تجربة ونّوس المسرحيّة ما بعد 67

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة zaydoun72, بتاريخ ‏26 فيفري 2009.

  1. zaydoun72

    zaydoun72 عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏18 مارس 2007
    المشاركات:
    396
    الإعجابات المتلقاة:
    1.042
      26-02-2009 19:29
    أصبح سعد الله ونوس أكثر وضوحاً وتحديداً بعد هزيمة 1967.. التي استشفها في مرحلته الأولى، واتجه بكل قواه نحو التسييس، ليجعل من هذه القضية "التسييس قضيته الأولى في ممارسته المسرحية والتنظيرية للمسرح بعد الهزيمة. فبمقابل حالة الاستلاب التي يعيش فيها الجمهور، وحالة تعمّد أبعاده عن السياسة. يجب أن تطرح الحالة المضادة؛ أي يجب أن تُطرح قضية التسييس، ففي حواراً حول تجربته المسرحية، أجراه معه نبيل الحفار، يقول ونوس "بع عام 1967 كانت المعركة ملحّة بالنسبة للمسرح، وعلاقته بالسياسة، وكان واضحاً أن المسرح بوغتَ ومثله مثل الشعوب العربية، بهزيمة الخامس من حزيران 1967. وأنه قد تأخر كثيراً في الإجابة على أسئلة ملحّة.. إذن بعد 1967، طرحت العلاقة بين المسرح والسياسة بشكل حاد.. وكانت التجارب المسرحية السابقة على 1967 تتوهم أنه بالإمكان ممارسة تجربة مسرحية حدودها الفن، وحدودها تعميم خدمة ثقافية ما. عبر تقديم نماذج عشوائية وغير مترابطة من "ريبرتوار" المسرح العالمي، لذا كانت معركتنا الأولى هي: هل ينبغي أن يهتم المسرح بالسياسة أم لا؟‏

    فهزيمة حزيران كانت شديدة الوطأة، وقد خلفت نوعاً من الصحوة الفكرية؛ في كل أوساط المثقفين، لذلك بعد أن صار ثمة إقرار بأن العلاقة وثيقة بين المسرح والسياسية، كان لابد من أن نواجه قول المسرح السياسي من خلال معايير سياسية: مدى تقدمية هذا العمل؟ وعمقه في طرح القضية، واستشراف الآفاق المفتوحة أمام الحلول أو مدى سطحية المعالجة وتفاهتها، وبالتالي تكريس ما هو متخلّف في الوعي السياسي السائد.. إذ لابد من المضي أعمق لتحديد هوية السياسية التي تبناها المسرح.."(10).‏

    تبنّى المسرح السياسي. ولكن ليس أي مسرح سياسي، بل المسرح السياسي التقدمي.‏

    وقد وضّح هذا المفهوم من خلال توضيحه لمفهوم التسييس.. بحيث يصبح المسرح حوار بين مساحتين، الأولى هي ما يعرض فوق خشبة المسرح، والثانية هي جمهور المتلقين، المتفرجين في الصالة، والمساحة الأولى يجب أن تعكس ظواهر الواقع ومشكلات المساحة الثانية، ليقوم حوار مرتجل، ومتدفق وحقيقي بين المساحتين.‏

    "يتحدد مفهوم التسييس من زاويتين متكاملتين.. الأولى فكرية وتعني أننا نطرح المشكلة السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية، وأننا نحاول في الوقت نفسه استشفاف أفق تقدمي لحل المشكلة.."(11).‏

    "والثانية فنية من خلال هدم العلاقة التقليدية الساكنة بين الصالة والخشبة، لإقامة علاقة جديدة يندغم فيها الممثل بالمتفرج في جوٍّ من الإلفة والصراحة؛ بحيث تتقوض الحواجز، ويحلّ الحوار بينهما، بدلاً من علاقة المرسل والمتلقي"(12).‏

    فلا يكفي من وجهة نظر ونّوس أن تطرح القضايا السياسية على المسرح حتى يصبح سياسياً، بل يجب أن تطرح من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية، ومثل هذه المعالجة تحاول فهم آلية الواقع، لكشفه ولتعرية القوى التي تعيق تقدّمه؛ ولإدانة الأنظمة الفاسدة المسؤولة عن تكريس ما هو متخلّف ورجعي. كل ذلك يجب أن يتم من خلال رؤية متكاملة ومعالجة تقوم على خلفية نظرية واضحة في ذهن الكاتب ـ دون إغفال لجانب المتعة الفنية. فالتعبير بحرية وصراحة عن الآراء السياسية، يمكن أن يكون تعويضاً باهراً.. فالمسرح من خلال جماعيته وعمله الذي يتعلّق باليومي. وذي العلاقة بالحاضر والمباشر مع الناس، إنما يعطي الوهم بنشاط أو بعمل سياسي.. إذن يجب تسييس المسرح للتواصل مع المتفرج ومحاورته وتبصيره بقضاياه الأساسية.. وحثّه على اتخاذ القرارات والمواقف منها. وهكذا كما يقول ونوس "يجب أن نشحن لا أن تفرّغ".‏

    "تمثل هذه المرحلة انعطافاً نوعياً في وعي الوجود المؤسس للبنية التكوينية للنص. حيث ينتقل وعي الحرية من الرؤية المعرفية التي ترى في الحرية جوهر الوجود، إلى الرؤية المعرفية التي ترى في الحرية شرط الوجود قيمياً. من وعي الحرية بوصفها جوهر الكائن إلى وعيها بوصفها شرط كرامة وسيادة الكائن، من وعيها بوصفها وضعاً أنثولوجياً، إلى وعيها بوصفها صيرورة تاريخية على طريق اكتمال الوجود بالقيمة... وذلك لا يتم إلا بالغوص في حمأة الواقع وأسئلته الشائكة التي توحد مساحتي الوجود.. العرض المسرحي وجمهور الصالة بمشكلاتهم وهمومهم وأشواقهم"(13).‏

    فالمسرح إذن تجمع سياسي تطرح فيه المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتُناقش. وهذا ما يستدعي بالضرورة إلغاء المفهوم التقليدي للشخصيات ـ الأبطال ـ فثمّة أصوات وملامح من وضع تاريخي معيّن، وأهمية الأفراد تتحدد من خلال التفاصيل أو الخطوط التي تضيفها على الوضع التاريخي العام فيصبح المسرح بهذه المثابة أداة تغيير، وليس أداة تكريس لما هو سائد، وهو إضافة إلى ذلك ـ بحسب قول ونوس ـ في مقدمة مسرحيته: "مغامرة رأس المملوك جابر.." حوار بين مساحتين: العرض المسرحي وجمهور الصالة، حيث يكون الارتجال الجريء. سمة رئيسية، من سمات هذا الحوار، مما يقوّي الإحساس بوحدة المصير المشتركة بين الفرقة المسرحية وجمهور الصالة.‏

    شكّل هذا مجموعة الأفكار الرئيسية لفكرة تسييس المسرح لدى سعد الله ونوس. إنها تشكل في مجموعها رؤيا للمسرح على المستويين الفكري والفني، بدونها يصعب أن ندخل إلى عالم سعد الله ونوس المسرحي في المرحلة الثانية. حيث ظهرت هذه الرؤيا في مجمل مسرحياته التي أنتجها بعد هزيمة حزيران 1967.. ولعلّ أشهر هذه المسرحيات وأكثرها إثارة للجدل.. مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران.." التي كتبها عام 1967، فكانت ردّة فعل ملتاعة ومريرة، ودعوة للالتفات إلى الواقع وما يحدث فيه حيث أعمل ونوس مبضعه في تعرية الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المسؤولة عن الهزيمة، كما طرح قضايا البسطاء الذين تضرروا حقاً من الهزيمة وسمى الأشياء بأسمائها الصريحة.. كلّنا مسؤول عن الهزيمة..‏

    "كانت النقلة عنيفة وحاسمة في مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" حيث في هذا النص يؤسس سعد الله لفكرة "الحوار والمشاركة" ليس عبر الرسالة المعرفية والأيديولوجية للنص فحسب، بل من خلال التشكيل البنائي للنص ذاته، إذ يكسر الحاجز الفاصل بين المعرفة والسلطة لتدمير معرفة السلطة التي قادت إلى الهزيمة. دافعاً بجمهور العدالة أن ينتزع حقه بالمشاركة في صناعة القرار، عبر الحوار والتدخل المباشر على الخشبة لمواجهة معرفة السلطة بسلطة المعرفة التي بدونها لا يمكن للناس أن يمتلكوا حريتهم.."(14).‏

    ركّزت كثير من الآراء التي ظهرت عقب عرض هذه المسرحية على أنها عمل يقوم على تعذيب الذات، وجلدها، وفضح الأخطاء، فترسم صورة شديدة القتامة لا يمكن أن تكون معها ذات رؤيا اشتراكية. ولكن مثل هذه الآراء تظلمها لأن هذا العمل يساير منهج ونوس في التحريض وعدم المطامنة، فونوس يطالب بإزاحة هذه الأوضاع المزرية التي أدت بنا إلى ما نحن فيه، إلى الهزيمة. هي دعوة إلى تجاوز الارتجال في عملنا. ورد الفعل، إلى الفعل المنظم الذي تجسّد في تلك الشخصية من شخصيات حفلة سمر التي تحمل حلماً.. وتحمل بندقية وتجوب الأرض.. وصاحبها يعانق بندقيته كابنه الوحيد، ولا يلبس ثياب الجنود..‏

    إن ونوس لا يغلق الأفق نهائياً، ولكنه يقسو ليكون وقع التحريض أقوى، ولا نبالغ إذا ما قلنا: إن النجاح الجماهيري الذي حققته هذه المسرحية، لم تحظَ به أية مسرحية جادة حتى حينه في إطار المسرح العربي. وإن النقاشات الساخنة التي أثارتها في حينها، لم تُثرها أية مسرحية عربية أخرى.. إنها كما يقول الناقد محمود أمين العالم: "من أنضج مسرحياتنا العربية المعاصرة عامة، سواء من حيث البناء الفني أم المضمون.."(15).‏

    طرح ونوس في هذه المسرحية سؤالين صعبين بقدر ما هما جوهريان وأساسيان من نحن؟ ولماذا..؟‏

    وضع ونوس أمامنا مرآة كبيرة، بحجم الهزيمة التي لحقت بنا، وقال لنا" انظروا من نحن، تعالوا نتعرّف على حقيقتنا من غير أقنعة أو تهويل أو تزييف. إن أية مجابهة مع العدو سوف تنهار وتتداعى إذا لم تقم على أرضية صلبة، بمعنى آخر ـ إذا غاب الشعب، وهو صاحب المصلحة الحقيقية، وصاحب الدور الريادي في كل معركة، فلن تكون المؤسسات والدوائر الرسمية قادرة على عمل شيء.. ستقف عاجزة مشلولة لا تقدر على الحركة.. استطاعت مسرحية "حفلة سمر" أن تفجّر جملة من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية دفعة واحدة، وأظهرت ترابط هذه القضايا وتداخلها من منظور تقدمي.. ومن خلال مناقشة عميقة للبنى التي أدت إلى الهزيمة. كما قدّمت مثالاً تطبيقياً، شكلاً ومضموناً لوظيفة المسرح ودوره، عبر تسييسه كما أراده ونوس أن يكون.‏

    وإذا كانت "حفلة سمر..." قد عالجت الواقع عبر حكاية معاصرة وبشكل مباشر فقد اعتمد ونوس في تثبيت مفهوم التسييس في هذه المرحلة على مسرحيات أخرى. اتخذت من الإبعاد الزماني والمكاني وسيلة فنية، فاعتمدت على التراث، سواء كان شعبياً أم تاريخياً.. للسعي إلى استقطاب قطاعات واسعة من الجمهور، غير عابئ بالصيغة المسرحية المستقلة، باحثاً عن صيغة جديدة ـ قديمة. مألوفة في المجتمع العربي ـ كالراوي مثلاً ـ والمقهى والقصاص، والحدوتة.‏

    ومن خلال الإبعاد الزماني والمكاني، يقيم جسراً بين ما يعرض بزمنه الماضي.. وما يحدث، لخلق توازيات تضيء الحاضر.. ومن هذه المسرحيات مسرحية "الفيل يا ملك الزمان" 1971، وقد عرض من خلالها لمشكلة السلطة وعلاقتها بالشعب، وعلاقة الشعب بها.‏

    (فزكريا) يحرض جماعة الناس لتثور ضد استبداد السلطة، بعد أن عمل على إيقاظ وعيهم، وتبصيرهم بما يحدث حولهم من مظالم واستبداد.. ولكن استكانة الناس أمام جبروت السلطة وأبّهة الملك تجعل الجميع يخرجون منكّسي الرؤوس، متوافقين مع قيودهم واستكانتهم للعبودية.. ثم يعلن الممثلون في ختام المسرحية. أن لا حرية في ظل الحكم الاستبدادي.. وأن الاستكانة والمطامنة ستجعل الفيلة تتكاثر لتتكاثر بعد ذلك الدماء المسفوحة.. "إنها عندما تتكاثر تبدأ حكاية دموية عنيفة"(16).‏

    تابع موضوعة السلطة في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر.." 1971. فالسلطة منقسمة على نفسها، وظالمة للرعية، وبالمقابل هناك الشعب المظلوم والخائف، تمثله جماعة من الرجال..‏

    إن أجواء التناحر على السلطة في مجتمع يقوم على الاستغلال. ستفرز بشكل طبيعي الانتهازيين "المملوك جابر.." الذين يسعون وراء المال والربح السريع والمجد والنساء.. فالمملوك جابر لا يهتم للصراع القائم بين الوزير والخليفة، ولكنه عندما وجد ثغرة يستطيع النفاذ منها لتحقيق مصالحه، تحركتْ انتهازيته وبدأ اهتمامه. فتقدّم باقتراح إلى الوزير يجعله ينفذ خطته في استدعاء أعداء البلاد لنصرة الوزير.. ثم ينال هو العطايا والمزايا..‏

    كما ربط ونوس في هذه المسرحية بين معاناة الشعب جرّاء السلطة الفاسدة المنقسمة على نفسها، فلا تهتم بأن تسرق من الشعب قوت يومه أو تستدعي أعداء البلاد وتفتح لهم الأبواب وبين سلبية هذا الشعب وعدم قدرته على الفعل. وبين صعود الانتهازيين، واستمرار عسف السلطة وقمعها. كما طرح موضوعة لا مبالاة الجماهير وسلبيتها.. وهو موضوع أثير لديه، فلا مبالاة الناس وسلبيتهم وعدم اهتمامهم بما يحدث حولهم. سوف يجرّهم إلى الدمار والخسران. حتى على الصعيد الفردي.. فتراه دائم التأكيد أن ما يجري في المجتمع مهم للجميع، وعلى الجميع أن يعيه وينخرط فيه ليؤدي دوره الفاعل، وإلا حلّ البلاء. وقد طرح هذا الموضوع في كثير من مسرحياته: "المقهى الزجاجي ـ مغامرة رأس المملوك جابر ـ الفيل يا ملك الزمان"، كما أفرد لهذه الفكرة مسرحية كاملة اقتبسها من "بيتر فايس" هي مسرحية "رحلة حنظلة". وهذا ما يجعلنا نلاحظ كثرة الشخصيات السلبية في مسرحه. وهي شخصيات في غالبيتها خانعة مستلبة خائفة مشتتة أو انتهازية لا تحمل من المبادئ ما يبث بارقة أمل في الخلاص. وقد يُظن من خلال ذلك أن "ونوس" لا يحمل رؤية متفائلة، ولكنه يرى غير هذا، وينظر إلى المسألة من خلال علاقة المسرح بالجمهور، ومن خلال الفعل الذي تمارسه المسرحية على جمهور المتلقين. هل تمنحهم الرضى والمطامنة؟ وهذا ما لا يرضى عنه أم تحرضهم وتدفعهم للفعل، واتخاذ المواقف الإيجابية؟. يقول: كان مهماً بالنسبة لي دائماً، وفقتُ أم لم أوفّق ـ لكن هذا ما كنتُ أريده، أن أبني وعياً لا أن أُعطي وعياً جاهزاً، وبناء الوعي يتم عبر السلب، تأخذ عيباً من العيوب وتضخّمه، وتظهر عقابيله وآثاره، وتكون بذلك قد قدمت أمثولة أو درساً تطبيقياً لهذه الحالة، ويجب ألا ننسى أن المسرح في النهاية هو عملية جدل، وأن الخلاص ليس فيما يُطرح على الخشبة فقط. وإنما فيما يتمخّض عنه الجدل بين الصالة والخشبة..‏

    إن تفاؤل العمل أو تشاؤمه، لا ينبع من مدى احتوائه على شخصيات إيجابية متفائلة أو سلبية متشائمة. وإنما يتم ذلك من خلال مجمل العمل وبنيته. هل يسير هذا العمل نحو أفق مسدود تشاؤمي أم أنه يشير إلى أن هناك أفقاً آخر، شرط أن تبدّلوا عاداتكم في التفكير والسلوك والنضال. وبهذا المعنى رأى أن هذه الأعمال إيجابية أكثر بكثير مما لو وضعتُ فيها شخصيات متفائلة وبطولية تقلب معادلة المسرحية وتحقق انتصارات على الخشبة، وتوزع انتصارات وهمية على المتفرجين.."(17).‏

    في مسرحية "الملك هو الملك" يحاول ونوس فضح أنظمة التنكر البورجوازية ـ كما يقول ـ فيعالج قضية الحكم بصورة أكثر نضجاً وعمقاً. فالحاكم الفرد المطلق الذي يحتجز بيده كل السلطات يستمد قوته من الرموز المحيطة به، ومن القوى التي تقف خلفه للحفاظ على مصالحها "شهبندر التجار" أو "الشيخ طه.." والحاكم ليس إلا تجسيداً رمزياً لهذه القوى، وليس شخصه مهماً ما دام النظام قائماً، ولا يعني استبداله. شيئاً ما دامت القوى والنظام لا يزالان قائمين..‏

    إن الاعتماد الكبير على التراث، عدا بعض المسرحيات في هذه المرحلة ـ قد ميّز إبداع ونوس في مسرحيات المرحلة الثانية. فالحكايات الماضية تشكل المادة الأولية للمسرحية ليطرح من خلالها القضايا المعاصر. الاجتماعية والسياسية التي يريد تناولها فيعالجها من خلال مفاهيم عصرية. تعالج قضايا المجتمع الراهنة لتحريض المتلقي ليتأمل واقعه، فيشارك مشاركة إيجابية فيما يدور حوله من أحداث تمسّه وتتعلّق بمصيره، ويبيّن ونوس أن عقابيل الاستسلام للواقع المريض، أخطر بكثير من أعباء النضال من أجل محاولة تغيير هذا الواقع.‏

    "المرأة الثانية: وماذا نفعل إن انطبقتْ أبواب السجون على أحبتنا؟.‏

    الرجل الثالث: وتعوّدنا تغيّر الأوضاع.‏

    الرجل الثاني: وتعاقب الخلفاء والوزراء.‏

    المرأة الثانية: وقتل الرجال لأتفه الأسباب.‏

    المرأة الأولى: وغياب رجال لكذبة أو وشاية.‏

    الرجل الثالث: ما لنا نحن وشؤون السادة..."(18).‏

    اهتمت مسرحيات هذه المرحلة بموضوع السلطة والجماهير وقد رمى ونوس عبر هذه المسرحيات بالأسئلة والإجابات كلها.. باحثاً بغضب ولوعة عمّا يربط الإنسان بالوطن، والوطن بالإمكانية التي تدافع عنه، ولأنه كان يشتق أسئلته من التاريخ، ويجانب الأسئلة العابثة لتوليد الأسئلة الجديدة. التي تحاور الهزيمة لترد عليها.. ولتبعد شبحها عن الوجود العربي. ولذا فإنه عاد إلى الإنسان ولكن بصيغة جماعية هذه المرة سائلاً عن النصر والهزيمة وشروطهما، وعن أحوال المحكومين والحاكمين. طارحاً مسألة "التسييس" التي رأى من خلالها أن مآل الإنسان في وعيه ومآل وعيه في فعله، ومصير فعله فيما يميّز من أفعال الحاكمين" ولا يمكننا أن نمر في هذه المرحلة دون التعرّض لمسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني" التي كتبها تكريماً لهذا المبدع الرائد المسرحي السوري، دون أن تخرج عن إطار مسرح التسييس. فالقباني ابن عصره وبيئته، ولا يمكن فصل تجربته المسرحية، عن الوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي السائد في تلك الفترة. إنه رائد دفع ثمن ريادته، صارع عقولاً متحجّرة، كانت ترى في الفن الجديد، ضرباً من الكفر والإلحاد، ونوعاً من الفسق والفجور. ولكن ونوس يؤمن بحركة التاريخ، ويؤمن بانتصار الجديد التقدمي على القديم الرجعي إيماناً قاطعاً.‏
     
    4 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...