1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

الوقائع الكاملة لفيضانات «رأس الماء» في سليانة: ثلاث ساعات م

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة MAFIA 007, بتاريخ ‏18 جانفي 2009.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. MAFIA 007

    MAFIA 007 نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏30 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    3.165
    الإعجابات المتلقاة:
    6.425
      18-01-2009 15:09

    الوقائع الكاملة لفيضانات «رأس الماء» في سليانة: ثلاث ساعات من الصراع مع الموت وسط الطوفان وتحت الظلام



    كان التلميذ خبيب الهاني مايزال يرتعش وهو يروي لنا تفاصيل الساعات العصيبة التي عاشها مع زملائه: 84 تلميذا في قلب الحافلة ثم معلقون فوق سقفها وهي تستسلم للسيول زاحفة نحو الهلاك المحتوم، في ظلام تلك الليلة الطوفانية، «حيث وجدنا أنفسنا نصارع الموت في السيول طيلة ثلاث ساعات، نعم ثلاث ساعات في الظلام وتحت مطر لا يتخيّل، الآن أعرف معنى الطوفان لأني رأيته عندما يختلط الماء النازل من السماء بسيول الأرض».
    بدت لي منطقة «رأس الماء» التي تبعد حوالي 18 كلم عن مدينة سليانة هادئة إنما حزينة تخيم عليها أجواء المأساة ورائحة الأوحال فيما تتجعد وجوه الناس ألما. أغلبهم لم يعرفوا طعم النوم منذ ليلة الاثنين الحزين. يتعالى في سماء المكان دخان أفران خبز الطابونة بين البيوت الريفية الصغيرة وسط البساتين، حيث لا شيء ينبئ بحجم الأحزان التي تغمر سكان المنطقة. سيارات الحماية المدنية ماتزال ترابط في المكان وقيل لنا إن الغطاسين مايزالون يقلبون الأوحال في بحيرة الأخماس بحثا عن جثث البنات الثلاث: تقوى البخاري وأماني القادري وإيمان شلبي، «لم يجدوا سوى ملابس بعضهن تحت الأوحال» كما قال لي أحد الذين يتابعون الأبحاث.
    تجمهر حولي عدد كبير منهم وقال لي أحد وجهاء المنطقة: «يجب أن تفهم أن لوعتنا لا تخفّ طالما لم نعثر على جثثهن» لذلك هم يرابطون حول بحيرة الأخماس ويتابعون أعمال البحث فيما بدت النتائج شحيحة اذ لم يعثروا حتى ذلك اليوم سوى على بضع الملابس.


    * كبده احترق...

    رشيد البخاري كان «يمشي بلا عقل» بين مكان الحادثة وبحيرة الأخماس كما قال لي أحد أقاربه لكي يبرر لي أجوبته غير المناسبة أحيانا مع ما يطلبه صحفي. لم يذق شيئا ولم ير طعم النوم ولم ينزع حذاءه منذ الحادثة منذ ليلة الاثنين الحزينة حتى أنه «فقد الإحساس بساقيه» كما قال لي في نهاية الحديث.
    رأيت في عيني رشيد البخاري دموعا جافة من أثر البكاء، كان يجد صعوبة في الكلام وهو يشير الى بحيرة الأخماس ثم يقول لي بغصة لم يعد يعتني بمنعها: «كبدتي هناك تحت السيول، «تقوى» بنتي مدفونة في طين البحيرة». يستسلم أخيرا لارتعاش ساقيه ويجلس كيفما اتفق على حافة الطريق، يصمت الجميع احتراما لأحزان الأب المكلوم. ظل يكرر لنا: «كبدتي احترقت» حتى وجدت فرصة لكي أستعيد معه تفاصيل ما حدث. يقول لي إن الحافلة المنكوبة كانت تحمل بنتين له، إشراق 14 عاما التي نجت وتقوى 16 عاما التي ضاعت مع السيول. «أنا كنت حاضرا من البداية، كنا في الضفة الشرقية لمجرى الوادي، رأينا الحافلة تحملها السيول ورأينا أبناءنا يقاومون تيار الأوحال ويطلبون النجدة ولا من منقذ طيلة ثلاث ساعات، لقد احترقت قلوبنا بسبب العجز».
    يصمت قليلا ثم يضيف بتصميم عميق: «اسمع، ثمة شيء أحب أن تكتبه للناس، لقد حضر أعوان الحماية المدنية، لكنهم لم يقدروا على فعل شيء لأنهم لم يجلبوا معهم شيئا غير فانوس يدوي، لقد كان يمكن فعل الكثير لأجل انقاذ التلاميذ، لكن الوسائل المناسبة لذلك لم تحضر».
    يضيف بعد ذلك بأسى: «أنا لست مختصا في الإنقاذ، لكن الوسائل التي أراها عند أعوان الحماية المدنية في البحيرة لا تكفي لإخراج شيء من الأوحال، قد يكون أني أتحدث تحت تأثير اللوعة، لكن مهما يكن، فإن ما أراه لا يكفي، أكتب ذلك من فضلك».


    * سائق متردّد
    التف حولنا جمع غفير من الناس في المكان، ليس الشهود على المأساة هو ما يعوزنا هنا فأغلبهم حضر الحادثة وغاص في الأوحال للإنقاذ. السيد عبد المجيد الغربي صاحب مقهى صغير في الوادي يمثل نقطة لقاء سكان المنطقة، قال لنا إنه لاحظ مع حرفائه منذ السادسة والنصف ارتفاع منسوب الماء الى أن قدمت الحافلة المنكوبة تحمل تلاميذ المنطقة ثم توقفت وبدا أن سائقها بصدد تقدير الموقف. كان الوضع مثيرا لكل المخاوف بسبب الظلام الدامس والمطر الغزير وخصوصا قوة السيول التي تنبئ بفيضان مدمر. بعد ذلك فوجئوا بشاحنة خفيفة تحاول التقدم لاقتحام الماء الذي بلغ حوالي متر، لكن التيار سريعا ما جرفها وعجز راكباها عن فتح الأبواب للنجاة فأنزلوا البلور وصعدوا فوق سقفها فيما كانت تتمايل بين أمواج السيول. يقول: «أدركنا الخطر فجرينا اليهما بالحبال فتمكن مرافق السائق من النجاة ممسكا بالحبل، بعد ذلك قدمت سيارة الحرس الوطني فتمكنوا من جر الشاحنة بالحبال بعيدا عن الخطر ومعها السائق.
    أما الحافلة فقد أنزلت تلميذين أو ثلاثة هناك قبالة المقهى، وهنا يحيط بما حدث الكثير من الغموض، فالبعض يرجح أن السائق قد قدر الموقف فبدا له أن الحافلة بحجمها الضخم وقوتها ومحركها الديزل سوف تصمد أمام السيول وأن الحل الأمثل هو أن يتم مهمته بايصال التلاميذ الى عائلاتهم لذلك اجتهد وغامر بالتقدم قال لي أحد سكان الجهة : «أيا كان ما قيل عن السائق فهو في النهاية أب أسرة ولا أعتقد أبدا أنه قد تعمد أن يلقي بأبنائنا إلى التهلكة».


    * خبيب أحد الناجين
    السيد توفيق الهاني هو فلاح في جهة سيدي حمادة تخلى عن أعماله وسخر وقته وسيارته لخدمة جيرانه، اكتشف بعد ذلك أن ابنه خبيب البالغ من العمر 16 عاما كان في هذه الحافلة. «لقد ساهم بشجاعة في انقاذ الكثير من زملائه في الحافلة» كما قال أحد الحاضرين.
    يذكر خبيب أنهم كانوا 84 تلميذا في الحافلة، وأنهم لاحظوا منذ دخلوا طريق سيدي حمادة أن السيول قد فاضت وملأت الطريق. «اجتزنا الوادي الأول ثم الثاني، أما في رأس الوادي فقد لاحظنا أن تيار الماء قد بلغ أكثر من متر وعندها بدأنا نخاف فعلا خصوصا حين انقطع الكهرباء في الحافلة ثم توقفت رغم أننا لم نبلغ أعمق مكان في الوادي.
    رغم الظلام فقد رأينا أن سيولا جارفة قد هجمت علينا من جهة اليمين ثم جعلت تدفع الحافلة خارج الطريق إلى اليسار فمالت بنا في اتجاه السيول نحو بحيرة الأخماس».
    عندها تدفق الماء إلى داخل الحافلة من كل منافذها، قال لنا خبيب : «جرى الكبار منا إلى الصغار لرفعهم نحو المكان الأعلى فوق الكراسي في الحافلة المائلة فيما قام آخرون بسد منافذ دخول الماء بأجسادهم، نعم بأجسادنا لإيقاف الأوحال المتدفقة داخل الحافلة فعلنا ذلك بحرارة الروح»!
    قال لنا تلميذ آخر إن صوت إرتطام السيول بالنوافذ البلورية كان مدويا ومسموعا وأن هدير الماء قد غلب على أصوات الاستغاثة، هشموا تلك النوافذ واستمر الكبار في مساعدة الصغار والفتيات للصعود فوق هيكل الحافلة فيما كانت السيول تجرها، يتنهد خبيب الهاني طويلا ثم يضيف أنه لم يتفطن إلى أن خولة الهاني وهي تلميذة في الباكالوريا قد سلمت أمرها إلى الله وغمرتها السيول في تلك اللحظات العصيبة تحت كراسي الحافلة، يضيف «رأيت الفاضل الهاني تحمله السيول، وكم سررت بعد ذلك بنجاته» بأسف كبير يقول لنا «كنا نصرخ طلبا للنجدة وكان أعوان الحماية المدنية قبالتنا لكنهم ما كانوا يملكون شيئا غير فانوس يدوي، الحقيقة اننا أنقذنا بعضنا البعض ثم غامر أهالينا بالتقدم إلينا بالحبال»، أما خولة التي حملت في سيارة نقل ريفي إلى المستشفى فقد تبين أن الطين الذي ملأ رئتيها قد قضى عليها.


    * فخاخ الطريق
    تتكرر تفاصيل اللية الحزينة في كل مكان، كلهم حضروا الكارثة وكلهم غاصوا في الأوحال لأجل انقاذ الأطفال، حيث هم هنا مثل أسرة واحدة بسبب الجوار دون اعتبار أنهم يمتون لبعضهم بصلات القرابة الدموية كان غضبهم عاما وجماعيا بسبب رداءة الطريق وارتباك مشاريع اصلاحه، قال لي توفيق الهاني إن الخبراء درسوا المنطقة طويلا وقرروا إصلاح طريق قديمة تمر عبر الغمالية وسيدي حمادة لتفادي فخاخ الطريق القديمة يقول : «رأينا مرارا آلات الأشغال العمومية تحفر الطريق وتحطم حواجز البساتين لكننا كنا سعداء بالمشروع سمعنا مرارا أحاديث عن ميزانيات أعدت لذلك لكن في النهاية لا شيء فها نحن مازلنا نعاني مآسي وفخاخ الطريق القديمة».
    قال لنا توفيق الهاني : «هذا المجرى الخطير جرف من قبل خالي الصادق بسيارته كما جرف سيارات كثيرة، قد يبدو لك أن المكان ليس واديا بالمعنى الذي تعرفه فهو ليس عميقا، لكنه يتحول عند المطر إلى فخاخ قاتلة تتجمع السيول من جبل السرج، تنزل متدفقة ويصل عرضها في بعض الأماكن إلى أكثر من 200 متر، تحمل معها الأوحال وأغصان الأشجار وكل ما تحمله السيول، وعندما تبلغ هذه الطريق لا يصمد أمامها شيء».
    أغلب من التقتيتهم تحدث عن رداءة الطريق نحو سيدي حمادة لم أكن بحاجة إلى ذلك فقد حذرني سائق السيارة التي نقلتني إلى المكان «استعد اذ ستعاني طويلا من اهتزاز السيارة» كان عليه أن يناور ببراعة المتعودين على الحفر، أما إذا اعترضتنا سيارة، فقد كان على أحدهما أن يغادر الطريق التي لا تحتمل سيارتين.


    * قلبي فاض من الحزن
    على طريق العودة من منطقة «رأس الماء» إلى مدينة سليانة توقفت لكي أطل على سد الأخماس وألقي نظرة أخيرة على هذه البحيرة الغائمة حيث ما تزال ترقد ثلاث تلميذات تحت فوارات الوحل التي يثيرها غطاسو الحماية المدنية بحثا عن جثثهن.
    غمرني الحزن وأنا ما أزال تحت تأثير صورة رشيد البخاري الأب المكلوم الذي لم يجد القدرة حتى على الكلام، يقول لي بهدوء : «اسمعني فقط، أنت لا تدري إلى أي حد أنا أرغب في الكلام للناس الذين تكتب لهم عن كبدتي المشوية، قلبي امتلأ وفاض من الحزن».



    ==============================


    [​IMG]
    ====================================
    الله يرحمهم
    و يصبر عايلاتهم
    و الحمد لله نجي عدد كبير
    =============
     
    4 شخص معجب بهذا.
  2. mounir-vision

    mounir-vision كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏18 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    14.001
    الإعجابات المتلقاة:
    33.699
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...