...
السّجن يتواجد في لا مكان، إنّه في بعضٍ من هنا وهناك، في الشّرق، حيث السجون التي تعرف و لا تعرِفُ، بعضها يحمل لافتة، ويعلن عن وجوده، و أغلبها في السرّ يعمل، فلا تعرف مكانها حتى لو كنت بالدّاخل...
انّهم يحترفون فنّ التعذيب، ألا تشتمّ رائحة احتراق السجائر فوق الأجساد العارية؟؟ ألم يَبلغك صوت المعذبين وليسوا فوق الأرض، إذ لا أرض يقفون عليها، فهم إمّا معلّقون إلى سقف، حائل لونه أو إنّهم لا يقوون على الوقوف لما أصابهم من تعذيب وتنكيل...
إنّهم بشر لا يعترف بهم كبشر، لا أسماؤهم في جدول أعمال منظمات حقوق الإنسان، و لا منظمة العفو تعرف عن وجودهم شيئا، و حتي جمعيّة الرّفق بالحيوان لاهية عنهم بما هو أهمّ منهم كالبقر والخنازير...
ليس في الأمر مزحة، إنّها رواية شرق المتوسّط لعبد الرّحمان منيف، لا تكاد تنهيها، حتى تبدأ رحلة شعارها المعاناة والتوهّم والخوف...
لا تخش شيئا فأنت اليوم آمن، وليس إلاّ الله بعلاّم الغيوب...


واليوم، أعود إلى موضوع يدور في نفس الفلك، وهو تعذيب العقل الذي أرى أنّه قديم للغاية، فأذكر أنّي قد قرأت يوما أنّ الصينيّين قديما كانوا يتركون المسجون مثبّتا في زنزانة ويجعلون رأسه عرضة لقطرات ماء تنزل قطرة فقطرة إلى أن يُصاب بالجنون، فالعقل وهو أخطر ما يملكه الإنسان هو الذي يحاربه الجبابرة لعلمهم أنّه ما من شيء يتهدّد وجودهم مثله..
وأكتفي بهذا الآن وربّما تكون لي عودة في وقت آخر..



 

lladmin

عضو
إنضم
23 أوت 2007
المشاركات
3.198
مستوى التفاعل
8.418
هو حقل مليء بالألغام ويندرج ضمن قائمة المواضيع المحضورة التي أصبحت لا تعد ولا تحصى لكن من منا لم يسمع بأشخاص كهؤلاء تتغاضى عنهم وسائل الإعلام المقرؤة والمكتوبة وننظر من حولنا عندما نتحدث عنهم في الشارع أو في المقهى لكن إلى متى ؟ وأين المفر ؟؟ فقد أصبحت المسألة أكبر من أن نتغاضى عنها وأخطر من أن نتجاهلها مع أن القليل من يملكون الشجاعة للكلام على هذه المسائل علنا ..
 
أعلى