فلسفة المتنبي بين نيتشه ودارون .....

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة mac2g07, بتاريخ ‏4 مارس 2009.

  1. mac2g07

    mac2g07 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 أفريل 2008
    المشاركات:
    1.451
    الإعجابات المتلقاة:
    2.713
      04-03-2009 21:12
    في كتاب "مطالعات في الكتب والحياة" مقالات متسلسلة للعقاد يحاول فيها المقاربة بين فلسفة المتنبي ونيتشة ودارون أنقل لكم بعضها.

    فلسفة المتنبي

    إن للمتنبي مذهباً خاصاً في الحياة. وقد يستغرب الواقفون عند الظواهر نسبة الفلسفة إلى شاعر ولو كان من كبار الشعراء؛ لجهلهم حقيقة الشعر والفلسفة معاً وظنهم أن الفلسفة لا تصدر إلا عن الفكر وحده مجرداً من الخيال والعاطفة؛ وإن الشعر لا يصدر إلا عن الخيال والعاطفة بحتاً مجردين من الفكر. ولقلة تفرقتهم بين الحقائق التي تقر في الروع وتنطبع في البصيرة ثم تسلك سبيلها من العقل الباطن إلى العقل الظاهر فإذا هي موافقة له غير مستعصية على براهينه وأنماطه، وبين الحقائق الذهنية الصرف التي يدركها الفكر الظاهر ابتداء كما تدرك المسائل الحسابية والمعلومات الاحصائية؛ وهي مما لا يستجيش احساسا ولا يحتاج إلى خيال.

    والحقيقة أن الفكر والخيال والعاطفة ضرورة كلها للفلسفة والشعر مع اختلاف في النسب وتغاير في المقادير. فلا بد للفيلسوف الحق من نصيب من الخيال والعاطفة ولكنه أقل من نصيب الشاعر؛ ولا بد للشاعر الحق من نصيب من الفكر ولكنه أقل من نصيب الفيلسوف. فلا نعلم فيلسوفاً واحداً حقيقياً بهذا الاسم كان خلواً من السليقة الشعرية ولا شاعرا واحداً يوصف بالعظمة كان خلواً من الفكر الفلسفي. وكيف يتأتى أن تعطل وظيفة الفكر في نفس انسان كبير القلب متيقظ الخاطر مكتظ الجوانح بالاحساس كالشاعر العظيم؟؟ إنما المفهوم المعهود أن شعراء الأمم الفحول كانوا من طلائع النهضة الفكرية ورسل الحقائق والمذاهب في كل عصر نبغوا فيه. فمكانهم في تاريخ تقدم المعارف والاراء لا يعفيه ولا يغض منه مكانهم في تواريخ الاداب والفنون، ودعوتهم المقصودة أو اللدنية إلى تصحيح الذوق وتقويم الأخلاق لا تضيع سدى في جانب أناشيدهم الشجية ومعانيهم الخيالية. هكذا كان شكسبير شاعراً ناطق الفكر حتى في أغانيه الغزلية وهكذا كان جيتي وشيلر وهيني شعراء الألمان الادباء الفلاسفة في استعدادهم وسيرة حياتهم وفيما يستقرى من مجموعة أعمالهم؛ وهكذا كان بيرون ووردزورث وسونبرن من الشعراء المجاهدين في أغانيهم المغنين في جهادهم؛ وهكذا كان من قبلهم جميعاً دانتي اليجييري إمام النهضة الايطالية بل هكذا كان كل شاعر عظيم في أية لغة وبين أي قبيل.

    ونظرة واحدة في تاريخ آدابنا العربية تبين لنا صدق هذا القول وترد الواقفين عند الظواهر إلى رأي أصح وأكمل في فهم الملكة الشعرية وتعرف القرابة الحميمة بين السليقة والبديهة الموصولة بالفكر، فمن هم أكبر شعراء اللغة العربية في رأي الأكثرين من النقاد والقراء؟؟ أليسوا هم بشارا وأبا نواس ودعبلا وابن الرومي وأبا تمام والبحتري والمتنبي والمرعي والشريف وبقية هذه الطبقة؟؟ فما مزية هؤلاء على الشعراء الآخرين من اضراب المجنون وابن أبي ربيعة وابن مناذر والحسين بن ضحاك وحماد عجرد وغيرهم ممن حذا حذوهم وغنى على ليلاهم؟؟ أهي قلة الفكر في شعرهم أم كثرته؟؟ أهي اقتصارهم على المعاني الغنائية أم طرقهم لأبواب المعاني المختلفة وتوفرهم على فنون القول المتشعبة؟؟ في دواوينهم جواب قاطع على هذا؛ وفحواه أنهم فاقوا أولئك الشعراء بان كانوا أوسع منهم جوانب نفس وأجمع منهم لملكات الشعر والفلسفة ومواهب الاحساس والتأمل وانهم أقدر على النظر فيما حولهم ممن نظروا في ناحية واحدة فحسرت أبصارهم عن غيرها وداروا فيها طول عمرهم لا يتحولون عنها.

    والمتنبي على وجه خاص أولى من عامة شعرائنا (ماعدا المعري) بالنصيب الأوفى في عالم المذهب والاراء. لأن الحقائق المطبوعة لا تكاد تقر في نفسه حتى يرسلها إلى ذهنه ويكسوها ثياباً من نسجه. ويغلب أن يوردها بعد ذلك مقرونة بأسباب معززة بحجبها على نمط لا يفرق بينه وبين أسلوب الفلاسفة في التدليل الا طابع السليقة وحرارة العاطفة فتأمل قوله:

    اذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
    فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم



    أو قوله:

    اذا أتت الاساءة من لئيم ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟؟
    والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق


    ولا نزيد على هذا فاننا ربما نقلنا حكم المتنبي بيتاً بيتاً لو مضينا في السرد إلى النهاية، فتأمل هذه الأبيات ألا ترى أنه قد قرن كل حكم فيها بسببه أو بتفسيره وبإقامة الدليل الذي ينفي الغرابة عنه؟؟ أليس العقل هنا مساوقا للطبع متأهباً لتعزيز حكمه وتسويغ نظره وتمحيض المساعدة الطيعة السمحة له؟ فمذهب المتنبي في الحياة ثمرة هذا التزاوج بين طبعه وعقله ونتيجة القدرة على استيعاب مؤثرات الحياة جميعها أو هضمها هضما تغتذي به السليقة والذهن في وقت معاً. وهذه هي صيغة المذاهب التي تستنبط من أقوال الشعراء وتحمل في أطوائها حجة الشعر والفلسفة التي تفتح لها منافذ القلوب والعقول.


    بعد هذا نسأل ما هو اذن ذلك المذهب الذي ذهب إليه المتنبي في الحياة؟؟ وينبغي قبل الشروع في بيان ذلك أن ننبه إلى الفرق بين الكلام في مصدر الحياة والكلام في سننها وصروفها؛ فإما الكلام في مصدر الحياة فقد كان المتنبي حكيما في اجتنابه واغلاقه بابه؛ فأراح نفسه من الخلط والخبط والقيل والقال وطاوع مزاجه العملي فنأى به عن الخوض في هذه المتاهات التي لا تفضي إلى طائل ولا يحصل العقل من ورائها على حاصل. عالج فتح هذا الرتاج في صباه على جدة من النفس وفراغ من الوقت وتعطش إلى الالمام بكل شيء واستكناه كل سر كما يظهر في قصيدة الميمية التي نظمها في المكتب فأتعبه فتحه ثم ما عتم أن مل هذا البحث الذي لا تسكن إليه نفس ولا يستمرئه طبعه فأقلع عنه ونفض يديه منه ولعله أخذ حيناًً بمذهب القائلين بأن الانسان ربيب هذه الأرض ووليد الزمن:

    فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجساد من تربه

    يتبع....
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...