«زغوان».. ربّة مياه قرطاج

الموضوع في 'السياحة التونسية' بواسطة panda1980, بتاريخ ‏30 جانفي 2009.

  1. panda1980

    panda1980 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أكتوبر 2008
    المشاركات:
    3.817
    الإعجابات المتلقاة:
    7.953
      30-01-2009 10:31
    [​IMG]
    سياحة بيئية تونسية دعائمها الماء

    «زغوان».. ربّة مياه قرطاج


    تونس : ارتبط الماء منذ قديم العصور بمدينة زغوان حتى أننا لا نتذكر تاريخا لها غير تاريخه، وكان على زغوان أن تنتظر حضارة تقدس الماء وتملك نفسا هاما في تفجير مصادر المياه حتى يخط التاريخ بها أولى حروفه.

    ونقصد بذلك "معبد المياه" المقام على عين بسفح جبل زغوان متخذا شكلا نصف دائري، وربما كانت بهذا المعبد آلهة المياه القرطاجية "عشتروت" Astarte حسب الاحتمالات المستدلّة بعد العثور على ميداليات للإمبراطور سبترموس، ويمثل الوجه الخلفي لها "عشتروت" ممتطية أسدا يجري قرب عين متدفقة من صخرة، كما سمح الماء بإقامة جسد تاريخي آخر مقروء ويتمثل في "الحنايا" والتي شيدها الرومان بغية إيصال الماء إلى قرطاج وتمّ تشييدها على مدى 400 سنة، حتى بات من غير الممكن الفصل بين تاريخ الماء وتاريخ المدينة من حيث كونه إرث إلهي أو هبة ربّانية مخصوصة لزغوان الماء الدافق.

    * مدينة المعالم الأثرية
    لزغوان عديد المعالم الأثرية التي أصبغت خصوصية على المدينة خاصة نذكر من بينها:
    1- معبد المياه: شاهد على تقديس الرومان للماء وأهميته في حياة الإنسان ودليل على عظمة الهندسة المعمارية الرومانية وقد تمّّ بناؤه في عهد الإمبراطور "هادربانوس" ومنه تمّ إيصال الماء إلى تونس عن طريق "الحنايا".

    والمعبد تم بناؤه بين السنوات 117-138 م فوق مكان تنبع منه عين غزيرة، كما تم بناء الحنايا التي توصل المياه 32 مليون لتر يوميا إلى مدينة قرطاج والتي يبلغ طولها 132 كلم وكان ذلك على يد الإمبراطور الروماني هادريانوس ثم أهملها الوندال وتم ترميمها وإصلاحها على يد الخليفة المستنصر بالله الحفصي في القرن 13 م والذي ربطها بمنتزهات رأس الطابية وجنان أريانة وجامع الزيتونة المعمور.

    2- القوس الروماني "باب القوس": وهو الباب الوحيد الذي بقي إلى الآن والمنتصب بمدخل المدينة العتيقة.

    3- زاوية سيدي علي عزوز: كان للولي سيدي علي عزّوز ميعاد للذكر حضره مرة الأمير محمد باشا، وتلقى منه إشارات اعتقد منه صلاحه، فبنى له بجانب مسكنه زاويته المعروفة بزغوان وبها مقره وكان ذلك سنة 1680، وتعبر زاوية سيدي علي عزّوز عن ازدهار كبير في فنون العمارة والزخرفة، فبابها يعتبر تحفة نفيسة إذ يتكون من مصراعين كبيرين من الخشب الثمين.

    * الكهوف والمغاور
    على بعد 10 كلم من المدينة وبجبل زغوان على ارتفاع 800 م على مستوى سطح البحر، تمّ اكتشاف مجموعة هامّة من الكهوف والمغاور أوّلها عن طريق خبراء فرنسيين في عهد الاستعمار الى أن تمّ اكتشاف بقيّة الكهوف وعددها 25 عن طريق نادي الكهوف والمغاور بزغوان بالتعاون مع خبراء من بلجيكا في إطار التبادل الثقافي والشبابي، هذه الكهوف والمغاور جديرة بالزيارة نظرا لقيمتها العلميّة حيث توجد بها ترسبات تعود إلى آلاف السنين تسببت فيها تفاعلات كيميائيّة بين الجبس والصّخور الأخرى خلفت ابرا حجرية بأشكال وألوان مختلفة، كما أن هذا الجبس الموجود بالمغارات والكهوف من النوع النادر، إذ لا نجده إلا في أربع دول في العالم هي: المكسيك، أنقلترا، فرنسا وتونس.

    * مميزات طبيعية
    وإذا كانت المغارات تشكل حسب خصائصها الطبيعية مثل الصعود والنزول عبر الصخور أو أشكال أخرى في شكل دوائر والتواءات صخرية فإنها تبدو أمامك غاية في الجمال والروعة وأنت تتجول بداخلها وتحاول اكتشاف أسرارها، ففيها عيون الماء والأنماط الهندسية والصخور التي تذكرك بفترات ما قبل التاريخ، إضافة إلى النباتات و"البكتيري" التي يقوم بدراستها اخصائيون في الميدان.

    1- المسالك السياحية: ولزغوان منتوج سياحي متنوّع، يجمع بين ما هو ثقافي وما هو بيئي واستشفائي ونظرا لأهمية هذا المخزون تمّ إقرار مسالك سياحية منها "طريق الماء" بين زغوان وقرطاج والذي سيحتوي على منشآت سياحية وبيئية هامة منها: مشروع بناء متحفين مائيين بكل من زغوان وقرطاج وبناء ثلاثة استراحات بكل من المحمّديّة والسّيجومي وباردو لإبراز تاريخ الماء في الفترات البونيّة والرّومانية والإسلاميّة العربية، كما تمّ الشروع في إحداث حديقة وطنيّة ومنتزه حضري لإبراز الخصائص البيئيّة للمدينة حول معبد المياه على مساحة 1900 هكتار.

    2- مسلك السياحة الثقافية: ينطلق من الموقع الأثري تيبوربوماجيس إلى حمامات جبل الوسط إلى معبد المياه والمدينة العتيقة بزغوان إلى المعلم الأثري سد وادي الرمل إلى الموقعين البربريين الزريبة العليا وجرادو.

    3- مسلك السياحة المعدنيّة: جبل الوسط والزريبة والمسلك البيئي الذي ينطلق من معبد المياه إلى أعلى قمّة في جبل زغوان الذي يحتوي على نباتات وحيوانات نادرة تستقطب الباحثين من عديد الدول إلى جانب احتوائه على عدد هام من الكهوف والمغاور.

    * تراث لا يمحى
    تعد مدينة زغوان من أهم المدن التونسية التي مازالت محافظة على تراثها وطابعها العمراني ومعالمها المعمارية العريقة، وتعبر هذه المعالم في هندستها وزخارفها على ازدهار العمارة والزخرفة في هذه الربوع، فالشوارع والأنهج الضيّقة والسّاحات التي تكثر فيهـا "الحنفيات" التي تتدفق ماء وحياة تعكس ثراء وأهمية هذا التراث، تعد زاوية سيدي علي عزّوز والجامع الحنفي والجامع الكبير وبعض المنازل داخل المدينة العتيقة من أهم المعالم التاريخية.

    ويذكر أن مدينة زغوان اشتهرت منذ القدم بصناعة البلغة التي يقول عنها المختصون إنها تتطلب جهدا كبيرا وبعض المستلزمات مثل الجلد والفارينة للتلصيق والخيط والمشطة والعصا لقلبها لأنها تصنع على القفا، كما اشتهرت بصناعة الصوف الذي يتطلب توفر المنسج أو "السداية" المتكونة من القصب وخيط "القيام" إلى "الرطاب" و"الجباد" و"السفاحة" و"القدادة".. ويبدأ النسيج بعد فرز الصوف و"قردشته" وصبغه..

    ومن كل ذلك تصنع المرأة الكليم بالوردة الذي أصبح ميزة المدينة بألوانه البيضاء والسوداء والرمادية، أو البطانية المتكونة من 12 ذراعا طولا و8 أذرع عرضا والذراع يساوي نصف متر.. وتتكون البطانية من لونين الأبيض والأزرق لزينة الحواشي..

    * مهرجان للنسري
    نبتة النسري من فصيلة الورد وهي شديدة الدلال رغم أنه يحبذ زراعتها لتسييج البساتين وقرب الجداول والسواقي لوجود أشواك في الأغصان وكبر حجمها، إلا أن زراعتها تحتاج إلى فنيين إذ يتم دفن بعض الأغصان البالغة في التراب لمدة سنة كاملة ليتمكن الفلاح بعد الحول وتربية الجذور من نقلها إلى مكان آخر.

    أما جمع أزهار النسري فإنه ينطلق عند الهزيع الأخير من الليل وعند الفجر وقبل أن تشتد الحرارة التي عادة ما يكون تأثيرها سلبيا على الزهرة وبالتالي على نوعية الإنتاج من ماء النسري حيث يمكن للعارفات التفريق بين الزهرة الصالحة للتقطير وغيرها من الأزهار التي أصابتها شدة الحرّ.

    وتمتد فترة الجمع طيلة أسبوعين خلال شهر ماي. وعن استعمالات ماء النسري فإنه يقدم مشروبا محلى بالسكر مع الفطائر في الأفراح، كما يستعمل في صنع الحلويات التي عرفت بها زغوان وخاصة منها كعك الورقة والبقلاوة وكذلك لسلطة الفواكه و"المحلبية".

    ولأجل ذلك وفي كل ربيع تستعد مدينة زغوان الفواحة لاستقبال عيدها السنوي "مهرجان النسري" الذي تنطلق فعالياته من 23 إلى 31 ماي من كل سنة ليتضمن العديد من الفقرات الهامة مثل: الأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة والعروض الاستعراضية والجوانب الإقتصادية والتجارية والمسابقات التنشيطية..

    * شذى الحاضر وعبق الماضي
    نظرا لما تتمتع به مدينة زغوان من سحر وجمال، فقد كانت دائما قبلة للعديد من الزوار، ومن أهم الشخصيات التاريخية والثقافيةالذين زاروا مدينة زغوان نذكر منها: المؤرخ العربي البكري والجغرافي الكبير الإدريسي والشاعر الفذ "حازم القرطاجنّي والرحالة الأندلسي وأيضا الرحالة المغربي الوزّاني والقس الإسباني والرحالة خيمناز.

    كما تغنى بها الشاعران الفرنسيان "أندري جيد" و"فلوبار" والكاتب السويسري "دونان" مؤسس المنظمة الغير حكومية للصليب الأحمر الدولي، كما استقر بها شاعر تونس الأكبر "أبو القاسم الشابي" صحبة والده بدار القاضي بنهج الشوّاشية. فزوروا زغوان وأكيد أنه سيعلق فيكم طيبها وشذاها للأبد.



     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...