الإجماع

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة almouchtak, بتاريخ ‏24 أفريل 2009.

  1. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      24-04-2009 14:55
    بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و أصحابه..
    السلام عليكم و رحمة الله..
    فهذه بعض المسائل المتعلقة بالإجماع بشيء من الاختصار وليس ذلك بالطويل الممل ولا بالقصير المخل رجوت في نقله النفع للإخوة و الأخوات بأبسط صورة ليتمكن من فهمه المبتديء فارجو أن يحصل المقصود بذلك والله الموفق .

    أولاً : تعريف الإجماع لغةً واصطلاحاً :

    وهو في اللغة يرد لثلاث معان :
    أحدها : العزم على الشيء والتصميم عليه ذكره الكسائي والفراء وغيرهما ، ومنه قولهم : أجمع فلان على كذا إذا عزم عليه ومنه قوله تعالى : [​IMG] فأجمعوا أمركم [​IMG] : أي اعزموا وبقوله عليه السلام : " لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل " ( أخرجه الخمسة من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر عن حفصة _ رضي الله عنهم _ مرفوعاً واختلف في وقفه ورفعه ورجح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والنسائي وقفه، ورجح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والخطابي رفعه ، وقال البخاري : فيه اضطراب ، وقال أحمد : ماله عندي ذاك الإسناد )
    ويجمع أي يعزم وبهذا بوب الترمذي في سننه .
    وقال الشاعر :
    أجمعوا أمرهم بليلٍ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

    الثاني : تجميع المتفرق ومنه قوله تعالى : [​IMG] يوم يجمعكم ليوم الجمع [​IMG]

    الثالث : الاتفاق ذكره أبو علي الفارسي والراغب في المفردات والزبيدي وغيرهم ، ومنه قولهم : أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه ، ويقال : هذا أمر مجمع عليه أي متفق عليه .
    وفي الحقيقة المعاني كلها تعود إلى معنى الاتفاق فالعزم على الشيء هو اتفاق الخواطر والنوايا على أمرٍ واحدٍ هو ما عزم عليه الشخص وتجميع المتفرق يؤول إلى الاتفاق .
    وقد اختلف في دلالة الإجماع على العزم والاتفاق هل هو من باب الاشتراك اللفظي ؟ أو أنه حقيقة في الاتفاق مجاز في العزم ؟ أو حقيقة في العزم مجاز في الاتفاق ؟ ثلاثة أقوال .

    الإجماع اصطلاحاً :

    اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الإجماع والسبب في هذا يعود إلى أمور :
    الأول : الخلاف في تحديد المجمعين فالبعض يرى أنه خاص بأهل الحل والعقد من المجتهدين والبعض الآخر يجعله عاماً فيدخل فيه جميع الأمة من العوام وغيرهم فمن يخصه بالمجتهدين يعبر بقوله : ( اتفاق المجتهدين ) ومن يدخل العوام يعبر بقوله : ( اتفاق الأمة ) .
    الثاني : الخلاف في زمن الإجماع فبعضهم يخصه بعصر الصحابة كابن حزم ومن وافقه وبعضهم يجعله عاماً في جميع العصور ، فمن يخصه بعصر الصحابة يعبر بقوله : ( اتفاق أصحاب رسول الله [​IMG] ) أو اتفاق ( الصدر الأول ) ومن يجعله عاماً يقول : ( اتفاق المجتهدين في جميع العصور )
    الثالث : الخلاف في الأمور المجمع عليها فبعضهم يحصرها في الأمور الشرعية وبعضهم يعممها ، فمن يحصرها بالأمور الشرعية يقول : ( اتفاق على أمرٍ أو حكمٍ شرعي أو ديني ) ومن يعممها يقول : ( اتفاق على أمرٍ من الأمور ) .
    الرابع : الخلاف في بعض شروط الإجماع مثل اشتراط انقراض العصر واشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر ونحوها فمن يشترط ذلك يجعله قيداً في التعريف ومن لا يشترطه لا يذكره في التعريف .

    التعريف المختار :

    لعل من أسلم التعريفات للإجماع والذي يتناسب مع ما نرجحه في مسائل الإجماع هو أنه :
    (
    اتفاق المجتهدين من أمة محمدٍ [​IMG] بعد وفاته في عصرٍ من العصور على أمرٍ ديني )
    محترزات التعريف :
    قولنا (
    اتفاق ) قيد يخرج الاختلاف ، واتفاق *** يشمل كل اتفاق سواء كان من الكل أو من البعض وسواء كان من المجتهدين وحدهم أو من جميع الأمة ، ويؤخذ من قولنا اتفاق أنه أقل ما يمكن أن يحصل به الاتفاق اثنان .
    قولنا (
    المجتهدين ) قيد يخرج من ليس مجتهداً كالعوام والعلماء الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد ، و ( أل ) في المجتهدين للاستغراق أي اتفاق جميع المجتهدين فلا يكفي اتفاق الأكثر أو البعض كما سيأتي .
    فيخرج بهذا : قول الأكثر ، وإجماع أهل المدينة ، وإجماع الخلفاء الأربعة ، وإجماع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وإجماع أهل الحرمين : مكة والمدينة ، وإجماع أهل المصرين : الكوفة والبصرة فكلها لا تسمى إجماعاً كما سيأتي بيانه .
    والاجتهاد هو (
    بذل الفقيه وسعه للوصول إلى حكمٍ شرعي ظني )
    قولنا (
    من أمة محمدٍ [​IMG] ) قيد يخرج ما سوى الأمة المحمدية كاليهود والنصارى ، والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة وهم المسلمون أتباع النبي [​IMG] ، وعليه فيخرج من كُفِّر ببدعته فلا عبرة بقوله .
    قولنا (
    بعد وفاته ) قيد يخرج ما كان في حياته [​IMG] ؛ إذ لاحاجة إلى الإجماع حينئذٍ لنزول الوحي .
    قولنا (
    في عصرٍ من العصور ) بيان أن المراد مجتهدو العصر الواحد وليس جميع المجتهدين في جميع العصور إلى قيام الساعة ؛ لأنه يلزم منه عدم حصول الإجماع إلا بعد قيام الساعة ولا تكليف عندئذٍ فلا حاجة إلى الإجماع .
    ويؤخذ من قولنا (
    عصر ) أنه في أي عصرٍ كان فلا يختص ذلك بعصر الصحابة كما سيأتي بيانه .
    قولنا (
    على أمرٍ ديني ) قيد يخرج ما سوى الأمور الدينية كالأمور الدنيوية والعقلية واللغوية ونحوها فهي غير داخلة في الإجماع الشرعي المعصوم والمراد هنا ، ويدخل في الأمر الديني العقائد والأحكام .


    ثانياً : إمكان حصول الإجماع وانعقاده :

    ذهب الأكثرون إلى القول بجواز حصول الإجماع وإمكان انعقاده ، وذهب بعضهم _ وهم الأقل _ إلى عدم جواز ذلك ، وسوف نكتفي بذكر أدلة القول الأول وذلك لضعف وشذوذ القول الثاني ( الكلام في هذه المسألة عن الجواز العقلي لا الوقوع الشرعي ) .
    أدلة القول بجواز حصول الإجماع وإمكان انعقاده :
    الدليل الأول : وجوده وحصوله فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن الصلوات خمس وأن صوم رمضان واجب ، وكيف يمتنع تصوره والأمة كلهم متعبدون باتباع النصوص والأدلة القاطعة ومعرضون للعقاب بمخالفتها .
    فإن قيل هذه الأمور حصلت بالتواتر وليس بالإجماع ؟
    أجيب بأن هذه الأمور حصلت بالأمرين معاً : التواتر والإجماع مقارنة أو مرتباً بمعنى أنه حصل الإجماع والتواتر معاً ، أو حصل التواتر ثم الإجماع ، أو حصل الإجماع ثم التواتر فالمقصود هو أنه حصل فيها الإجماع وهو المطلوب .
    فإن قيل هذه علمت من الدين بالضرورة ومحل الخلاف هو فيما لم يعلم بالضرورة ؟
    أجيب : بأنه حصل الإجماع كذلك فيما لم يعلم بالضرورة كالإجماع على أجرة الحمام وأجرة الحلاق ، وخلافة أبي بكر رضي الله عنه ، وتحريم شحم الخنزير ، وتحريم بيع الطعام قبل القبض ، وتوريث الجدة السدس ، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها وغير ذلك .

    الدليل الثاني : القياس على حصول الإجماع في الأمور الدنيوية فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعي فكذلك على اتباع الحق واتقاء النار .

    الدليل الثالث : القياس على حصول الاتفاق من الأمم الباطلة فكما حصل إطباق اليهود مع كثرتهم على الباطل فلم لا يتصور إطباق المسلمين على الحق ؟! .

    الدليل الرابع : أن الأصل هو الجواز والإمكان ، ويلزم من يدعي خلاف ذلك أن يأتي بالدليل .
     
    8 شخص معجب بهذا.
  2. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      24-04-2009 14:58

    ثالثاً : إمكان الاطلاع على الإجماع و العلم به :

    اختلف في هذا على أقوال :
    الأول : أنه يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في جميع العصور وهو قول الجمهور .

    الثاني : أنه يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في العصور الثلاثة فقط وهو قول صاحب فواتح الرحموت .

    الثالث : أنه يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في عصر الصحابة فقط ، وأما بعدهم فيتعذر ذلك ، وهو رواية عن أحمد وظاهر صنيع ابن حبان في صحيحه ومال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وهو قول الفخر الرازي والآمدي وهو قول ابن حزم إلا أن هؤلاء يخالفون ابن حزم في الحجية فابن حزم يقصر الحجية على الصحابة فقط والبقية يرونه حجة في كل وقت وإنما يرون تعذر الاطلاع عليه بعد الصحابة .

    الرابع : أنه لا يمكن العلم بالإجماع ولا الاطلاع عليه مطلقاً ، وهو قول من رأى عدم إمكانية حصول الإجماع من باب أولى ، ومن رأى عدم حجيته أيضاً كالنظام المعتزلي وبعض الشيعة والخوارج .
    لعل أقرب هذه الأقوال هو القول الثالث وذلك لكثرة المجتهدين وتفرقهم في البلاد مما يتعذر معه جمع أقوالهم في وقت واحد بخلاف عصر الصحابة فالمجتهدون منهم معلومون بأسمائهم وأعيانهم وأماكنهم واجتماعهم لا سيما بعد وفاة النبي [​IMG] زمناً قليلاً ( الكلام هنا عن إمكان الاطلاع على الإجماع لا عن حجيته ) .

    رابعاً : حجية الإجماع :

    أكثر المذاهب الإسلامية ترى حجية الإجماع الشرعي ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج والإمامية من الشيعة وطائفة من المرجئة والنظام المعتزلي كما سيأتي إن شاء الله .
    وقد قرر حجية الإجماع الأصوليون من أتباع المذاهب الأربعة وهذه نماذج من أقوالهم :
    المذهب الحنفي :
    قال أبو بكر الرازي ( الجصاص ) : ( اتفق الفقهاء على صحة إجماع الصدر الأول وأنه حجة الله لا يسع من يجيء بعدهم خلافه ، وهو مذهب جلِّ المتكلمين )
    وقال السرخسي : ( اعلم أن إجماع هذه الأمة موجب للعلم قطعاً كرامةً لهم على الدين )
    وقال : ( اجتماع هذه الأمة حجةٌ شرعاً كرامةً لهم على الدين )

    المذهب المالكي :
    - قال القرافي : ( وهو حجة عند الكافة )
    - وقال ابن جزي الغرناطي في تقريب الوصول : ( والإجماع حجة عند الجمهور )

    المذهب الشافعي :
    - قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في البرهان : ( ما ذهب إليه الفرق المعتبرون من أهل المذاهب أن الإجماع في السمعيات حجة )
    - وقال الشيرازي : ( وهو حجةٌ من حجج الشرع ودليلٌ من أدلة الأحكام مقطوعٌ على مغيبه )
    - وقال الفخر الرازي في المحصول : ( إجماع أمه محمد [​IMG] حجة خلافاً للنظام والشيعة والخوارج )
    - وقال الآمدي في الإحكام : ( اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم وخالف في ذلك الشيعة والخوارج والنظام )

    المذهب الحنبلي :
    - قال القاضي أبو يعلى : ( الإجماع حجةٌ مقطوعٌ عليها ، يجب المصير إليها ، وتحرم مخالفته )
    - وقال ابن قدامة في روضة الناظر : ( والإجماع حجة قاطعة عند الجمهور )

    إذا علم هذا فإن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى حجية الإجماع خلافاً للنظام من المعتزلة والخوارج والإمامية من الشيعة وطائفة من المرجئة .

    وقد استدل الأكثر لحجية الإجماع بالكتاب والسنة :

    أ / أدلة الكتاب :

    1 – قوله تعالى : [​IMG] وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً [​IMG] دلت هذه الآية على حجية الإجماع من وجهين :
    الوجه الأول : من قوله : [​IMG] وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً [​IMG] حيث وصفهم بأنهم ، وسط والوسط في اللغة العدول الخيار وفي هذا تزكية لهم ، والعدول الخيار لا يتفقون على باطل .
    الوجه الثاني : من قوله : [​IMG] لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً [​IMG] حيث نصبهم الله شهوداً وقبل شهادتهم على غيرهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا .

    2 – قوله تعالى : [​IMG] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [​IMG]
    ووجه الاستدلال : أنه تعالى نهى عن التفرق ، ومخالفة الإجماع تفرق فكان منهياً عنه ، ولا معنى لكون الإجماع حجةً سوى النهي عن مخالفته .

    3 – قوله تعالى : [​IMG] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [​IMG]
    وجه الاستدلال : أنه تعالى أخبر أن هذه الأمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و ( أل ) في المعروف والمنكر تقتضي الاستغراق أي أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فإذا أمروا بشيء فلا بد أن يكون معروفاً وإذا نهوا عن شيء فلا بد أن يكون منكراً ، وإذا كانوا بهذا الوصف فإنه يجب قبول قولهم وهذا هو معنى حجية الإجماع .

    4 – قوله تعالى : [​IMG] ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونصله جهنَّم وساءت مصيراً [​IMG]
    وجه الاستدلال : أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين وهو إجماعهم بالوعيد الشديد وقرن ذلك بمشاقة الرسول [​IMG] ، ولو لم يكن ذلك محرماً لما توعد عليه ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول [​IMG] في التوعد .
    وهذه الآية استدل بها الإمام الشافعي _ رحمه الله _ في إثبات حجية الإجماع وهو أول من استدلَّ بها .

    5 – قوله تعالى : [​IMG] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول [​IMG]
    وجه الاستدلال : أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة في حال التنازع فيفهم منه أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كافٍ ، فالآية دلت على حجية الإجماع بالمفهوم .

    6 – قوله تعالى : [​IMG] وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [​IMG]
    وجه الاستدلال : أنه تعالى أمر بالرجوع إلى حكمه عند الاختلاف فيفهم منه أنه إذا لم يوجد خلاف فالاتفاق على الحكم كافٍ ، فالآية دلت على حجية الإجماع بالمفهوم أيضاً كالآية السابقة .

    ب / أدلة السنة :

    تعتبر أدلة السنة أقوى مسلكاً وأكثر صراحةً لإثبات حجية الإجماع عند كثيرٍ من الأصوليين وقد تنوعت أدلة السنة في تقرير حجية الإجماع ويمكن تقسيمها ثلاثة أقسام :

    القسم الأول :

    الأحاديث التي جاءت تنفي وقوع الأمة في الخطأ وتثبت العصمة لها ومن ذلك قوله [​IMG] : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ( رواه أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نضرة الغفاري [​IMG] بلفظ : " سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها " وفيه راوٍ لم يسمَّ ، ورواه أبو داود والطبراني في الكبير وابن أبي عاصم في السنة عن أبي مالك الأشعري [​IMG] بلفظ : " إن الله أجاركم من ثلاث خلال أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وأن لا تجتمعوا على ضلالة " ، ورواه أبو عمرو الداني في الفتن من حديث أبي هريرة [​IMG] وفيه يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب وهو متروك ، ورواه أبو نعيم والحاكم في المستدرك عن ابن عمر رفعه بلفظ : " إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا،ً وإن يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإن من شذَّ شذَّ في النار " . وكذا هو عند الترمذي لكن بلفظ " أمتي " وفي إسناده اضطراب أشار إليه الحاكم في المستدرك ، ورواه ابن ماجه وابن عدي في الكامل عن أنس [​IMG] رفعه بلفظ : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم " وهو ضعيف جداً في إسناده أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء متروك واتهمه ابن معين بالكذب ، وفيه معان بن رفاعة ضعيف أيضاً ورواه الحاكم عن ابن عباس [​IMG] رفعه بلفظ : " لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة ويد الله مع الجماعة " ورواه الدارمي عن عمرو بن قيس [​IMG] مرفوعاً بلفظ :" إن الله أدرك بي الأجل المرحوم واختصر لي اختصاراً فنحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، وأني قائل قولاً غير فخر إبراهيم خليل الله ، وموسى صفي الله ، وأنا حبيب الله ، ومعي لواء الحمد يوم القيامة وان الله عز وجل وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث لا يعمهم بسنة ولا يستأصلهم عدو ولا يجمعهم على ضلالة " وهو منقطع وفي إسناده عبد الله بن صالح ضعيف ، فالحديث لا يخلو طريق من طرقه من مقال كما قال غير واحد من المحدثين )

    وجه الاستدلال : أن عمومه ينفي وجود الضلالة ، والخطأ ضلالة فلا يجوز الإجماع عليه فيكون ما أجمعوا عليه حقاً .
    القسم الثاني :

    الأحاديث التي جاءت تأمر بلزوم الجماعة ومن ذلك :
    1 – حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي [​IMG] قال : " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية " متفق عليه .
    2 - عن أبي ذر [​IMG] قال : قال رسول الله [​IMG] : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم ، وروي نحوه من حديث الحارث الأشعري [​IMG] عند الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم ، ومن حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عند البزار والطبراني في الأوسط وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال .
    3 – حديث ابن مسعود [​IMG] عن النبي [​IMG] قال : " نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العلم لله ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم " أخرجه الترمذي ورواه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت ورواه أحمد من حديث أنس بن مالك وأخرجه أحمد والدارمي وابن حبان والحاكم من حديث جبير بن مطعم وفي إسناده ضعف ، وأخرجه الدارمي من حديث أبي الدرداء وفي إسناده ضعف ( وقد جمع أبو عمرو المديني الأصبهاني رسالة في حديث " نضَّر الله " فذكره عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأبي سعيد الخدري ومعاذ بن جبل وبشير بن سعد والنعمان بن بشير وشيبة بن عثمان رضي الله عنهم )
    وجه الاستدلال من هذه الأحاديث وما في معناها :
    أن النبي [​IMG] ينهى في هذه الأحاديث عن مفارقة الجماعة ، ويأمر بلزوم جماعة المسلمين والمراد ما يقول به جماعتهم ، وما تتفق عليه كلمتهم ، وليس المراد به لزوم أبدانهم فالمسلمون متفرقون في مشارق الأرض ومغاربها .

    القسم الثالث :

    الأحاديث التي جاءت تبين أن الحق ملازم للجماعة ومن ذلك :
    حديث " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " أخرجه مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه ، وهو حديث متواتر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والسيوطي والزبيدي والكتاني وغيرهم ، وقد ورد من رواية معاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سمرة ، ومعاذ بن جبل ، وجابر بن عبد الله ، وزيد بن أرقم ، وأبي أمامة ، وعمر ، وأبي هريرة ، ومرة البهوي ، وشرحبيل بن السمط ، وعقبة بن عامر ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمة بن نفيل الحضرمي ، وعمران بن حصين رضي الله عنهم ، وله عدة ألفاظ .
    وجه الاستدلال : أن النبي [​IMG] شهد لهذه الطائفة بكونها على الحق في جميع العصور فإجماعهم إذاً حجة.
    وأما دلالة العقل فذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا مدخل له في هذا الباب وهو ما اختاره الغزالي ، وذكر الشوكاني أنه رأي معظم العلماء ، وأنهم اقتصروا على دلالة السمع في إثبات حجية الإجماع .
     
    5 شخص معجب بهذا.
  3. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      24-04-2009 15:01

    خامساً : الأدلة التي استدلَّ بها من ينكر حجية الإجماع من الإمامية الشيعة والنظام المعتزلي والخوارج والمرجئة :

    استدلوا بأدلة من القرآن والسنة :

    1 / قوله تعالى : [​IMG] ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء [​IMG]
    وجه الاستدلال : أن الله تبارك وتعالى ذكر أن الكتاب تبيان لكل شيء فلا حاجة إلى الإجماع ولو كان الإجماع حجة لذكره .

    ونجيب عن هذا بأجوبة :

    1 – أن هذا بيانٌ مجمل ومما بينه القرآن حجية الإجماع كما سبق في أدلة الجمهور .
    2 – أن قولكم هذا منقوض بحجية السنة فإما أن تنكروا حجية السنة كالإجماع أو تثبتوا حجية الإجماع كالسنة .
    3 – أن غاية ما في الآية السكوت عن حجية الإجماع ولم تنف حجيته ويمكن اعتماد حجيته من أدلة أخرى .
    4 – أن المسائل المجمع عليها تستند إلى الكتاب أو السنة وهي تعود إلى الكتاب .

    2 / قوله تعالى : [​IMG] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول [​IMG]
    قالوا : أمر الله تبارك وتعالى بالرد إلى الكتاب والسنة ولم يذكر الإجماع ولو كان حجة لأمر بالرد إليه .

    ونجيب عنه بأجوبة :

    1 – أن الله أمر بالرد إلى الكتاب والسنة في حال التنازع ويفهم منه أنه في حال الاتفاق يكتفى به كما سبق .
    2 – أن الله أمرنا بالرد إلى الكتاب والسنة في حال التنازع ونحن وإياكم تنازعنا في حجية الإجماع فنرد ذلك إلى الكتاب والسنة فنجدهما قد دلا على حجيته .
    3 – أن الله أمر بالرد إلى الكتاب والسنة وكل مسألة مجمع عليها فهي تستند إلى دليل من الكتاب أو السنة أو قياس يرجع إليهما .
    4 - أن غاية ما في الآية السكوت عن حجية الإجماع ولم تنف حجيته ويمكن اعتماد حجيته من أدلة أخرى .

    3 / استدلوا بكل نص ورد فيه النهي بصيغة الجمع كقوله تعالى : [​IMG] ولا تقربوا الزنا [​IMG] ، وقوله تعالى : [​IMG] ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [​IMG] ، وقوله تعالى : [​IMG] ولا تقتلوا أولادكم من إملاق [​IMG] وقوله تعالى : [​IMG] ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق [​IMG] وقوله تعالى : [​IMG] واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً [​IMG] ونحوها من الآيات .
    ووجه الاستدلال بها : أن الله نهى كل الأمة بصيغة الجمع عن هذه الأفعال وذلك يدل على تصور وقوعها منهم ومن تتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجباً للقطع ؛ إذ يجوز أن يجمعوا على معصية .

    ونجيب عنه بجوابين :

    1 - أن النهي في هذه النصوص ليس نهياً لهم عن الاجتماع بل نهيٌ للآحاد ، وإن كان كل واحد على حياله داخلاً في النهي فالنهي بصيغة الجمع ، والمراد كلُّ فردٍ على حدة وليس المراد أن يفعل ذلك الجميع دفعةً واحدة .
    2 - لو سُلِّم ما ذكرتموه فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز وقوعه فإن الله تعالى قال لرسوله [​IMG] : [​IMG] لئن أشركت ليحبطن عملك [​IMG] وقال : [​IMG] فلا تكونن من الجاهلين [​IMG] وقال عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : [​IMG] ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [​IMG] .

    4 / استدلوا بحديث معاذ [​IMG] أن رسول الله [​IMG] لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب الله عز وجل ، قال : فإن لم تجد في كتاب الله عز وجل ؟ قال فبسنة رسول الله [​IMG] ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ ، قال : اجتهد رأيي ولا آلو ، قال : فضرب رسول الله [​IMG] في صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم .
    وجه الاستدلال : أن معاذاً [​IMG] ذكر الاحتجاج بالكتاب والسنة والاجتهاد ، ولم يذكر الإجماع ، وأقره النبي [​IMG] على ذلك ، ولو كان الإجماع حجة لذكره معاذ أو تعقبه النبي [​IMG] .

    ونجيب عن هذا بأجوبة :

    1 – ان الحديث إسناده ضعيف فقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي والطبراني والعقيلي في الضعفاء والبيهقي في السنن الكبرى وابن أبي شيبة في المصنف والطيالسي في مسنده وابن سعد في الطبقات وابن عساكر في تاريخ دمشق والخطيب في الفقيه والمتفقه وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وابن حزم في الإحكام من طريق شعبة عن أبي العون عن الحارث بن عمرو عن أناس من حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله [​IMG] لما أراد أن يبعث معاذاً .. الحديث وهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل :
    الأولى : أن الصواب فيه أنه مرسل كما قال البخاري والترمذي والدارقطني .
    الثانية : الحارث بن عمرو مجهول كما قال البخاري في التاريخ وابن حزم وابن الجوزي والذهبي والعراقي وابن حجر .
    الثالثة : جهالة أصحاب معاذ كما قال ابن حزم وابن الجوزي.
    وعليه فالحديث لا يثبت وقد ضعفه البخاري والترمذي والدارقطني والعقيلي وابن حزم وعبد الحق الأشبيلي وابن الجوزي في العلل وابن طاهر والعراقي والسبكي والألباني .
    وإن كان بعض أهل العلم كالخطيب البغدادي وابن تيمية وابن القيم مالوا إلى تقوية الحديث ورأوا ان الأمة تلقته بالقبول لكن الأكثر على تضعيفه كما سبق .
    2 – لو صح الحديث فهو في حياة النبي [​IMG] ولا إجماع في حياته [​IMG] .
    3 – أنه ذكر الكتاب والسنة وقد دلا على حجية الإجماع كما سبق .
    4 – أنه ذكر الكتاب والسنة وكل مسألة مجمع عليها فهي تستند إلى دليل من الكتاب أو السنة أو قياس يرجع إليهما .
    5 - أن غاية ما في الحديث السكوت عن حجية الإجماع ولم ينف حجيته ويمكن اعتماد حجيته من أدلة أخرى .

    تنبيهان :
    1 - قد صرح غير واحد من الأصوليين بأن هذا القول شاذ لا يعتد به كابن الحاجب وشارحه العضد وابن عبد الشكور وصديق حسن خان .
    2 - الخلاف في حجية الإجماع هنا هو في إجماع الخاصة وهم المجتهدون أما ما أجمع عليه العامة والخاصة وهو الإجماع على ما علم من الدين بالضرورة فلا خلاف فيه كما قرر ذلك الزركشي في البحر المحيط وغيره .

    سادساً : بيان ما ورد عن الإمام أحمد _ رحمه الله _ فيما ظاهره رد الإجماع وتأويل أهل العلم لذلك :

    قد تقرر عند العلماء عامة وعند الحنابلة خاصة أن الإمام أحمد يرى حجية الإجماع وقد استدل به في كثير من المسائل ، لكن ورد عنه _ رحمه الله _ روايات ظاهرها يفيد رد الإجماع والإنكار على من نقل الإجماع وادعى حصوله ومن هذه الروايات :
    1 - قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : ( ما يدعي الرجل فيه الإجماع هذا الكذب ، من ادعى الإجماع فهو كذب لعل الناس قد اختلفوا ، هذه دعوى بشر المريسي والأصم ، ولكن يقول : لا يعلم الناس اختلفوا ) ذكره في مسائله وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين وأبو يعلى في العدة .
    2 – وقال المرُّوذي : ( قال أحمد : كيف يجوز للرجل أن يقول : أجمعوا ؟! إذا سمعتهم يقولون : أجمعوا فاتهمهم ، لو قال : إني لم أعلم لهم مخالفاً جاز )
    3 – وقال أبو طالب : قال أحمد : ( هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون ؟! ولكن يقول : لا أعلم فيه اختلافاً فهو أحسن من قوله : إجماع الناس )
    4 – وقال أبو الحارث: ( قال أحمد :لا ينبغي لأحدٍ أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا )
    ذكر هذه الروايات أبو يعلى في العدة وابن تيمية في المسودة .

    وقد أوَّل ذلك العلماء عدة تأويلات منها :

    1 – أن هذا محمول على الورع نحو أن يكون هناك خلاف لم يعلمه ذكر هذا أبو يعلى في العدة وأبو الخطاب في التمهيد .
    2 – أن هذا محمول على من لم يكن عنده معرفة بخلاف السلف ، ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب أيضاً ، ومال إليه ابن رجب وهو الذي يتوافق مع قوله : ( هذه دعوى بشر المريسي والأصم ) فإن هؤلاء لا علم لهم بخلاف السلف .
    3 – أن هذا محمول على إجماع من بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة المفضلة ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة .
    قال ابن تيمية : ( ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين ثم هذا منه )
    4 – أنه محمول على دعوى الإجماع العام النطقي ذكره ابن تيمية أيضاً وابن النجار في شرح الكوكب المنير .
    5 – أنه محمول على التعذر واستبعاد حصوله مطلقاً في كل عصر ذكره ابن النجار في شرح الكوكب المنير وابن الحاجب المالكي وابن الهمام الحنفي .
    6 – أن هذا محمول على من انفرد بنقل الإجماع دون بقية العلماء ذكره صاحب فواتح الرحموت .
    7 – أن هذا محمول على من يدَّعي الإجماع بمجرد عدم علمه بالمخالف ثم يقدِّم هذا الإجماع الموهوم على النصوص وهذا ما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين ويؤيد هذا قوله (لعل الناس اختلفوا ) وذكر ابن تيمية عن أحمد أنه قال في القراءة خلف الإمام : ادُّعي الإجماع في نزول الآية ، وفي عدم الوجوب في صلاة الجهر ، وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبى حنيفة ومالك ونحوهما ، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين .
     
    6 شخص معجب بهذا.
  4. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      24-04-2009 23:15


    ( مسائل الإجماع )

    المسألة الأولى : هل يعتدُّ بالعوام في الإجماع ؟

    اختلف في الاعتداد بالعوام في الإجماع على قولين :

    القول الأول : أن العوام يعتدُّ بهم في الإجماع وهو قول الآمدي ونقله الجويني وغيره عن أبي بكر الباقلاني .

    القول الثاني : أنه لا يعتدُّ بالعوام في الإجماع وهو قول الجمهور .

    أدلة الأقوال :

    أدلة القول الأول :

    استدل أصحاب القول الأول بعموم النصوص التي جاءت بإثبات حجية الإجماع فالعوام داخلون في لفظ [​IMG] المؤمنين [​IMG] في قوله تعالى : [​IMG] ويتبع غير سبيل المؤمنين [​IMG] وداخلون في لفظ ( الأمة ) في قوله [​IMG] : " لا تجتمع الأمة على ضلالة "
    وأجيب عن هذا بأن لفظ [​IMG] المؤمنين [​IMG] ولفظ ( الأمة ) من العام المخصوص والمراد به المجتهدون من الأمة ولذا فهذه الألفاظ لا تشمل الصبيان والمجانين باتفاق فكذلك العوام لعدم أهلية الكل .

    أدلة القول الثاني :
    استدل أصحاب القول الثاني بأدلة منها :

    1 – أن العوام ليس لديهم الآلة التي يعرفون بها الحق من الباطل والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح فهم كالصبيان والمجانين في نقصان الآلة ، وإذا لم توجد الآلة فكيف يتصور منهم الإصابة إذ سيكون حكمهم مبنياً على الرأي المجرد والهوى والتشهي .
    2 – أن القول بالاعتداد بالعوام في الإجماع يجعل الإجماع مستحيلاً ؛ إذ يستحيل جمع أقوال جميع المسلمين والوقوف على قول كل واحد منهم كما يستحيل اتفاقهم جميعا مع اختلاف عقولهم وأهوائهم ومشاربهم وبالتالي فهذا القول يؤدي إلى بطلان الإجماع وهو باطل .
    3 – نقل بعضهم _ كالغزالي في المستصفى _ إجماع الصحابة على عدم الاعتداد بالعوام في الإجماع .
    4 – أن العوام يلزمهم المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع وتحرم عليهم مخالفتهم كما تحرم عليهم الفتيا فكيف يعتد بقولهم عندئذٍ .
    الترجيح : الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور علماً أن الآمدي في نهاية المسألة مال إلى تقسيم الإجماع قسمين : قطعي وهو ما اتفق عليه المجتهدون والعوام ، وظني وهو ما اتفق عليه المجتهدون فقط ، وهناك من يرى أن المسائل التي يشترك في دركها وفهمها العوام والخواص يشترط فيها موافقة العوام دون ما لا يشتركون في فهمها وهو ما اختاره البزدوي من الحنفية وذكر أنه غير واقع واختاره كذلك شارح أصوله البخاري من الحنفية .
     
    3 شخص معجب بهذا.
  5. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      24-04-2009 23:17

    المسألة الثانية :
    هل الإجماع خاص بعصر الصحابة أو هو حجة في كل عصر ؟

    اختلف في هذه المسألة على قولين :

    القول الأول : أن الإجماع خاص بعصر الصحابة وهو قول الظاهرية واختاره ابن حبان في ظاهر كلامه في الصحيح حيث يقول : ( والإجماع عندنا إجماع الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين وصانه عن ثلم القادحين )
    وهو رواية عن الإمام أحمد أومأ إليه في رواية أبي داود حيث قال : ( الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي [​IMG] وعن أصحابه وهو بعد في التابعين مخير ) فأخذ من هذا بعض الحنابلة أنه يخير بين أخذ إجماع التابعين وبين تركه وهذا يدل على أنه ليس ملزماً ، وقد حملها القاضي أبو يعلى على آحاد التابعين لما يأتي في الرواية الثانية .

    القول الثاني : أن الإجماع حجة في كل عصر ولا يختص بعصر الصحابة وهو قول الجمهور وهو ظاهر كلام الإمام أحمد أيضاً حيث يقول في رواية المروذي : ( ينظر ما كان عن رسول الله [​IMG] فإن لم يكن فعن أصحابه فإن لم يكن فعن التابعين ) وهذه الرواية تفسر ما ورد في الرواية السابقة كما يفسرها قوله في رواية المروذي : ( إذا جاء الشيء عن الرجل من التابعين لا يوجد فيه شيء عن النبي [​IMG] لا يلزم الأخذ به )

    أدلة الأقوال :

    أدلة القول الأول :

    استدل الظاهرية لتخصيص الإجماع بالصحابة فقط بأدلة منها :
    1 – قوله تعالى : [​IMG] فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [​IMG]
    وجه الاستدلال : أن الله أمرنا بالرد إلى الكتاب والسنة ولم يذكر الإجماع فالأصل هو الرجوع للكتاب والسنة فقط وخرجنا عن هذا الأصل في حق الصحابة للأدلة الثابتة في فضل الصحابة_ رضي الله عنهم _ وما ورد في حقهم .

    ويجاب عنه
    بأجوبة :

    الأول : أن الآية نصت على حال التنازع ويفهم منه أنه في حال الاتفاق يكتفى به .
    الثاني : أن غاية ما في الآية السكوت عن حجية الإجماع ولم تنف حجيته ويمكن اعتماد حجيته من أدلة أخرى .
    الثالث : أن الله أمرنا بالرد إلى الكتاب والسنة وقد دلا على حجية إجماع الأمة في كل عصر بأدلة كثيرة سبق ذكرها وهي أدلة عامة لا تخص الصحابة دون غيرهم .

    2 – قوله تعالى : [​IMG] كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [​IMG] وقوله تعالى : [​IMG] وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس [​IMG]
    وجه الاستدلال : أن المراد بهذا الصحابة _ رضي الله عنهم _ فقط فهم الموجودون حال الخطاب به .

    ويجاب عنه
    بجوابين :

    الأول : أن هذا تخصيص بدون دليل ، والأصل أن الخطاب يعمُّ جميع الأمة فهو كقوله تعالى : [​IMG] وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [​IMG] وقوله : [​IMG] وجاهدوا في الله [​IMG] وقوله [​IMG] : " قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " رواه مسلم من حديث أبي هريرة [​IMG] ونحوها من النصوص .

    الثاني : أنه يلزم على قولكم هذا أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجوداً عند الخطاب ؛ لأن إجماع البقية ليس إجماع جميع المخاطبين حال ورودها ، ويلزم أن لا يعتدَّ بقول من أسلم بعد نزولها وهذا كلُّه خلاف الإجماع .

    3 – قوله تعالى : [​IMG] ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً [​IMG] وقوله [​IMG] : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " .
    وجه الاستدلال : أن هذا خاص بالصحابة _ رضي الله عنهم _ إذ هم كل المؤمنين وهم كل الأمة في عصرهم وهذا لا ينطبق على غيرهم فكل من جاء بعدهم فهم بعض المؤمنين .
    ويجاب عنه : بأن أتباع النبي [​IMG] في كل عصر مؤمنون وهم أمته في عصرهم فهم كل الأمة وكل المؤمنين في عصرهم كما أن الصحابة هم كل الأمة وكل المؤمنين في عصرهم فالماضي غير معتبر والآتي غير منتظر ، ثم إنه يلزم على قولكم هذا أن الصحابة ليسوا كل المؤمنين بالنظر إلى من مات قبل الإجماع فيكون من بقي هم بعض المؤمنين .

    4 - أن الصحابة شهدوا التوقيف ( النص ) من رسول الله [​IMG] وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف .

    ويجاب عنه
    بجوابين :

    الأول : لا نسلِّم أنه يشترط أن يكون مستند الإجماع التوقيف فقط بل قد يكون مستنده القياس وقد حصل الإجماع في كثير من المسائل مستنداً إلى القياس كما سيأتي إن شاء الله .
    الثاني : لو سُلِّم باشتراط التوقيف فإنه لا يلزم من التوقيف المشافهة فيه من النبي [​IMG] ، وعليه فالتوقيف يصل إلى التابعين ومن بعدهم ولا يختص بالصحابة .

    5 – أن الصحابة كان عددهم محصوراً يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم وليس من بعدهم كذلك .

    ويجاب عنه
    بجوابين :

    الأول : أنه لا يمتنع عقلاً أن تُجمع أقوال المجتهدين حتى وإن كثروا لا سيما إذا كانوا تحت حكمٍ واحد فيمكن للحاكم أن يجمعهم ويأخذ أقوالهم كما قال الباقلاني والغزالي .
    الثاني : لو سُلِّم بتعذر حصول ذلك فيمن جاء بعد الصحابة فإن هذا لا يلزم منه نفي الحجية فالقول بالتعذر شيء ونفي الحجية شيءٌ آخر .


    أدلة القول الثاني :

    استدلَّ الجمهور لقولهم بعدم تخصيص الإجماع بالصحابة بما يلي :
    1 – عموم أدلة حجية الإجماع من القرآن والسنة حيث لم تخصِّص الإجماع بعصر الصحابة _ رضي الله عنهم _ كقوله تعالى : [​IMG] ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين [​IMG] وقوله [​IMG] : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ونحوها فهي عامة تشمل الصحابة وغيرهم .

    2 – أن غير الصحابة أكثر عدداً من الصحابة ، وفيهم مجتهدون أكثر عدداً ، فإذا وجب الرجوع لقول الصحابة مع قلتهم فالرجوع إلى قول الأكثر من باب أولى .
    الترجيح : قول الجمهور في هذه المسألة هو الراجح لما ذكروه من أدلة ولأن ما استدل به الظاهرية قد أجيب عنه لكن ليعلم أنه وإن قيل بحجية الإجماع في كل عصر إلا أنه يتعذر حصوله بعد عصر الصحابة _ رضي الله عنهم _ وهذا هو مراد الشافعي وأحمد _ فيما يظهر _ فيما روي عنهما من الإنكار على من ادعى الإجماع وهو اختيار ابن تيمية وقد سبق بيان ذلك .
     
    3 شخص معجب بهذا.
  6. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      25-04-2009 21:38

    المسألة الثالثة : هل يشترط في المجمعين أن يبلغوا عدد التواتر أو لا؟

    بمعنى هل يشترط حدّ أدنى لعدد المجمعين ؟ فلو لم يوجد في الأمة في عصر من العصور إلا عدد لا يبلغون عدد التواتر فهل يكفي هذا العدد لانعقاد الإجماع أم لابد أن يصل المجمعون عدد التواتر ليصح إجماعهم ؟
    وقبل ذكر هذه المسألة ينبغي أن يعلم أنه إذا لم يوجد في عصر من العصور إلا مجتهد واحد فإنه لا ينعقد الإجماع به ؛ لأن الإجماع المعصوم هو قول المجموع وقول الواحد لا يحصل فيه اتفاق فالاتفاق لا يكون إلا من اثنين فصاعداً واختار بعض الأصوليين كصاحب فواتح الرحموت أن قوله يكون حجة لكن ولا يكون إجماعاً وعزاه الصفي الهندي للأكثرين .
    وأما إذا وجد مجتهدان فقط فالجمهور على أنه ينعقد بهم الإجماع ؛ لأنه يحصل بهم الاتفاق ، ولأنهم جماعة .
    وأما إذا كانوا أكثر من اثنين لكنهم لم يبلغوا عدد التواتر فهنا اختلف على
    قولين :

    القول الأول : أنه يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر وإلا فلا إجماع وهو قول من استدل لحجية الإجماع بالعقل كإمام الحرمين الجويني وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الباقلاني .

    القول الثاني : أنه لا يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر وهو قول الجمهور .

    أدلة القولين :
    أدلة القول الأول : استدل من يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر بأن الجمع الكثير لا يتصور تواطئهم على الخطأ بخلاف من كان دون عدد التواتر فيتصور منهم الخطأ فتنتفي العصمة عنهم .

    أدلة القول الثاني : استدلَّ الجمهور لعدم اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر بما يلي :

    1 - عموم أدلة الإجماع حيث لم تشترط عدداً معيَّناً ينعقد به الإجماع ، والمجمعون الذين لم يبلغوا عدد التواتر يصدق عليهم اسم ( المؤمنين ) و ( الأمة ) .
    2 – أن الإجماع ثبت بأدلة السمع لا أدلة العقل وعليه فلا مجال لربط العصمة بالعدد عقلاً .

    الترجيح : الراجح هو قول الجمهور وهو عدم اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر ، وينبغي أن يعلم أن عدد التواتر _ عند الأكثر _ لا حدَّ له معيناً ، وإنما المراد به الجمع الكثير الذين لا يتصور تواطؤهم على الخطأ والذين لو أخبروا عن محسوس وقع العلم بخبرهم ، علماً أن جلَّ من نفى انعقاد الإجماع لمن لم يبلغوا عدد التواتر قالوا إن نقصان المجمعين عن عدد التواتر في عصر من العصور غير متصور والجمهور يرون جواز وقوع ذلك .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  7. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      26-04-2009 00:01


    المسألة الرابعة : هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر ؟

    بمعنى أنه لو خالف واحد أو اثنان أو عدد قليل من المجتهدين فهل مخالفتهم تضرّ ولا ينعقد الإجماع أو ينعقد الإجماع بقول الأكثر ولا تضرّ مخالفة هؤلاء ؟ اختلف في هذه المسألة
    على أقوال :

    القول الأول :
    لا ينعقد الإجماع إلا بقول الكلِّ فلو خالف مجتهدٌ واحدٌ لم ينعقد ، ولا يكون قولهم إجماعاً ولا حجةً وهذا هو قول الجمهور .

    القول الثاني :
    ينعقد الإجماع بمخالفة الواحد والاثنين فقط دون ما زاد على ذلك ويكون قول الأكثر إجماعاً وحجةً وهو قول أبي بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص وأبي الحسين الخياط من المعتزلة وابن حمدان من الحنابلة ، ومال إليه أبو محمد الجويني وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية ، وحكاه الفخر الرازي عن ابن جرير الطبري ، وذكر ابن قدامة والطوفي وغيرهما أن الإمام أحمد أومأ إليه في رواية ، وهو ظاهر صنيع ابن المنذر في كتابه الإجماع .

    القول الثالث :
    إذا بلغ المخالفون عدد التواتر لم ينعقد الإجماع وإن كانوا دون ذلك لم تضرّ مخالفتهم وينعقد الإجماع عندئذٍ وذكر الباقلاني أن هذا هو قول ابن جرير وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أبي الحسين الخياط . (
    وذلك لأن ما دون عدد التواتر يعتبر شاذاً لا حكم له وهذا مبني على قول من أثبت الإجماع بالعقل وأنه يشترط في المجمعين بلوغ عدد التواتر كذا خرَّجه الطوفي )

    القول الرابع :
    أن المخالفة تضرَّ إن كان المخالف قد خالف فيما يسوغ فيه الاجتهاد كمخالفة ابن عباس _ رضي الله عنهما _ في العول ، أما إذا كانت مخالفته لا يسوغ فيها الاجتهاد كأن يخالف نصاً فهنا لا عبرة بقوله وينعقد الإجماع وذلك كمخالفة ابن عباس _ رضي الله عنهما _ في ربا الفضل ، وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني والسرخسي وحكي عن الجصاص (
    والحجة في ذلك أنه يعتبر شاذاً لا يلتفت لقوله إن كان خلافه لا يسوغ )

    القول الخامس :
    أنه إذا خالف البعض فإن قول الأكثر لا يكون إجماعاً لكنه يكون حجةً وبهذا قال ابن الحاجب المالكي وابن بدران من الحنابلة . ( وذلك لأن إصابة الأكثر أكثر من خطئهم فيكون ظنياً كخبر الواحد والقياس )

    القول السادس :
    أن قول الأكثر إجماع في غير أصول الدين أما في أصول الدين فلا بد من اتفاق الكل نقله القرافي عن ابن الأخشاد من المعتزلة .(
    وذلك لأن الخلاف في أصول الدين مؤثر بخلاف الفروع )


    الترجيح : ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح في هذه المسألة لقوة ما استدلوا به والله أعلم .

     
    2 شخص معجب بهذا.
  8. almouchtak

    almouchtak عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أوت 2008
    المشاركات:
    5.421
    الإعجابات المتلقاة:
    9.491
      26-04-2009 15:32
    المسألة الخامسة : انعقاد الإجماع عن مستند :


    لا إجماع إلا عن مستند عند عامة العلماء _ خلافاً لمن شذَّ في ذلك _ وذلك لأن القول في الشرع بدون دليل خطأ ، وقول على الله بغير علم وهو منهيٌ عنه ، ولذا اشترط في المجمعين أن يكونوا من أهل الاجتهاد العارفين بالأدلة ومسائل الفقه ، ثم إنه يستحيل عادة أن يتفقوا على حكم بدون دليل يقتضيه وذلك لاختلاف الأفهام والعقول والآراء .
    إذا علم هذا فإن المستند قد يكون قرآناً أو سنة متواترة وهذا لا خلاف في جوازه بين العلماء وإنما اختلفوا في جواز كون المستند خبر آحاد أو قياساً وسوف نجعلهما في مسألتين :

    الأولى : كون مستند الإجماع خبر آحاد :

    اختلف في كون مستند الإجماع خبر آحاد على قولين :

    القول الأول :
    لا يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر آحاد وهو قول ابن جرير الطبري والقاشاني من الظاهرية .
    القول الثاني :
    يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر آحاد وهو قول الجمهور .

    أدلة القولين :

    دليل القول الأول :
    استدل المانعون من كون مستند الإجماع خبر آحاد :
    بأن الإجماع الموجب للعلم قطعاً لا يصدر عن دليلٍ ظني كخبر الآحاد ؛ فإن خبر الآحاد لا يوجب العلم القطعي فما يصدر عنه كيف يكون موجباً لذلك .

    ويجاب عنه
    بأجوبة :

    الأول :
    عدم التسليم بأن خبر الآحاد يفيد الظن مطلقاً بل ربما أفاد الظن ، وربما أفاد العلم حسب القرائن التي تحتف به .
    الثاني :
    أن الإجماع حجة شرعاً باعتبار عينه لا باعتبار دليله فمن يقول : الإجماع لا بد أن يستند إلى دليلٍ موجب للعلم فإنه يجعل الإجماع لغواً والعلم _ عنده _ يثبت بذلك الدليل فلا فرق بينه وبين من ينكر كون الإجماع حجة أصلاً .

    أدلة القول الثاني :

    استدل الجمهور لجواز كون مستند الإجماع خبر الآحاد بما يلي :
    1 – إن من أقوى ما يدل على جوازه وقوعه إذ حصل الإجماع مستنداً إلى خبر آحاد في بعض المسائل ومن ذلك :
    أ – الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد ثبت بخبر آحاد وهو حديث عائشة _ رضي الله عنها _ في الصحيحين .
    ب – الإجماع على توريث الجدة السدس وقد جاء بخبر آحاد وهو حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة _ رضي الله عنهما _ عند أبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني وهو منقطع كما قال ابن عبد البر وابن حزم وعبد الحق
    ج – الإجماع على تحريم بيع الطعام قبل القبض وقد ثبت بخبر آحاد وهو حديث ابن عمر _ رضي الله عنهما _ عند مسلم .
    2 – أنه لو اشترط كون المستند قطعياً فلا فائدة من الإجماع إلا تأكيد الحكم وهو ليس مقصوداً أصلياً ؛ لأن الحكم يثبت بذلك الدليل القطعي ويقطع بصحته بينما لو كان المستند ظنياً فالإجماع يفيد إثبات حكم قطعي ويقوي المستند .

    الترجيح :
    الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور وهو جواز كون مستند الإجماع خبر آحاد والله أعلم .

    الثانية : كون مستند الإجماع قياساً :

    اختلف في جواز كون مستند الإجماع قياساً على ثلاثة أقوال :
    القول الأول :
    لا يجوز أن يكون مستند الإجماع قياساً وهو قول الظاهرية _ ومنهم القاشاني _ والشيعة وابن جرير الطبري .
    القول الثاني :
    يجوز أن يكون مستند الإجماع قياساً وهو قول الجمهور .
    القول الثالث :
    يجوز أن يكون مستند الإجماع القياس إذا كان القياس جلياً ولا يجوز إن كان القياس خفياً .

    أدلة الأقوال :

    أدلة القول الأول :
    استدل المانعون من كون القياس مستند الإجماع بأدلة منها :
    1 – أنه لا يخلو عصر من أن يكون فيه جماعة من أهل العلم ينفون حجية القياس وهذا يمنع من انعقاد الإجماع مستنداً إلى القياس .
    وأجيب عنه بأن المنع من حجية القياس لم يقل به أحد في العصر الأول وإنما ظهر الخلاف فيه بعد ذلك عند الظاهرية ومن وافقهم .
    وأجاب بعضهم بأن من ينكر حجية القياس لا عبرة بخلافه .

    2 - أن القياس أمر ظني والناس يختلفون في أفهامهم وإدراكهم فيستحيل اتفاقهم على إثبات الحكم بالقياس كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم .

    ونجيب عنه
    بجوابين :

    الأول :
    أن القياس إذا ظهر وعُدِم التشهي والهوى فلا يبعد اتفاق العقلاء عليه لاسيما عند المجتهدين العالمين بأسرار الشرع وحِكَمِه وعلله وقواعده .
    الثاني :
    أن قياسه على اتفاقهم على طعام واحد قياس مع الفارق ؛ لأن اختلاف أمزجتهم موجب لاختلاف أغراضهم وشهواتهم ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه بخلاف الحكم الشرعي وجد الداعي لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه .

    3 - أن الإجماع دليل مقطوع به حتى إن مخالفه يبدع ويفسق ، والقياس ظني ولا يبدع مخالفه ولا يفسق وذلك مما يمنع إسناد الإجماع إليه .

    ونجيب عنه
    بجوابين :

    الأول :
    أن القياس بعد الاتفاق على ثبوت حكمه يصبح قطعياً لا ظنياً .
    الثاني :
    أن قولهم هذا منقوضٌ بقولهم بجواز استناد الإجماع إلى خبر الآحاد ( وهذا الجواب موجهٌ لجمهور الظاهرية فقط الذين يجيزون انعقاد الإجماع مستنداً إلى خبر الآحاد )

    4- أن الإجماع أصلٌ من أصول الأدلة ، وهو معصوم عن الخطأ ، والقياس فرعٌ وعرضةٌ للخطأ واستناد الأصل المعصوم للفرع المعرض للخطأ ممتنع .

    ونجيب عنه
    بجوابين :

    الأول :
    أن القياس فرع للكتاب والسنة وليس فرعاً للإجماع .
    الثاني :
    أن القياس الذي أجمع عليه يكون قطعياً وعندها لا يكون عرضةً للخطأ .

    5 - أن الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد فلو انعقد الإجماع عن اجتهاد أو قياس لحرمت المخالفة الجائزة بالإجماع وذلك تناقض .
    وأجيب عنه بأن الإجماع على جواز مخالفة المجتهد المنفرد باجتهاده كالواحد والاثنين لا مخالفة اجتهاد الكل .

    أدلة القول الثاني :

    استدل الجمهور لجواز استناد الإجماع إلى القياس بأدلة منها :
    1 – أقوى الأدلة على جوازه هو وقوعه فقد حصل الإجماع مستنداً إلى القياس والاجتهاد في مسائل منها :
    أ - أن الصحابة أجمعوا على إمامة أبي بكر وقاسوا إمامته على تقديم النبي عليه الصلاة و السلام له في الصلاة حال مرضه .
    ب – وأجمع الصحابة أيضاً على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد حتى قال أبو بكر : " والله لا فرقت بين ما جمع الله قال الله : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "
    ج - وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياساً على تحريم لحمه .
    د - وأجمعوا على إراقة الشيرج والدبس السيال إذا وقعت فيه فأرة وماتت قياساً على فأرة السمن .
    هـ - وأجمعوا في زمن عمر على حدِّ شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد حتى قال علي : " إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى أن يقام عليه حد المفترين " أخرجه مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف والحاكم في المستدرك والبيهقي والدارقطني.
    وقال عبد الرحمن بن عوف : " هذا حد وأقل الحدود ثمانون " رواه مسلم من حديث أنس
    .
    و - وأجمعوا أيضاً بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد ومقدار أرش الجناية ومقدار نفقة القريب وعدالة الأئمة والقضاة ونحو ذلك .
    ز – وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياساً على الأختين .
    ح – وأجمعوا على جواز صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياساً على الكلب ..وغير ذلك من المسائل .

    2 – أنه لا يوجد ما يمنعه أو يحيله وقد وجد إجماع العدد الكثير من الخلق الذي يزيد على عدد التواتر على أحكامٍ باطلة لا تستند إلى دليلٍ قطعي ولا ظني فانعقاده عن طريق دليل ظني ظاهر من باب أولى .

    3 – عموم الأدلة التي تثبت حجية الإجماع حيث لم تفرق بين كون مستند الإجماع قطعياً أو ظنياً فاشتراط كون المستند قطعياً تقييد لهذه النصوص من غير دليل .
    أدلة القول الثالث : استدل من يفرق بين القياس الجلي والخفي بكون القياس الجلي يوجب الحكم قطعاً فلا يترتب عليه أي محظور بخلاف القياس الخفي .
    ويجاب عنه بأنه لا يشترط _ كما سبق _ كون المستند قطعياً .

    الترجيح :
    الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور لما ذكروه من أدلة والله أعلم .
     
    3 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...